Abu as-Su'udYunus · 10:5–11

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:5–11

10:5Page 208

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقدرته وحِكْمَتِهِ بِآثارِ صُنْعِهِ في النَّيِّرَيْنِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ مِن إبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ التَّدْبِيرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً، وإرْشادٌ إلى أنَّهُ حَيْثُ دُبِّرَتْ أُمُورُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَعاشِهِمْ هَذا التَّدْبِيرَ البَدِيعَ فَلِأنْ يُدَبِّرَ مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِالمَعادِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الهُدى وتَعْيِينِ مَهاوِي الرَّدى أوْلى وأحْرى، والجَعْلُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ فَـ(ضِياءً) حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: خَلَقَها حالَ كَوْنِها ذاتَ ضِياءٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ ضِياءً مَحْضًا لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، أيْ: جَعَلَها ضِياءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، لَكِنْ لا بَعْدَ أنْ كانَتْ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، بَلْ أبْدَعَها كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، والضِّياءُ مَصْدَرٌ كَقِيامٍ، أوْ جَمْعُ ضَوْءٍ كَسِياطٍ وسَوْطٍ، وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الواوِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقُرِئَ" (ضِئاءً) بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ.

﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الشَّمْسِ، والضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ، وقِيلَ: ما بِالذّاتِ ضَوْءٌ وما بِالعَرَضِ نُورٌ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الشَّمْسِ ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أيْ: قَدَّرَ لَهُ وهَيَّأ ﴿مَنازِلَ﴾ أوْ قُدِّرَ مَسِيرُهُ في مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ عَلى تَضْمِينِ التَّقْدِيرِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وتَخْصِيصُ القَمَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ومُعايَنَةِ مَنازِلِهِ، وتَعَلُّقِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ بِهِ، وكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ، وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنهُما، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُ القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها، لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَوٍ لا يَتَفاوَتُ، يَسِيرُ فِيها مِن لَيْلَةِ المُسْتَهَلِّ إلى الثّامِنَةِ والعِشْرِينَ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ، ثُمَّ يَسْتَسِرُّ لَيْلَتَيْنِ أوْ لَيْلَةً إذا نَقَصَ الشَّهْرُ، ويَكُونُ مَقامُ الشَّمْسِ في كُلِّ مَنزِلَةٍ مِنها ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهَذِهِ المَنازِلُ هي مَواقِعُ النُّجُومِ الَّتِي نَسَبَتْ إلَيْها العَرَبُ الأنْواءَ المُسْتَمْطَرَةَ، وهِيَ: الشَّرَطانِ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، الدَّبَرانُ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ، العَوّاءُ، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانِيُّ، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرَّشا وهو بَطْنُ الحُوتِ.

﴿لِتَعْلَمُوا﴾ إمّا بِتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ المَنُوطَيْنِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِ كُلٍّ مِنهُما في تِلْكَ المَنازِلِ ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحِسابَ﴾ أيْ: حِسابَ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، وتَخْصِيصُ العَدَدِ بِالسِّنِينَ والحِسابِ بِالأوْقاتِ لِما أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ مَعْنًى مُغايِرٌ لِمَراتِبِ الأعْدادِ كَما اعْتُبِرَ في (p-121)الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ انْفِصالِيَّةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ، مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ، وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ كالسَّنَةِ المُتَحَصِّلَةِ مَنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا، قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مِن أرْبَعٍ وعِشْرِينَ ساعَةً مَثَلًا، والعَدُّ مُجَرَّدُ إحْصائِهِ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنْ يَتَحَصَّلَ بِذَلِكَ شَيْءٌ كَذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ تَحَصُّلُ حَدٍّ مُعَيَّنٍ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ غَيْرُ أسامِي مَراتِبِ الأعْدادِ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ، وتَحَصُّلُ مَراتِبِ الأعْدادِ مِنَ العَشَراتِ والمِئاتِ والأُلُوفِ اعْتِبارِيٌّ لا يُجْدِي في تَحَصُّلِ المَعْدُودَةِ نَفْعًا، وحَيْثُ اعْتُبِرَ في الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ تَحَصُّلُ ما ذُكِرَ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي لَها أسامٍ خاصَّةٌ وأحْكامٌ مُسْتَقِلَّةٌ عُلِّقَ بِها الحِسابُ المُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، والسَّنَةُ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها في نَفْسِها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِسابُ، وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها، وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ لَيْسَ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ، أعْنِي حَيْثِيَّةَ تَحَصُّلِها مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ، قَدْ تَحَصَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ، قَدْ حَصَلَ كُلٌّ مِنها بِطائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ وظِيفَةُ الحِسابِ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المَعْدُودَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَها شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ - مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما وُجُودًا وعَدَمًا عَلى العَكْسِ - لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا، وإنْ لَمْ تَتَّحِدِ الجِهَةُ، أوْ لِأنَّ العَدَدَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَحَصُّلُ أمْرٍ آخَرَ - حَسْبَما حُقِّقَ آنِفًا - نازِلٌ مِنَ الحِسابِ الَّذِي اعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ.

﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأحْوالِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَعْنى جَعْلِهِما عَلى تِلْكَ الأحْوالِ والهَيْئاتِ لَيْسَ إلّا خَلْقَهُما كَذَلِكَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّ اسْتِفادَةَ القَمَرِ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ أمْرٌ حادِثٌ، فَإنَّ المُرادَ بِجَعْلِهِ نُورًا إنَّما هو جَعْلُهُ بِحَيْثُ يَتَّصِفُ بِالنُّورِ عِنْدَ وُجُودِ شَرائِطِ الِاتِّصافِ بِهِ بِالفِعْلِ.

﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ: ما خَلَقَ ذَلِكَ مُلْتَبَسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبَسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، أوْ مُراعًى فِيهِ ذَلِكَ، وهو ما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِنَ العِلْمِ بِأحْوالِ السِّنِينَ والأوْقاتِ المَنُوطِ بِهِ أُمُورُ مُعامَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ.

﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيِ: الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَذْكُورَةَ، أوْ جَمِيعَ الآياتِ فَيَدْخُلُ فِيها الآياتُ المَذْكُورَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ يُفَصِّلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ المُنَبِّهَةَ عَلى ذَلِكَ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحِكْمَةَ في إبْداعِ الكائِناتِ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى شُئُونِ مُبْدِعِها جَلَّ وعَلا، أوْ يَعْلَمُونَ ما في تَضاعِيفِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ فَيُؤْمِنُونَ بِها، وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

10:6Page 208

إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَنْبِيهٌ آخَرُ إجْمالِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ، أيْ: في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ لِحَرَكاتِ السَّماواتِ وسُكُونِ الأرْضِ، أوْ في تَفاوُتِهِما في أنْفُسِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ، وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ، إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ (p-122)الشِّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطُولُ، ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما، فَإنَّ كَرِّيَّةِ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا.

﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن أصْنافِ المَصْنُوعاتِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً، أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ، وقدرته، وبالِغِ حِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَةِ مُقْتَضَياتِها ما أنْكَرُوهُ مِن إرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكُتُبِ والبَعْثِ والجَزاءِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خَصَّهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ إنَّما هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى والحَذَرُ مِنَ العاقِبَةِ فَهُمُ الواقِفُونَ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ آياتٌ دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ (وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ).﴾

10:7Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ مَن كَفَرَ بِالبَعْثِ وأعْرَضَ عَنِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ يُعِيدُهم بَعْدَ بَدْئِهِمْ لِلْجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، وتَفْصِيلُ بَعْضِ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِلِقائِهِ إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى بِالبَعْثِ، أوْ لِقاءُ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ ما لا يَخْفى.

والمُرادُ بِعَدَمِ الرَّجاءِ عَدَمُ التَّوَقُّعِ مُطْلَقًا المُنْتَظِمِ لِعَدَمِ الأمَلِ وعَدَمِ الخَوْفِ فَإنَّ عَدَمَهُما لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ اعْتِقادِ وُقُوعِ المَأْمُولِ والمُخَوَّفِ، أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا، أوْ لِقاءَ حِسابِنا المُؤَدِّي إمّا إلى حُسْنِ الثَّوابِ أوْ إلى سُوءِ العَذابِ، فَلا يَأْمُلُونَ الأوَّلَ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ إيثارِ الأدْنى الخَسِيسِ عَلى الأعْلى النَّفِيسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ ولا يَخافُونَ الثّانِيَ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ: سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا بَراحَ لَهُ مِنها، آمِنِينَ مِنِ اعْتِراءِ المُزْعِجاتِ غَيْرَ مُخْطِرِينَ بِبالِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِن عَذابِنا.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وبِاللِّقاءِ حُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: لا يَأْمُلُونَ حُسْنَ لِقائِنا بِالبَعْثِ والإحْياءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، ورَضُوا بَدَلًا مِنها ومِمّا فِيها مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ بِالحَياةِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ واطْمَأنُّوا بِها، أيْ: سَكَنُوا إلَيْها مُنْكَبِّينَ عَلَيْها، قاصِرِينَ مَجامِعَ هِمَمِهِمْ عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ، وإيثارُ الباءِ عَلى كَلِمَةِ إلى المُنْبِئَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الوُصُولِ والِانْتِهاءِ لِلْإيذانِ بِتَمامِ المُلابَسَةِ، ودَوامِ المُصاحَبَةِ والمُؤانَسَةِ، وحَمْلُ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ فَقَطْ يَأْباهُ كَلِمَةُ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها مُنْبِئَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِن تَرْكِ الأعْلى وأخْذِ الأدْنى، واخْتِيارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في الأُولى لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ الرَّجاءِ.

﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا﴾ المُفَصَّلَةِ في صَحائِفِ الأكْوانِ حَسْبَما أُشِيرَ إلى بَعْضِها، أوْ آياتِنا المُنَزَّلَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِها المُتَّفِقَةِ مَعَها في الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما لا يَرْجُونَهُ مِنَ اللِّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى البَعْثِ وعَلى بُطْلانِ ما رَضُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿غافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها أصْلًا وإنْ نُبِّهُوا عَلى ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِأنْواعِ القَوارِعِ لِانْهِماكِهِمْ فِيما يَصُدُّهم (p-123)عَنْها مِنَ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى جَعْلِ صِلَتِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُنْبِئَةً عَمّا هم عَلَيْهِ مِنِ اسْتِمْرارِ الغَفْلَةِ ودَوامِها، وتَنْزِيلُ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ إيذانًا بِمُغايَرَةِ الوَصْفِ الأخِيرِ لِلْأوْصافِ الأُوَلِ واسْتِقْلالِهِ بِاسْتِتْباعِ العَذابِ.

هَذا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ العَطْفَ إمّا لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الذُّهُولِ عَنِ الآياتِ رَأْسًا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الآخِرَةُ أصْلًا وإمّا لِتَغايُرِ الفَرِيقَيْنِ - والمُرادُ بِالأوَّلِينَ مَن أنْكَرَ البَعْثَ ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا وبِالآخِرِينَ مَن ألْهاهُ حُبُّ العاجِلِ عَنِ التَّأمُّلِ في الآجِلِ - فَكَلامٌ ناءٍ عَنِ السَّدادِ، فَتَأمَّلْ.

10:8Page 209

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿مَأْواهُمُ﴾ أيْ: مَسْكَنُهم ومَقَرُّهُمُ الَّذِي لا بَراحَ لَهم مِنهُ ﴿النّارُ﴾ لا ما اطْمَأنُّوا بِها مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ونَعِيمِها ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ المَعْدُودَةِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِن أصْنافِ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاها، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِـ(إنَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا)...﴾ إلَخْ.

10:9Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإيمانَ، أوْ آمَنُوا بِما يَشْهَدُ بِهِ الآياتُ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةَ بِالإيمانِ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِها مَجْرى الأسْماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أُوثِرَ الِالتِفاتُ تَشْرِيفًا لَهم بِإضافَةِ الرَّبِّ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الهِدايَةِ ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ: يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ، وما أواهم إلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ، وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ إشْعارٌ بِأنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لا يَكْفِي في الوُصُولِ إلى الجَنَّةِ، بَلْ لا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وأنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ كافِيَةٌ في دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ - الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ - هو إيمانُهُمُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا الإيمانُ المُجَرَّدُ عَنْها، ولا ما هو أعَمُّ مِنهُما، إلّا أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ، فَإنَّ مَنطُوقَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ قَطْعًا كَيْفَ لا؟ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ فَإنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ هو الشِّرْكُ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، والمَعْنى: لَمْ يَخْلِطُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ - أيْضًا - يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ (p-124)بِفِعْلِ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أوْ تَجْرِي وهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ وأرائِكَ مَصْفُوفَةٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ "أوْ" حالٌ مِن مَفْعُولِ يَهْدِيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ المُهْدى إلَيْهِ ما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: يَهْدِيهِمْ ويُسَدِّدُهم لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ السَّبِيلِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ والجَنَّةِ.

وَقَوْلُهُ: "تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ" جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ والبَيانِ، فَإنَّ التَّمَسُّكَ بِحَبْلِ السَّعادَةِ في حُكْمِ المَوْصُولِ إلَيْها، وقِيلَ: يَهْدِيهِمْ إلى إدْراكِ الحَقائِقِ البَدِيعَةِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، كَما قالَ ﷺ: "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ" .

﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِنَ الأنْهارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي، أوْ بِيَهْدِي، فالمُرادُ بِالمُهْدى إلَيْهِ إمّا مَنازِلُهم في الجَنَّةِ، أوْ ما يُرِيدُونَهُ فِيها.

10:10Page 209

دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"

﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ: دُعاؤُهُمْ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (فِيها) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ، وهو مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ.

والمَعْنى: اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا، ولَعَلَّهم يَقُولُونَهُ عِنْدَما عايَنُوا فِيها مِن تَعاجِيبِ آثارِ قدرته تعالى، ونَتائِجِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ تَقْدِيسًا لِمَقامِهِ تَعالى عَنْ شَوائِبِ العَجْزِ والنُّقْصانِ، وتَنْزِيهًا لِوَعْدِهِ الكَرِيمِ عَنْ سِماتِ الخُلْفِ.

﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها﴾ التَّحِيَّةُ التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيلَةِ، أصْلُها أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، أيْ: ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ أيْ: سَلامَةٌ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ أيْ: خاتِمَةُ دُعائِهِمْ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ نَعْتًا لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِصِفاتِ الإكْرامِ إثْرَ نَعْتِهِ تَعالى بِصِفاتِ الجَلالِ، أيْ: دُعاؤُهم مُنْحَصِرٌ فِيما ذُكِرَ، إذْ لَيْسَ لَهم مَطْلَبٌ مُتَرَقَّبٌ حَتّى يُنْظِمُوهُ في سِلْكِ الدُّعاءِ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن "أنَّ" المُثَقَّلَةِ، أصْلُهُ أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ فَحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفي ويَنْتَعِلُ

وَقُرِئَ (أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الحَمْدِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ ذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ عِنْدَ الحِكايَةِ بَيْنَ دُعائِهِمْ وخاتِمَتِهِ لِلتَّوَسُّلِ إلى خَتْمِ الحِكايَةِ بِالتَّحْمِيدِ تَبَرُّكًا، مَعَ أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ عَلى الإطْلاقِ، ودَعْوى كَوْنِ تَرْتِيبِ الوُقُوعِ – أيْضًا - كَذَلِكَ بِأنْ كانُوا حِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِياءَهُ مَجَدُّوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ، أوْ حَيّاهم بِذَلِكَ رَبُّ العِزَّةِ، فَحَمِدُوهُ تَعالى وأثْنَوْا عَلَيْهِ - يَأْباها إضافَةُ الآخِرِ إلى دَعْواهُمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ﴾ ... إلَخْ؛ إيذانًا بِأنْ لا تَكْلِيفَ في الجَنَّةِ، أيْ: ما عِبادَتُهم إلّا أنْ يُسَبِّحُوهُ ويَحْمَدُوهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِبادَةٍ إنَّما يُلْهَمُونَهُ ويَنْطِقُونَ بِهِ تَلَذُّذًا ولا يُساعِدُهُ تَعْيِينُ الخاتِمَةِ.

10:11Page 209

۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١

And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ (p-125)مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ، أُشِيرَ إلى بَعْضٍ مِن عَظائِمِ مَعاصِيهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ، وهو اسْتِعْجالُهم بِما أُوعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، وإيرادُهم بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ، أيْ: لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهم ﴿الشَّرَّ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ (اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ)﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ وُضِعَ مَوْضِعَ مَصْدَرِ ناصِبِهِ دَلالَةً عَلى اعْتِبارِ الِاسْتِعْجالِ في جانِبِ المُشَبَّهِ، كاعْتِبارِ التَّعْجِيلِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وإشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ تَعالى لَهُمْ، حَتّى كانَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ نَفْسَ تَعْجِيلِهِ لَهُمْ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ فَحُذِفَ ما حُذِفَ؛ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُدِّيَ إلَيْهِمُ الأجَلُ الَّذِي عُيِّنَ لِعَذابِهِمْ، وأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا بِالمَرَّةِ، وما أُمْهِلُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، كَما قُرِئَ: (لَقَضَيْنا) واخْتِيارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبال في الشَّرْطِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجْلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ الإفادَةِ في الشَّرْطِيَّةِ أنْ يَكُونَ التّالِي أمْرًا مُغايِرًا لِلْمُقَدَّمِ في نَفْسِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ في الوُجُودِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ فَإنَّ العَنَتَ – أيِ: الوُقُوعَ في المَشَقَّةِ والهَلاكِ - أمْرٌ مُغايِرٌ لِطاعَتِهِ - ﷺ – لَهُمْ، مُتَرَتِّبٌ عَلَيْها في الوُجُودِ، أوْ يَكُونَ فَرْدًا كامِلًا مِن أفْرادِهِ مُمْتازًا عَنِ البَقِيَّةِ بِأمْرٍ يَخُصُّهُ كَما في الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ ونَظائِرِها، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا فَظِيعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ إذا فُسِّرَ الجَوابُ بِالِاسْتِئْصالِ، فَإنَّهُ فَرْدٌ كامِلٌ مِن أفْرادِ مُطَلَّقِ المُؤاخَذَةِ، قَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في الدَّلالَةِ عَلى الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، فَحَسَنُ مَوْقِعُهُ في مَعْرِضِ التّالِي لِلْمُؤاخَذَةِ المُطْلَقَةِ.

وَأمّا ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ القَضاءِ فَلَيْسَ بِأمْرٍ مُغايِرٍ لِتَعْجِيلِ الشَّرِّ في نَفْسِهِ وهو ظاهِرٌ، بَلْ هو إمّا نَفْسُهُ أوْ جُزْئِيٌّ مِنهُ كَسائِرِ جُزْئِيّاتِهِ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ عَلى البَقِيَّةِ، إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ما لَيْسَ في مَفْهُومِ تَعْجِيلِ الشَّرِّ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَلا يَكُونُ في تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ - وُجُودًا أوْ عَدَمًا - مَزِيدُ فائِدَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِجَعْلِهِ تالِيًا لَهُ، فالحَقُّ أنَّ المُقَدَّمَ لَيْسَ نَفْسَ التَّعْجِيلِ المَذْكُورِ، بَلْ هو إرادَتُهُ المُسْتَتْبِعَةُ لِلْقَضاءِ المَذْكُورِ وُجُودًا وعَدَمًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ أيْ: لَوْ يُرِيدُ مُؤاخَذَتَهُمْ، فَإنَّ تَعْجِيلَ العَذابِ لَهم نَفْسُ المُؤاخَذَةِ، أوْ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِها غَيْرُ مُمْتازٍ عَنِ البَقِيَّةِ، فَلَيْسَ في بَيانِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْها - وُجُودًا أوْ عَدَمًا - مَزِيدُ فائِدَةٍ، وإنَّما الفائِدَةُ في بَيانِ تَرَتُّبِهِ عَلى إرادَتِها حَسْبَما ذُكِرَ، وأيْضًا في تَرَتُّبِ التّالِي عَلى إرادَةِ المُقَدَّمِ ما لَيْسَ في تَرَتُّبِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُمُورَ مَنُوطَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.

﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ، وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تُنْبِئُ عَنْهُ الشَّرْطِيَّةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ (p-126)الحِكْمَةُ فَنَتْرُكُهم إمْهالًا واسْتِدْراجًا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الَّذِي هو عَدَمُ رَجاءِ اللِّقاءِ، وإنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ وما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ ومَقالاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، فَفي وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ نَوْعُ بَيانٍ لِلطُّغْيانِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشْعارٌ بِعِلِّيَّتِهِ لِلتَّرْكِ والِاسْتِدْراجِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском