Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Hud 11:96–111
11:96Page 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
" ولِقَدٍّ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا "وَهِيَ الآياتُ التِّسْعُ المُفَصَّلاتُ، الَّتِي هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ، والأنْفُسِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُما آيَةً واحِدَةً، وعَدَّ مِنها إظْلالَ الجَبَلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لِقَبُولِ أحْكامِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( ﴿أرْسَلْنا﴾ ) أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرِهِ المُؤَكَّدِ، أيْ: أرْسَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا، أوْ أرْسَلْناهُ إرْسالًا مُلْتَبِسًا بِها.
﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ مِنها، أوْ هو العَصا، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها لِكَوْنِها أبْهَرَها، أوِ المُرادُ بِالآياتِ ما عَداها، أوْ هُما عِبارَتانِ عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، أيْ: أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وبَيْنَ كَوْنِهِ سُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ، أوْ مُوَضِّحًا إيّاها، مِن أبانَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، أوْ هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما بَيَّنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَضاعِيفِ دَعْوَتِهِ حِينَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ:" مَن رَبِّكُما " فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ) مِنَ الحَقائِقِ الرّائِقَةِ والدَّقائِقِ اللّائِقَةِ، وجَعْلُهُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ أوْ إدْراجُها في جُمْلَةِ الآياتِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
11:97Page 232
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً؛ لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، وتَخْصِيصُ مَلَئِهِ بِالذِّكْرِ - مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كافَّةً - لِأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ، وتَدْبِيرِ الأُمُورِ، واتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ.
وَإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِكَفْرِ فِرْعَوْنَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وانْهِماكُهُ فِيما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ - بَلِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ شَأْنِ مَلَئِهِ فَقِيلَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الحَقِّ المُبِينِ - لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ حالِهِ، فَكَأنَّ كُفْرَهُ وأمْرَ مَلَئِهِ بِذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ الوُجُودِ، غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الذِّكْرِ صَرِيحًا، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ شَأْنُ مَلَئِهِ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ هادٍ إلى الحَقِّ وداعٍ إلى الضَّلالِ، فَنَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ.
وَإيرادُ الفاءِ في اتِّباعِهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلى أمْرِ فِرْعَوْنَ المَبْنِيِّ عَلى كُفْرِهِ المَسْبُوقِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في الِاتِّباعِ، ومُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الكُفْرِ، وأمْرِهِمْ بِهِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يَتَراخَ عَنِ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ، بَلْ وقَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ في وقْتٍ واحِدٍ، فَوَقَعَ إثْرَ ذَلِكَ اتِّباعُهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ فِرْعَوْنَ شَأْنُهُ المَشْهُورُ، وطَرِيقَتُهُ الزّائِغَةُ، فَيَكُونُ مَعْنى: "فاتَّبَعُوا" فاسْتَمَرُّوا عَلى الِاتِّباعِ، والفاءُ (p-239)مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: (وَعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ) فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ - لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ، وصُنْعٌ حادِثٌ، فَتَأمَّلْ.
وَتَرْكُ الإضْمارِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الرُّجُوعِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ المُتَّبِعِينَ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ عَلَمٌ في الفَسادِ والإفْسادِ والضَّلالِ والإضْلالِ، فاتِّباعُهُ لِفَرْطِ الجَهالَةِ وعَدَمِ الِاسْتِبْصارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ الرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ، وقَدْ يُرادُ بِهِ مَحْمُودِيَّةُ العاقِبَةِ، فَهو عَلى الأوَّلِ - بِمَعْنى المُرْشِدِ أوْ ذِي الرُّشْدِ - حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وعَلى الثّانِي مَجازٌ، والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ.
11:98Page 233
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ جَمِيعًا مِنَ الأشْرافِ وغَيْرِهِمْ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَتَقَدَّمُهم مِن قَدِمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِ في الآخِرَةِ، أيْ: كَما كانَ قُدْوَةً لَهم في الضَّلالِ كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ، وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ لِتَوْضِيحِ عَدَمِ صَلاحِ مَآلِ أمْرِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أيْ: يُورِدُهُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ، شُبِّهَ فِرْعَوْنُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وأتْباعُهُ بِالوارِدَةِ، والنّارُ بِالماءِ الَّذِي يَرِدُونَهُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ.
11:99Page 233
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أيِ: المَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿لَعْنَةً﴾ عَظِيمَةً، حَيْثُ يَلْعَنُهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا، حَيْثُ يَلْعَنُهم أهْلُ المَوْقِفِ قاطِبَةً، فَهي تابِعَةٌ لَهم حَيْثُما سارُوا، دائِرَةٌ مَعَهم أيْنَما دارُوا في المَوْقِفِ، فَكَما اتَّبَعُوا فِرْعَوْنَ اتَّبَعَتْهُمُ اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ جَزاءً وِفاقًا، واكْتُفِيَ بِبَيانِ حالِهِمُ الفَظِيعِ وشَأْنِهِمُ الشَّنِيعِ عَنْ بَيانِ حالِ فِرْعَوْنَ؛ إذْ حِينَ كانَ حالُهم هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن أغْواهم وألْقاهم في هَذا الضَّلالِ البَعِيدِ، وحَيْثُ كانَ شَأْنُ الأتْباعِ أنْ يَكُونُوا أعْوانًا لِلْمَتْبُوعِ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ رِفْدًا لَهم عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، فَقِيلَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وقَدْ فُسِّرَ الرِّفْدُ بِالعَطاءِ، ولا يُلائِمُهُ المَقامُ، وأصْلُهُ ما يُضافُ إلى غَيْرِهِ لِيُعَمِّدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: رِفْدُهُمْ، وهي اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ، وكَوْنُهُ مَرْفُودًا مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ لَعْنَةٍ مِنها مُعِينَةٌ ومُمِدَّةٌ لِصاحِبَتِها، ومُؤَيِّدَةٌ لَها.
11:100Page 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قُصَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ، وبُعْدُهُ بِاعْتِبارِ تَقَضِّيهِ في الذِّكْرِ والخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلَكَةِ بِما جَنَتْهُ أيْدِي أهْلِها ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، حُذِفَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، شُبِّهَ ما بَقِيَ مِنها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ وما عَفا وبَطَلَ بِالحَصِيدِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
11:101Page 233
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
(p-240)﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِأنْ أهْلَكْناهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ جَعَلُوها عُرْضَةً لِلْهَلاكِ بِاقْتِرافِ ما يُوجِبُهُ ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فَما نَفَعَتْهُمْ، ولا دَفَعَتْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُوثِرَ صِيغَةُ المُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، أوْ دَلالَةً عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمْ لَها ﴿مِن شَيْءٍ﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ: حِينَ مَجِيءِ عَذابِهِ، وهو مَنصُوبٌ بِـ(أغْنَتْ) وقُرِئَ (آلِهَتُهُمُ اللّاتِي) و(يُدْعَوْنَ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: إهْلاكٍ وتَخْسِيرٍ، فَإنَّهم إنَّما هَلَكُوا وخَسِرُوا بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ لَها.
11:102Page 233
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وهو رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ وقُرِئَ (أخَذَ رَبُّكَ) فَمَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْها لِلْإشْعارِ بَسَرَيانِ أثَرِهِ إلَيْها حَسْبَما ذُكِرَ، وقُرِئَ (إذْ أخَذَ) ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ مِنَ القُرى، وهي في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها، لَكِنَّها لَمّا أُقِيمَتْ مَقامَهم في الأخْذِ أُجْرِيَتِ الحالُ عَلَيْها، وفائِدَتُها الإشْعارُ بِأنَّهم إنَّما أُخِذُوا بِظُلْمِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِكُلِّ ظالِمٍ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجِيعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ لا يُرْجى مِنهُ الخَلاصُ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ.
11:103Page 233
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في أخْذِهِ تَعالى لِلْأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أوْ في قَصَصِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فَإنَّهُ المُعْتَبَرُ بِهِ، حَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ عَلى أحْوالِ عَذابِ الآخِرَةِ.
وَأمّا مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ العالَمِ - وزَعَمَ أنْ لَيْسَ هو ولا شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ مُسْتَنِدًا إلى الفاعِلِ المُخْتارِ، وأنَّ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ فَإنَّما يَقَعُ لِأسْبابٍ تَقْتَضِيهِ مِن أوْضاعٍ فَلَكِيَّةٍ تَتَّفِقُ في بَعْضِ الأوْقاتِ لا لِما ذُكِرَ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَقْتَرِفُها الأُمَمُ الهالِكَةُ - فَهو بِمَعْزِلٍ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، تَبًّا لَهم ولِما لَهم مِنَ الأفْكارِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ: يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ، والتَّغْيِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، وعَدَمِ انْفِكاكِ النّاسِ عَنْهُ، فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ .
﴿وَذَلِكَ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ - مَعَ مُلاحَظَةِ عُنْوانِ جَمْعِ النّاسِ لَهُ - ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: مَشْهُودٌ فِيهِ، حَيْثُ يَشْهَدُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، فاتُّسِعَ فِيهِ بِإجْراءِ الظَّفَرِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ في مَحْفِلٍ مِن نَواصِي النّاسِ مَشْهُودِ
أيْ: كَثِيرٌ شاهِدُوهُ، ولَوْ جُعِلَ نَفْسُ اليَوْمِ مَشْهُودًا لَفاتَ ما هو الغَرَضُ مِن تَعْظِيمِ اليَوْمِ وتَهْوِيلِهِ وتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ؛ فَإنَّ سائِرَ الأيّامِ أيْضًا كَذَلِكَ.
11:104Page 233
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
And We do not delay it except for a limited term.
﴿وَما (p-241)نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمَ المَلْحُوظَ بِعُنْوانَيِ الجَمْعِ والشُّهُودِ ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ إلّا لِانْقِضاءِ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ مَضْرُوبَةٍ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
11:105Page 233
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ: حِينَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ المُؤَخَّرُ بِانْقِضاءِ أجْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَة " وقِيلَ: يَوْمَ يَأْتِي الجَزاءُ الواقِعُ فِيهِ، وقِيلَ: أيِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْخِيمِ شَأْنِ اليَوْمِ، وقُرِئَ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أيْ: لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنَجِّي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهو العامِلُ في الظَّرْفِ أوِ الِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي، أوِ المُضْمَرُ المَعْهُودُ أعْنِي (اذْكُرْ) ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ - عَزَّ سُلْطانُهُ - في التَّكَلُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ مِن مَواقِفِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ في آخَرَ مِنها، أوِ المَأْذُونُ فِيهِ الجَواباتُ الحَقَّةُ، والمَمْنُوعُ عَنْهُ الأعْذارُ الباطِلَةُ، نَعَمْ، قَدْ يُؤْذَنُ فِيها أيْضًا لِإظْهارِ بُطْلانِها، كَما في قَوْلِ الكَفَرَةِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ونَظائِرِهِ.
﴿فَمِنهم شَقِيٌّ﴾ وجَبَتْ لَهُ النّارُ بِمُوجِبِ الوَعِيدِ ﴿وَسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِنهم سَعِيدٌ، حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهو مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ بِمُقْتَضى الوَعْدِ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أوْ لِلنّاسِ، وتَقْدِيمُ الشَّقِيِّ عَلى السَّعِيدِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ.
11:106Page 233
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦
As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ، والشَّهِيقُ رَدُّهُ، واسْتِعْمالُهُما في أوَّلِ النَّهِيقِ وآخِرِهِ، قالَ الشَّمّاخُ يَصِفُ حِمارَ الوَحْشِ:
؎ بَعِيدُ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
والمُرادُ بِهِما وصْفُ شِدَّةِ كَرْبِهِمْ، وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَنِ اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ الحَرارَةُ، وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ صُراخِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ، وقُرِئَ (شُقُوا) بِالضَّمِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّ سائِلًا قالَ: ما شَأْنُهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهم فِيها كَذا وكَذا، أوْ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ النّارِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ:
11:107Page 233
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧
[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خَلًا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ حُدُوثُ كَوْنِهِمْ في النّارِ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِهِما، وهَذا التَّوْقِيتُ عِبارَةٌ عَنِ التَّأْيِيدِ ونَفْيِ الِانْقِطاعِ بِناءً عَلى مِنهاجِ قَوْلِ العَرَبِ: ما دامَ تُعارُ، وما أقامَ ثَبِيرٌ، وما لاحَ كَوْكَبٌ، وما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَّأْبِيدِ لا تَعْلِيقِ قَرارِهِمْ فِيها بِدَوامِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ النُّصُوصَ القاطِعَةَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ قَرارِهِمْ فِيها وانْقِطاعِ دَوامِهِما، وإنْ أُرِيدَ التَّعْلِيقُ فالمُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النُّصُوصُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ وجَزْمُ كُلِّ أحَدٍ بِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ (p-242)لا بُدَّ لَهم مِن مِظَلَّةٍ ومِقَلَّةٍ دائِمَتَيْنِ يَكْفِي في تَعْلِيقِ دَوامِ قَرارِهِمْ فِيها بِدَوامِهِما، ولا حاجَةَ إلى الوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِما وكَيْفِيّاتِهِما.
﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ غَيْرَ أنَّ اسْتِحالَةَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مَعْلُومَةٌ بِحُكْمِ العَقْلِ، واسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِعَدَمِ الخُلُودِ مَعْلُومَةٌ بِحُكْمِ النَّقْلِ، يَعْنِي أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في النّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ إلّا في زَمانِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ قَرارِهِمْ فِيها، وإذْ لا إمْكانَ لِتِلْكَ المَشِيئَةِ ولا لِزَمانِها بِحُكْمِ النُّصُوصِ القاطِعَةِ المُوجِبَةِ لِلْخُلُودِ فَلا إمْكانَ لِانْتِهاءِ مُدَّةِ قَرارِهِمْ فِيها، ولِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن كَوْنِ اسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الخُلُودِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ في تَخْلِيدِ الأشْقِياءِ في النّارِ - بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ خِلافَةِ - فَعّالٌ بِمُوجِبِ إرادَتِهِ، قاضٍ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ الجارِيَةِ عَلى سُنَنِ حِكْمَتِهِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْتِيبِ الأجْزِيَةِ عَلى أفْعالِ العِبادِ، والعُدُولُ مِنَ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النّارِ، فَإنَّهم لا يُخَلَّدُونَ فِيهِ، بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، وبِأنْواعٍ أُخَرَ مِنَ العَذابِ، وبِما هو أغْلَظُ مِنها كُلِّها، وهو سَخَطُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وخَسْؤُهُ لَهم وإهانَتُهُ إيّاهم.
وَأنْتَ تَدْرِي أنّا - وإنَّ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِالنّارِ لَيْسَ مُطْلَقَ دارِ العَذابِ المُشْتَمِلَةِ عَلى أنْواعِ العَذابِ، بَلْ نَفْسَ النّارِ - فَما خَلا عَذابَ الزَّمْهَرِيرِ مِن تِلْكَ الأنْواعِ مُقارِنٌ لِعَذابِ النّارِ، فَلا مِصْداقَ في ذَلِكَ لِلِاسْتِثْناءِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهم لَيْسُوا بِمُخَلَّدِينَ في العَذابِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو عَذابُ النّارِ، بَلْ لَهم مِن أفانِينِ العَذابِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهي العُقُوباتُ والآلامُ الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي لا يَقِفُ عَلَيْها في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا المُنْغَمِسُونَ في أحْكامِ الطَّبِيعَةِ، المَقْصُورُ إدْراكُهم عَلى ما ألِفُوا مِنَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ولَيْسَ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ لِتَلَقِّي ما وراءَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ إذا أُلْقِيَ إلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ لِبَيانِهِ، واكْتُفِيَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ الإجْمالِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّهْوِيلِ، وهَذِهِ العُقُوباتُ - وإنْ كانَ تَعْتَرِيهِمْ وهم في النّارِ - لَكِنَّهم يَنْسَوْنَ بِها عَذابَ النّارِ، ولا يُحِسُّونَ بِهِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ كافِيَةٌ في تَحْقِيقِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ هَذا، وقَدْ قِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى (سِوى) وهو أوْفَقُ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: "ما" بِمَعْنى (مَن) عَلى إرادَةِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ شَقُوا في النّارِ مُقَدَّرِينَ الخُلُودَ فِيها إلّا الَّذِينَ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ خُلُودِهِمْ فِيها وهم عُصاةُ المُؤْمِنِينَ.
11:108Page 233
۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨
And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.
﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما سَبَقَ، خَلا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا أنَّ لَهم فِيها بَهْجَةً وسُرُورًا، كَما ذُكِرَ في أهْلِ النّارِ مِن أنَّهُ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها" يَقْتَضِي إعْطاءً وإنْعامًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُعْطِيهِمْ عَطاءً، وهو إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ هو الإعْطاءُ، أوْ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم (p-243)مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وإنْ حُمِلَ عَلى ما أعَدَّ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ مِنَ النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ - الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ - فَهو نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ المُقَدَّرِ لِلْمَشِيئَةِ، أوْ تَمْيِيزٌ؛ فَإنَّ نِسْبَةَ مَشِيئَةِ الخُرُوجِ إلى اللَّهِ تَعالى يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ (عَطاءٍ مَجْذُوذٍ) وعَلى جِهَةِ (عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ) فَهو رافِعٌ لِلْإبْهامِ عَنِ النِّسْبَةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالَّذِي يَشاءُ لِأهْلِ الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿ (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)﴾ ولَمْ يُخْبِرْنا بِالَّذِي يَشاءُ لِأهْلِ النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِكِلا النَّعِيمَيْنِ أوْ بِالأوَّلِ؛ دَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ مِنِ انْقِطاعِهِ.
11:109Page 234
فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩
So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ: في شَكٍّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قُصَّ مِنَ القَصَصِ وبُيِّنَ في تَضاعِيفِها مِنَ العَواقِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وسُوءِ عاقِبَتِها، أوْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأوْثانِ في عَدَمِ نَفْعِهِ لَهُمْ، ولَمّا كانَ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ قُبَيْلَ الشُّرُوعِ في القَصَصِ لِبَيانِ غايَةِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ضُرِبَ لَهم مَثَلٌ فَقِيلَ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَدْ قُصَّ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ رُسُلِهِمُ المَبْعُوثَةِ إلَيْهِمْ ما يَتَذَكَّرُ بِهِ المُتَذَكِّرُ - نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَوْنِهِ في شَكٍّ مِن مَصِيرِ أمْرِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في العاجِلِ والآجِلِ، ثُمَّ عُلِّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ فَقِيلَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ الَّذِينَ قُصَّتْ عَلَيْكَ قَصَصُهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ، ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَتِهِمْ، أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ ما عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أوْ مِثْلَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ، فَحُذِفَ (كانَ) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) عَلَيْهِ، ولَقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ بِآبائِهِمْ، فَسَيَلْحَقُهم مِثْلُ ذَلِكَ، فَإنَّ تَماثُلَ الأسْبابِ يَقْتَضِي تَماثُلَ المُسَبَّباتِ ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ أيْ: حَظَّهُمُ المُعَيَّنَ لَهم حَسَبَ جَرائِمِهِمْ وجَرائِرِهِمْ مِنَ العَذابِ عاجِلًا وآجِلًا، كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهُمُ المُقَدَّرَةَ لَهُمْ، أوْ مِنَ الرِّزْقِ المَقْسُومِ لَهُمْ، فَيَكُونُ بَيانًا لِوَجْهِ تَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ النَّصِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، وجَعْلُها مُقَيِّدَةً لَهُ لِدَفْعِ احْتِمالِ كَوْنِهِ مَنقُوصًا في حَدِّ نَفْسِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِ العامِلِ هو التَّوْفِيَةَ، فَتَأمَّلْ.
11:110Page 234
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠
And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةُ ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ، فَلا تُبالِ بِاخْتِلافِ قَوْمِكَ فِيما آتَيْناكَ مِنَ القرآن، وقَوْلِهِمْ: "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ" وزَعْمِهِمْ أنَّكَ افْتَرَيْتَهُ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ (p-244)مِن رَبِّكَ﴾ وهي كَلِمَةُ القَضاءِ بِإنْظارِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى حَسَبِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِأُوقِعَ القَضاءُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن قَوْمِكَ بِإنْزالِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُونَ؛ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ عَنِ المُحِقِّينَ، وقِيلَ: بَيْنَ قَوْمِ مُوسى ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وَإنَّهُمْ﴾ أيْ: وإنَّ كَفّارَ قَوْمِكَ، أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَن رَجَعَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (بَيْنَهُمْ) لِلْأمْنِ مِنَ الإلْباسِ ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ عَظِيمٍ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القرآن، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ؛ فَإنَّ ذِكْرَ إيتاءِ كِتابِ مُوسى ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيهِ - لا سِيَّما بِصَدَدِ التَّسْلِيَةِ - يُنادِي بِهِ نِداءً غَيْرَ خَفِيٍّ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ.
11:111Page 234
وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١
And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.
﴿وَإنَّ كُلا﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وإنْ كُلُّ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أجْزِيَةَ أعْمالِهِمْ، واللّامُ الأُولى مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، والثّانِيَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، ولَمّا مُرَكَّبَةٌ مِنَ الجارَّةِ وما المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ، وأصْلُها لَمِن فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ فاجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٍ، فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمِنَ الَّذِي، أوْ لَمِن خَلْقٍ، أوْ لَمِن فَرِيقٍ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، وقُرِئَ (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ ما مَزِيدَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ اللّامَيْنِ، والمَعْنى: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) الآيَةَ، وقُرِئَ (لَمًّا) بِالتَّنْوِينِ، أيْ: جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ: (وَإنْ كُلٌّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) عَلى أنَّ "إنْ" نافِيَةٌ و"لَمّا" بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِحَيْثُ لا يَخْفي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن تَوْفِيَةِ أجْزِيَةِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ الإحاطَةَ بِتَفاصِيلِ أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ وما يَسْتَوْجِبُهُ كُلُّ عَمَلٍ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِنَ الجَزاءِ المَخْصُوصِ تُوجِبُ تَوْفِيَةَ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences