Abu as-Su'udYunus · 10:27–35

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:27–35

10:27Page 212

وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ أيْ: جَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ أنْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها، لا يُزادُ عَلَيْها - كَما يُزادُ في الحَسَنَةِ - وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ السُّوأى لِمُراعاةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كَمالِ التَّنائِي والتَّبايُنِ، وإيرادُ الكَسْبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وبِسَبَبِ جِنايَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، أوِ المَوْصُولُ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ (p-139)قِيلَ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءٌ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَقَوْلِكَ: في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ.

﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وأيُّ ذِلَّةٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّنْوِينُ التَّفْخِيمِيُّ، وفي إسْنادِ الرَّهَقِ إلى أنْفُسِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ إيذانٌ بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ غاشِيَةٌ لَهم جَمِيعًا، وقُرِئَ (يَرْهَقُهُمْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: لا يَعْصِمُهم أحَدٌ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ تَعالى، أوْ ما لَهم مِن عِنْدِهِ تَعالى مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي نَفْيِ العاصِمِ مِنَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العِصْمَةِ ما لا يُخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ).

﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها ﴿مُظْلِمًا﴾ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ، والعامِلُ فِيهِ (أُغْشِيَتْ) لِأنَّهُ العامِلُ في (قِطَعًا) وهو مَوْصُوفٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ في المَوْصُوفِ عامِلٌ في الصِّفَةِ، أوْ مَعْنى الفِعْلِ في (مِنَ اللَّيْلِ) وقُرِئَ (قِطْعًا) بِسُكُونِ الطّاءِ وهو طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ قالَ:

؎ افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

فَيَجُوزُ كَوْنُ (مُظْلِمًا) صِفَةً لَهُ، أوْ حالًا مِنهُ، وقُرِئَ (كَأنَّما يُغْشِي وُجُوهَهم قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) والجُمْلَةُ كَما قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ).

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وحَيْثُ كانَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في حَقِّ الكُفّارِ بِشَهادَةِ السِّياقِ والسِّباقِ لَمْ يَكُنْ فِيها تَمَسُّكٌ لِلْوَعِيدِيَّةِ.

10:28Page 212

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ عَلى بَعْضِ أحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِالِاعْتِبارِ، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَعُدَّ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا، كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ فُصِّلَ عَمّا قَبْلَهُ، و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، أيْ: أنْذِرْهم أوْ ذَكِّرْهُمْ، وضَمِيرُ (نَحْشُرُهُمْ) لِكِلا الفَرِيقَيْنِ الَّذِي أحْسَنُوا والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ؛ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ ومِن إفْرادِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: نَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن بَيْنِهِمْ، ولِأنَّ تَوْبِيخَهم وتَهْدِيدَهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ أفْظَعُ، والإخْبارُ بِحَشْرِ الكُلِّ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ أدْخَلُ، وتَخْصِيصُ وصْفِ إشْراكِهِمْ بِالذِّكْرِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ لِابْتِناءِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ مُعْظَمَ جِناياتِهِمْ وعُمْدَةَ سَيِّئاتِهِمْ، وقِيلَ لِلْفَرِيقِ الثّانِي خاصَّةً فَيَكُونُ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِما ذُكِرَ آنِفًا.

﴿مَكانَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ أُقِيمَ مَقامَهُ، لا عَلى أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ وحَرَكَتُهُ حَرَكَةُ بِناءٍ، كَما هو رَأْيُ الفارِسِيِّ، أيِ: الزَمُوهُ حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم ﴿أنْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِن عامِلِهِ لِسَدِّهِ مَسَدَّهُ ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ﴿فَزَيَّلْنا﴾ مِن (زِلْتُ) الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ، أيْ: أزَلْتُهُ، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، وقُرِئَ (فَزايَلْنا) بِمَعْناهُ، نَحْوُ: كَلَّمْتُهُ وكالَمْتُهُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (نَقُولُ) وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ المَوْرُوثِ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّحْسِيرِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ التَّزْيِيلِ ومَبادِئِهِ عَقِيبَ الخِطابِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ إيذانًا (p-140)بِكَمالِ رَخاوَةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ والوَصْلَةِ، أيْ: فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَّعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، لَكِنْ لا مِنَ الجانِبَيْنِ، بَلْ مِن جانِبِ العَبَدَةِ فَقَطْ لِعَدَمِ احْتِمالِ شُمُولِ الشُّرَكاءِ لِلشَّياطِينِ - كَما سَيَجِيءُ - فَخابَتْ آمالُهم وانْصَرَمَتْ عُرى أطْماعِهِمْ، وحَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ الكُلِّيُّ مِن حُصُولِ ما كانُوا يَرْجُونَهُ مِن جِهَتِهِمْ، والحالُ - وإنْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ - لَكِنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ اليَقِينِ إنَّما حَصَلَتْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ والمُشافَهَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّزْيِيلِ التَّفْرِيقُ الحِسِّيُّ، أيْ: فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ في المَوْقِفِ وتَبَرُّؤِ شُرَكائِهِمْ مِنهم ومِن عِبادَتِهِمْ،كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ فالواوُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ كَلِمَةِ (قَدْ) عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُها وبِدُونِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ لا عاطِفَةٌ كَما في التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، لِاسْتِدْعاءِ المُحاوَرَةِ المُحاضَرَةَ الفائِتَةَ بِالمُباعَدَةِ، ولَيْسَ في تَرْتِيبِ التَّزْيِيلِ بِهَذا المَعْنى عَلى الأمْرِ بِلُزُومِ المَكانِ ما في تَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ مِنَ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، لِيُصارَ لِأجْلِ رِعايَتِها إلى تَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ، فَإنَّ المُباعَدَةَ بَعْدَ المُحاوَرَةِ حَتْمًا، وأمّا قَطْعُ الأقْرانِ والعَلائِقِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ ابْتِداؤُهُ حاصِلٌ مِن حِينِ الحَشْرِ، بَلْ بَعْضُ مَراتِبِهِ حاصِلٌ قَبْلَهُ أيْضًا، وإنَّما الحاصِلُ عِنْدَ المُحاوَرَةِ أقْصاها كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فَلا اعْتِدادَ بِما في تَقْدِيمِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ، لا سِيَّما مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ النُّكْتَةِ، ولَوْ سُلِّمَ تَأخُّرُ جَمِيعِ مَراتِبِهِ عَنِ المُحاوَرَةِ فَمُراعاةُ تِلْكَ النُّكْتَةِ كافِيَةٌ في اسْتِدْعاءِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا، والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ – قِيلَ -: المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ والمَسِيحُ، وغَيْرُهم مِمَّنْ عَبَدُوهُ مِن أُولِي العِلْمِ، فَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الكُلِّ.

وَقَوْلُهُمْ: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ عِبارَةٌ عَنْ تَبَرُّئِهِمْ مِن عِبادَتِهِمْ، وأنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهم وشَياطِينَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ؛ لِأنَّها الآمِرَةُ لَهم بِالإشْراكِ دُونَهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ ... الآيَةَ، وقِيلَ: الأصْنامُ يُنْطِقُها اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي كانُوا يَتَوَقَّعُونَها.

10:29Page 212

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩

And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

﴿فَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِكم لَنا، وتَرْكُهُ لِلظُّهُورِ ولِلْإيذانِ بِكَمالِ الغَفْلَةِ عَنْها، والغَفْلَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ، وإلّا فَعَدَمُ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ لَهم غَيْرُ ظاهِرٍ، وهَذا يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِ المُرادِ بِالشُّرَكاءِ الشَّياطِينَ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ارْتِضاءَهم بِإشْراكِهِمْ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْبِرِينَ لَهم عَلى ذَلِكَ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) واللّامُ فارِقَةٌ.

10:30Page 212

هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ الدَّهِشِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى اسْتِعارَةِ ظَرْفِ المَكانِ لِلزَّمانِ (تَبْلُو) أيْ: تَخْتَبِرُ وتَذُوقُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً، سَعِيدَةً أوْ شَقِيَّةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ، وتُعايِنُهُ بِكُنْهِهِ مُسْتَتْبِعًا لِآثارِهِ مِن نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، وخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأمّا ما عَلِمَتْ مِن حالِها مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ فَأمْرٌ مُجْمَلٌ، وقُرِئَ (نَبْلُو) بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ (كُلُّ) وإبْدالِ ما مِنهُ، أيْ: نُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوها، ويَتَعَرَّفُ أحْوالَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، بِاخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: نُصِيبُ بِالبَلاءِ، أيِ: العَذابِ (p-141)عاصِيَةً بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ، فَيَكُونُ "ما" مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ، وقُرِئَ (تَتْلُو)، أيْ: تَتْبَعُ؛ لِأنَّ عَمَلَها هو الَّذِي يَهْدِيها إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى طَرِيقِ النّارِ، أوْ تَقْرَأُ في صَحِيفَةِ أعْمالِها ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿وَرُدُّوا﴾ الضَّمِيرُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (زَيَّلْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ ... إلَخْ، اعْتِراضٌ في أثْناءِ الحِكايَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها.

﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى جَزائِهِ وعِقابِهِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ رَبِّهِمْ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ: المُتَحَقِّقِ الصّادِقِ رُبُوبِيَّتَهُ لا ما اتَّخَذُوهُ رَبًّا باطِلًا، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وضاعَ، أيْ: ظَهَرَ ضَياعُهُ وضَلالُهُ لا أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ ضالٍ، أوْ ضَلَّ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهُمْ، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.

هَذا، وجَعْلُ الضَّمِيرِ في (رُدُّوا) لِلنُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "تَبْلُو" وأنَّ العُدُولَ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رَدَّهم إلى اللَّهِ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاجْتِماعِ - لا يُلائِمُهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الحَقِّيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمَرْدُودِينَ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَئِنِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِهِمْ، أوْ حُمِلَ الحَقُّ عَلى مَعْنى العَدْلِ في الثَّوابِ والعِقابِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّدارُكِ قَطْعًا - فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ حَتْمًا، وتَخْصِيصُ (كُلُّ نَفْسٍ) بِالنُّفُوسِ المُشْرِكَةِ مَعَ عُمُومِ البَلْوى لِلْكُلِّ يَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ المَقامِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

10:31Page 212

قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهُمْ، وبَيِّنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أعْمالُهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنهُما جَمِيعًا، فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابِ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ، أوْ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ كَلِمَةِ (مَن) عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.

﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن كَلِمَةِ (بَلْ) لِلْإضْرابِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ الإبْطالِ بَلْ عَلى وجْهِ الِانْتِقالِ وصَرْفِ الكَلامِ عَنْهُ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها، وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما مِن أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ أيْ: ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿اللَّهُ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿فَقُلْ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الِاتِّقاءِ، بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما فِي: (أتَضْرِبُ أباكَ) لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في (أأضْرِبُ أبِي) والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَقُونَ (p-142)أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي ذُكِرَ لَكم بِما تَتَعاطَوْنَهُ مِن إشْراكِكم بِهِ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ.

10:32Page 212

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢

For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

﴿فَذَلِكُمُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي اعْتَرَفْتُمْ بِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ﴾ أيْ: مالِكُكم ومُتَوَلِّي أُمُورَكم عَلى الإطْلاقِ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ والمُتَحَقِّقُ أُلُوهِيَّتُهُ تَحَقُّقًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿فَماذا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ اسْمًا واحِدًا قَدْ غُلِّبَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنْ يَكُونَ "ذا" مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: ما الَّذِي ﴿بَعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، وإظْهارُ الحَقِّ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ الأوَّلِ، وإمّا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ومُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، أيْ: لَيْسَ غَيْرُ الحَقِّ ﴿إلا الضَّلالُ﴾ الَّذِي لا يَخْتارُهُ أحَدٌ، فَحَيْثُ ثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ مَن هو مَنعُوتٌ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ حَقٌّ ظَهَرَ أنَّ ما عَداها مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ضَلالٌ مَحْضٌ، إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، وإنَّما سُمِّيَتْ ضَلالًا - مَعَ كَوْنِها مِن أعْمالِ الجَوارِحِ - بِاعْتِبارِ ابْتِنائِها عَلى ما هو ضَلالٌ مِنَ الِاعْتِقادِ، والرَّأْيُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحَقِّ عِبارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ فالمُرادُ بِالضَّلالِ هو الأصْنامُ لا عِبادَتُها، والمَعْنى: فَماذا بَعْدَ الرَّبِّ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا الضَّلالُ؟ أيِ: الباطِلُ الضّائِعُ المُضْمَحِلُّ، وإنَّما سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الضَّلالِ والضَّياعِ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَضَلَّ عَنْهم ما كانُواْ يَفْتَرُونَ" عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي.

﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَطْعًا، فَإذا انْتَفي جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفي وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَما مَرَّ مِرارًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: كَيْفَ تُصْرَفُونَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ - وهو التَّوْحِيدُ - إلى الضَّلالِ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَبِينِ، وهو الإشْراكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ، أوْ مِن عِبادَةِ رَبِّكُمُ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلى عِبادَةِ الباطِلِ الَّذِي سَمِعْتُمْ ضَلالَهُ وضَياعَهُ في الآخِرَةِ، وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إيذانٌ بِأنَّ الِانْصِرافَ مِنَ الحَقِّ إلى الضَّلالِ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ بِإرادَتِهِ وإنَّما يَقَعُ عِنْدَ وُقُوعِهِ بِالقَسْرِ مِن جِهَةِ صارِفٍ خارِجِيٍّ.

10:33Page 212

كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما حَقَّتِ الربوبية لِلَّهِ تَعالى، أوْ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، أوْ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وحِكَمُهُ وقَضاؤُهُ ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: تَمَرَّدُوا في الكُفْرِ وخَرَجُوا مِن أقْصى حُدُودِهِ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ أوْ تَعْلِيلٌ لِحَقِّيَّتِها، والمُرادُ بِها العِدَةُ بِالعَذابِ.

10:34Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

﴿قُلْ (p-143)هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ بِإظْهارِ كَوْنِ شُرَكائِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ بِبَيانِ اخْتِصاصِ خَواصِّها مِن بَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ إيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والسُّؤالُ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ، وقَدْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الإعادَةُ وتَحَقُّقُها لِوُضُوحِ مَكانِها، وسُنُوحِ بُرْهانِها بِمَنزِلَةِ بَدْءِ الخَلْقِ، فَنُظِمَتْ في سِلْكِهِ حَيْثُ قِيلَ ﴿مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إيذانًا بِتَلازُمِهِما وُجُودًا، وعِلْمًا يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ بِها، وإنَّ صَدَّهم عَنْ ذَلِكَ ما بِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، ثُمَّ أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: هو يَفْعَلُهُما لا غَيْرُ كائِنًا ما كانَ، لا بِأنْ يَنُوبَ ﷺ عَنْهم في ذَلِكَ - كَما قِيلَ - لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ الجَوابِ - وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ - إذْ لَيْسَ المَسْؤُولُ عَنْهُ "مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ حَتّى يَكُونَ القَوْلُ المَأْمُورُ بِهِ عَيْنَ الجَوابِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُمْ، ويَكُونَ ﷺ نائِبًا عَنْهم في ذَلِكَ، بَلْ إنَّما هو وُجُودُ مَن يَفْعَلُ البَدْءَ والإعادَةَ مِن شُرَكائِهِمْ، فالجَوابُ المَطْلُوبُ مِنهم (لا) لا غَيْرُ.

نَعَمْ، أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُضَمِّنَهُ مَقالَتَهُ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ، وإشْعارًا بِأنَّهم لا يَجْتَرِءُونَ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ مَخافَةَ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ لا مُكابَرَةً ولَجاجًا، فَتَدَبَّرْ، وإعادَةُ الجُمْلَةِ في الجَوابِ بِتَمامِها غَيْرَ مَحْذُوفَةِ الخَبَرِ - كَما في الجَوابِ السّابِقِ - لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ.

﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَدْ يُخَصُّ بِالقَلْبِ عَنِ الرَّأْيِ، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، أيْ: كَيْفَ تُقْلَبُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟ والكَلامُ فِيهِ كَما ذُكِرَ في (تُصْرَفُونَ).

10:35Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى ما ذُكِرَ جِيءَ بِهِ إلْزامًا لَهم غِبَّ إلْزامٍ وإفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ، وفَصْلُهُ عَمّا قَبْلَهُ لِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ﴿مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ هِدايَةُ المَعْبُودِ لِعَبَدَتِهِ إلى ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِهِمْ، وأمّا تَعْيِينُ طَرِيقِ الهِدايَةِ وتَخْصِيصُهُ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ - كَما قِيلَ - فَمُخِلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن كَمالِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، فَإنَّ العَجْزَ عَنِ الهِدايَةِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ لا يَسْتَلْزِمُ العَجْزَ عَنْ مُطْلَقِ الهِدايَةِ، وهَدى كَما يُسْتَعْمَلُ بِكَلِمَةِ (إلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ، وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ، ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أيْ: هو يَهْدِي لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ والحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الهِداياتِ، والكَلامُ في الأمْرِ بِالسُّؤالِ والجَوابِ كَما مَرَّ فِيما مَرَّ.

﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ بِكَسْرِ الهاءِ، أصْلُهُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ، وكُسِرَتِ الهاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ إتْباعًا لَها لِحَرَكَةِ الهاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهاءِ نَقْلًا لِحَرَكَةِ التّاءِ إلَيْها، أيْ: لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وإنَّما نُفِيَ عَنْهُ الِاهْتِداءُ - مَعَ أنَّ المَفْهُومَ مِمّا سَبَقَ نَفْيُ الهِدايَةِ - لِما أنَّ نَفْيَها مُسْتَتْبِعٌ لِنَفْيِهِ غالِبًا، فَإنَّ مَنِ اهْتَدى إلى الحَقِّ (p-144)لا يَخْلُو عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ في الجُمْلَةِ، وأدْناها كَوْنُهُ قُدْوَةً لَهُ بِأنْ يَراهُ فَيَسْلُكَ مَسْلَكَهُ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما سَبَقَ مِن تَحَقُّقِ هِدايَتِهِ تَعالى صَرِيحًا، وعَدَمِ هِدايَةِ شُرَكائِهِمُ المَفْهُومِ مِنَ القَصْرِ ومِن عَدَمِ الجَوابِ المُنْبِئِ عَنِ الجَوابِ بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَضْطَرُّهم إلى الجَوابِ الحَقِّ لا لِتَوْجِيهِ الِاسْتِفْهامِ إلى التَّرْتِيبِ كَما يَقَعُ في بَعْضِ المَواقِعِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْكارِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ ... إلَخْ، ونَحْوِهِ، والهَمْزَةُ مُتَأخِّرَةٌ في الِاعْتِبارِ وإنَّما تَقْدِيمُها في الذِّكْرِ لِإظْهارِ عَراقَتِها في اقْتِضاءِ الصَّدارَةِ - كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ - حَتّى لَوْ كانَ السُّؤالُ بِكَلِمَةِ (أيْ) لَأُخِّرَتْ حَتْمًا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ إثْرَ تَقْدِيرِ ما يُلْجِئُ المُشْرِكِينَ إلى الجَوابِ مِن حالِهِمْ وحالِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.

وَقُرِئَ (لا يَهْدِي) بِمَعْنى لا يَهْتَدِي لِمَجِيئِهِ لازِمًا، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى حَقِيقَتِها والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ - كَما اخْتارَهُ مَكِّيٌّ - والتَّقْدِيرُ: أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ مِمَّنْ لا يَهْدِي أمْ مَن لا يَهْدِي أحَقُّ... إلَخْ، وإمّا بِمَعْنى حَقِيقٍ - كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانِ - وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلْإلْزامِ و(أنْ يُتَّبَعَ) في حَيِّزِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ، أيْ: بِأنْ يُتَّبَعَ.

﴿إلا أنْ يُهْدى﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: لا يَهْتَدِي أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ هِدايَتِهِ تَعالى لَهُ إلى الِاهْتِداءِ، أوْ إلى هِدايَةِ الغَيْرِ، وهَذا حالُ إشْرافِ شُرَكائِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، والمَسِيحِ، وعُزَيْرٍ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المَعْنى: أمْ مَن لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهِ، أوْ إلّا أنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُكَلَّفًا فَيَهْدِيَهُ، وقُرِئَ (إلّا أنْ يَهْدِيَ) مِنَ التَّفْعِيلِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿فَما لَكُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِكم هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ - أيْ: بِما يَقْضِي صَرِيحُ العَقْلِ بِبُطْلانِهِ - إنْكارٌ لِحُكْمِهِمُ الباطِلِ، وتَعَجُّبٌ مِنهُ، وتَشْنِيعٌ لَهم بِذَلِكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ كِلا الإنْكارَيْنِ عَلى ما ظَهَرَ مِن وُجُوبِ اتِّباعِ الهادِي إلى الحَقِّ، إنْ قُلْتَ: التَّبْكِيتُ بِالِاسْتِفْهامِ السّابِقِ إنَّما يَظْهَرُ في حَقِّ مَن يَعْكِسُ جَوابَهُ الصَّحِيحَ فَيَحْكُمُ بِأحَقِّيَّةِ مَن لا يَهْدِي بِالِاتِّباعِ دُونَ مَن يَهْدِي - وهم لَيْسُوا حاكِمِينَ بِأحَقِّيَّةِ شُرَكائِهِمْ لِذَلِكَ دُونَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، بَلْ بِاسْتِحْقاقِهِما جَمِيعًا مَعَ رُجْحانِ جانِبِهِ تَعالى حَيْثُ يَقُولُونَ: "هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ" – قُلْتُ: حُكْمُهم بِاسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِلِاتِّباعِ بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ حُكْمٌ مِنهم بِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ، فَصارُوا حاكِمِينَ بِاسْتِحْقاقِ شُرَكائِهِمْ لَهُ دُونَ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском