Abu as-Su'udYunus · 10:83–98

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:83–98

10:83Page 218

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣

But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قَدْ فُصِّلَ في مَواقِعَ أُخَرَ، أيْ: (فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي تَلَقَّفَ ما يَأْفِكُونَ) ... إلَخْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ، وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مِمّا لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا، وعَطْفُهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ - مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًا - مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ - لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، أيْ: فَما آمَنَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ ﴿إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ: إلّا أوْلادٌ مِن أوْلادِ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، والذُّرِّيَّةُ طائِفَةٌ مِن شَبابِهِمْ آمَنُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وامْرَأتُهُ آسِيَةُ، وخازِنُهُ وامْرَأتُهُ، وماشِطَتُهُ، وهو بَعِيدٌ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ أيْ: كائِنِينَ عَلى خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، والجُمَعُ لِما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ، ولا يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ عُلُوِّهِ في الفَسادِ وغُلُوِّهِ في الشَّرِّ، والتَّسَلُّطِ عَلى العِبادِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ آلُهُ، كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ، أوْ لِلذَّرِّيَّةِ، أوْ لِلْقَوْمِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وعَلى أنْفُسِهِمْ.

﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (p-171)أيْ: يُعَذِّبَهُمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ مَفْعُولُ (خَوْفٍ) فَإنَّ إعْمالَ المَصْدَرِ المُنَكَّرِ كَثِيرٌ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ الآمِرُ بِالتَّعْذِيبِ.

﴿وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ لَغالِبٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في الظُّلْمِ والفَسادِ بِالقَتْلِ وسَفْكِ الدِّماءِ، أوْ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الربوبية واسْتَرَقَّ أسْباطَ الأنْبِياءِ، والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.

10:84Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."

﴿وَقالَ مُوسى﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ: ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ وبِهِ ثِقُوا ولا تَخافُوا أحَدًا غَيْرَهُ، فَإنَّهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ؛ فَإنَّ المُعَلَّلَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ وُجُودُهُ، فَإنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُهُ: إنْ أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فَأحْسِنْ إلَيْهِ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ.

10:85Page 218

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

﴿فَقالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، ثُمَّ دَعَوُا رَبَّهم قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْقِعَ فِتْنَةٍ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا حَتّى يُعَذِّبُونا، أوْ يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، أوْ يُفْتَتَنُوا بِنا، ويَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أُصِيبُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

10:86Page 218

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ دُعاءٌ مِنهم بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وشُؤْمِ مُصاحَبَتِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ، وفي تَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى التَّوَكُّلِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى:

10:87Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، أيِ: اتَّخِذا مَباءَةً ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تَسْكُنُونَ فِيها وتَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ ﴿قِبْلَةً﴾ مُصَلًّى، وقِيلَ: مَساجِدَ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ، فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُصَلِّي إلَيْها ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: فِيها، أُمِرُوا بِذَلِكَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا إجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ والجَنَّةِ في العُقْبى، وإنَّما ثُنِّيَ الضَّمِيرُ أوَّلًا؛ لِأنَّ التَّبَوُّؤَ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدَ مِمّا يَتَوَلّاهُ رُؤَساءُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جُمِعَ؛ لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَفْعَلُهُ كُلُّ أحَدٍ، ثُمَّ وُحِّدَ؛ لِأنَّ بِشارَةَ الأُمَّةِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ، ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ القَوْمِ لِمَدْحِهِمْ بِالإيمانِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَدارُ في التَّبْشِيرِ.

10:88Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

(p-172)﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ: ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها ﴿وَأمْوالا﴾ وأنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عُلِمَ بِمُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ، وقِيلَ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتَيْتَ) أوْ لِلْعِلَّةِ؛ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ؛ ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها ذَرِيعَةً إلى الضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا، فَيَكُونُ "رَبَّنا" تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا أوْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ الطَّمْسُ المَحْوُ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: أهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ: اجْعَلْها قاسِيَةً، واطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ، كَما هو قَضِيَّةُ شَأْنِهِمْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ، أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى (لِيَضِلُّوا) وما بَيْنَهُما دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ.

10:89Page 219

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

[Allāh] said, "Your supplication has been answered."1 So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ، كَما يُشْعِرُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ ﴿فاسْتَقِيما﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوى وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ، رُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِعاداتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ، أوْ سَبِيلَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ (وَلا تَتْبَعانِ) مِن تَبِعَ، (وَلا تَتَّبِعانِ) أيْضًا.

10:90Page 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ إذا تَخَطّاهُ وخَلَّفَهُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ، بِأنْ جَعَلْناهُ يَبَسًا، وحَفِظْناهم حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، وقُرِئَ (جَوَّزْنا) وهو مِنَ التَّجْوِيزِ المُرادِفِ لِلْمُجاوَزَةِ لا مِمّا هو بِمَعْنى التَّنْفِيذِ نَحْوُ ما وقَعَ في قَوْلِ الأعْشى:

؎ كَما جَوَّزَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ

وَإلّا لَقِيلَ: وجَوَّزْنا بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ، ولَخَلا النَّظْمُ الكَرِيمُ عَنِ الإيذانِ بِانْفِصالِهِمْ عَنِ البَحْرِ، وبِمُقارَنَةِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ لَهم عِنْدَ الجَوازِ، كَما هو المَشْهُورُ في الفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ.

﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ يُقالُ: تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ إذا كانَ سَبَقَكَ فَلَحِقَتْهُ، أيْ: أدْرَكَهم ولَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ حَتّى تَراءَتِ الفِئَتانِ وكادَ يَجْتَمِعُ الجَمْعانِ ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ ظُلْمًا واعْتِداءً، (p-173)أيْ: باغِينَ وعادِينَ، أوْ لِلْبَغْيِ والعُدْوانِ، وقُرِئَ (وَعَدُوًّا) وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ بِهِ تَبِعَهم حَتّى لَحِقَهُمْ، ووَصَلَ إلى السّاحِلِ، وهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، ومَسْلَكُهم باقٍ عَلى حالِهِ يَبَسًا فَسَلَكَهُ بِجُنُودِهِ أجْمَعِينَ، فَلَمّا دَخَلَ آخِرُهم وهَمَّ أوَّلُهم بِالخُرُوجِ غَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم.

﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وألْجَمَهُ ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ﴾ أيْ: بِأنَّهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وقُرِئَ (إنَّهُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ بَدَلًا مِن (آمَنتُ) وتَفْسِيرٌ لَهُ ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ لَمْ يَقُلْ كَما قالَهُ السحرةُ: ( ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ) بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ، وجَعَلَ صِلَتَهُ إيمانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ تَعالى لِلْإشْعارِ بِرُجُوعِهِ عَنِ الِاسْتِعْصاءِ وبِاتِّباعِهِ لِمَن كانَ يَسْتَتْبِعُهُمْ؛ طَمَعًا في القَبُولِ والِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكِ النَّجاةِ.

﴿وَأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أسْلَمُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ أيْ: جَعَلُوها سالِمَةً خاصَّةً لَهُ تَعالى، وأرادَ بِهِمْ إمّا بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً، وإمّا الجِنْسَ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ: عَطْفٌ عَلى (آمَنتُ) وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِادِّعاءِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وعَلى الثّانِي: يَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: آمَنتُ مُخْلِصًا لِلَّهِ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، ولَقَدْ كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ بِثَلاثِ عِباراتٍ؛ حِرْصًا عَلى القَبُولِ المُفْضِي إلى النَّجاةِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ بَعْدَما فاتَ ما فاتَ وأتى ما هو آتٍ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

10:91Page 219

ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

﴿آلْآنَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ، أيْ: فَقِيلَ: الآنَ، وهو إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آيَةً﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الغَضَبِ عَلى المَخْذُولِ، ومُقابَلَةُ ما أظْهَرَهُ بِالرَّدِّ عَلى وجْهِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ عَلى تَأْخِيرِهِ وتَقْرِيعِهِ بِالعِصْيانِ والإفْسادِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي حَذْفِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وإبْرازِ الخَبَرِ المَحْكِيِّ في صُورَةِ الإنْشاءِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ وشَدَّةِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ دَسَّ فاهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِحالِ البَحْرِ وسَدَّهُ بِهِ، فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدِّ القَوْلَيِّ بِالرَّدِّ الفِعْلِيِّ، ولا يُنافِيهِ تَعْلِيلُهُ بِمَخافَةِ إدْراكِ الرَّحْمَةِ، فِيما نُقِلَ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ««فَلَوْ رَأيْتَنِي يا مُحَمَّدُ وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ؛ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ»» إذِ المُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، أيِ: النَّجاةُ الَّتِي هي طِلْبَةُ المَخْذُولِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها صِحَّةُ الإيمانِ - كَما في إيمانِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَلْزَمَ مِن كَراهَتِهِ ما لا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الرِّضا بِالكُفْرِ، إذْ لا اسْتِحالَةَ في تَرَتُّبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في حالَةِ البَأْسِ واليَأْسِ، فَيُحْمَلُ دَسُّهُ ﷺ عَلى سَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ لِكَمالِ الغَيْظِ وشِدَّةِ الحَرْدِ، فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

وَحَقُّ العامِلِ في الظَّرْفِ أنْ يُقَدَّرَ مُؤَخَّرًا لِيَتَوَجَّهَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ إلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى حَدٍّ يَمْتَنِعُ قَبُولُهُ فِيهِ، أيِ: الآنَ تُؤْمِنُ حِينَ يَئِسْتَ مِنَ الحَياةِ، وأيْقَنْتَ بِالمَماتِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، جِيءَ بِهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى هَذا الآنَ، بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ لِعَدَمِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ولا لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ في دَلائِلِهِ وآياتِهِ ولا لِشَيْءٍ آخَرَ مِمّا عَسى يُعَدُّ عُذْرًا في التَّأْخِيرِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الرَّدِّ والِاسْتِعْصاءِ والإفْسادِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى "عَصَيْتَ" داخِلٌ في حَيِّزِ الحالِ، أيْ: وكُنْتَ مِنَ الغالِينَ في الضَّلالِ الإضْلالِ عَنِ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم (p-174)عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ فَهَذا عِبارَةٌ عَنْ فَسادِهِ الرّاجِعِ إلى نَفْسِهِ، والسّارِي إلى غَيْرِهِ مِنَ الظُّلْمِ والتَّعَدِّي، وصَدِّ بَنِي إسْرائِيلَ عَنِ الإيمانِ، والأوَّلُ عَنْ عِصْيانِهِ الخاصِّ بِهِ.

10:92Page 219

فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢

So today We will save you in body1 that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless.

﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أيْ: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ونَجْعَلُكَ طافِيًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالتَّنْجِيَةِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ مُرادَهُ بِالإيمانِ هو النَّجاةُ - كَما مَرَّ - وتَهَكُّمٌ بِهِ، أوْ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ لِيَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ، وقُرِئَ (نُنْجِيكَ) مِنَ الإنْجاءِ، و(نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةِ السّاحِلِ ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ: نُنْجِيكَ مُلابِسًا بِبَدَنِكَ فَقَطْ لا مَعَ رُوحِكَ كَما هو مَطْلُوبُكَ، فَهو تَخْيِيبٌ لَهُ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِ بِالمَرَّةِ، أوْ عارِيًا عَنِ اللِّباسِ، أوْ كامِلًا سَوِيًّا، أوْ بِدِرْعِكَ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِنَ الذَّهَبِ يُعْرَفُ بِها، وقُرِئَ (بِأبْدانِكَ) أيْ: بِأجْزاءِ بَدَنِكَ كُلِّها، كَقَوْلِهِمْ: هَوى بِأجْرامِهِ، أوْ بِدُرُوعِكَ، كَأنَّهُ كانَ مُظاهِرًا بَيْنَها.

﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عَظَمَتِهِ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يُهْلَكُ، حَتّى يُرْوى أنَّهم لَمْ يُصَدِّقُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهم بِغَرَقِهِ إلى أنْ عايَنُوهُ مُطَّرَحًا عَلى مَمَرِّهِمْ مِنَ السّاحِلِ، أوْ تَكُونَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ الأُمَمِ - إذا سَمِعُوا مَآلَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَكَ - عِبْرَةً ونَكالًا مِنَ الطُّغْيانِ، أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ - وإنْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وعُلُوِّ الكِبْرِياءِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ - فَهو مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الربوبية، وقُرِئَ (لِمَن خَلَفَكَ) فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: لِمَن خَلَفَكَ مِنَ الجَبابِرَةِ، وقُرِئَ (لِمَن خَلَقَكَ) بِالقافِ، أيْ: لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ الآياتِ، فَإنَّ إفْرادَهُ سُبْحانَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَصْدٌ مِنهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ، وإماطَةِ الشُّبْهَةِ في أمْرِكَ، وبُرْهانٌ نَيِّرٌ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته وحَكَمْتِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا الوَجْهُ مُحْتَمَلٌ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا، وفي تَعْلِيلِ تَنْجِيَتِهِ بِما ذُكِرَ إيذانٌ بِأنَّها لَيْسَتْ لِإعْزازِهِ، أوْ لِفائِدَةٍ أُخْرى عائِدَةٍ إلَيْهِ، بَلْ لِكَمالِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ وتَفْضِيحِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وزِيادَةِ تَفْظِيعِ حالِهِ، كَمَن يُقْتَلُ ثُمَّ يُجَرُّ جَسَدُهُ في الأسْواقِ، أوْ يُدارُ بِرَأْسِهِ في البِلادِ، واللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"نُنَجِّيكَ"، والثّانِيَةُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (آيَةً) أيْ: كائِنَةً لِمَن خَلْفَكَ.

﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، ولا يَعْتَبِرُونَ بِها، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، جِيءَ بِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ تَقْرِيرًا لِفَحْوى الكَلامِ المَحْكِيِّ.

10:93Page 219

وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣

And We had certainly settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ إثْرَ نِعْمَةِ الإنْجاءِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها، وأداءِ حُقُوقِها، أيْ: أسْكَنّاهم وأنْزَلْناهم بَعْدَما أنْجَيْناهم وأهْلَكْنا أعْداءَهم ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَنزِلًا صالِحًا مَرْضِيًّا، وهو الشّامُ ومِصْرُ مَلَكُوهُما بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وتَمَكَّنُوا (p-175)فِي نَواحِيهِما حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ .

﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: اللَّذائِذِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، أوْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا صِدْقَ نُبُوَّتِهِ وتَظاهُرَ مُعْجِزاتِهِ، فالمُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ أعْقابُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِالإثابَةِ والتَّعْذِيبِ.

10:94Page 219

فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤

So if you are in doubt, [O Muḥammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ: في شَكٍّ ما يَسِيرُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما هو تَعْلِيقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإمْكانِ شَيْءٍ مِنهُما، كَيْفَ لا وقَدْ يَكُونُ كِلاهُما مُمْتَنَعًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ونَظائِرِهِما ؟! ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القَصَصِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قِصَّةُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأخْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ عِنْدَهُمْ، ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ، حَسْبَما ألْقَيْنا إلَيْكَ، والمُرادُ إظْهارُ نُبُوَّتِهِ ﷺ بِشَهادَةِ الأحْبارِ، حَسْبَما هو المَسْطُورُ في كُتُبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ أصْلًا، أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ أوْ تَهْيِيجُهُ ﷺ وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ لا تَجْوِيزُ صُدُورِ الشَّكِّ مِنهُ ﷺ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ﴿لا أشُكُّ ولا أسْألُ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبٍ وأضْرابِهِمْ.

وَقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ: أُمَّتُهُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ، أيْ: إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلَنا إلَيْكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِالرُّجُوعِ إلى أهْلِ العِلْمِ، وقُرِئَ (فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكُتُبَ).

﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ولا رَيْبَ في حَقِّيَّتِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وظَهَرَ ذَلِكَ بِالآياتِ القاطِعَةِ الَّتِي لا يَحُومُ حَوْلَها شائِبَةُ الِارْتِيابِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ ما لا يَخْفي ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزْمِ واليَقِينِ، ودُمْ عَلى ذَلِكَ كَما كُنْتَ مِن قَبْلُ.

10:95Page 219

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥

And never be of those who deny the signs of Allāh and [thus] be among the losers.1

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، والمُرادُ بِهِ: إعْلامُ أنَّ التَّكْذِيبَ مِنَ القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ إمْكانُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ اتِّصافُهُ بِهِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِ الكَفَرَةِ ﴿فَتَكُونَ﴾ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أنْفُسًا وأعْمالًا.

10:96Page 219

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦

Indeed, those upon whom the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect will not believe,

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ إصْرارِ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، أيْ: ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ (p-176)بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويُخَلَّدُونَ في النّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخِرِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أبَدًا إذْ لا كَذِبَ لِكَلامِهِ ولا انْتِقاضَ لِقَضائِهِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا نافِعًا واقِعًا في أوانِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ مَثَلُ فِرْعَوْنَ باقِيًا عِنْدَ المَوْتِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُرْتَدُّونَ.

10:97Page 219

وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ واضِحَةُ المَدْلُولِ مَقْبُولَةٌ لَدى العُقُولِ؛ لِأنَّ سَبَبَ إيمانِهِمْ وهو تَعَلُّقُ إرادَتِهِ تَعالى بِهِ مَفْقُودٌ، لَكِنَّ فِقْدانَهُ لَيْسَ لِمَنعٍ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، بَلْ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المُتَفَرِّعِ عَلى عَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ.

10:98Page 220

فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment [i.e., provision] for a time.

﴿فَلَوْلا كانَتْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنِ اسْتِحالَةِ إيمانِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُهُ تَعالى لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّدارُكِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ الآتِي بَيانًا لِكَوْنِ قَوْمِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ لِاهْتِدائِهِمْ إلى التَّدارُكِ في وقْتِهِ و"لَوْلا" بِمَعْنى: هَلّا، وقُرِئَ (كَذَلِكَ) أيْ: فَلا كانَتْ ﴿قَرْيَةٌ﴾ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ ﴿آمَنَتْ﴾ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ويَكْشِفَ بِسَبَبِهِ العَذابَ عَنْها ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ قَوْمُ يُونُسَ ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ أوَّلَ ما رَأوْا أمارَةَ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوا إلى حُلُولِهِ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَعْدَما أظَلَّهم وكادَ يَحِلُّ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ حَرْفُ التَّخْصِيصِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، إذِ المُرادُ بِـ"القُرى": أهالِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَمِ العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ (لَمّا آمَنُوا)﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ نَفْعِ إيمانِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾ بِمَتاعِ الدُّنْيا بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم ﴿إلى حِينٍ﴾ مُقَدَّرٍ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

رُوِيَ أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بُعِثَ إلى نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ فَذَهَبَ عَنْهم مُغاضِبًا، فَلَمّا فَقَدُوهُ خافُوا نُزُولَ العَذابِ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وعَجُّوا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: قالَ لَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أجَلُكم أرْبَعُونَ لَيْلَةً، فَقالُوا: إنْ رَأيْنا أسْبابَ الهَلاكِ آمَنّا بِكَ، فَلَمّا مَضَتْ خَمْسٌ وثَلاثُونَ أغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ هائِلًا يُدَخِّنُ دُخانًا شَدِيدًا، ثُمَّ يَهْبِطُ حَتّى يَغْشى مَدِينَتَهُمْ، ويُسَوِّدَ سُطُوحَهُمْ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وبَرَزُوا إلى الصَّعِيدِ بِأنْفُسِهِمْ، ونِسائِهِمْ، وصِبْيانِهِمْ، ودَوابِّهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، وبَيْنَ الدَّوابِّ وأوْلادِها، فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وعَلَتِ الأصْواتُ والعَجِيجُ، وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ، وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهُمْ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَقْتَلِعُ الحَجَرَ - وقَدْ وضَعَ عَلَيْهِ أساسَ بِنائِهِ - فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: خَرَجُوا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ بِنا العَذابُ، فَما تَرى؟ فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيَّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوها، (p-177)فَكُشِفَ عَنْهم.

وَعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالُوا: إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ، وأنْتَ أعْظَمُ مِنها وأجَلُّ، افْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ، ولا تَفْعَلْ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском