Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Hud 11:16–25
11:16Page 223
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦
Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.
﴿أُولَئِكَ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ إرادَتِهِمُ الحَياةَ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوْفِيَتِهِمْ أُجُورَهم مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ، أيْ: أُولَئِكَ المُرِيدُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتَها المُوَفَّوْنَ فِيها ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى الدُّنْيا، وأعْمالَهم مَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها، وقَدِ (p-194)اجْتَنَبُوا ثَمَرَتَها، ولَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ بِها شَيْئًا آخَرَ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلِّدُ.
﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ: ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، أوْ حَبِطَ ما صَنَعُوهُ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ البِرِّ إذْ شَرْطُ الِاعْتِدادِ بِها الإخْلاصُ ﴿وَباطِلٌ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ، وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ - عُلِّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطُ المُؤْذِنُ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانُ المُفْصِحُ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ كانَ في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم -وَإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ - لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيَّةِ، وقُرِئَ (وَبَطَلَ) عَلى الفِعْلِ، أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُهُ حَيْثُ عُلِمَ هُناكَ أنَّ ذَلِكَ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ، أوِ انْقَطَعَ أثَرُهُ الدُّنْيَوِيُّ فَبَطَلَ مُطْلَقًا، وقُرِئَ (وَباطِلًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عَلى أنَّ "ما" إبْهامِيَّةٌ، أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ:
؎ ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامِ
وَعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مَن كانَ يُرِيدُ" ... إلَخْ، اليَهُودُ والنَّصارى، إنْ أعْطَوْا سائِلًا، أوْ وصَلُوا رَحِمًا عُجِّلَ لَهم جَزاءُ ذَلِكَ بِتَوْسِعَةٍ في الرِّزْقِ وصِحَّةٍ في البَدَنِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنَ المُنافِقِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْهَمَ لَهم في الغَنائِمِ، وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ.
وَقِيلَ: هم أهْلُ الرِّياءِ، يُقالُ لِلْقُرّاءِ مِنهُمْ: أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وهَكَذا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْمَلُ أعْمالَ البِرِّ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى:" لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ " بِأنَّ لَيْسَ لَهم بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الرِّيائِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ المُرادَ بِهِ مُطْلَقُ الكَفَرَةِ، بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِمُ القادِحُونَ في القرآن العَظِيمِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَإنَّهُ - عَزَّ وعَلا - لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَزْدادُوا عِلْمًا ويَقِينًا بِأنَّ القرآن مُنَزَّلٌ بِعِلْمِ اللَّهِ - وبِأنْ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وهَيَّجَهم عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والرُّسُوخِ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِ الكَفَرَةِ، وما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عَنِ المُعارَضَةِ، وتَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ أصْلًا - اقْتَضى الحالُ أنْ يُتَعَرَّضَ لِبَعْضِ شُئُونِهِمُ المُوهِمَةِ لِكَوْنِهِمْ عَلى شَيْءٍ في الجُمْلَةِ مِن نَيْلِهِمُ الحُظُوظَ العاجِلَةَ، واسْتِيلائِهِمْ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ أيَّ بَيانٍ، ثُمَّ أُعِيدَ التَّرْغِيبُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإيمان بالقرآن والتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، فَقِيلَ:
11:17Page 223
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧
So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: بُرْهانٍ نَيِّرٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلى حَقِّيَّةٍ ما رُغِّبَ في الثَّباتِ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وهو القرآن، وبِاعْتِبارِهِ - أوْ بِتَأْوِيلِ البُرْهانِ - ذُكِّرَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أيْ: يَتْبَعُهُ ﴿شاهِدٌ﴾ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو الإعْجازُ في (p-195)نَظْمِهِ المُطَّرِدِ في كُلِّ مِقْدارِ سُورَةٍ مِنهُ، أوْ ما وقَعَ في بَعْضِ آياتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ، وكَلاهُما وصْفٌ تابِعٌ لَهُ شاهِدٌ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، غَيْرَ أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ في الكَلامِ إشارَةٌ إلى حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في تَمَسُّكِهِمْ بِالقرآن عِنْدَ تَبَيُّنِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا بِعِلْمِ اللَّهِ بِشَهادَةِ الإعْجازِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القرآن غَيْرَ خارِجٍ عَنْهُ، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلشَّهادَةِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِنَ الشَّواهِدِ التّابِعَةِ لِلْقُرْآنِ الوارِدَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فالمُرادُ: بِـ"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: (أفَمَن) كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فاعْلَمُوا) (فَهَلْ أنْتُمْ) دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: هو النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلُ العَقْلِ، وبِالشّاهِدِ القرآن، فالضَّمِيرُ في (مِنهُ) لِلَّهِ تَعالى، أوِ البَيِّنَةُ القرآن، ويَتْلُوهُ مِنَ التِّلاوَةِ، والشّاهِدُ جِبْرِيلُ، أوْ لِسانُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ أوْ مِنَ التُّلُوِّ، والشّاهِدُ مَلَكٌ يَحْفَظُ، والأوْلى هو الأوَّلُ.
وَلَمّا كانَ المُرادُ بِتُلُوِّ الشّاهِدِ لِلْبُرْهانِ إقامَةَ الشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ، وكَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تابِعًا لَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ في مَشْهَدٍ مِنَ المَشاهِدِ - فَإنَّ القرآن بَيِّنَةٌ باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ مَعَ شاهِدِها الَّذِي يَشْهَدُ بِأمْرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وجاحِدٍ - عُطِفَ كِتابُ مُوسى في قَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ عَلى فاعِلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ في النُّزُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَشْهَدُ بِهِ شاهِدٌ مِنهُ وشاهِدٌ آخَرُ مِن قَبْلِهِ هو كِتابُ مُوسى، وإنَّما قُدِّمَ في الذِّكْرِ المُؤَخَّرُ في النُّزُولِ لِكَوْنِهِ وصْفًا لازِمًا لَهُ غَيْرَ مُفارِقٍ عَنْهُ، ولِعَراقَتِهِ في وصْفِ التُّلُوِّ، والتَّنْكِيرُ في (بَيِّنَةٍ) و(شاهِدٌ) لِلتَّفْخِيمِ.
﴿إمامًا﴾ أيْ: مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ ومُقْتَدًى، وفي التَّعَرُّضِ لِهَذا الوَصْفِ بِصَدَدِ بَيانِ تُلُوِّ الكِتابِ ما لا يَخْفي مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ ﴿وَرَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى مَن أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ومَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ أحْكامِهِ الباقِيَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقرآن العَظِيمِ، وهُما حالانِ مِنَ الكِتابِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ، وهو الكَوْنُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولِما أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ التَّمَسُّكِ بِها - وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ لِمَن سَلَفَ مِن عُظَماءِ الدِّينِ مِن غَيْرِ عُثُورٍ عَلى دَقائِقِ الحَقائِقِ - وصَفَهم بِأنَّهم ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَهُ حَقَّ التَّصْدِيقِ حَسْبَما تَشْهَدُ بِهِ الشَّواهِدُ الحَقَّةُ المُعْرِبَةُ عَنْ حَقِّيَّتِهِ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن، ولَمْ يُصَدِّقْ بِتِلْكَ الشَّواهِدِ الحَقَّةِ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يَرِدُها لا مَحالَةَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ وفي جَعْلِها مَوْعِدًا إشْعارٌ بِأنَّ لَهُ فِيها ما لا يُوصَفُ مِن أفانِينِ العَذابِ.
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: في شَكٍّ مِن أمْرِ القرآن، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حَسْبَما شَهِدَتْ بِهِ الشَّواهِدُ المَذْكُورَةُ، وظَهَرَ فَضْلُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ ﴿أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ الَّذِي لا يُرَبِّيكَ في دِينِكَ ودُنْياكَ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِذَلِكَ إمّا لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ واخْتِلالِ أفْكارِهِمْ، وإمّا لِعِنادِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ.
فَـ(مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِإغْناءِ الحالِ عَنْ ذِكْرِهِ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أعْمالُهم وبُيِّنَ مَصِيرُهم ومَآلُهُمْ، يَعْنِي أنَّ بَيْنَهُما تَفاوُتًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَراءى ناراهُما، وإيرادُ الفاءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ لِإنْكارِ تَرَتُّبِ تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمْ وعُدِّدَ مِن هَناتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبَعْدَ ظُهُورِ حالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ - كَما وُصِفَ - يُتَوَهَّمُ المُماثَلَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن كانَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ (p-196)فِي العاجِلِ والآجِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ ؟!
11:18Page 223
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨
And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ نَسَبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَوْلِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّهم مَعَ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ كَذِبًا، وهَذا التَّرْكِيبُ وإنْ كانَ سَبْكُهُ عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها - ولَكِنَّ المَقْصُودَ بِهِ قَصْدًا مُطَّرِدًا إنْكارُ المُساواةِ ونَفْيُها، وإفادَةُ أنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَإذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ، فالمُرادُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ البالِغِ الَّذِي هو الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِهَذِهِ الإشارَةِ حَصَلَتِ الغُنْيَةُ عَنْ إسْنادِ العَرْضِ إلى أعْمالِهِمْ، واكْتُفِيَ بِإسْنادِهِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قِيلَ: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ لِأنَّ عَرْضَهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وبِذَلِكَ العُنْوانِ عَرْضٌ لِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، فَإنَّ عَرْضَ العامِلِ بِعَمَلِهِ أفْظَعُ مِن عَرْضِ عَمَلِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ الحَقِّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾ عِنْدَ العَرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ أوْ شَهِيدٍ، كَأصْحابٍ وأشْرافٍ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الشَّهادَةِ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى الشَّهادَةِ تَعْيِينُ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأشْهادِ الحُضّارَ، وهم جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ عَلى ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُمْ: ﴿ (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ)﴾ ذَمًّا لَهم بِذَلِكَ لِإشْهادِهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (وَيَقُولُ) دُونَ و(يَشْهَدُ) ... إلَخْ، وتَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِالِافْتِراءِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن عاقِبَةِ ظُلْمِهِمُ، اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الخِزْيِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ.
11:19Page 223
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ، أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ دِينِهِ القَوِيمِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ انْحِرافًا، أيْ: يَصِفُونَها بِذَلِكَ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُ، أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها، يُقالُ: بَغَيْتُكَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، أيْ: طَلَبْتُ لَكَ، وهَذا شامِلٌ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقرآن، وقَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَها بِالعِوَجِ، والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِها، لا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِها ويَزْعُمُونَ أنَّ لَها سَبِيلًا سَوِيًّا يَهْدُونَ النّاسَ إلَيْهِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ كُفْرِهِمْ.
11:20Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
﴿أُولَئِكَ﴾ (p-197)مَعَ وصْفٍ مِن أحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّدْمِيرِ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ اللَّهَ تَعالى، مُفْلِتِينَ بِأنْفُسِهِمْ مِن أخْذِهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مَعَ سَعَتِها وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِهِ، ولَكِنْ أُخِّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، والجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أفْرادِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لِأحَدٍ مِنهم مِن ولِيٍّ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِ آلِهَتِهِمْ مِن سُقُوطِها عَنْ رُتْبَةِ الوِلايَةِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ المُؤاخَذَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وبُغْضِهِمْ لَهُ، كَأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى السَّمْعِ، ولَمّا كانَ قُبْحُ حالِهِمْ في عَدَمِ إذْعانِهِمْ لِلْقُرْآنِ - الَّذِي طَرِيقُ تَلَقِّيهِ السَّمْعُ - أشَدَّ مِنهُ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ لِسائِرِ الآياتِ المَنُوطَةِ بِالإبْصارِ - بالَغَ في نَفْيِ الأوَّلِ عَنْهم حَيْثُ نَفي عَنْهُمُ الِاسْتِطاعَةَ، واكْتَفي في الثّانِي بِنَفْيِ الإبْصارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ المَبْسُوطَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِمُضاعَفَةِ العَذابِ، وقِيلَ: هو بَيانٌ لِما نُفِيَ مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ، فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الوِلايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ" اعْتِراضٌ وسِّطَ بَيْنَهُما نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ سُوءَ العاقِبَةِ.
11:21Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها، أوْ خَسِرُوا ما بَذَلُوا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهم سِوى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ.
11:22Page 224
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢
Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.
﴿لا جَرَمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لا نافِيَةٌ لِما سَبَقَ، وجَرَمَ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقَّ، و(أنَّ) مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ، والمَعْنى لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الفِعْلُ، حَقَّ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
والثّانِي: جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ وما بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ، وفاعِلُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: كَسَبَ ذَلِكَ خُسْرانَهُمْ، فالمَعْنى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ خُسْرانِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّ لا جَرَمَ بِمَعْنى لا بُدَّ، أيْ: لا بُدَّ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.
وَأيًّا ما كانَ فَمَعْناهُ أنَّهم أخْسَرُ مِن كُلِّ خاسِرٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وهَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ - كَما تَرى - مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ بَيْنَ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وبَيْنَ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، فَإنَّهم حَيْثُ كانُوا أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وأخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مُماثَلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ الأخْسَرِينَ، فَما ظَنُّكَ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن هو في أعْلى مَدارِجِ الكَمالِ.
وَلَمّا ذُكِرَ فَرِيقُ الكُفّارِ وأعْمالُهم وبُيِّنَ مَصِيرُهم ومَآلُهم شُرِعَ في بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ، أعْنِي فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ، وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ تَكْمِلَةً لِما سَلَفَ مِن مَحاسِنِهِمُ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ" الآيَةَ لِيَتَبَيَّنَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ حالًا ومَآلًا، فَقِيلَ:
11:23Page 224
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣
Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ (p-198)بِهِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ الإيمان بالقرآن الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِالكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاسْتِماعِ الوَحْيِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ، ومُشاهَدَةِ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ في الأنْفُسِ والآفاقِ، أوْ فَعَلُوا الإيمانَ، كَما في يُعْطِي ويَمْنَعُ.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ: اطْمَأنُّوا إلَيْهِ وانْقَطَعُوا إلى عِبادَتِهِ بِالخُضُوعِ والتَّواضُعِ مِنَ الخَبْتِ، وهي الأرْضُ المُطَمْئِنَةُ، ومَعْنى أخْبَتَ دَخَلَ في الخَبْتِ، كَأتْهَمَ وأنْجَدَ دَخَلَ في تِهامَةَ ونَجْدٍ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ، وبَعْدَ بَيانِ تَبايُنِ حالَيْهِما عَقْلًا أُرِيدَ بَيانُ تَبايُنِهِما حِسًّا فَقِيلَ.
11:24Page 224
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: حالُهُما العَجِيبُ؛ لِأنَّ المَثَلُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما فِيهِ غَرابَةٌ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ ﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ: كَحالِ هَؤُلاءِ، فَيَكُونُ ذَواتُهم كَذَواتِهِمْ، والكَلامُ وإنْ أمْكَنَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالأعْمى وبِالأصَمِّ وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالبَصِيرِ وبِالسَّمِيعِ - لَكِنَّ الأدْخَلَ في المُبالَغَةِ والأقْرَبَ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ المَثَلِ والأنْسَبَ بِما سَبَقَ مِن وصْفِ الكَفَرَةِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّمْعِ وبِعَدَمِ الإبْصارِ - أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِمَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِمَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: "والأصَمِّ" وفي قَوْلِهِ: "والسَّمِيعِ" لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وَأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحالِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِلَفْظِ المَثَلِ - وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّشْبِيهِ - ما يُلائِمُ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ المُعْتَبَرَةَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ مِن تَعامِي الفَرِيقِ الأوَّلِ عَنْ مُشاهَدَةِ آياتِ اللَّهِ المَنصُوبَةِ في العالَمِ، والنَّظَرِ إلَيْها بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ، وتَصامِّهِمْ عَنِ اسْتِماعِ آياتِ القرآن الكَرِيمِ وتَلَقِّيها بِالقَبُولِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وإنَّما لَمْ يُراعَ هَذا التَّرْتِيبُ هَهُنا لِكَوْنِ الأعْمى أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنَ الأصَمِّ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الفَرِيقِ الثّانِي لِكُلٍّ مِن أبْصارِهِمْ وأسْماعِهِمْ، فِيما ذُكِرَ كَما يَنْبَغِي، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإخْباتِ، حَسْبَما فُسِّرَ بِهِ فِيما مَرَّ، فَلا يَكُونُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِمّا ذُكِرَ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ البالِغِ في أحَدِهِما، ومِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخَرِ، فَإنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ يَنْزِعُ إلى كَوْنِ التَّشْبِيهِ تَمْثِيلِيًّا، بِأنْ يُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى، ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى - حَسْبَما يَنْبَغِي - وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ، فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ.
﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكِّرٌ لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ (مَثَلًا) أيْ: حالًا وصِفَةً، وهو تَمْيِيزٌ مِن فاعِلِ (يَسْتَوِيانِ) ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، أوْ أتَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما ضُرِبَ (p-199)لَكم مِنَ المَثَلِ؟ فَيَكُونُ الإنْكارُ وارِدًا عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَسْمَعُونَ هَذا فَلا تَتَذَكَّرُونَ، فَيَكُونُ راجِعًا إلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ وُجُودَهُ وهو المَثَلُ المَضْرُوبُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ)﴾ فَإنَّ الفاءَ هُناكَ لِإنْكارِ الِانْقِلابِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمَهُ مِن عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ أفَلا تَفْعَلُونَ التَّذَكُّرَ، أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ، ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ عَدَمِ التَّذَكُّرِ، واسْتِبْعادُ صُدُورِهِ عَنِ المُخاطَبِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ لا مِن قَبِيلِ الإنْكارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ، ونَفْيِ الِاسْتِواءِ.
وَلَمّا بُيِّنَ مِن فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى هَذا المَقامِ أنَّها كِتابٌ مُحْكَمُ الآياتِ، مُفَصَّلُها، نازِلٌ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقُرِّرَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ ما لَهُ مَدْخَلٌ في تَحْقِيقِ هَذا المَرامِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وإلْزامِ المُعانِدِينَ بِما يُقارِنُهُ مِنَ الشَّواهِدِ الحَقَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِمّا عَراهُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ العارِضِ لَهُ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وتَسْمِيَتِهِمْ لِلْقُرْآنِ تارَةً سِحْرٌ وأُخْرى مُفْتَرًى، وتَثْبِيتِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وأبْدَعِ أُسْلُوبٍ - شُرِعَ في تَحْقِيقِ ما ذُكِرَ وتَقْرِيرِهِ بِذِكْرِ قَصَصِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - المُشْتَمِلَةِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فاتِحَةُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِيَتَأكَّدَ ذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وفُرُوعِهِ مِمّا أطْبَقَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ قاطِبَةً.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ إنَّما عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، فَلا يَبْقى في حَقِّيَّتِهِ كَلامٌ أصْلًا، ولِيَتَسَلّى بِما يُشاهِدُهُ مِن مُعاناةِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ مِن أُمَمِهِمْ ومُقاساتِهِمُ الشَّدائِدَ مِن جِهَتِهِمْ، فَقِيلَ:
11:25Page 224
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥
And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وحَرْفُهُ الباءُ لا الواوُ، كَما في سُورَةِ الأعْرافِ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، ولا يَكادُ تُطْلَقُ هَذِهِ اللّامُ إلّا مَعَ قَدْ؛ لِأنَّها مَظِنَّةُ التَّوَقُّعِ، وأنَّ المُخاطَبَ إذا سَمِعَها تَوَقَّعَ وُقُوعَ ما صُدِّرَ بِها، ونُوحٌ هو ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: بُعِثَ ﷺ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ، ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةِ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ، أوْ قائِلًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو إنِّي لَكم نَذِيرٌ بِالكَسْرِ، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كَأنَّ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ، وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ ﷺ نَذِيرًا، لا لِأنَّ دَعْوَتَهُ ﷺ كانَتْ بِطَرِيقِ الإنْذارِ فَقَطْ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ... إلَخْ، بَلْ لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ ﷺ ﴿مُبِينٌ﴾ أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ، ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ إعْلامُ المَحْذُورِ لا لِمُجَرَّدِ التَّخْوِيفِ والإزْعاجِ، بَلْ لِلْحَذَرِ مِنهُ فَيَتَعَلَّقُ بِكِلا وصْفَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences