Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:36–46
10:36Page 213
وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦
And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الأمْرِ، مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِبَيانِ عَدَمِ فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِ ما أفْحَمَهم وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ المُوجِبِ لِاتِّباعِ الهادِي إلى الحَقِّ، النّاعِي عَلَيْهِمْ بُطْلانَ حُكْمِهِمْ، وعَدَمَ تَأثُّرِهِمْ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى طَرِيقِ العِلْمِ أصْلًا أنَّ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ (إلّا ظَنًّا) واهِيًا مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْلُكُوا مَسالِكَ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المَبْنِيَّةِ عَلى المُقَدِّماتِ اليَقِينِيَّةِ الحَقَّةِ، فَيَفْهَمُوا مَضْمُونَها ويَقِفُوا عَلى صِحَّتِها وبُطْلانِ ما يُخالِفُها مِن أحْكامِهِمُ الباطِلَةِ، فَيَحْصُلُ التَّبْكِيتُ والإلْزامُ، فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُطْلَقُ الِاعْتِقادِ الشّامِلِ لِما يُقارِنُ القَبُولَ والِانْقِيادَ وما لا (p-145)يُقارِنُهُ، وبِالقَصْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنْ لا يَكُونَ لَهم في أثْنائِهِ اتِّباعٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ والتِفاتٌ إلَيْهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِأكْثَرِهِمُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَهم قَدْ يَتَّبِعُونَ العِلْمَ فَيَقِفُونَ عَلى حَقِيَةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ، لَكِنْ لا يَقْبَلُونَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا فَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمُ التَّأثُّرُ مِنَ البُرْهانِ المَزْبُورِ، وإنْ لَمْ يُظْهِرُوهُ، وكَوْنُهم أشَدَّ كُفْرًا وأكْثَرَ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ لا يَقْدَحُ فِيما يُفْهَمُ مِن فَحْوى الكَلامِ عُرْفًا مِن كَوْنِ أُولَئِكَ أسْوَأ حالًا مِن غَيْرِهِمْ، إذِ المُعْتَبَرُ سُوءُ الحالِ مِن حَيْثُ الفَهْمُ والإدْراكُ لا مِن حَيْثُ الكُفْرُ والعَذابُ.
أوْ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ إلّا ظَنًّا، ولا يَتْرُكُونَهُ أبَدًا فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدّاخِلِ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ، فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ حِينَئِذٍ هو الإذْعانُ والِانْقِيادُ، والقَصْرُ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِأكْثَرِهِمْ - مَعَ مُشارَكَةِ المُعانِدِينَ لَهم في ذَلِكَ - التَّلْوِيحُ بِما سَيَكُونُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ والتَّوْبَةِ كَما سَيَأْتِي هَذا.
وَقَدْ قِيلَ: المَعْنى: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ أنَّها آلِهَةٌ إلّا ظَنًّا، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ، فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أكْثَرُهُمْ) لِلنّاسِ فَلا حاجَةَ إلى التَّكْلِيفِ.
﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ﴾ مِنَ العِلْمِ اليَقِينِيِّ والِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و(مِنَ الحَقِّ) حالًا مِنهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ العِلْمِ في الأُصُولِ وعَدَمِ جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ البَراهِينِ القاطِعَةِ والِاتِّباعِ لِلظُّنُونِ الفاسِدَةِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وقُرِئَ (تَفْعَلُونَ) بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ.
10:37Page 213
وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧
And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.
﴿وَما كانَ هَذا القرآن﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ رَدِّهِمْ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ إثْرَ بَيانِ رَدِّهِمْ لِلْأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ، أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القرآن المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: افْتِراءً مِنَ الخَلْقِ، أيْ: مُفْتَرًى مِنهم سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المَشْهُودِ عَلى صِدْقِها، أيْ: مُصَدِّقًا لَها، كَيْفَ لا وهو لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا دُونَها عِيارٌ عَلَيْها شاهِدٌ بِصِحَّتِها؟ ونَصْبُهُ بِأنَّهُ خَبَرُ كانَ مُقَدَّرًا، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ... إلَخْ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ ... إلَخْ.
﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ نَصْبًا ورَفْعًا، أيْ: وتَفْصِيلَ ما كُتِبَ وأُثْبِتَ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ، أيْ: مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، أوْ حالٌ مِنَ الكِتابِ - وإنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ - فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى، أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أيْ: كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَصْدِيقَ) أوْ بِـ(تَفْصِيلَ) أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِما، ولا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضٌ كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ - لا شَكَّ فِيهِ - كَرِيمٌ، أوْ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (p-146)فِيهِ، ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ المَنعِ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ.
10:38Page 213
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ: افْتَراهُ مُحَمَّدٌ ﷺ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ: في البَلاغَةِ، وحُسْنِ الصِّياغَةِ، وقُوَّةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ؛ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ، وأشَدُّ تَمَرُّنًا مِنِّي في النَّظْمِ والعِبارَةِ، وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ، أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُظاهَرَةِ والمُعاوَنَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ، ومَدارِهَكُمُ الَّذِينَ تَلْجَئُونَ إلى آرائِهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ادْعُوا) ودُونَ جارٍ مَجْرى أداةِ الِاسْتِثْناءِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: ادْعُوا سِواهُ تَعالى مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ، وإخْراجُهُ سُبْحانَهُ مِن حُكْمِ الدُّعاءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنِهِمْ في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإمْكانِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهو أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِقُدْرَتِكم عَلَيْهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.
10:39Page 213
بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩
Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القرآن العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، فَـ "ما" عِبارَةٌ عَنْ كُلِّهِ لا عَمّا فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ وما يُخالِفُ دِينَهم - كَما قِيلَ - فَإنَّهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ مِثْلِهِ، أيْ: سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وُصِفَ آنِفًا، ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَخْلُوقُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ (بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ - أوْ نَحْوِ ذَلِكَ - لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ، وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ، وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ لِما أنَّ إدارَةَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مُشْعِرَةٌ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.
﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى تَأْوِيلِهِ، ولَمْ يَبْلُغْ أذْهانَهم مَعانِيهِ الرّائِقَةُ المُنْبِئَةُ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِإتْيانِ التَّأْوِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تَأْوِيلَهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأذْهانِ، مُنْساقٌ إلَيْها بِنَفْسِهِ، أوْ لَمْ يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ، والمَعْنى أنَّ القرآن مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى، ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ، وهم قَدْ فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ، (p-147)أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ "لَمّا" الدّالَّةِ عَلى التَّوَقُّعِ بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَقَّفُوا إلى زَمانِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وأمّا أنَّ المُتَوَقَّعَ قَدْ وقَعَ بَعْدُ - وأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ أيْضًا عَلى ما هم عَلَيْهِ أوَّلًا - فَلا تَعَرُّضَ لَهُ هَهُنا، والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ انْقِطاعِ الذَّمِّ - أوِ ادِّعاءُ أنَّ قَوْلَهُمُ (افْتَراهُ) تَكْذِيبٌ بَعْدَ التَّدَبُّرِ - ناشِئٌ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ، فَتَدَبَّرْ، كَيْفَ لا، وهم لَمْ يَقُولُوهُ بَعْدَ التَّحَدِّي بَلْ قَبْلَهُ؟ وادِّعاءُ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالتَّحَدِّي الوارِدِ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَرُدُّهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَيُتْلى عَلَيْكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهُمْ﴾ ... إلَخْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ ... إلَخْ، وصْفٌ لِحالِهِمُ المَحْكِيِّ وبَيانٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المَبْنِيِّ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ والمُجازَفَةِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: فَعَلُوا التَّكْذِيبَ، أوْ كَذَّبُوا ما كَذَّبُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمْ، أوْ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِ التَّكْذِيبِ ظُلْمًا، أوْ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وبِدُخُولِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ في زُمْرَتِهِمْ جُرْمًا ووَعِيدًا دُخُولًا أوَّلِيّا، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
10:40Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠
And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.
﴿وَمِنهُمْ﴾ ... إلَخْ، وصْفٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ التَّأْوِيلِ المُتَوَقَّعِ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَنْوِيعُهم إلى المُؤْمِنِ بِهِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ ضَرُورَةَ امْتِناعِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، واشْتِراكِ الكُلِّ في التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، حَسْبَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ" أيْ: ومِن هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ عِنْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وإتْيانِ تَأْوِيلِهِ، وظُهُورِ حَقِّيَّتِهِ بَعْدَما سَعَوْا في المُعارَضَةِ ورازُوا قُواهم فِيها فَتَضاءَلَتْ دُونَها، أوْ بَعْدَما شاهَدُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ كَما أخْبَرَ بِهِ مِرارًا، ومَعْنى الإيمانِ بِهِ إمّا الِاعْتِقادُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَطْ، أيْ: يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ يُعانِدُ ويُكابِرُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ بِقَصْرِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى أكْثَرِهِمْ إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ الحَقَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإمّا الإيمانُ الحَقِيقِيُّ، أيْ: سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ، وهُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ بِالقَصْرِ المَذْكُورِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي إلى أنَّهم سَيَتَّبِعُونَ الحَقَّ كَما مَرَّ.
﴿وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ كَما لا يُصَدِّقُ ظاهِرًا لِفَرْطِ غَباوَتِهِ المانِعَةِ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ كَما يَنْبَغِي، وإنْ كانَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ عَدَمِ الإحاطَةِ بِهِ أصْلًا، أوْ لِسَخافَةِ عَقْلِهِ واخْتِلالِ تَمْيِيزِهِ، وعَجْزِهِ عَنْ تَخْلِيصِ عُلُومِهِ عَنْ مُخالَطَةِ الظُّنُونِ والأوْهامِ الَّتِي ألِفَها، فَيَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ، وهَذا القَدْرُ مِنَ الإحاطَةِ وإتْيانِ التَّأْوِيلِ كافٍ في مُقابَلَةِ ما سَبَقَ مِن عَدَمِ الإحاطَةِ بِالمَرَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا فِيما سَلَفَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، أوْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ فِيما سَيَأْتِي، بَلْ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ مُعانِدًا كانَ أوْ شاكًّا، وهُمُ المُسْتَمِرُّونَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِن غَيْرِ إذْعانٍ لِلْحَقِّ وانْقِيادٍ لَهُ.
﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ: بِكِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا بِالمُعانِدِينَ فَقَطْ - كَما قِيلَ - لِاشْتِراكِهِما في أصْلِ الإفْسادِ المُسْتَدْعِي لِاشْتِراكِهِما في الوَعِيدِ، أوْ بِالمُصِرِّينَ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ المُعانِدِينَ والشّاكِينَ.(p-148)
10:41Page 213
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١
And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."
﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ: إنْ تَمُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ وأصَرُّوا عَلَيْهِ حَسْبَما أُخْبِرَ عَنْهم بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ بِالتَّحَدِّي ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ: تَبَرَّأْ مِنهُمْ؛ فَقَدْ أعْذَرْتَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ﴾ والمَعْنى: لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا، وتَوْحِيدُ العَمَلِ المُضافِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ ولِمُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ لامُ الِاخْتِصاصِ مِن عَدَمِ تَعَدِّي جَزاءِ العَمَلِ إلى غَيْرِ عامِلِهِ، أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكُمْ، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ المُتارَكَةِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، قِيلَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
10:42Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢
And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى كَلِمَةِ (مَن) رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى، كَما أُفْرِدَ فِيما سَيَأْتِي مُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى كَثْرَةِ المُسْتَمِعِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ تَوَقُّفِ الِاسْتِماعِ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقابَلَةِ وانْتِفاءِ الحِجابِ والظُّلْمَةِ، أيْ: ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ عِنْدَ قِراءَتِكَ القرآن وتَعْلِيمِكَ الشَّرائِعَ.
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيَّةٌ، والفاءُ عاطِفَةٌ، ولَيْسَ الجَمْعُ بَيْنَهُما لِتَرْتِيبِ إنْكارِ الإسْماعِ عَلى الِاسْتِماعِ - كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ عَلى أنْ يُجْعَلَ تَقْدِيمُ الهَمْزَةِ عَلى الفاءِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ - بَلْ لِإنْكارِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ حَسْبَما هو المُعْتادُ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ العَطْفِ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلالِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إمّا صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ - وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي دُخُولَ المَعْطُوفِ في حَيِّزِهِ وتَوَجُّهَ الإنْكارِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ولا رَيْبَ في فَسادِهِ - بَلْ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ مِن فَحْوى النَّظْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم لا إنْكارًا لِاسْتِماعِهِمْ فَإنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ، بَلْ إنْكارًا لِوُقُوعِ الِاسْتِماعِ عَقِيبَ ذَلِكَ وتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ حَسَبَ العادَةِ الكُلِّيَّةِ، بَلْ نَفْيًا لِإمْكانِهِ أيْضًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وضْعُ الصُّمِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِعَدَمِ العَقْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ إذا وصَلَ إلى صِماخِهِ صَوْتٌ، وأمّا إذا اجْتَمَعَ فِقْدانُ السَّمْعِ والعَقْلِ جَمِيعًا فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ
10:43Page 214
وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣
And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?
﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ ويُعايِنُ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ الواضِحَةَ ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: أعَقِيبَ ذَلِكَ أنْتَ تَهْدِيهِمْ، وإنَّما قِيلَ: ﴿تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَرْبِيَةً لِإنْكارِ هِدايَتِهِمْ وإبْرازًا لِوُقُوعِها في مَعْرِضِ الِاسْتِحالَةِ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ولَوِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ، والعُمْدَةُ في ذَلِكَ هي البَصِيرَةُ ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصِرُ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُهُ البَصِيرُ الأحْمَقُ، فَحَيْثُ اجْتَمَعَ فِيهِمُ الحُمْقُ والعَمى فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِمْ بابُ الهُدى، وجَوابُ (لَوْ) في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "تُسْمِعُ الصُّمّ "، و" تَهْدِي العُمْيَ "عَلَيْهِ وكُلٌّ مِنهُما مَعْطُوفَةٌ عَلى (p-149)جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُقابِلَةٍ لَها في الفَحْوى، كِلْتاهُما في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ السّابِقِ، أيْ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، أفَأنْتِ تَهْدِي العُمْيَ لَوْ كانُوا يُبْصِرُونَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في البابِ حَذْفًا مُطَّرِدًا لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ تَحَقُّقِ المانِعِ أوِ المانِعِ القَوِيِّ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْ عِنْدَ تَحَقُّقِ المانِعِ الضَّعِيفِ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "لَوْ" و"إنِ" الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ونَظائِرِهِ مِرارًا.
10:44Page 214
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٤
Indeed, Allāh does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى طَرِيقِ الحَقِّ وتَعَطُّلِ مَشاعِرِهِمْ مِنَ الإدْراكِ لَيْسَ لِأمْرٍ مُسْتَنَدٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَلْقِهِمْ مُؤَفِّي المَشاعِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ إنَّما هو مِن قِبَلِهِمْ، أيْ: لا يَنْقُصُهم ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا نِيطَ بِهِ مَصالِحُهُمُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ وكَمالاتُهُمُ الأوْلَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ مِن مَبادِئِ إدْراكاتِهِمْ وأسْبابِ عُلُومِهِمْ مِنَ المَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والإرْشادِ إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ أصْلًا.
﴿وَلَكِنَّ النّاسَ﴾ - وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ النّاسِ - وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ تَعْيِينٍ وتَقْرِيرٍ، أيْ: لَكِنَّهم بِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَنْقُصُونَ ما يَنْقُصُونَ مِمّا يُخِلُّونَ بِهِ مِن مَبادِئِ كَمالِهِمْ وذَرائِعِ اهْتِدائِهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِما أنَّ مَرْمى الغَرَضِ إنَّما هو قَصْرُ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ لا بَيانُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الظُّلْمُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالنَّقْصِ - مَعَ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا بِالكُلِّيَّةِ وإبْطالًا بِالمَرَّةِ - لِمُراعاةِ جانِبِ قَرِينَتِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "أنْفُسَهُمْ" إمّا تَأْكِيدٌ لِلنّاسِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ في قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وإمّا مَفْعُولٌ لِـ(يَظْلِمُونَ) حَسْبَما وقَعَ في سائِرِ المَواقِعِ، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِ، فَيَكُونُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلظُّلْمِ لا عَلى الفاعِلِ ولا عَلى المَفْعُولِ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَراهُ مُوجِبًا لَهُ، فَلَعَلَّ إيثارَ قَصْرِها دُونَ قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانِ أفْعالِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ؛ لِما أنَّ أقْبَحَ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، وأشَدَّهُما إنْكارًا عِنْدَ العَقْلِ ونَفْرَةً لَدى الطَّبْعِ، وأوْجَبَهُما حَذَرًا مِنهُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ هو المَظْلُومِيَّةُ لا الظّالِمِيَّةُ، عَلى أنَّ قَصْرَ الأُولى عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن قَصْرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِمْ؛ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا لَمْ يَظْلِمْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفْسَهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَظْلِمَهُ إلّا نَفْسُهُ، إذْ لَوْ ظَلَمَهُ غَيْرُهُ يَلْزَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الغَيْرِ ظالِمًا لِغَيْرِ نَفْسِهِ، والمَفْرُوضُ أنْ لا يَظْلِمَ أحَدٌ إلّا نَفْسَهُ فاكْتُفِيَ بِالقَصْرِ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ نَفْيًا وإثْباتًا، فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ - بِحَسَبِ المَقامِ - اسْتِمْرارَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، ألا يَرى أنَّ قَوْلَكَ: (ما زَيْدًا ضَرَبْتُ) يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ الِاخْتِصاصِ، ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْوَعِيدِ، فالمُضارِعُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِقْبالِ والمُثْبَتُ لِلِاسْتِمْرارِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُهم بِتَعْذِيبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ولَكِنَّهم أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ظُلْمًا مُسْتَمِرًّا، فَإنَّ مُباشَرَتَهُمُ (p-150)المُسْتَمِرَّةَ لِلسَّيِّئاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْذِيبِ عَيْنُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ.
10:45Page 214
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥
And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، وقُرِئَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، أيِ: اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ يَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ، وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ؛ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ، والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ، فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهَرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةِ الهَيْئَةِ، وسُوءِ الحالِ، أوْ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ المِقْدارَ، فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى، ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ، وإظْهارُ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ (أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ)﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ بَيانُ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ، فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيانًا وتَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ التَّعارُفَ مَعَ طُولِ العَهْدِ يَنْقَلِبُ تَناكُرًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ اسْتِئْنافًا، أيْ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ أوَّلَ ما خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ إذْ هم حِينَئِذٍ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ المُتَعارَفَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ بِشِدَّةِ الأهْوالِ المُذْهِلَةِ واعْتِراءِ الأحْوالِ المُعْضِلَةِ المُغَيِّرَةِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ المُبَدِّلَةِ لَها مَن حالٍ إلى حالٍ.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خُسْرانِهِمْ وتَعَجُّبٌ مِنهُ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَتَعارَفُونَ) عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ - مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ - لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِما أصابَهم.
والمُرادُ ﴿بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إنْ كانَ مُطْلَقَ الحِسابِ والجَزاءِ، أوْ حُسْنَ اللِّقاءِ، فالمُرادُ بِالخُسْرانِ الوَضِيعَةُ، والمَعْنى: وضَعُوا في تِجاراتِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ واشْتِرائِهِمُ الكُفْرَ بِالإيمانِ والضَّلالَةَ بِالهُدى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ما كانُوا عارِفِينَ بِأحْوالِ التِّجارَةِ مُهْتَدِينَ لِطُرُقِها، وإنْ كانَ سُوءَ اللِّقاءِ فالخَسارُ الهَلاكُ والضَّلالُ، أيْ: قَدْ ضَلُّوا وهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ.
10:46Page 214
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦
And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ و"ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ومِن ثَمَّةَ أُكِّدَ الفِعْلُ بِالنُّونِ، أيْ: بِنُصْرَتِكَ بِأنْ نُظْهِرَ لَكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: وعَدْناهم مِنَ العَذابِ، ونُعَجِّلَهُ في حَياتِكَ فَتَراهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، أيْ: نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ غِبَّ إنْذارٍ، وفي تَخْصِيصِ البَعْضِ بِالذِّكْرِ رَمَزًا إلى العِدَةِ بِإراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ، وقَدْ أراهُ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: كَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما وعَدْناهم أوَّلًا، فَإلَيْنا مَرْجِعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَنُنْجِزُ ما وعَدْناهُمُ البَتَّةَ.
(p-151)وَقِيلَ: المَذْكُورُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ الثّانِي، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ، وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ: فَذاكَ.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالشَّهادَةِ إمّا مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهي مُعاقَبَتُهُ تَعالى إيّاهُمْ، وإمّا إقامَتُها وأداؤُها بِإنْطاقِ الجَوارِحِ، وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ التَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (ثَمَّةَ) أيْ: هُناكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences