Abu as-Su'udHud · 11:46–55

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Hud 11:46–55

11:46Page 227

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ يا نُوحُ﴾ لَمّا كانَ دُعاؤُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَذْكِيرِ وعْدِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ نُفِيَ أوَّلًا كَوْنُهُ مِنهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنهم أصْلًا؛ لِأنَّ مَدارَ الأهْلِيَّةِ هو القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ ولا عَلاقَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ لِخُرُوجِهِ عَنْهم بِالِاسْتِثْناءِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ وُعِدَ بِإنْجائِهِمْ، ثُمَّ عُلِّلَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، فَجُعِلَ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:

؎ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ

وَإيثارُ غَيْرُ صالِحٍ عَلى فاسِدٍ إمّا لِأنَّ الفاسِدَ رُبَّما يُطْلَقُ عَلى ما فَسَدَ ومِن شَأْنِهِ الصَّلاحُ، فَلا يَكُونُ نَصًّا فِيما هو مِن قَبِيلِ الفاسِدِ المَحْضِ كالقَتْلِ والمَظالِمِ، وإمّا لِلتَّلْوِيحِ بِأنَّ نَجاةَ مَن نَجا إنَّما هي لِصَلاحِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ) أيْ: عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ، ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْنِيًّا عَلى ما ذُكِرَ مِنِ اعْتِقادِ كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ - وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ وحُقِّقَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ - فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ سُؤال إنْجائِهِ، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِالنَّهْيِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَقِيلَ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ أيْ: إذا وقَفْتَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ فَلا تَطْلُبْ مِنِّي ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مَطْلَبًا لا تَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ حُصُولَهُ صَوابٌ ومُوافِقٌ لِلْحِكْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) عِبارَةً عَنِ المَسْؤُولِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ لِلسُّؤالِ، أوْ طَلَبًا لا تَعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا بِصَرِيحِهِ في كُلٍّ مِن مَعْلُومِ الفَسادِ ومُشْتَبَهِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما لَيْسَ لَكَ عِلْمٌ بِأنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ، فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا في مُشْتَبَهِ الحالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ حالُ مَعْلُومِ الفَسادِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو عامٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما نَحْنُ فِيهِ كَما ذَكَرْناهُ، وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ نِداءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ - عَزَّ وعَلا - لَيْسَ اسْتِفْسارًا عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجاءِ ابْنِهِ مَعَ سَبْقِ وعْدِهِ بِإنْجاءِ أهْلِهِ وهو (p-213)مِنهم - كَما قِيلَ - فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِفْسارِ ما لَمْ يُعْلَمْ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ، إذْ عَدَمُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ داعٍ إلى الِاسْتِفْسارِ عَنْهُ لا إلى تَرْكِهِ، بَلْ هو دُعاءٌ مِنهُ لِإنْجاءِ ابْنِهِ حِينَ حالَ المَوْجُ بَيْنَهُما، ولَمْ يَعْلَمْ بِهَلاكِهِ بَعْدُ إمّا بِتَقْرِيبِهِ إلى الفُلْكِ بِتَلاطُمِ الأمْواجِ، أوْ بِتَقْرِيبِها إلَيْهِ، وقِيلَ: أوْ بِإنْجائِهِ في قُلَّةِ الجَبَلِ، ويَأْباهُ تَذْكِيرُ الوَعْدِ في الدُّعاءِ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالإنْجاءِ في الفُلْكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ﴾ ومُجَرَّدُ حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُما لا يَسْتَوْجِبُ هَلاكَهُ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِهِ لِظُهُورِ إمْكانِ عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِرَحْمَتِهِ، وقَدْ وُعِدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ ولَمْ يَكُنِ ابْنُهُ مُجاهِرًا بِالكُفْرِ كَما ذَكَرْناهُ، حَتّى لا يَجُوزَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْعُوَهُ إلى الفُلْكِ، أوْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِإنْجائِهِ، واعْتِزالُهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَصْدُهُ الِالتِجاءَ إلى الجَبَلِ لَيْسَ بِنَصٍّ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ؛ لِظُهُورِ جَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِانْحِصارِ النَّجاةِ في الفُلْكِ، وزَعْمِهِ أنَّ الجَبَلَ أيْضًا يَجْرِي مَجْراهُ، أوْ لِكَراهَةِ الِاحْتِباسِ في الفُلْكِ، بَلْ قَوْلُهُ: "سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ" بَعْدَما قالَ لَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿ (وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ)﴾ رُبَّما يُطْمِعُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في إيمانِهِ حَيْثُ لَمْ يَقِلْ: أكُونُ مَعَهُمْ، أوْ سَنَأْوِي، أوْ يَعْصِمُنا، فَإنَّ إفْرادَ نَفْسِهِ بِنِسْبَةِ الفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ رُبَّما يُشْعِرُ بِانْفِرادِهِ مِنَ الكافِرِينَ، واعْتِزالِهِ عَنْهُمْ، وامْتِثالِهِ بِبَعْضِ ما أمَرَهُ بِهِ نُوحٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَوْ تَأمَّلَ في شَأْنِهِ حَقَّ التَّأمُّلِ، وتَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ لَما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وأنَّهُ المُسْتَثْنى مِن أهْلِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فَعُبِّرَ عَنْ تَرْكِ الأوْلى بِذَلِكَ، وقُرِئَ (فَلا تَسْألُنِ) بِغَيْرِ ياءِ الإضافَةِ وبِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ.

11:47Page 227

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ﴾ أيْ: أطْلُبُ مِنكَ مِن بَعْدُ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مَطْلُوبًا لا أعْلَمُ أنَّ حُصُولَهُ مُقْتَضِي الحِكْمَةَ، أوْ طَلَبًا لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ سَواءٌ كانَ مَعْلُومَ الفَسادِ أوْ مُشْتَبَهَ الحالِ، أوْ لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ عَلى ما مَرَّ.

وَهَذِهِ تَوْبَةٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا وقَعَ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: أعُوذُ بِكَ مِنهُ أوْ مِن ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّوْبَةِ، وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ والنَّشاطِ فِيها، وتَبَرُّكًا بِذِكْرِ ما لَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ: أتُوبُ إلَيْكَ أنْ أسْألَكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا هائِلًا مَحْذُورًا، لا مَحِيصَ مِنهُ إلّا بِالعَوْذِ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّ قدرته قاصِرَةٌ عَنِ النَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ إلّا بِذَلِكَ ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ السُّؤالِ المَذْكُورِ ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّ الذُّهُولَ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ تَعالى - لا سِيَّما عِنْدَ وُصُولِ مِثْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ الَّتِي هي النَّجاةُ وهَلاكُ الأعْداءِ - والِاشْتِغالَ بِما لا يَعْنِي - خُصُوصًا بِمَبادِئِ خَلاصِ مَن قِيلَ في شَأْنِهِ: (إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) - والتَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ مُعامَلَةٌ غَيْرُ رابِحَةٍ، وخُسْرانٌ مُبِينٌ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ هَذا النِّداءِ عَنْ حِكايَةِ الأمْرِ الوارِدِ عَلى الأرْضِ والسَّماءِ وما يَتْلُوهُ مِن زَوالِ الطُّوفانِ وقَضاءِ الأمْرِ واسْتِواءِ الفُلْكِ عَلى الجُودِيِّ والدُّعاءِ بِالهَلاكِ عَلى الظّالِمِينَ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُذْكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ في الخارِجِ إذْ حِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ الدُّعاءُ بِالإنْجاءِ لا بَعْدَ العِلْمِ بِالهَلاكِ - لَيْسَ لِما (p-214)قِيلَ مِنِ اسْتِقْلالِهِ بِغَرَضٍ مُهِمٍّ هو جَعْلُ قَرابَةِ الدِّينِ غامِرَةً لِقَرابَةِ النَّسَبِ، وأنْ لا يُقَدَّمُ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الأُصُولِيَّةِ إلّا بَعْدَ اليَقِينِ قِياسًا عَلى ما وقَعَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ مِن تَقْدِيمِ ذِكْرِ الأمْرِ بِذَبْحِها عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ الَّذِي هو أوَّلُ القِصَّةِ، وكانَ حَقُّها أنْ يُقالَ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً فاضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، فَإنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُوءِ حالِ اليَهُودِ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُتَنَوِّعَةِ، وتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَوْعٍ عَلى حِدَةٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ... إلَخْ، لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ... إلَخْ، لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ولَوْ قُصَّتِ القِصَّةُ عَلى تَرْتِيبِها لَفاتَ الغَرَضُ الَّذِي هو تَثْنِيَةُ التَّقْرِيعِ، ولَظُنَّ أنَّ المَجْمُوعَ تَقْرِيعٌ واحِدٌ.

وَأمّا ما نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُراعى فِيهِ مِثْلُ تِلْكَ النُّكْتَةِ أصْلًا، وما ذُكِرَ مِن جَعْلِ القَرابَةِ الدِّينِيَّةِ غامِرَةً لِلْقَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ... إلَخْ، لا يُفَوِّتُ عَلى تَقْدِيرِ سَوْقِ الكَلامِ عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ أيْضًا، بَلْ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا النِّداءِ - كَما تَرى - مُسْتَدْعٍ لِذِكْرِ ما مَرَّ مِنَ الجَوابِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ ما مَرَّ مِن تَوْبَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُؤَدِّي ذِكْرُها إلى ذِكْرِ قَبُولِها في ضِمْنِ الأمْرِ الوارِدِ بِنُزُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الفُلْكِ بِالسَّلامِ والبَرَكاتِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، حَسْبَما سَيَجِيءُ مُفَصَّلًا، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ آخِذٌ بَعْضُها بِحُجْزَةِ بَعْضٍ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُفَرَّقُ الآياتُ الكَرِيمَةُ المُنْطَوِيَةُ عَلَيْها بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ بِتَمامِ القِصَّةِ، ولا رَيْبَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَمامِ الطُّوفانِ فَلا جَرَمَ اقْتَضى الحالُ ذِكْرَ تَمامِها قَبْلَ هَذا النِّداءِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ذِكْرِ كَوْنِ كَنْعانَ مِنَ المُغْرَقِينَ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ ازْدادَ حُسْنُ مَوْقِعِ الإيجازِ البَلِيغِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي التَّصْرِيحُ بِهَلاكِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولَوْ ذُكِرَ النِّداءُ الثّانِي عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ " لَرُبَّما تُوُهِّمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى أنْ يَرِدَ قَوْلُهُ: " ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ " أنَّهُ يَنْجُو بِدُعائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَنُصَّ عَلى هَلاكِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ ذُكِرَ الأمْرُ الوارِدُ عَلى الأرْضِ والسَّماءِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ الأزَلِيَّةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الغَيْضِ والإقْلاعِ، وبُيِّنَ بُلُوغُ أمْرِ اللَّهِ مَحَلَّهُ وجَرَيانُ قَضائِهِ ونُفُوذُ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِهَلاكِ مَن هَلَكَ ونَجاةِ مَن نَجا بِتَمامِ ذَلِكَ الطُّوفانِ واسْتِواءِ الفُلْكِ عَلى الجُودِيِّ، فَقُصَّتِ القِصَّةُ إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ وبُيِّنَ ذَلِكَ أيَّ بَيانٍ، ثُمَّ تُعُرِّضَ لِما وقَعَ في تَضاعِيفَ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ رَبِّ العِزَّةِ - جَلَّتْ حِكْمَتُهُ - فَذُكِرَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبُولُها بِقَوْلِهِ:

11:48Page 227

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيِ: انْزِلْ مِنَ الفُلْكِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ ﴿بِسَلامٍ﴾ مُلْتَبِسًا بِسَلامَةٍ مِنَ المَكارِهِ كائِنَةٍ ﴿مِنّا﴾ أوْ بِسَلامٍ وتَحِيَّةٍ مِنّا عَلَيْكَ، كَما قالَ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ في نَسْلِكَ وما يَقُومُ بِهِ مَعاشُكَ ومَعاشُهم مِن أنْواعِ الأرْزاقِ، وقُرِئَ (بَرَكَةٍ) وهَذا إعْلانٌ وبِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وخَلاصِهِ مِنَ الخُسْرانِ بِفَيَضانِ أنْواعِ الخَيْراتِ عَلَيْهِ في كُلِّ (p-215)ما يَأْتِي وما يَذَرُ ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مُتَشَعِّبَةٍ مِنهم فَـ"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ: الأُمَمُ المُؤْمِنَةُ المُتَناسِلَةُ مِمَّنْ مَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ: ومِنهُمْ، عَلى أنَّهُ خَبَرٌ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيرادَ الأُمَمِ المُبارَكِ عَلَيْهِمُ المُتَشَعِّبَةِ مِنهم نَكِرَةٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ مَن يَتَشَعَّبُ مِنهم لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ، يَعْنِي: لَيْسَ جَمِيعُ مَن تَشَعَّبَ مِنهم مُسْلِمًا ومُبارَكًا عَلَيْهِ، بَلْ مِنهم أُمَمٌ مُمَتَّعُونَ في الدُّنْيا مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الكائِنُونَ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْلِمًا ومُبارَكًا عَلَيْهِمْ صَرِيحًا، وإنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومِن كَوْنِ ذُرِّيّاتِهِمْ كَذَلِكَ بِدَلالَةِ النَّصِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً، أيْ: وعَلى أُمَمٍ هُمُ الَّذِينَ مَعَكَ، وإنَّما سُمُّوا أُمَمًا؛ لِأنَّهم أُمَمٌ مُتَحَزِّبَةٌ وجَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، أوْ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ إنَّما تَشَعَّبَتْ مِنهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِالأُمَمِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ" بَعْضَ الأُمَمِ المُتَشَعِّبَةِ مِنهُمْ، وهي الأُمَمُ الكافِرَةُ المُتَناسِلَةُ مِنهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَبْقى أمْرُ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ النّاشِئَةِ مِنهم مُبْهَمًا غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَهُ ولا مَدْلُولٍ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ، فَفي دَلالَةِ المَذْكُورِ عَلى خَبَرِهِ المَحْذُوفِ خَفاءٌ؛ لِأنَّ (مِنَ) المَذْكُورَةَ بَيانِيَّةٌ والمَحْذُوفَةَ تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، فَتَأمَّلْ.

﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ إمّا في الآخِرَةِ، أوْ في الدُّنْيا أيْضًا ﴿مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: دَخَلَ في ذَلِكَ السَّلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفِيما بَعْدَهُ مِنَ المَتاعِ والعَذابِ كُلُّ كافِرٍ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هَبَطُوا واللَّهُ عَنْهم راضٍ، ثُمَّ أخْرَجَ مِنهم نَسْلًا مِنهم مَن رَحِمَ ومِنهم مَن عَذَّبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَمِ المُمَتَّعَةِ قَوْمُ هُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وبِالعَذابِ ما نَزَلْ بِهِمْ.

11:49Page 227

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قُصَّ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إمّا لِكَوْنِها بِتَقَضِّيها في حُكْمِ البَعِيدِ، أوِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: مِن جِنْسِها، أيْ: لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ سائِرِ الأنْباءِ، بَلْ هي نَسِيجٌ وحْدَها مُنْفَرِدَةٌ عَمّا عَداها، أوْ بَعْضُها ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوَحاةٌ إلَيْكَ، أوْ هو الخَبَرُ و(مِن أنْباءِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ حالٌ مِن (أنْباءِ الغَيْبِ) أيْ: مُوَحاةً إلَيْكَ ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أيْ: مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ وإخْبارِكَ بِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي كَسَبْتَهُ بِالوَحْيِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ، أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في (نُوحِيها) أوِ الكافِ في (إلَيْكَ) أيْ: جاهِلًا أنْتَ وقَوْمُكَ بِها، وفي ذِكْرِ جَهْلِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَتَعَلَّمْهُ إذْ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهُمْ، وأنَّهم - مَعَ كَثْرَتِهِمْ - لَمّا لَمْ يَعْلَمُوهُ فَكَيْفَ بِواحِدٍ مِنهُمْ؟ ﴿فاصْبِرْ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى الإيحاءِ، أوِ العِلْمِ المُسْتَفادِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا" أيْ: وإذْ قَدْ أوْحَيْناها إلَيْكَ، أوْ عَلِمْتَها بِذَلِكَ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ قَوْمِكَ، كَما صَبَرَ نُوحٌ - عَلى ما سَمِعْتَهُ - مِن أنْواعِ البَلايا في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وهَذا ناظِرٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ ... إلَخْ، ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ بِالظَّفَرِ في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ في الآخِرَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما شاهَدْتَهُ في نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وقَوْمِهِ، ولَكَ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَهي (p-216)تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، فَإنَّ كَوْنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ لِلْمُتَّقِينَ - وهو في أقْصى دَرَجاتِ التَّقْوى والمُؤْمِنُونَ كُلُّهم مُتَّقُونَ - مِمّا يُسَلِّيهِ ﷺ ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ الخُطُوبَ، ويُذْهِبُ عَنْهُ ما عَسى يَعْتَرِيهِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّقْوى الدَّرَجَةُ الأُولى مِنهُ، أعْنِي التَّوَقِّيَ مِنَ العَذابِ المُخَلِّدِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الشِّرْكِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ مِنهُ، وهي أنْ يَتَنَزَّهَ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ، ويَتَبَتَّلَ إلَيْهِ بِشَراشِرِهِ، وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَإنَّ التَّقْوى بِهَذا المَعْنى مُنْطَوٍ عَلى الصَّبْرِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ فَإنَّ العاقِبَةَ لِلصّابِرِينَ.

11:50Page 227

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠

And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

﴿وَإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (أرْسَلْنا) في قِصَّةِ نُوحٍ، وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهُمْ، أيْ: واحِدًا مِنهم في النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ هَهُنا لِلْحِذارِ عَنِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ فِيما سَبَقَ، وأخاهم مَعْطُوفٌ عَلى (نُوحًا) وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أخاهُمْ) وكانَ ﷺ مِن جُمْلَتِهِمْ، فَإنَّهُ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ العَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هُودُ بْنُ شالِحِ بْنِ أرْفَخَشْذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ ابْنُ عَمِّ أبِي عادٍ، وإنَّما جُعِلَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم أفْهَمُ لِكَلامِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ وأرْغَبُ في اقْتِفائِهِ قالَ لَمّا كانَ ذِكْرُ إرْسالِهِ ﷺ إلَيْهِمْ مَظِنَّةً لِلسُّؤالِ عَمّا قالَ لَهم ودَعاهم إلَيْهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَقِيلَ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحِّدُوهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، والتَّعْلِيلُ لِلْأمْرِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم مِن إلَهٍ سِواهُ، و(غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ(إلَهٍ) بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ حَمْلًا لَهُ عَلى لَفْظِهِ.

﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ، أوْ بِقَوْلِكُمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِعِبادَتِها ﴿إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلَيْهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

11:51Page 227

يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١

O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ بِهِ كُلُّ نَبِيٍّ قَوْمَهُ؛ إزاحَةً لِما عَسى يَتَوَهَّمُونَهُ، وإمْحاضًا لِلنَّصِيحَةِ، فَإنَّها ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلتَّفْخِيمِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ فِعْلَ الفِطْرَةِ لِكَوْنِهِ أقْدَمَ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَوْجِبَةِ لِلشُّكْرِ الَّذِي لا يَتَأتّى إلّا بِالجَرَيانِ عَلى مُوجِبِ أمْرِهِ الغالِبِ، مُعْرِضًا عَنِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأجْرُ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أتَغْفُلُونَ عَنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ، أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فِيها فَلا تَعْقِلُونَها، أوْ أتَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا، فَإنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفي عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

11:52Page 227

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ (p-217)لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وأيْضًا التَّبَرُّؤُ مِنَ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الإيمان باللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الدُّرُورِ ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً﴾ مُضافَةً ومُنْضَمَّةً ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيْ: يُضاعِفْها لَكُمْ، وإنَّما رَغَّبَهم بِكَثْرَةِ المَطَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وعِماراتٍ، وقِيلَ: حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثَ سِنِينَ، فَوَعَدَهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثْرَةَ الأمْطارِ، وتَضاعُفَ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: لا تُعْرِضُوا عَمّا دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ.

11:53Page 227

قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣

They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وإنَّما قالُوهُ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ: بِتارِكِي عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ: صادِرِينَ عَنْهُ، أيْ: صادِرًا تَرْكُنا عَنْ ذَلِكَ بِإسْنادِ حالِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ، ومَعْناهُ التَّعْلِيلُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِدَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ عِلَّةً فاعِلِيَّةً، ولا يُفِيدُهُ الباءُ واللّامُ، وهَذا كَقَوْلِهِمُ المَنقُولِ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾، ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا تَأْتِي وتَذَرُ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، وتَجاوُزِ الحَدِّ في العُتُوِّ ما لا يَخْفى.

11:54Page 228

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤

We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ: ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا: اعْتَراكَ، أيْ: أصابَكَ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها، وحَطِّكِ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: "ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ" والتَّنْكِيرُ في (سُوءٍ) لِلتَّقْلِيلِ، كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في السُّوءِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ و(إلّا) لَغْوٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وهَذا الكَلامُ مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: "وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالُوا وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ - يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ: إنّا لا نَعُدُّ كَلامَكَ إلّا مِن قَبِيلِ ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ مَنِ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ، فَكَيْفَ نُصَدِّقُهُ ونُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجِبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا في طَرِيقَةِ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حُجَّةً في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ "وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ" مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا تَصْدِيقَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ: "وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا، حَيْثُ قالُوا ما قالُوا، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.

11:55Page 228

مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (p-218)﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِن إشْراكِكم مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا، كَما قالَ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ مِن آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ مِمّا يَضُرُّ أوْ يَنْفَعُ وأنَّها بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَ ما وقَعَ أوَّلًا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في حَقِّ آلِهَتِهِمْ مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْئًا، حَتّى زَعَمُوا أنَّها تُصِيبُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – بِسُوءٍ؛ مُجازاةً لِصَنِيعِهِ مَعَها، صَرَّحَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ، حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِـ"إنَّ"، وأشْهَدَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها، حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "بَعْضُ آلِهَتِنا" والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها، ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها - ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ - فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي، ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ في قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، وهَذا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ - كانَ رَجُلًا مُفْرَدًا بَيْنَ الجَمِّ الغَفِيرِ والجَمْعِ الكَثِيرِ مِن عُتاةِ عادٍ الغِلاظِ الشِّدادِ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى مُباشَرَةِ مَبادِئِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وحَثَّهم عَلى التَّصَدِّي لِأسْبابِ المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كُلِّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، كَيْفَ لا وقَدِ التَجَأ إلى رُكْنٍ مَنِيعٍ رَفِيعٍ واعْتَصَمَ بِحَبْلٍ مَتِينٍ؟ حَيْثُ قالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском