Abu as-Su'udLuqman · 31:26–34

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:26–34

31:26Page 413

لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٦

To Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ.

﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنِ العالَمِينَ.

﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ. أوِ المَحْمُودُ بِالفِعْلِ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِلِسانِ الحالِ.

31:27Page 413

وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٧

And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words1 of Allāh would not be exhausted. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ الأشْجارَ أقْلامٌ، وتَوْحِيدُ الشَّجَرَةِ لِما أنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ الآحادِ.

﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ.

﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ بِسِعَتِهِ يَمُدُّهُ الأبْحُرُ السَّبْعَةُ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ، وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللَّهِ.

﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ ونَفِدَتْ تِلْكَ الأقْلامُ، والمِدادُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ وقُرِئَ: (يَمُدُّهُ) مَنِ الإمْدادِ بِالياءِ والتّاءِ، وإسْنادُ المَدِّ إلى الأبْحُرِ السَّبْعَةِ دُونَ البَحْرِ المُحِيطِ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ مِنها وأطَمَّ؛ لِأنَّها هي المُجاوِرَةُ لِلْجِبالِ ومَنابِعِ المِياهِ الجارِيَةِ، وإلَيْها تَنْصَبُّ الأنْهارُ العِظامُ أوَّلًا، ومِنها يَنْصَبُّ إلى البَحْرِ المُحِيطِ ثانِيًا، وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ في الكَلِماتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ مِنها، فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ؟ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أمْرٌ فَلا تَنْفَدُ كَلِماتُهُ المُؤَسَّسَةُ عَلَيْهِما.

31:28Page 413

مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٢٨

Your creation and your resurrection will not be but as that of a single soul.1 Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَةِ التَّأتِّي إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ لِأنَّ مَناطَ وُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قدرته الذّاتِيَّةِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ.

﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصَرٍ لا يَشْغَلُهُ عِلْمُ بَعْضِها عَنْ عِلْمِ بَعْضٍ. فَكَذَلِكَ الخَلْقُ والبَعْثُ.

31:29Page 414

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩

Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وهو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا (p-76)قَوِيًّا جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ.

﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، ويُضِيفُهُ إلَيْهِ، فَيَتَفاوَتُ بِذَلِكَ حالُهُ زِيادَةً ونُقْصانًا.

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُولِجُ"، والِاخْتِلافُ بَيْنَهُما صِيغَةٌ لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ في كُلِّ حِينٍ، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ ولا تَجَدُّدَ. وإنَّما التَّعَدُّدُ والتَّجَدُّدُ في آثارِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أيْ: بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ الخاصَّةِ، وحَرَكَتِهِ القَسْرِيَّةِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَخالِفَةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأيّامِ جَرْيًا مُسْتَمِرًّا.

﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ جَرْيُهُما إلّا حِينَئِذٍ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِبَيانِ الواقِعِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِهِ بِهِ ﷺ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ جَرَيانَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ رُؤْيَتِهِ ﷺ هَذا، وقَدْ جُعِلَ جَرَيانُهُما عِبارَةً عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما في فَلَكِهِما، والأجَلُ المُسَمّى عَنْ مُنْتَهى دَوْرَتِهِما، وجُعِلَ مُدَّةُ الجَرَيانِ لِلشَّمْسِ سَنَةً، ولِلْقَمَرِ شَهْرًا. فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِحُكْمِ تَسْخِيرِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ إيلاجِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ جَرَيانِ الشَّمْسِ عَلى مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ فَكُلَّما كانَ جَرَيانُها مُتَوَجِّهًا إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، تَزْدادُ القَوْسُ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ كِبَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ طُولًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزاءِ اللَّيْلِ إلَيْهِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أقْرَبُ المَداراتِ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها إلى رَأْسِ السَّرَطانِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مُتَوَجِّهَةً إلى التَّباعُدِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ فَلا تَزالُ القِسِيُّ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ تَزْدادُ صِغَرًا فَيَزْدادُ النَّهارُ قِصَرًا؛ بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى اللَّيْلِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أبْعَدُ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها بُرْجَ الجَدْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ ... إلَخْ. داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرَيْ خُصُوصِ الخِطابِ وعُمُومِهِ، فَإنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِجَلائِلِ أعْمالِهِ ودَقائِقِها.

31:30Page 414

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠

That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَلِي مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ بَيانِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ إلَهِيَّتُهُ فَقَطْ، ولِأجْلِهِ لِكَوْنِها ناطِقَةً بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ.

﴿وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ أيْ: ولِأجْلِ بَيانِ بُطْلانِ آلِهِيَّةِ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ تَعالى لِكَوْنِها شاهِدَةً بِذَلِكَ شَهادَةً بَيِّنَةً لا رَيْبَ فِيها، وقُرِئَ: بِالتّاءِ. والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الدَّلالَةَ عَلى اخْتِصاصِ حَقِّيَّةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ ما عَداهُ؛ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْحِيدِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى بُطْلانِ ما ذُكِرَ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ فَقَطْ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ أيْضًا.

﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: وبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو المُتَرَفِّعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ المُتَسَلِّطُ عَلَيْهِ فَإنَّ ما في تَضاعِيفِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنٌ لِاخْتِصاصِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ بِهِ تَعالى، أيْ: بَيانُ هَذا، وقِيلَ ذَلِكَ أيْ: ما ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ، وشُمُولِ القُدْرَةِ، وعَجائِبِ الصُّنْعِ، واخْتِصاصِ البارِي تَعالى بِهِ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ، وأنْتَ (p-77)خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَعالى وعُلُوَّهُ وكِبْرِياءَهُ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِمُناطِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ المَعْدُودَةِ لَكِنَّ بُطْلانَ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا دَخْلَ لَهُ في المُناطِيَّةِ قَطْعًا، فَلا مَساغَ لِنَظْمِهِ في سِلْكِ الأسْبابِ بَلْ هو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ ضَرُورَةَ أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ هي المُقْتَضِيَةُ لِبُطْلانِها لا أنَّ بُطْلانَها يَقْتَضِيها.

31:31Page 414

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١

Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

" ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ " بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ، وهو اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قدرته، وغايَةِ حِكْمَتِهِ، وشُمُولِ إنْعامِهِ. و "الباءُ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِتَجْرِي، أوْ بِمُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِنِعْمَتِهِ تَعالى. وقُرِئَ: (الفُلُكَ) بِضَمِّ اللّامِ، و (بِنِعْماتِ اللَّهِ) وعَيْنُ فِعْلاتٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ والسُّكُونُ.

﴿لِيُرِيَكم من آياته﴾ أيْ: بَعْضِ دَلائِلِ وحْدَتِهِ، وعِلْمِهِ، وقدرته. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةً في ذاتِها كَثِيرَةً في عَدَدِها لِكُلِّ مَن يُبالِغُ في الصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ في التَّفَكُّرِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، ويُبالِغُ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِهِ، وهُما صِفَتا المُؤْمِنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

31:32Page 414

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢

And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.

﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم وأحاطَ بِهِمْ.

﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ كَما يُظِلُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما. وقُرِئَ: (كالظِّلالِ) جَمْعِ ظُلَّةٍ، كَقُلَّةٍ وقِلالٍ.

﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الدَّواهِي والشَّدائِدِ.

﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ عَلى القَصْدِ السَّوِيِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ في الجُمْلَةِ.

﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ فَإنَّهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، أوْ رَفْضٌ لِما كانَ في البَحْرِ، والخَتْرُ أشَدُّ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ.

﴿كَفُورٍ﴾ مَبالِغٌ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى.

31:33Page 414

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣

O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يَقْضِي عَنْهُ. وقُرِئَ: (لا يُجْزِي) مِن أجْزَأ إذا أغْنى، والعائِدُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يُجْزى فِيهِ.

﴿وَلا مَوْلُودٌ﴾ عَطْفٌ عَلى «والِدٌ» أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يَجْزِيَ، وقَطْعُ مَن تَوَقَّعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفَعَ أباهُ الكافِرَ في الآخِرَةِ.

﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

﴿حَقٌّ﴾ لا يُمْكِنُ إخْلافُهُ أصْلًا ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُبالِغُ في الغُرُورِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى المَعاصِي (p-78)بِتَزْيِينِها لَكُمْ، ويُرَجِّيكُمُ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ.

31:34Page 414

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤

Indeed, Allāh [alone] has knowledge of the Hour and sends down the rain and knows what is in the wombs.1 And no soul perceives what it will earn tomorrow, and no soul perceives in what land it will die. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ عِلْمُ وقْتِ قِيامِها؛ لِما رُوِيَ أنَّ الحَرْثَ بْنَ عَمْرٍو أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ وإنِّي قَدْ ألْقَيْتُ حَبّاتِي في الأرْضِ. فَمَتى السَّماءُ تُمْطِرُ؟ وحَمْلُ امْرَأتِي ذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ وما أعْمَلُ غَدًا؟ وأيْنَ أمُوتُ؟ فَنَزَلَتْ. وعَنْهُ ﷺ: ««مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ»» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في إبّانِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وإلى مَحَلِّهِ الَّذِي عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ، وقُرِئَ: (يُنْزِلُ) مِنَ الإنْزالِ.

﴿وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، تامٍّ أوْ ناقِصٍ.

﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؟ ورُبَّما تَعْزِمُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما فَتَفْعَلُ خِلافَهُ.

﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ كَما لا تَدْرِي في أيِّ وقْتٍ تَمُوتُ.

رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ. فَقالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ. فَقالَ: كَأنَّهُ يُرِيدُنِي؟ فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِبِلادِ الهِنْدِ. فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ المَلَكُ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنهُ حَيْثُ كُنْتُ أُمِرْتُ بِأنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ، وهو عِنْدَكَ.

وَنِسْبَةُ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، والدِّرايَةِ إلى العَبْدِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ إنْ أعْمَلَ حِيَلَهُ، وبَذَلَ في التَّعَرُّفِ وُسْعَهُ لَمْ يَعْرِفْ ما هو لاحِقٌ بِهِ مِن كَسْبِهِ وعاقِبَتِهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمّا لَمْ يُنْصَبُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؟ وقُرِئَ: (بِأيَّةِ أرْضٍ) وشَبَّهَ سِيبَوَيْهِ تَأْنِيثَها بِتَأْنِيثِ كُلٍّ في كُلَّتِهِنَّ.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ مَبالِغٌ في العِلْمِ فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.

﴿خَبِيرٌ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ لُقْمانَ كانَ لَهُ لُقْمانُ رَفِيقًا يَوْمِ القِيامَةِ، وأُعْطِي مِنَ الحَسَناتِ عَشْرًا بِعَدَدِ مَن عَمِلَ بِالمَعْرُوفِ، ونَهى عَنِ المُنْكَرِ».»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском