Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Hud 11:37–45
11:37Page 225
وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧
And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."
﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُفّاظًا وحُرّاسًا يَكْلَئُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ مِنَ التَّعَدِّي مِنَ الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ ﴿وَوَحْيِنا﴾ إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها، وتَعْلِيمِنا وإلْهامِنا.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ (p-206)اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، إذْ لا سَبِيلَ إلى صِيانَةِ الرُّوحِ مِنَ الغَرَقِ إلّا بِهِ فَيَجِبُ كَوُجُوبِها، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّ هَذا مَسُوقٌ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ سَيُهْلِكُهم بِالغَرَقِ، ويُنَجِّيهِ ومَن مَعَهُ بِشَيْءٍ سَيَصْنَعُهُ بِأمْرِهِ تَعالى ووَحْيِهِ مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ واسْمُهُ كَذا، وإمّا لِلْجِنْسِ.
قِيلَ: صَنَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتْ مِن خَشَبِ السّاجِ، وجُعِلَتْ ثَلاثَةَ بُطُونٍ، حُمِلَ في البَطْنِ الأوَّلِ الوُحُوشُ والسِّباعُ والهَوامُّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وفي البَطْنِ الأعْلى جِنْسُ البَشَرِ هو ومَن مَعَهُ مَعَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: جَعَلَ في الأوَّلِ الدَّوابَّ والوُحُوشَ، وفي الثّانِي الإنْسَ، وفي الأعْلى الطَّيْرَ، قِيلَ: كانَ طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسِينَ ذِراعًا وسَمْكُها ثَلاثِينَ ذِراعًا، وقالَ الحَسَنُ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ.
وَقِيلَ: إنَّ الحَوارِيِّينَ قالُوا لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ بَعَثْتَ لَنا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ يُحَدِّثُنا عَنْها، فانْطَلَقَ بِهِمْ حَتّى انْتَهى إلى كَثِيبٍ مِن تُرابٍ، فَأخَذَ كَفًّا مِن ذَلِكَ التَّرْبِ، فَقالَ: أتَدْرُونَ مَن هَذا؟ قالُوا اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هَذا كَعْبُ بْنُ حامٍ، قالَ: فَضَرَبَ بِعَصاهُ، فَقالَ: قُمْ بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا هو قائِمٌ يَنْفُضُ التُّرابَ عَنْ رَأْسِهِ، وقَدْ شابَ، فَقالَ لَهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أهَكَذا هَلَكْتَ؟ قالَ: لا مُتُّ وأنا شابٌّ، ولَكِنِّي ظَنَنْتُ أنَّها السّاعَةُ فَمِن ثَمَّةَ شِبْتُ، فَقالَ: حَدِّثْنا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ، قالَ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعِ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ، وكانَتْ ثَلاثَ طَبَقاتٍ، طَبَقَةٌ لِلدَّوابِّ والوَحْشِ، وطَبَقَةٌ لِلْإنْسِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، ثُمَّ قالَ: عُدْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما كُنْتَ، فَعادَ تُرابًا.
﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: لا تُراجِعْنِي فِيهِمْ، ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ فِيما لَوْ قِيلَ: ولا تَدْعُنِي فِيهِمْ، وحَيْثُ كانَ فِيهِ ما يُلَوِّحُ بِالسَّبَبِيَّةِ أُكِّدَ التَّعْلِيلُ، فَقِيلَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، قَدْ مَضى بِهِ القَضاءُ وجَفَّ القَلَمُ، فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ، ولَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُجْعَلُوا عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، ومَثَلًا لِلْآخَرِينَ.
11:38Page 226
وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨
And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.
﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: وأخَذَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُها، فاقْتُصِرَ عَلى (يَصْنَعُ) وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مُلائَمَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَلَمِهِ السَّفِينَةَ، إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها والِانْتِفاعِ بِها، فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِّيَّةٍ بَهْماءَ في أبْعَدِ مَوْضِعٍ مِنَ الماءِ وفي وقْتِ عِزَّتِهِ عِزَةً شَدِيدَةً، وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا، وقِيلَ: لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُنْذِرُهُمُ الغَرَقَ، فَلَمّا طالَ مُكْثُهُ فِيهِمْ ولَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عَدُّوهُ مِن بابِ المُحالِ، ثُمَّ لَمّا رَأوُا اشْتِغالَهُ بِأسْبابِ الخَلاصِ مِن ذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، ومَدارُ الجَمِيعِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِعَمَلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، مَعَ ما فِيهِ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ (p-207)العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُطاقُ، واسْتِجْهالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ.
﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ مُسْتَجْهِلِينَ لَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ: نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في (مِنّا) إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ ﷺ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا، إلّا أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ ﷺ ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ ... إلَخْ، فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وتَعْلِيقُ اسْتِجْهالِهِ ﷺ إيّاهم بِما فَعَلُوا مِنَ السُّخْرِيَةِ بِاعْتِبارِ إظْهارِهِ ومُشافَهَتِهِ ﷺ إيّاهم جاهِلِينَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُخْرِيَتِهِمْ مِنهُمْ، لَكِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَصَدّى لِإظْهارِهِ؛ جَرْيًا عَلى نَهْجِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وإنَّما أظْهَرُهُ جَزاءً بِما صَنَعُوا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَإنَّ سُخْرِيَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً ومُتَجَدِّدَةً حَسَبَ تَجَدُّدِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ يُجِيبُهم في كُلِّ مَرَّةٍ، وإلّا لَقِيلَ: ويَقُولُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا... إلَخْ، بَلْ إنَّما أجابَهم بَعْدَ بُلُوغِ أذاهُمُ الغايَةَ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ الِاسْتِئْنافُ، فَكَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ، فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا إنْ تَنْسُبُونا فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأهُّبِ والمُباشِرَةِ لِأسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ إلى الجَهْلِ، وتَسْخَرُوا مِنّا لِأجْلِهِ، فَإنّا نَنْسُبُكم إلَيْهِ فِيما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ومِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِجْهالُكم إيّانا وسُخْرِيَتُكم مِنّا، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، أوْ في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَإٍ غِبَّ مَلَإٍ، لا في الكَيْفِيّاتِ والأحْوالِ الَّتِي تَلِيقُ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكِلا الأمْرَيْنِ واقِعٌ في الحالِ، وقِيلَ: نَسْخَرُ مِنكم في المُسْتَقْبَلِ سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ مَرَداهُ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ نَفْسَ السُّخْرِيَةِ مِمّا لا يَكادُ يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ لا سَدادَ لَهُ؛ لِأنَّ حالَهم إذْ ذاكَ لَيْسَ مِمّا لا يُلائِمُهُ السُّخْرِيَةُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراها، فَتَأمَّلْ.
11:39Page 226
فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩
And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ وهو عَذابُ الغَرَقِ ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ هو عَذابُ النّارِ الدّائِمُ، وهو تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ، ومَن عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ في حَيِّزِ الرَّفْعِ، أوْ مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِتَعْلَمُونَ، وما في حَيِّزِها سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ، أوْ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ جُعِلَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ ﷺ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في بِناءِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يُعِدُّونَهُ عَذابًا، قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ العَذابُ، يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً، والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ في غايَةِ الجَزالَةِ.
11:40Page 226
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠
[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.
﴿حَتّى إذا (p-208)جاءَ أمْرُنا﴾ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِقَوْلِهِ: "وَيَصْنَعُ" وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ "وَسَخِرُوا مِنهُ" جَوابٌ لِكُلَّما، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، كَما ذَكَرْناهُ، وقِيلَ: هو الجَوابُ و(سَخِرُوا مِنهُ) بَدَلٌ مِن (مَرَّ) أوْ صِفَةٌ لِـ(مَلَأٌ) وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَقَّ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَناهِيهِمْ في إيذائِهِ ﷺ وتَحَمُّلِهِ لِأذِيَّتِهِمْ لا مُسارَعَتُهُ ﷺ إلى جَوابِهِمْ كُلَّما وقَعَ مِنهم ما يُؤْذِيهِ مِنَ الكَلامِ.
﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ مِنهُ الماءُ وارْتَفَعَ بِشِدَّةٍ، كَما تَفُورُ القِدْرُ بِغَلَيانِها، والتَّنُّورُ تَنُّورُ الخُبْزِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانَ مِن حِجارَةٍ، فَصارَ إلى نُوحٍ، وإنَّما نُبِعَ مِنهُ - وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الماءِ - عَلى خَرْقِ العادَةِ، وكانَ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابِ كِنْدَةَ، وكانَ عَمَلُ السَّفِينَةِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، أوْ في الهِنْدِ، أوْ في مَوْضِعٍ بِالشّامِ يُقالُ لَهُ عَيْنُ ورْدَةَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيَّ أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ.
وَعَنْ قَتادَةَ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ، أيْ: أعْلاهُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فارَ التَّنُّورُ طَلَعَ الفَجْرُ.
﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ: في السَّفِينَةِ، وهو جَوابٌ (إذا) ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ لا بُدَّ مِنهُ في الأرْضِ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ الزَّوْجُ ما لَهُ مُشاكِلٌ مِن نَوْعِهِ، فالذَّكَرُ زَوْجٌ لِلْأُنْثى كَما هي زَوْجٌ لَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما فَيُقابِلُ الفَرْدَ، ولِإزالَةِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ قِيلَ: ﴿اثْنَيْنِ﴾ كُلٌّ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ، وقُرِئَ عَلى الإضافَةِ، وإنَّما قُدِّمَ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ، وسائِرِ المُؤْمِنِينَ لِكَوْنِهِ عَرِيقًا فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ الحَمْلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ ﷺ في تَمْيِيزِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ وتَعْيِينِ الأزْواجِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: "يا رَبِّ كَيْفَ أحْمِلُ مَن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟" فَحَشَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ السِّباعَ والطَّيْرَ وغَيْرَهُما، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ في كُلِّ جِنْسٍ فَيَقَعُ الذَّكَرُ في يَدِهِ اليُمْنى والأُنْثى في اليُسْرى، فَيَجْعَلُهُما في السَّفِينَةِ، وأمّا البَشَرُ فَإنَّما يَدْخُلُ الفُلْكَ بِاخْتِيارِهِ فَيَخِفُّ فِيهِ مَعْنى الحَمْلِ، أوْ لِأنَّها إنَّما تُحْمَلُ بِمُباشَرَةِ البَشَرِ، وهم إنَّما يَدْخُلُونَها بَعْدَ حَمْلِهِمْ إيّاها.
﴿وَأهْلَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ والمُرادُ: امْرَأتُهُ وبَنُوهُ ونِساؤُهم ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ... الآيَةَ، والمُرادُ بِهِ ابْنُهُ كَنْعانُ وأُمُّهُ واعِلَةُ، فَإنَّهُما كانا كافِرَيْنِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالأهْلِ الأهْلُ إيمانًا، وهو الظّاهِرُ - كَما سَتَعْرِفُهُ - أوْ مُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ الأهْلُ قَرابَةً، ويَكْتَفِي في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المَعْلُومِيَّةُ عِنْدَ المُراجَعَةِ إلى أحْوالِهِمْ والتَّفَحُّصُ عَنْ أعْمالِهِمْ، وجِيءَ بِعَلى لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا لَهُمْ، كَما جِيءَ بِاللّامِ فِيما هو نافِعٌ لَهم مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ .
﴿وَمَن آمَنَ﴾ مِن غَيْرِهِمْ، وإفْرادُ الأهْلِ مِنهم لِلِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ، وإيثارُ صِيغَةِ الإفْرادِ في (آمَنَ) مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مَن) لِلْإيذانِ بِقِلَّتِهِمْ، كَما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًا: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ قِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً؛ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأهْلُهُ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ ونِساؤُهم.
وَعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً خَمْسَةَ رِجالٍ وخَمْسَ نِسْوَةٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهم كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا وامْرَأةً وأوْلادُ نُوحٍ سامٌ وِحامٌ ويافِثُ ونِساؤُهُمْ، فالجَمِيعُ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ، نِصْفُهم رِجالٌ ونِصْفُهم نِساءٌ، واعْتِبارُ المَعِيَّةِ في إيمانِهِمْ لِلْإيماءِ إلى المَعِيَّةِ في مَقَرِّ الأمانِ والنَّجاةِ.
11:41Page 226
۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١
And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."
(p-209)"وَقالَ " أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى لَناسَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ رَبَّكُمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بَعْدَ إدْخالِ ما أُمِرَ بِحَمْلِهِ في الفُلْكِ مِنَ الأزْواجِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَ الأزْواجَ، أوْ أدْخَلَها في الفُلْكِ، وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ كَما سَيَأْتِي مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ)﴾ والرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ مُتَحَرِّكٍ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، واسْتِعْمالُهُ هَهُنا بِكَلِمَةِ في لَيْسَ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ كَوْنُهم في جَوْفِها لا فَوْقَها - كَما ظُنَّ، فَإنْ أظْهَرَ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ الوُحُوشَ ونَظائِرَها في البَطْنِ الأسْفَلِ، والأنْعامَ في الأوْسَطِ، ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في الأعْلى - بَلْ لِرِعايَةِ جانِبِ المَحَلِّيَّةِ والمَكانِيَّةِ في الفُلْكِ، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَعْنى الرُّكُوبِ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ، إمّا إرادِيَّةٌ كالحَيَوانِ أوْ قَسْرِيَّةٌ كالسَّفِينَةِ والعَجَلَةِ ونَحْوِهِما، فَإذا اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ يُوَفِّرُ لَهُ حَظَّ الأصْلِ، فَيُقالُ: رَكِبْتُ الفَرَسَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ وإنِ اسْتُعْمِلَ في الثّانِي يُلَوِّحُ بِمَحَلِّيَّةِ المَفْعُولِ بِكَلِمَةِ في فَيُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ، وعَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ .
" بِسْمِ اللَّهِ "مُتَعَلِّقٌ بِارْكَبُوا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيِ: ارْكَبُوا مُسَمِّينَ اللَّهَ تَعالى، أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللَّهِ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها عَلى أنَّهُما اسْما زَمانٍ، أوْ مَصْدَرانِ كالإجْراءِ والإرْساءِ بِحَذْفِ الوَقْتِ، كَقَوْلِكَ: آتِيكَ حُقُوقَ النَّجْمِ، أوِ اسْما مَكانٍ انْتَصَبا بِما في بِسْمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِيها ومُرْساها) مُسْتَقِلَّةً، مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ، أيِ: ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِاسْمِ اللَّهِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "ادْخُلُوها خالِدِينَ" أوْ جُمْلَةٌ مُقْتَضَبَةٌ عَلى أنَّ نُوحًا أمَرَهم بِالرُّكُوبِ فِيها، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونانِ كَلامَيْنِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قِيلَ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ أنْ يُجْرِيَها يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَجْرِي، وإذا أرادَ أنْ يُرْسِيَها يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْسُو، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ (وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ)﴾ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما، ويُرادُ بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ: بِقدرته وأمْرِهِ، وقُرِئَ (مُجْرِيها ومُرْسِيها) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، مَجْرُورَيِ المَحَلِّ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَجْراها ومَرْساها بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرَيْنِ، أوْ زَمانَيْنِ، أوْ مَكانَيْنِ مِن جَرى ورَسا.
﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ والخَطايا ﴿رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ، ولِذَلِكَ نَجّاكم مِن هَذِهِ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ العامَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَهُ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ نَجاتَهم لَيْسَتْ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها، بَلْ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وغُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى ما عَلَيْهِ رَأْيُ أهْلِ السُّنَّةِ.
11:42Page 226
وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢
And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالرُّكُوبِ، أيْ: فَرَكِبُوا فِيها مُسَمِّينَ، وهي تَجْرِي مُلْتَبِسَةً لَهم ﴿فِي مَوْجٍ (p-210)كالجِبالِ﴾ وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، كُلُّ مَوْجَةٍ مِن ذَلِكَ كَجَبَلٍ في ارْتِفاعِها وتَراكُمِها، وما قِيلَ مِن أنَّ الماءَ طَبَّقَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وكانَتِ السَّفِينَةُ تَجْرِي في جَوْفِهِ كالحُوتِ - فَغَيْرُ ثابِتٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلا شَوامِخَ الجِبالِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، أوْ أرْبَعِينَ ذِراعًا، ولَئِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهَذا الجَرَيانُ إنَّما هو قَبْلَ أنْ يَتَفاقَمَ الخَطْبُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ العَلاقَةُ بَيْنَ السَّفِينَةِ والبَرِّ، إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ جَرَيانُ ما جَرى بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ ابْنِهِ مِنَ المُفاوَضَةِ بِالِاسْتِدْعاءِ إلى السَّفِينَةِ والجَوابِ بِالِاعْتِصامِ بِالجَبَلِ، وقُرِئَ (ابْنَها وابْنَهُ) بِحَذْفِ الألِفِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِامْرَأتِهِ وكانَ رَبِيبَهُ، وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رَشْدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ فارْتِكابُ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، فَإنَّ جَنابَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ - أرْفَعُ مِن أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِأُصْبَعِ الطَّعْنِ، وإنَّما المُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، وقُرِئَ (ابْناهْ) عَلى النُّدْبَةِ، ولِكَوْنِها حِكايَةً سُوِّغَ حَذْفُ حَرْفِها، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ الِاسْتِدْعاءُ إلى السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في حَياتِهِ يَأْسٌ بَعْدُ ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ: مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وقَوْمِهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَناوَلْهُ الخِطابُ بِارْكَبُوا، واحْتاجَ إلى النِّداءِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: في مَعْزِلٍ عَنِ الكُفّارِ، قَدِ انْفَرَدَ عَنْهُمْ، وظَنَّ نُوحٌ أنَّهُ يُرِيدُ مُفارَقَتَهُمْ، ولِذَلِكَ دَعاهُ إلى السَّفِينَةِ، وقِيلَ: كانَ يُنافِقُ أباهُ فَظَنَّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ يَنْزَجِرُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، ويَقْبَلُ الإيمانَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ نَصًّا في كَوْنِ ابْنِهِ داخِلًا تَحْتَهُ، بَلْ كانَ كالمُجْمَلِ فَحَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الأُبُوَّةِ عَلى ذَلِكَ.
﴿يا بُنَيَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِنَ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ في قَوْلِكَ: يا بَنِيًّا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ، أوْ سَقَطَتِ الياءُ والألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ لِأنَّ الرّاءَ بَعْدَهُما ساكِنَةٌ.
﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ بِإدْغامِ الباءِ في المِيمِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرِجِ، وإنَّما أُطْلِقَ الرُّكُوبُ عَنْ ذِكْرِ الفُلْكِ لِتُعِينَها ولِلْإيذانِ بِضِيقِ المَقامِ، حَيْثُ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ مَعَ إغْناءِ المَعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: في المَكانِ، وهو وجْهُ الأرْضِ خارِجَ الفُلْكِ لا في الدِّينِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُهُ كَما يُوجِبُ رُكُوبُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهُ مَعَهُ في الإيمانِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصَدَدِ التَّحْذِيرِ عَنِ الهَلَكَةِ فَلا يُلائِمُهُ النَّهْيُ عَنِ الكُفْرِ.
11:43Page 226
قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣
[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.
﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ ﴿يَعْصِمُنِي﴾ بِارْتِفاعِهِ مِنَ ﴿الماءِ﴾ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى الرُّبا وأنّى لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وجَهْلًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ، وأنْ لا مَحِيصَ مِن ذَلِكَ سِوى الِالتِجاءِ إلى مَلْجَأِ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ ويَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَجِبَ بِما يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ كَلامُهُ ويَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ ما أثْبَتَهُ لِلْجَبَلِ مِن كَوْنِهِ عاصِمًا لَهُ مِنَ الماءِ، بِأنْ (p-211)يَقُولَ: لا يَعْصِمُكَ مِنهُ، مُفِيدًا لِنَفْيِ وصْفِ العِصْمَةِ عَنْهُ فَقَطْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ولا لِنَفْيِ المَوْصُوفِ أصْلًا، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ سَلَكَ طَرِيقَةَ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِ العاصِمِ ذاتًا وصِفَةً، كَما في قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِيهِ داعٍ ولا مُجِيبٌ، أيْ: أحَدٌ مِنَ النّاسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا بِالوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ، وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ، الَّتِي رُبَّما يُتَخَلَّصُ مِن ذَلِكَ بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعُبِّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ: عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً، ويُوهِمُ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يُتَفَصّى مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ، وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ لا يُغالَبُ، وعَذابَهُ لا يُرَدُّ، وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا هُوَ، وإنَّما قِيلَ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ بِالإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وبِالإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وإشْعارًا بِعِلِّيَّةِ رَحْمَتِهِ في ذَلِكَ بِمُوجِبِ سَبْقِها عَلى غَضَبِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ، بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ، وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ، وصَرْفِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ، وقِيلَ: لا مَكانَ يَعْصِمُ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ وهو الفُلْكُ، وقِيلَ: مَعْنى لا عاصِمَ لا ذا عِصْمَةٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ: بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ ابْنِهِ، فانْقَطَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ المُجاوَبَةِ لا بَيْنَ ابْنِهِ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ إذْ هو إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلى حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ لا بَيْنُهُ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهِ عاصِمًا، وإنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُلْتَجِئِ إلَيْهِ مَوْجٌ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى هَلاكِ سائِرِ الكَفَرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ، وفي إيرادِ "كانَ" دُونَ صارَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهم.
11:44Page 226
وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."
﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ: انْشَفِي، اسْتُعِيرَ لَهُ مِنِ ازْرِدادِ الحَيَوانِ ما يَأْكُلُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كالنَّشَفِ المُعْتادِ التَّدْرِيجِيِّ ﴿ماءَكِ﴾ أيْ: ما عَلى وجْهِكِ مِن ماءِ الطُّوفانِ دُونَ المِياهِ المَعْهُودَةِ فِيها مِنَ العُيُونِ والأنْهارِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالماءِ بَعْدَما عُبِّرَ عَنْهُ فِيما سَلَفَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ النَّقْصِ والتَّقْلِيلِ لا مَقامُ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿وَيا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنْ إرْسالِ المَطَرِ، يُقالُ: أقْلَعَتِ السَّماءُ إذا انْقَطَعَ مَطَرُها، وأقْلَعَتِ الحُمّى أيْ: كَفَّتْ ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ أيْ: نَقَصَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ الماءِ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُنْجِزَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وإنْجائِهِ بِأهْلِهِ، أوْ أُتِمَّ الأمْرُ ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ الفُلْكُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ هو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ، أوْ بِالشّامِ، أوْ بِآمُلَ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَكِبَ في الفُلْكِ في عاشِرِ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها في عاشِرِ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ شُكْرًا فَصارَ سُنَّةً.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَلاكًا لَهُمْ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْهَلاكِ، ولِتَذْكِيرِهِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم (p-212)مُغْرَقُونَ﴾ ولَقَدْ بَلَغَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ قاصِيَتَها، ومَلَكَتْ مِن غُرَرِ المَزايا ناصِيَتَها، وقَدْ تَصَدّى لِتَفْصِيلِها المَهَرَةُ المُتْقِنُونَ، ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ فَوْقَ ما يَصِفُهُ الواصِفُونَ، فَحَرِيٌّ بِنا أنْ نُوجِزَ الكَلامَ في هَذا البابِ، ونُفَوِّضَ الأمْرَ إلى تَأمُّلِ أُولِي الألباب، واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.
11:45Page 226
وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥
And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"
﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ وقَدْ وعَدْتَنِي إنْجاءَهم في ضِمْنِ الأمْرِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ، أوِ النِّداءُ عَلى الحَقِيقَةِ، والفاءُ لِتَفْصِيلِ ما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيْ: وعْدَكَ ذَلِكَ، أوْ إنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ حَقٌّ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خُلْفٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الوَعْدُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهُمْ، أوْ أنْتَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحِكَمِ، عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحِكْمَةِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ، وهَذا الدُّعاءُ مِنهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى طَرِيقَةِ دُعاءِ أيُّوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences