Abu as-Su'udHud · 11:7–15

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Hud 11:7–15

11:7Page 222

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، والأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وما عَلَيْها مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في يَوْمَيْنِ، حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ (حم) السَّجْدَةِ، ولَمْ يُذْكَرْ خَلْقُ ما في الأرْضِ لِكَوْنِهِ مِن تَتِمّاتِ خَلْقِها، وهو السِّرُّ في جَعْلِ الزَّمانِ خَلْقِهِ تَتِمَّةً لِزَمانِ خَلْقِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، والمُرادُ بِالأيّامِ الأوْقاتُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أيْ: في سِتَّةٍ أوْقاتٍ، أوْ مِقْدارِ سِتَّةٍ أيّامٍ، فَإنَّ اليَوْمَ في المُتَعارَفِ زَمانُ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ، وفي خَلْقِها مُدَرَّجًا - مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى خَلْقِها دُفْعَةً - دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ، وحَثٌّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ، وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَأمْرٌ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَقْتَضِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِها أجْرامًا مُخْتَلِفَةَ الطَّبائِعِ ومُتَفاوِتَةَ الآثارِ والأحْكامِ ﴿وَكانَ عَرْشُهُ﴾ قَبْلَ خَلْقِهِما ﴿عَلى الماءِ﴾ لَيْسَ تَحْتَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ، سَواءٌ كانَ بَيْنَهُما فُرْجَةً وكانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ - كَما ورَدَ في الأثَرِ - فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ، كَيْفَ لا ولَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِهِ لا عَلى إمْكانِهِ فَقَطْ، ولا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ ما حَدَثَ في العالَمِ بَعْدَ العَرْشِ - وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَهُما أقْدَمُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلنِّسْبَةِ بَيْنَهُما.

﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(خَلَقَ) أيْ: خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ، ورَتَّبَ فِيهِما جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَبادِئِ وُجُودِكُمْ، وأسْبابِ مَعايِشِكُمْ، وأوْدَعَ في تَضاعِيفِهِما مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ والعَبْرِ ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى مَطالِبِكُمُ الدِّينِيَّةِ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَيُجازِيكم بِالثَّوابِ والعِقابِ غِبَّ ما تَبَيَّنَ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، وامْتازَتْ دَرَجاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ طَبَقاتِ عُلُومِهِمْ، واعْتِقاداتِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أنْظارِهِمْ فِيما نُصِبَ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، والأماراتِ، والمَخايِلِ، ومَراتِبِ أعْمالِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعِلْمِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: "أيُّكم (p-188)أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ" فَإنَّ لِكُلٍّ مِنَ القَلْبِ والقالَبِ عَمَلًا مَخْصُوصًا بِهِ، فَكَما أنَّ الأوَّلَ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي فَكَذا الحالُ في عَمَلِهِ، كَيْفَ لا ولا عَمَلَ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الواجِبَةِ عَلى العِبادِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؟ وإنَّما طَرِيقُها النَّظَرِيُّ التَّفَكُّرُ في بَدائِعِ صَنائِعِ المَلِكِ الخَلّاقِ، والتَّدَبُّرُ في آياتِهِ البَيِّناتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، ولا طاعَةَ بِدُونِ فَهْمِ ما في مَطاوِي الكِتابِ الحَكِيمِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ مَدْخَلٌ في البابِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ﴾ قالُوا: وإنَّما كانَ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ في أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْمَلَ في اليَوْمِ بِجَوارِحِهِ مِثْلَ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى - أيْ: تَعْقِيبُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ لا التَّعْلِيقُ المَشْهُورُ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ إيرادِ المَفْعُولِ أصْلًا مَعَ اخْتِصاصِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ - لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالنَّظَرِ ونَظائِرِهِ، ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْراهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، أوِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ - مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُقَسَّمَةِ إلى الحَسَنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ - لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ - والمَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِمّا ذُكِرَ مِن إبْداعِ تِلْكَ البَدائِعِ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ الرّائِعِ - إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، وأنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ اللّائِقَةِ، وأكْمَلِ الأسالِيبِ الرّائِقَةِ، يُوجِبُ العَمَلَ بِمُوجَبِهِ بِحَيْثُ لا يَحِيدُ أحَدٌ عَنْ سُنَنِهِ المُسْتَبِينِ، بَلْ يَهْتَدِي كُلُّ فَرْدٍ إلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ مِن مُطْلَقِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإنَّما التَّفاوُتُ بَيْنَهم في مَراتِبِهِما بِحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، والكَثْرَةِ والقِلَّةِ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ والوُقُوعُ في مَهاوِي الضَّلالِ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَ الوُقُوعِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْظَمَ ظُهُورُهُ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِبَةِ لِذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ، وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ ولا تَقْرِيبَ، ولا يَخْفي ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّرَقِّي إلى مَعارِجِ العُلُومِ ومَدارِجِ الطّاعاتِ، والزَّجْرِ عَنْ مُباشَرَةِ نَقائِضِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ عَلى ما يُوجِبُهُ قَضِيَّةُ الِابْتِلاءِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الجَزاءُ المُتَفَرِّعُ عَلى ظُهُورِ مَراتِبِ الأعْمالِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنْ وُجِّهَ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّكُمْ" إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فالمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: لَيَقُولَنَّ الكافِرُونَ مِنهُمْ، وإنْ وُجِّهَ إلى الكافِرِينَ مِنهم فَهو وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: مِثْلُهُ في الخَدِيعَةِ، أوِ البُطْلانِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ أوْ إلى القرآن، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَبْعُوثِينَ - وإنْ لَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ بِطْرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ - إلّا أنَّهم عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ تَخَلَّصُوا إلى القرآن لِإنْبائِهِ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، وكَوْنِهِ عَلَمًا عِنْدَهم في ذَلِكَ فَعَمَدُوا إلى تَكْذِيبِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا؛ تَمادِيًا مِنهم في العِنادِ، وتَفادِيًا عَنْ سُنَنِ الرَّشادِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى نَفْسِ البَعْثِ ولا يُلائِمُهُ التَّسْمِيَةُ بِالسحر، فَإنَّهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ ظاهِرًا لا أصْلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، ونَفْسُ البَعْثِ عِنْدَهم مَعْدُومٌ بَحْتٌ.

وَتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ إنَّ البَعْثَ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِن تَتِمّاتِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَما ذُكِرَ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِمُقَدِّمَةٍ فَذَّةٍ مِن مُقَدِّماتِهِ وقَضِيَّةٍ فَرْدَةٍ مِن تَتِمّاتِهِ لا يَتَلَعْثَمُونَ في الرَّدِّ، ويُعِدُّونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ما لا صِحَّةَ لَهُ أصْلًا فَضْلًا عَنْ تَصْدِيقِ ما هَذِهِ مِن تَتِمّاتِهِ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ البَعْثَ خَلْقٌ جَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ ابْتِداءً لِهَذِهِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِأنَّهُ يُعِيدُهم تارَةً أُخْرى، وهو (p-189)أهْوَنُ عَلَيْهِ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ!

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (إلّا ساحِرٌ) عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى القائِلِ، أوْ إلى القرآن عَلى أُسْلُوبِ (شِعْرِ شاعِرٍ) وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَضْمِينِ قُلْتَ مَعْنى ذَكَرْتَ، أوْ عَلى أنَّ (أنَّكَ) بِمَعْنى (عَنْكَ) في عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ، عَلى أنَّ الرَّجاءَ والتَّوَقُّعَ بِاعْتِبارِ حالِ المُخاطَبِينَ أيْ: تَوَقَّعُوا ذَلِكَ ولا تَبُتُّوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مُجاراةٌ مَعَهم في الكَلامِ عَلى نَهْجِ المُساعَدَةِ؛ لِئَلّا يُسارِعُوا إلى اللَّجاجِ والعِنادِ رَيْثَما قَرَعَ أسْماعَهم بَتُّ القَوْلِ، بِخِلافِ ما ألِفُوا وألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم مِن إنْكارِ البَعْثِ، ويَكُونُ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ، وما فَعَلُوهُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ!

11:8Page 222

وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ المُتَرَتِّبَ عَلى بَعْثِهِمْ، أوِ العَذابَ المَوْعُودَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَإنَّ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قَتْلُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ العَذابُ الشّامِلُ لِلْكَفَرَةِ دُونَ ما يُخَصُّ بِبَعْضٍ مِنهُمْ، عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْعُودًا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ.

﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ إلى طائِفَةٍ مِنَ الأيّامِ قَلِيلَةٍ؛ لِأنَّ ما يَحْصُرُهُ العَدُّ قَلِيلٌ ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ المَجِيءِ، فَكَأنَّهُ يُرِيدُهُ فَيَمْنَعُهُ مانِعٌ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ومُرادُهم إنْكارُ المَجِيءِ والحَبْسِ رَأْسًا لا الِاعْتِرافُ بِهِ والِاسْتِفْسارُ عَنْ حابِسِهِ ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ذَلِكَ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ مَحْبُوسًا ﴿عَنْهُمُ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَرْفَعُهُ رافِعٌ أبَدًا إنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ، أوْ لا يَدْفَعُهُ عَنْكم دافِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِكم إنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا، و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِخَبَرِ لَيْسَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ بِهِ البَصْرِيُّونَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلى لَيْسَ إذِ المَعْمُولُ تابِعٌ لِلْعامِلِ، فَلا يَقَعُ إلّا حَيْثُ يَقَعُ مَتْبُوعُهُ، ورُدَّ بِأنَّ الظَّرْفَ يَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ تَوَسُّعًا، وبِأنَّهُ قَدْ يُقَدَّمُ المَعْمُولُ حَيْثُ لا مَجالَ لِتَقَدُّمِ العامِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فَإنَّ اليَتِيمَ والسّائِلَ - مَعَ كَوْنِهِما مَنصُوبَيْنِ بِالفِعْلَيْنِ المَجْزُومَيْنِ - قَدْ تَقَدَّما عَلى "لا" النّاهِيَةِ مَعَ امْتِناعِ تَقَدُّمِ الفِعْلَيْنِ عَلَيْها، قالَ أبُو حَيّانَ: وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها ولا بِتَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَنا لَسْتُ أُقْدِمُ

﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ: العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ تَهْوِيلٌ لِمَكانِهِ، وإشْعارٌ بِعِلِّيَّةٍ ما ورَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ لِنُزُولِهِ وإحاطَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالماضِي وارِدٌ عَلى عادَةِ اللَّهِ تَعالى في أخْبارِهِ؛ لِأنَّها في تَحَقُّقِها وتَيَقُّنِها بِمَنزِلَةِ الكائِنَةِ المَوْجُودَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبِرِ وتَقْرِيرِ وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ ما لا يَخْفى.

11:9Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنٍ وجِدَةٍ وغَيْرِها، وأوْصَلْناها إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها.

﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ أيْ: (p-190)سَلَبْناهُ إيّاها، وإيرادُ النَّزْعِ لِلْإشْعارِ بِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِها وحِرْصِهِ عَلَيْها ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شَدِيدُ القُنُوطِ مِن رَوْحِ اللَّهِ، قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن عَوْدِ أمْثالِها عاجِلًا أوْ آجِلًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ، وعَدَمِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ وثِقَتِهِ بِهِ ﴿كَفُورٌ﴾ َظِيمُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّزْعَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمْ بِما كانُوا يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ وصْفِ يَأْسِهِمْ - مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ - لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن فَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَطْعَ الرَّجاءِ عَنْ إضافَةِ أمْثالِهِ في العاجِلِ وإيصالِ أجْرِهِ في الآجِلِ مِن بابِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ السّالِفَةِ أيْضًا.

11:10Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وجِدَةٍ بَعْدَ عَدَمٍ، وفَرَجٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَةِ الرَّحْمَةِ والنَّعْماءِ بِالذَّوْقِ المُؤْذِنِ بِلَذَّتِهِما وكَوْنِهِما مِمّا يُرْغَبُ فِيهِ، وعَنْ مُلابَسَةِ الضَّرّاءِ بِالمَسِّ المُشْعِرِ بِكَوْنِها في أدْنى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلاقاةِ مِن مَراتِبِها، وإسْنادِ الأوَّلِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - دُونَ الثّانِي - ما لا يَخْفي مِنَ الجَزالَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُرادَهُ تَعالى إنَّما هو إيصالُ الخَيْرِ المَرْغُوبِ فِيهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ، وأنَّهُ إنَّما يُرِيدُ بِعِبادِهِ اليُسْرَ دُونَ العُسْرِ، وإنَّما يَنالُهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ نَيْلًا يَسِيرًا، كَأنَّما يُلاصِقُ البَشَرَةَ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ، وأمّا نَزْعُ الرَّحْمَةِ فَإنَّما صَدَرَ عَنْهُ بِقَضِيَّةِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، وهي كُفْرانُهم بِها كَما سَبَقَ، وتَنْكِيرُ الرَّحْمَةِ بِاعْتِبارِ لِحُقُوقِ النَّزْعِ بِها.

﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوؤُنِي، ولَنْ يَعْتَرِيَنِي بَعْدُ أمْثالُها، كَما هو شَأْنُ أُولَئِكَ الأشْرارِ، فَإنَّ التَّرَقُّبَ لِوُرُودِ أمْثالِها مِمّا يُكَدِّرُ السُّرُورَ ويُنَغِّصُ العَيْشَ ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ وأشِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ بِما أُوتِيَ مِنَ النِّعَمِ، مَشْغُولٌ بِذَلِكَ عَنِ القِيامِ بِحَقِّها، واللّامُ في "لَئِنْ" في الآياتِ الأرْبَعِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.

11:11Page 222

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ سابِقًا أوْ لاحِقًا إيمانًا بِاللَّهِ واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا عَلى آلائِهِ السّالِفَةِ والآنِفَةِ، واللّامُ في الإنْسانِ إمّا لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أوْ لِلْعَهْدِ فَمُنْقَطِعٌ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ وإنْ جَمَّتْ ﴿وَأجْرٌ﴾ ثَوابٌ لِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿كَبِيرٌ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَهُنَّ مِن حَيْثُ إنَّ إذاقَةَ النَّعْماءِ ومِساسَ الضَّرّاءِ فَصْلٌ مِن بابِ الِابْتِلاءِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ مِنَ الإجْمالِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن إذاقَةِ النَّعْماءِ ونَزْعِها - مَعَ كَوْنِهِ ابْتِلاءً لِلْإنْسانِ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ - لا يَهْتَدِي إلى سُنَنِ الصَّوابِ، بَلْ يَحِيدُ في كِلْتا الحالَتَيْنِ عَنْهُ إلى مَهاوِي الضَّلالِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ حُسْنُ عَمَلٍ إلّا مِنَ الصّابِرِينَ الصّالِحِينَ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَهم بِالبَعْثِ واسْتِهْزائَهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ بَطَرِهِمْ وفَخْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا؛ لِأنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ مَجْبُولَةٌ عَلى ذَلِكَ.

11:12Page 222

فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.

(p-191)﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ مِنَ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِكَ المُنادِيَةِ بِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن لَهُ أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أيْ: عارِضٌ لَكَ ضِيقُ صَدْرٍ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ والمُحاجَّةِ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ لِأنْ يَقُولُوا تَعامِيًا عَنْ تِلْكَ البَراهِينِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفي صِحَّتُها عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ وتَمادِيًا في العِنادِ عَلى وجْهِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ مالٌ خَطِيرٌ مَخْزُونٌ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ، قِيلَ: قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا إنْ كُنْتَ رَسُولًا، وقالَ آخَرُونَ: ائْتِنا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُوا بِنُبُوَّتِكَ، فَقالَ: "لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ" فَنَزَلَتْ، كَأنَّهُ ﷺ لَمّا عايَنَ اجْتِراءَهم عَلى اقْتِراحِ مِثْلِ هَذِهِ العَظائِمِ غَيْرَ قانِعِينَ بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أرْبابِ العُقُولِ، وشاهَدَ رُكُوبَهم مِنَ المُكابَرَةِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ مُسارِعِينَ إلى المُقابَلَةِ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وتَسْمِيَتِها سِحْرًا مُثِّلَ حالُهُ ﷺ بِحالِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ بِتِلاوَةِ تِلْكَ الآياتِ السّاطِعَةِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِها إلَيْهِمْ فَحُمِلَ عَلى الحَذَرِ مِنهُ بِما في لَعَلَّ مِنَ الإشْفاقِ فَقِيلَ:

﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ غَيْرَ مُبالٍ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الرَّدِّ والقَبُولِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَحْفَظُ أحْوالَكَ وأحْوالَهُمْ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، فَإنَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ ما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ في أقْصى غايَةٍ مِن إصابَةِ المَحَزِّ.

11:13Page 223

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ بِـ"أمْ" المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وتَهاوُنِهِمْ بِهِ، وعَدَمِ اقْتِناعِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وعَلى حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وشُرُوعٌ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وما فِيها مِن مَعْنى الهَمْزَةِ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في "افْتَراهُ" لِلنَّبِيِّ ﷺ والبارِزُ لِما يُوحى، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ ولَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿قُلْ﴾ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، وهو نَعْتٌ لِـ(سُوَرٍ) أيْ: أمْثالِهِ، وتَوْحِيدُهُ إمّا بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، أوْ لِأنَّ المُطابَقَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتّى يُوصَفُ المُثَنّى بِالمُفْرَدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ أوْ لِلْإماءِ إلى أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ ومَدارَ المُماثَلَةِ في الجَمِيعِ شَيْءٌ واحِدٌ هو البَلاغَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى مَرْتَبَةِ الإعْجازِ، فَكَأنَّ الجَمِيعَ واحِدٌ ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ(سُورٍ) أُخِّرَتْ عَنْ وصْفِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى؛ لِأنَّها الصِّفَةُ المَقْصُودَةُ بِالتَّكْلِيفِ، إذْ بِها يَظْهَرُ عَجْزُهم وقُعُودُهم عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا وصْفُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِأنَّهُ (p-192)لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِ اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِي، فَإنَّكم أقْدَرُ عَلى ذَلِكَ مِنِّي؛ لِأنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ قَدْ مارَسْتُمْ مَبادِئَ ذَلِكَ مِنَ الخُطَبِ والأشْعارِ، وحَفِظْتُمُ الوَقائِعَ والأيّامَ، وزاوَلْتُمْ أسالِيبَ النَّظْمِ والنَّثْرِ.

﴿وادْعُوا﴾ لِلِاسْتِظْهارِ في المُعارَضَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، والكَهَنَةَ ومَدارِهَكُمُ الَّذِينَ تَلْجَئُونَ إلى آرائِهِمْ في المُلِمّاتِ لِيُسْعِدُوكم فِيها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ادْعُوا) أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهو أيْضًا يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَكم عَلَيْهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ.

11:14Page 223

فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤

And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كُلِّفُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ؛ إيماءً إلى أنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كَأنَّ أمْرَهُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ ﷺ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ

أوَّلَهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ ﷺ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ ﷺ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانَ يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "فاعْلَمُوا" أيِ: اعْلَمُوا حِينَ ظَهَرَ لَكم عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلَيْها عِلْمًا يَقِينًا مُتاخِمًا لِعَيْنِ اليَقِينِ، بِحَيْثُ لا مَجالَ مَعَهُ لِشائِبَةِ رَيْبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّ ما عَداهُ مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ، بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ سِرُّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ فِيهِ، أوِ اثْبُتُوا واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ.

﴿إنَّما أُنْزِلَ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ المَخْصُوصِ بِهِ بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ والأفْهامُ، مُسْتَبِدًّا بِخَصائِصِ الإعْجازِ مِن جِهَتَيِ النَّظْمِ الرّائِقِ والإخْبارِ بِالغَيْبِ ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: واعْلَمُوا - أيْضًا - أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، ولا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ، أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في "لَمْ يَسْتَجِيبُوا" لِـ"مَنِ اسْتَطَعْتُمْ" أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم آلِهَتُكم وسائِرُ مَن إلَيْهِمْ تَجْأرُونَ في مُهِمّاتِكم ومُلِمّاتِكم إلى المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ، فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن خالِقِ القُوى والقَدَرِ، فَإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ حِينَئِذٍ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ آلِهَتِكم تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِعَجْزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَما اضْطُرِرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَسْتَمِدُّونَ بِهِمْ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ - وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ (p-193)عَجْزِ أنْفُسِهِمْ - يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرُ وأوْضَحُ، واعْلَمُوا أيْضًا أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ، إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ في حَقِّيَّتِهِ وفي بُطْلانِ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإذْعانُ لِكَوْنِ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتارِكُونَ لِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجَبِ، وزَوالِ العُذْرِ، وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، هَذا والأوَّلُ أنْسَبُ لِما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) ولِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ وأشَدُّ ارْتِباطًا بِما يَعْقُبُهُ، كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.

11:15Page 223

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ: ما يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ والرِّياسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِالإرادَةِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأعْمالِ لا مُجَرَّدُ الإرادَةِ القَلْبِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ وإدْخالُ (كانَ) عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِها مِنهُمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُرِيدُونَ الآخِرَةَ أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ بِأعْمالِهِمْ أعْمالَ كُلِّهِمْ فَإنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلُّ أحَدٍ يَنالُ كُلَّ ما يَهْواهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالمَشِيئَةِ الجارِيَةِ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ، ولا كُلَّ أعْمالِهِمْ، بَلْ بَعْضَها الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأُمُورُ المَذْكُورَةُ بِطَرِيقِ الأجْرِ والجَزاءِ مِن أعْمالِ البِرِّ، وقَدْ أُطْلِقَتْ وأُرِيدَ بِها ثَمَراتُها، فالمَعْنى: نُوصِلُ إلَيْهِمْ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا كامِلَةً، وقُرِئَ (يُوَفِّ) عَلى الإسْنادِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتُوَفَّ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ (نُوفِي) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِهِ:

؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ

﴿وَهم فِيها﴾ أيْ: في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَخْسِ الَّذِي هو نَقْصُ الحَقِّ - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم شائِبَةُ حَقِّ فِيما أُوتُوهُ، كَما عُبِّرَ عَنْ إعْطائِهِ بِالتَّوْفِيَةِ الَّتِي هي إعْطاءُ الحُقُوقِ مَعَ أنَّ أعْمالَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِها مُسْتَوْجَبَةً لِذَلِكَ - بِناءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِ الحالِ، ومُحافَظَةً عَلى صُوَرِ الأعْمالِ، ومُبالَغَةً في نَفْيِ النَّقْصِ، كَأنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِحُقُوقِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ والصُّدُورِ عَنِ الكَرِيمِ أصْلًا، والمَعْنى أنَّهم فِيها خاصَّةً لا يُنْقَصُونَ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ وأُجُورَها نَقْصًا كُلِّيًّا مُطَّرِدًا، ولا يُحْرَمُونَها حِرْمانًا كُلِّيًّا، وأمّا في الآخِرَةِ فَهم في الحِرْمانِ المُطْلَقِ واليَأْسِ المُحَقَّقِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском