Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:19–26
10:19Page 210
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.
﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ بَيانٌ لِأنَّ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ أجْمَعَتْ عَلَيْها النّاسُ قاطِبَةً فِطْرَةً وتَشْرِيعًا، وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ، وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ.
وَأمّا حَمْلُ اتِّخاذِهِمْ عَلى الِاتِّفاقِ عَلى الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ، واخْتِلافِهِمْ عَلى ما كانَ مِنهم مَنِ الِاتِّباعِ والإصْرارِ، فَمِمّا لا احْتِمالَ لَهُ، أيْ: وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ، وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: مِن حِينِ الطُّوفانِ حِينَ لَمْ يَذَرِ اللَّهُ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا إلى أنْ ظَهَرَ فِيما بَيْنَهُمُ الكُفْرُ، وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ، فالمُرادُ بِالنّاسِ العَرَبُ خاصَّةً، وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.
﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ آخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ لا أنَّ كُلًّا مِنهُما أحْدَثَ مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مَلَلِ الكُفْرِ مُخالِفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ، فَإنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ، والفاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانِ الِاتِّفاقِ، إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِ الِاتِّفاقِ.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، أوْ بِتَأْخِيرِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبال لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
10:20Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
(p-133)﴿وَيَقُولُونَ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهُمْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، والقائِلُونَ أهْلُ مَكَّةَ.
﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أرادُوا: (آيَةٌ) مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، كَأنَّهم لِفَرْطِ العُتُوِّ والفَسادِ، ونِهايَةِ التَّمادِي في المُكابَرَةِ والعِنادِ لَمْ يَعُدُّوا البَيِّناتِ النّازِلَةَ عَلَيْهِ ﷺ مِن جِنْسِ الآياتِ واقْتَرَحُوا غَيْرَها، مَعَ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ والمُعْجِزاتِ المُتَكاثِرَةِ ما يَضْطَرُّهم إلى الِانْقِيادِ والقَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أرْبابِ العُقُولِ.
فَقُلْ لَهم في الجَوابِ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ دُونَ التَّكْوِينِيِّ، فَإنَّ الغَيْبَ والشَّهادَةَ في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ سِيّانِ، والمَعْنى: أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّهِ تَعالى لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ ﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ أيْ: لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها، وجَعْلُ الغَيْبِ عِبارَةً عَنِ الصّارِفِ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى.
10:21Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ صِحَّةً وسَعَةً ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ: خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ، وإسْنادُ المِساسِ إلى الضَّرّاءِ بَعْدَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ الآدابِ القرآنيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ، قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ مَكَّةَ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ، ثُمَّ رَحِمَهم بِالحَيا فَطَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِهِ تَعالى ويُعادُونَ رَسُولَهُ ﷺ ويَكِيدُونَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ فِيها وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها، والِاحْتِيالِ في دَفْعِها، وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ جَوابُها، كَأنَّهُ قِيلَ: فاجَؤُوا وقْعَ المَكْرِ مِنهُمْ، وتَنْكِيرُ (مَكْرٌ) لِلتَّفْخِيمِ وفي مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ: أعْجَلُ عُقُوبَةً، أيْ: عَذابُهُ أسْرَعُ وُصُولًا إلَيْكم مِمّا يَأْتِي مِنكم في دَفْعِ الحَقِّ، وتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِالمَكْرِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا أوْ ذِكْرًا ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكُمْ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أيْ: مَكْرَكُمْ، أوْ ما تَمْكُرُونَهُ، وهو تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الحَفَظَةِ، فَضْلًا عَنِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِأسْرَعِيَّةِ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ، غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ فَإنَّ كِتابَةَ الرُّسُلِ لِما يَمْكُرُونَ مِن مَبادِئِ بُطْلانِ مَكْرِهِمْ، وتَخَلُّفِ أثَرِهِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يُوصَفُ، وتَلْوِينُ الخِطابِ بِصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، وقُرِئَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ، أوْ لِلْأمْرِ.(p-134)
10:22Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى لَهم مَبْنِيَّةٍ عَلى ما مَرَّ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِهِمْ حَسَبَ اخْتِلافِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، أيْ: يُمَكِّنُكم مِنَ السَّيْرِ تَمْكِينًا مُسْتَمِرًا عِنْدَ المُلابَسَةِ بِهِ وقَبْلَها ﴿فِي البَرِّ﴾ مُشاةً ورُكْبانًا، وقُرِئَ: (يَنْشُرُكُمْ) مِنَ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).
﴿والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ: السُّفُنِ، فَإنَّهُ جَمْعُ فَلَكٍ عَلى زِنَةِ أُسْدِ جَمْعِ أسَدٍ لا عَلى وزْنِ قُفْلٍ، وغايَةُ التَّسْيِيرِ لَيْسَتِ ابْتِداءَ رُكُوبِهِمْ فِيها، بَلْ مَضْمُونُ الشَّرْطِيَّةِ بِتَمامِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الكَوْنِ المُؤْذِنِ بِالدَّوامِ عَلى الرُّكُوبِ المُشْعِرِ بِالحُدُوثِ ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أيِ: السُّفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ بِالَّذِينَ فِيها، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِما لَهم مِن سُوءِ الحالِ المُوجِبِ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، كَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ مَساوِئَ أحْوالِهِمْ لِيُعَجِّبَهم مِنها ويَسْتَدْعِيَ مِنهُ الإنْكارَ والتَّقْبِيحَ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ، بَلْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ إذا كانَ بَعْضُكم فِيها؛ إذِ الخِطابُ لِلْكُلِّ ومِنهُمُ المُسَيَّرُونَ في البَرِّ، فالضَّمِيرُ الغائِبُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾، أيْ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ (يَغْشاهُ مَوْجٌ).
﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ مُوافِقَةٍ لِمَقْصِدِهِمْ ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِّيحِ لِطِيبِها ومُوافَقَتِها ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ (إذا) والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، أيْ: تَلَقَّتْها واسْتَوْلَتْ عَلَيْها مِن طَرَفٍ مُخالِفٍ لَها، فَإنَّ الهُبُوبَ عَلى وفْقِها لا يُسَمّى مَجِيئًا لِرِيحٍ أُخْرى عادَةً، بَلْ هو اشْتِدادٌ لِلرِّيحِ الأُولى، وقِيلَ: لِلْفُلْكِ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِاسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي مِن غَيْرِ عَكْسٍ؛ لِأنَّ الهُبُوبَ عَلى طَرِيقَةِ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ يُعَدُّ مَجِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلى الفُلْكِ دُونَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَسْتَتْبِعُ تَلاطُمَ الأمْواجِ المُوجِبِ لِمَجِيئِها مِن كُلِّ مَكانٍ؛ ولِأنَّ التَّهْوِيلَ في بَيانِ اسْتِيلائِها عَلى ما فَرِحُوا بِهِ وعَلَّقُوا بِهِ حِبالَ رَجائِهِمْ أكْثَرُ.
﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ: ذاتُ عَصْفٍ وقِيلَ: العُصُوفُ مُخْتَصٌّ بِالرِّيحِ فَلا حاجَةَ إلى الفارِقِ، وقِيلَ: الرِّيحُ قَدْ يُذَكَّرُ ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ في الفُلْكِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: مِن أمْكِنَةِ مَجِيءِ المَوْجِ عادَةً، ولا بُعْدَ في مَجِيئِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ أيْضًا، إذْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ مِن جِهَةِ هُبُوبِ الرِّيحِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِها بِحَسَبِ أسْبابٍ تَتَّفِقُ لَهُ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ: هَلَكُوا، فَإنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ في الهَلاكِ، أصْلُهُ إحاطَةُ العَدُوِّ بِالحَيِّ، أوْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ الخَلاصِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مَن (ظَنُّوا) بَدَلَ اشْتِمالٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ والتَّلازُمِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا؟ فَقِيلَ: (دَعَوُا اللَّهَ) ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن آلِهَتِهِمْ لا مُخَصَّصِينَ لِلدُّعاءِ بِهِ تَعالى فَقَطْ، بَلْ لِلْعِبادَةِ أيْضًا، فَإنَّهم بِمُجَرَّدِ تَخْصِيصِ الدُّعاءِ بِهِ تَعالى لا يَكُونُونَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قائِلِينَ: واللَّهِ لَئِنْ أنْجَيْتَنا ﴿مِن هَذِهِ﴾ الوَرْطَةِ ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ البَتَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لِنِعَمِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ المَسْؤُولَةُ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مَفْعُولُ (دَعَوُا) لِأنَّ الدُّعاءَ مِن قَبِيلِ القَوْلِ، والأوَّلُ هو (p-135)الأوْلى لِاسْتِدْعاءِ الثّانِي لِاقْتِصارِ دُعائِهِمْ عَلى ذَلِكَ فَقَطْ، وفي قَوْلِهِ: "لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ" مِنَ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ ثابِتِينَ في الشُّكْرِ، مُثابِرِينَ عَلَيْهِ، مُنْتَظِمِينَ في سِلْكِ المَنعُوتِينَ بِالشُّكْرِ الرّاسِخِينَ فِيهِ - ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: (لَنَشْكُرَنَّ).
10:23Page 211
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ مِمّا غَشِيَهم مِنَ الكُرْبَةِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فاجَئُوا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلَيْهِ مُتَراقِّينَ في ذَلِكَ، مُتَجاوِزِينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن حُدُودِ العَيْثِ مِن قَوْلِهِمْ: (بَغى الجُرْحُ) إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ (فِي الأرْضِ) لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ بَغْيِهِمْ لِأقْطارِها، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ البَغْيُ، أوْ مَعْناهُ: أنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أيْضًا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ ظُلْمًا ظاهِرًا لا يَخْفي قُبْحُهُ عَلى أحَدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ البَغْيِ بِحَقٍّ - كَتَخْرِيبِ الغُزاةِ دِيارَ الكَفَرَةِ، وقَطْعِ أشْجارِهِمْ، وإحْراقِ زَرْعِهِمْ - فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى كَوْنِ البَغْيِ بِمَعْنى إفْسادِ صُورَةِ الشَّيْءِ، وإبْطالِ مَنفَعَتِهِ دُونَ ما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى اللّائِقِ بِحالِ المُفْسِدِينَ.
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ تَوْجِيهٌ لِلْخِطابِ إلى أُولَئِكَ الباغِينَ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: عَلَيْكم في الحَقِيقَةِ لا عَلى الَّذِينَ تَبْغُونَ عَلَيْهِمْ وإنْ ظُنَّ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما فِيهِ مِنَ المَنفَعَةِ العاجِلَةِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، سَرِيعَ الزَّوالِ، دائِمَ الوَبالِ، وهو نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: مُتَمَتِّعِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا، والعامِلُ هو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في الخَبَرِ لا نَفْسُ البَغْيِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ، ولا يُخْبَرُ عَنِ المَوْصُولِ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلَتِهِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ كَوْنِ بَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحالِ تَمَتُّعِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ: (مَقْدَمَ الحاجِّ) أيْ: زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وفِيهِ ما مَرَّ بِعَيْنِهِ.
وَقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ، أيْ: تَبْغُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يَخْفي أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وجَعْلُ المَصْدَرِ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ البَغْيِ المُفَسَّرِ بِالإفْسادِ المُفْرِطِ اللّائِقِ بِحالِهِمْ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وجَعْلُ الأوَّلِ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ.
وَقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، والعامِلُ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وفِيهِ أنَّ المُعَلَّلَ بِما ذُكِرَ نَفْسُ البَغْيِ لا كَوْنُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: (أنْفُسِهِمْ) وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: تَبْغُونَ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْمَصْدَرِ و(عَلى أنْفُسِكُمْ) ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمُرادُ بِالأنْفُسِ الجِنْسُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ لِطُولِ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْذُورٌ، أوْ ظاهِرُ الفَسادِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وفِيهِ ما مَرَّ مِنِ ابْتِنائِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ بِالمَقامِ (p-136)مِن كَوْنِ البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ.
نَعَمْ، لَوْ جُعِلَ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ، أيْ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْذُورٌ - كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم - لَكانَ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، لَكِنَّ الحَقَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ إنَّما هو الأوَّلُ، وقُرِئَ (مَتاعُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ، والظَّرْفُ صِلَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو مَتاعُ ... إلَخْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ أيْ: هَذا بَلاغٌ.
فالمُرادُ بِأنْفُسِهِمْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ؛ هَزًّا لِشَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وحَثًّا لَهم عَلى تَرْكِ إيثارِ التَّمَتُّعِ المَذْكُورِ عَلى حُقُوقِهِمْ، ولا مَجالَ لِلْحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ بَغْيِهِمْ وبالًا عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِثابِتٍ عِنْدَهُمْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ما حُكِيَ عَنْهُمْ، ولَمْ يُخْبَرْ بِهِ بَعْدُ حَتّى يُجْعَلَ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ، ويُجْعَلَ كَوْنُهُ مَتاعًا مَقْصُودَ الإفادَةِ، عَلى أنَّ عُنْوانَ كَوْنِهِ وبالًا عَلَيْهِمْ قادِحٌ في كَوْنِهِ مَتاعًا - فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِن مَبادِئِ ثُبُوتِهِ لِلْمُبْتَدَأِ، كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ السَّوْقِ.
وَأمّا كَوْنُ البَغْيِ عَلى أبْناءِ الجِنْسِ فَمَعْلُومُ الثُّبُوتِ عِنْدَهم ومُتَضَمِّنٌ لِمَبادِئِ التَّمَتُّعِ مِن أخْذِ المالِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَلا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ المُبْتَدَأ إمّا نَفْسُ البَغْيِ أوِ الضَّمِيرُ العائِدُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو لا مِن حَيْثُ كَوْنُهُ وبالًا عَلَيْهِمْ، كَما في صُورَةِ كَوْنِ الظَّرْفِ صِلَةً لِلْمَصْدَرِ، فَتَدَبَّرْ.
وَقُرِئَ: (مَتاعًا الحَياةَ الدُّنْيا) أمّا نَصْبُ مَتاعًا فَعَلى ما مَرَّ، وأمّا نَصْبُ (الحَياةَ) فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (مَتاعًا) بَدَلَ اشْتِمالٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(مَتاعًا) إذا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا تَمْكُرْ ولا تُعِنْ ماكِرًا، ولا تَبْغِ ولا تُعِنْ باغِيًا، ولا تَنْكُثْ ولا تُعِنْ ناكِثًا»» وكانَ يَتْلُوها.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: البَغْيُ والنَّكْثُ والمَكْرُ، قالَ تَعالى: ﴿ (إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ)﴾ ﴿ (وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ)﴾ ﴿ (فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)﴾ وعَنْهُ ﷺ: ««أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، وأعْجَلُ الشَّرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ»» ورُوِيَ: ««ثِنْتانِ يُعَجِّلُهُما اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا البَغْيُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي.
﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ المُقَدَّرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ تَرْجِعُونَ إلَيْنا، وإنَّما غُيِّرَ السَّبْكُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والقَصْرِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ البَغْيِ، وهو وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ،كَقَوْلِ الرِّجْلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ، وفِيهِ نُكْتَةٌ خَفِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ أبِيَّةٍ، وهي أنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ في هَذِهِ النَّشْأةِ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ فَإنَّما يَظْهَرُ بِصُورَةٍ مُغايِرَةٍ لِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بِها يَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، فَإنَّ المَعاصِيَ مَثَلًا سُمُومٌ قاتِلَةٌ، قَدْ بَرَزَتْ في الدُّنْيا بِصُورَةٍ تَسْتَحْسِنُها نُفُوسُ العُصاةِ، وكَذا الطّاعاتُ - مَعَ كَوْنِها أحْسَنَ الأحاسِنِ - قَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَهم بِصُوَرٍ مَكْرُوهَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ««حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ»» فالبَغْيُ في هَذِهِ النَّشْأةِ وإنْ بَرَزَ بِصُورَةٍ تَشْتَهِيها البُغاةُ، وتَسْتَحْسِنُها الغُواةُ لِتَمَتُّعِهِمْ بِهِ مِن حَيْثُ أخْذُ المالِ والتَّشَفِّي مِنَ الأعْداءِ ونَحْوُ ذَلِكَ - لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَمَتُّعٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هو تَضَرُّرٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ وإنَّما يَظْهَرُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إبْرازِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ البَغْيِ بِصُورَةِ الحَقِيقَةِ المُضادَّةِ لِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الصُّورَةِ، وهو المُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ المَذْكُورَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
10:24Page 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
(p-137)﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ شَأْنِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِها، وقُرْبِ زَمانِ الرُّجُوعِ المَوْعُودِ، وقَدْ شُبِّهَ حالُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ، البَدِيعَةُ المِثالِ، المُنْتَظِمَةُ لِغَرابَتِها في سِلْكِ الأمْثالِ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْصِرامِ نَعِيمِها غِبَّ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها - بِحالِ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها فَجْأةً، وذَهابِها حُطامًا، لَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ أصْلًا بَعْدَما كانَتْ غَضَّةً طَرِيَّةً، قَدِ التَفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وزُيِّنَتِ الأرْضُ بِألْوانِها، وتَقَوَّتْ بَعْدَ ضَعْفِها بِحَيْثُ طَمِعَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّها سَلِمَتْ مِنَ الجَوائِحِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، فَإنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ.
﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ البُقُولِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ جُعِلَتِ الأرْضُ في تَزَيُّنِها بِما عَلَيْها مِن أصْنافِ النَّباتاتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ المُونِقَةِ آخِذَةً زُخْرُفَها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالعَرُوسِ الَّتِي قَدْ أخَذَتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ والزِّيَنِ، فَتَزَيَّنَتْ بِها، و(ازَّيَّنَتْ) أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ (وَأزْيَنَتْ) كَأغْيَلَتْ مِن غَيْرِ إعْلالٍ، والمَعْنى: صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ، وازْيانَّتْ كابْياضَّتْ.
﴿وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن حَصْدِها ورَفْعِ غَلَّتِها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ (إذا) أيْ: ضَرَبَ زَرْعَها ما يَجْتاحُهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ أيْ: زَرْعَها وساءَ ما عَلَيْها ﴿حَصِيدًا﴾ أيْ: شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها، والمُضافُ مَحْذُوفٌ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ: فِيما قَبْلُ بِزَمانٍ قَرِيبٍ، فَإنَّ الأمْسَ مَثَلٌ في ذَلِكَ،كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ تَغْنَ آنِفًا ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيِ: الآياتِ القرآنيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ المُنَبِّهَةُ عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا، أيْ: نُوَضِّحُها ونُبَيِّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِها، ويَقِفُونَ عَلى مَعانِيها، وتَخْصِيصُ تَفْصِيلِها بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما ذُكِرَ في أثْناءِ التَّمْثِيلِ مِنَ الكائِناتِ والفاسِداتِ، وبِتَفْصِيلِها تَصْرِيفُها عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ إيجادًا وإعْدامًا، فَإنَّها آياتٌ وعَلاماتٌ يَسْتَدِلُّ بِها مَن يَتَفَكَّرُ فِيها عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا حالًا ومَآلًا.
10:25Page 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.
﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ تَرْغِيبٌ لِلنّاسِ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: يَدْعُو النّاسَ جَمِيعًا إلى دارِ السَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما ذُكِرَتْ (p-138)بِهَذا الِاسْمِ لِذِكْرِ الدُّنْيا بِما يُقابِلُهُ مِن كَوْنِها مَعْرِضًا لِلْآفاتِ، أوْ إلى دارِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ بِهَذا الِاسْمِ الكَرِيمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ إلى دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ - أوِ المَلائِكَةُ - فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها، أوْ يُسَلِّمُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِنهم ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلَيْها، وهو الإسْلامُ والتَّزَوُّدُ بِالتَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ، وأنَّ مَن أصَرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ.
10:26Page 212
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ: أعْمالَهُمْ، أيْ: عَمِلُوها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ" ﴿الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةُ الحُسْنى ﴿وَزِيادَةٌ﴾ أيْ: وما يَزِيدُ عَلى تِلْكَ المَثُوبَةِ؛ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ، والزِّيادَةُ عَشْرٌ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ اللِّقاءُ ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ أيْ: لا يَغْشاها ﴿قَتَرٌ﴾ غَبَرَةٌ فِيها سَوادٌ ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ أيْ: أثَرُ هَوانٍ، وكُسُوفُ بالٍ، والمَعْنى: لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلَ النّارِ، أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الحُزْنِ وسُوءِ الحالِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ، أيْ: شَيْءٌ مِنهُما، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أمْنِهِمْ مِنَ المَكارِهِ إثْرَ بَيانِ فَوْزِهِمْ بِالمُطالِبِ، والثّانِي - وإنِ اقْتَضى الأوَّلَ - إلّا أنَّهُ ذُكِرَ إذْكارًا بِما يُنْقِذُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِرَحْمَتِهِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ أنَّ المَصُونَ مِنَ الرَّهَقِ أشْرَفُ أعْضائِهِمْ، ولِلتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ، فَعِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ؛ ولِأنَّ في الفاعِلِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وسُمُوِّ طَبَقَتِهِمْ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، الفائِزُونَ بِالمَثُوباتِ، النّاجُونَ عَنِ المَكارِهِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ بِلا زَوالٍ، دائِمُونَ بِلا انْتِقالٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences