Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
هود
Hud
Hud · Meccan · 123 ayahs
11:1Page 221
الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2
(p-182)سُورَةُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكِّيَّةٌ، وهي مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً
﴿الر﴾ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ يُونُسَ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ نَحْوِ (اذْكُرْ) أوِ (اقْرَأْ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ، أوْ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، حَسْبَما فُصِّلَ في أخَواتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرٌ لَهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، ولِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ.
﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا مُتْقَنًا لا يَعْتَرِيهِ خَلَلٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً لِانْطِوائِها عَلى جَلائِلِ الحِكَمِ البالِغَةِ ودَقائِقِها، أوْ مُنِعَتْ مِنَ النَّسْخِ بِمَعْنى التَّغْيِيرِ مُطْلَقًا، أوْ أُيِّدَتْ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى ثُبُوتِ مَدْلُولاتِها، فالمُرادُ بِالآياتِ جَمِيعُها، أوْ عَلى حَقِّيَّةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فالمُرادُ بِها بَعْضُها المُشْتَمِلُ عَلَيْها، كَما إذا فُسِّرَ الإحْكامُ بِالمَنعِ مِنَ النَّسْخِ بِمَعْنى تَبْدِيلِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ خاصَّةً، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِالمَنعِ مِنَ الفَسادِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: أحْكَمْتُ الدّابَّةَ إذا وضَعْتَ عَلَيْها الحَكَمَةَ؛ لِتَمْنَعَها مِنَ الجِماحِ - فَفِيهِ إيهامُ ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِشَأْنِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّداعِي إلى الفَسادِ لَوْلا المانِعُ، وفي إسْنادِ الإحْكامِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ إلى آياتِ الكِتابِ دُونَ نَفْسِهِ - لا سِيَّما عَلى الوُجُوهِ الشّامِلَةِ لِكُلِّ آيَةٍ آيَةٍ مِنهُ مِن - حُسْنِ المَوْقِعِ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ في أقْصى غايَةٍ مِنهُ ما لا يَخْفى.
﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ فُصُولًا مِنَ الأحْكامِ والدَّلائِلِ والمَواعِظِ والقِصَصِ، أوْ فُصِّلَ فِيها مُهِمّاتُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والتَّفْسِيرُ بِجَعْلِها آيَةً آيَةً لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الأوَّلِيَّةِ فَلا يُناسِبُ عَطْفُهُ عَلى أحْكامِها بِكَلِمَةِ التَّراخِي، وأمّا المَعْنَيانِ الأوَّلانِ فَهُما - وإنْ كانا مَعَ الإحْكامِ زَمانًا حَيْثُ لَمْ تَزَلِ الآياتُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً لا أنَّها أُحْكِمَتْ أوْ فُصِّلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ إذِ الفِعْلانِ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ - إلّا أنَّهُما حَيْثُ كانا مِن صِفاتِ الآياتِ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَتْبِعُ أحْكامًا مَخْصُوصَةً وآثارًا مُعْتَدًّا بِها، وبِمُلاحَظَةِ مَصالِحِ العِبادِ ناسَبَ أنْ يُشارَ إلى تَراخِي رُتْبَتِهِما عَنْ رُتْبَةِ الإحْكامِ، وإنْ حُمِلَ جَعْلُها آيَةً آيَةً عَلى مَعْنى تَفْرِيقِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ يَكُونُ مِن هَذا القَبِيلِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في مَثابَتِهِ في اسْتِتْباعِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الأحْكامِ والآثارِ، أوْ فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ مُنَجِّمَةً بِحَسَبِ المَصالِحِ، فَإنْ أُرِيدَ تَنْزِيلُها المُنَجَّمُ بِالفِعْلِ فالتَّراخِي زَمانِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جَعْلُها في نَفْسِها بِحَيْثُ يَكُونُ نُزُولُها مُنَجَّمًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَهو رُتْبِيٌّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لازِمٌ لَها حَقِيقٌ بِأنْ يُرَتَّبَ عَلى وصْفِ إحْكامِها، وقُرِئَ (أحْكَمْتُ (p-183)آياتِهِ ثُمَّ فَصَّلْتُ) عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ وعَنْ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ ﴿ (ثُمَّ فُصِّلَتْ)﴾ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صِفَةٌ لِلْكِتابِ وُصِفَ بِها بَعْدَما وصِفَ بِإحْكامِ آياتِهِ وتَفْصِيلِها الدّالَّيْنِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ مِن حَيْثُ الذّاتُ إبانَةً لِجَلالَةِ شَأْنِهِ مِن حَيْثُ الإضافَةُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ أوِ المَحْذُوفِ، أوْ صِلَةٌ لِلْفِعْلَيْنِ، وفي بِنائِهِما لِلْمَفْعُولِ ثُمَّ إيرادِ الفاعِلِ بِعُنْوانِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والإحاطَةِ بِجَلائِلِها ودَقائِقِها مُنَكَّرًا بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ ورَبْطِهِما بِهِ لا عَلى النَّهْجِ المَعْهُودِ في إسْنادِ الأفاعِيلِ إلى قَواعِدِها مَعَ رِعايَةِ حُسْنِ الطِّباقِ - مِنَ الجَزالَةِ والدَّلالَةِ عَلى فَخامَتِهِما وكَوْنِهِما عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ ما لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ.
11:2Page 221
أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢
[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"
" ألا تَعْبُدُواْ إلّا الله " مَفْعُولٌ لَهُ حُذِفَ عَنْهُ اللّامُ مَعَ فِقْدانِ الشَّرْطِ، أعْنِي كَوْنَهُ فِعْلًا لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ القِياسِ المُطَّرِدِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ "أنِ" المَصْدَرِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، أيْ: لِتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَتَمَحَّضُوا في عِبادَتِهِ، فَإنَّ الإحْكامَ والتَّفْصِيلَ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ المَعانِي مِمّا يَدْعُوهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ قاطِبَةً، وقِيلَ: "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّفْصِيلِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: قِيلَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى " نَّذِيرٌ " أُنْذِرُكم عَذابَهُ إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَبَشِيرٌ﴾ أُبَشِّرُكم بِثَوابِهِ إنْ آمَنتُمْ بِهِ وتَمَحَّضْتُمْ في عِبادَتِهِ، ولَمّا ذُكِرَ شُئُونِ الكِتابِ مِن إحْكامِ آياتِهِ وتَفْصِيلِها، وكَوْنِ ذَلِكَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وأُورِدَ مُعْظَمُ ما نُظِمَ في سِلْكِ الغايَةِ، والأمْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ الإشْراكِ وُسِّطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِينَيْهِ - أعْنِي الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ - ذِكْرُ أنَّ مَن نُزِّلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لِتَبْلِيغِ أحْكامِهِ وتَرْشِيحِها بِالمُؤَيِّداتِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّوْحِيدَ في أقْصى مَراتِبِ الأهَمِّيَّةِ حَتّى أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ، وأُيِّدَ إيجابُهُ بِالخِطابِ غِبَّ الكِتابِ مَعَ تَلْوِيحٍ بِأنَّهُ كَما لا يَتَحَقَّقُ في نَفْسِهِ إلّا مُقارِنًا لِلْحُكْمِ بِرِسالَتِهِ ﷺ كَذَلِكَ في الذِّكْرِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ.
وَقَدْ رُوعِيَ في سَوْقِ الخِطابِ بِتَقْدِيمِ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ ما رُوعِيَ في الكِتابِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْيِ عَلى الإثْباتِ والتَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِيَتَجاوَبَ أطْرافُ الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ (ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ)﴾ كَلامًا مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ وارِدًا عَلى لِسانِهِ ﷺ إغْراءً لَهم عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، كَأنَّهُ ﷺ قالَ: "تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ" أيِ: الزَمُوهُ عَلى مَعْنى: اتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَرْكًا مُسْتَمِرًّا، "إنَّنِي لَكُمْ" مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى "نَذِيرٌ وبَشِيرٌ" أيْ: نَذِيرٌ أُنْذِرُكم مِن عِقابِهِ عَلى تَقْدِيرِ اسْتِمْرارِكم عَلى الكُفْرِ، وبَشِيرٌ أُبَشِّرُكم بِثَوابِهِ عَلى تَقْدِيرِ تَرْكِكم لَهُ وتَوْحِيدِكُمْ، ولَمّا سَبَقَ إلَيْهِمْ حَدِيثُ التَّوْحِيدِ، وأُكِّدَ ذَلِكَ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى وجْهِ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ شُرِعَ في ذِكْرِ ما هو مِن تَتْماتِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ ما أُجْمِلَ في وصْفِ البَشِيرِ والنَّذِيرِ فَقِيلَ:
11:3Page 221
وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣
And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.
﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى "أنْ لا تَعْبُدُوا" عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهَيْنِ فَعَلى الأوَّلِ: "أنْ" (p-184)مَصْدَرِيَّةٌ لِجَوازِ كَوْنِ صِلَتِها أمْرًا أوْ نَهْيًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ لِأنَّ مَدارَ جَوازِ كَوْنِها فِعْلًا إنَّما هو دَلالَتُهُ عَلى المَصْدَرِ، وهو مَوْجُودٌ فِيهِما، ووُجُوبُ كَوْنِها خَبَرِيَّةً في صِلَةِ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي لا تُوصَفُ بِها إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً، وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ سَواءً ساغَ وُقُوعُ الأمْرِ والنَّهْيِ صِلَةً، حَسْبَما ساغَ وُقُوعِ الفِعْلِ فَيَتَجَرَّدُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ (اسْتَغْفِرُوا)﴾ والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ، والمَعْنى: فُعِلَ ما فُعِلَ مِنَ الإحْكامِ والتَّفْصِيلِ لِتَخُصُّوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ وتَطْلُبُوا مِنهُ سَتْرَ ما فَرَطَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ تَرْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، أوْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْفارِ، أوْ تَسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ وتَتُوبُوا مِنَ المَعاصِي.
وَعَلى الثّانِي (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، أيْ: قِيلَ في أثْناءِ تَفْصِيلِ الآياتِ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، واسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية تَلْقِينٌ لِلْمُخاطَبِينَ، وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ الِابْتِهالِ في السُّؤالِ، وتَرْشِيحٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ التَّمْتِيعِ وإيتاءِ الفَضْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ أيْ: تَمْتِيعًا، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ مِنهُ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وهو اسْمٌ لِما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: يُعِشْكم عَيْشًا مَرْضِيًّا، لا يَفُوتُكم فِيهِ شَيْءٌ مِمّا تَشْتَهُونَ، ولا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ مِنَ المُكَدِّراتِ.
﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُقَدَّرٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو آخِرُ أعْمارِكُمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ غايَةً لا يَطْمَحُ وراءَها طامِحٌ جَرى التَّمْتِيعُ إلَيْها مَجْرى التَّأْبِيدِ عادَةً، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في الطّاعَةِ والعَمَلِ ﴿فَضْلَهُ﴾ جَزاءَ فَضْلِهِ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وهَذِهِ تَكْمِلَةٌ لِما أُجْمِلَ مِنَ التَّمْتِيعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وتَبْيِينٌ لِما عَسى يَعْسُرُ فَهْمُ حِكْمَتِهِ مِن بَعْضِ ما يَتَّفِقُ في الدُّنْيا مِن تَفاوُتِ الحالِ بَيْنَ العامِلَيْنِ، فَرُبَّ إنْسانٍ لَهُ فَضْلٌ؛ طاعَةٌ وعَمَلٌ لا يُمَتَّعُ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا مُتِّعَ آخَرُ دُونَهُ في الفَضْلِ، ورُبَّما يَكُونُ المَفْضُولُ أكْثَرَ تَمْتِيعًا، فَقِيلَ: ويُعْطِ كُلَّ فاضِلٍ جَزاءَ فَضْلِهِ، إمّا في الدُّنْيا كَما يَتَّفِقُ في بَعْضِ المَوادِّ، وإمّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا مَرَدَّ لَهُ، وهَذا ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِنَ البِشارَةِ، ثُمَّ شُرِعَ في الإنْذارِ فَقِيلَ: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا عَمّا أُلْقِيَ إلَيْكم مِنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، وإنَّما أُخِّرَ عَنِ البِشارَةِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ تَقَدُّمِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ، أوْ لِأنَّ العَذابَ قَدْ عُلِّقَ بِالتَّوَلِّي عَمّا ذُكِرَ مِنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ ذِكْرِهِ، وقُرِئَ (تُوَلُّوا) مِن ولّى ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ بِمُوجِبِ الشَّفَقَةِ والرَّأْفَةِ، أوْ أتَوَقَّعُ ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وُصِفَ بِالكِبَرِ - كَما وُصِفَ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ - إمّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، أوْ وُصِفَ بِوَصْفِ ما يَكُونُ فِيهِ، كَما وُصِفَ بِالثِّقَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقِيلَ: يَوْمُ الشَّدائِدِ، وقَدِ ابْتُلُوا بِقَحْطٍ أكَلُوا فِيهِ الجِيَفَ، وأيًّا ما كانَ فَفي إضافَةِ العَذابِ إلَيْهِ تَهْوِيلٌ وتَفْظِيعٌ لَهُ.
11:4Page 221
إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤
To Allāh is your return, and He is over all things competent."
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم بِالمَوْتِ، ثُمَّ البَعْثِ لِلْجَزاءِ في مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا إلى غَيْرِهِ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَنْدَرِجُ في تِلْكَ الكُلِّيَّةِ قدرته عَلى إماتَتِكم ثُمَّ بَعْثِكم وجَزائِكم، فَيُعَذِّبُكم بِأفانِينِ (p-185)العَذابِ، وهو تَقْرِيرٌ لِما سَلَفَ مِن كِبَرِ اليَوْمِ وتَعْلِيلٌ لِلْخَوْفِ، ولَمّا أُلْقِيَ إلَيْهِمْ فَحْوى الكِتابِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ وسِيقَ إلَيْهِمْ ما يَنْبَغِي أنْ يُساقَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وقَعَ في ذِهْنِ السّامِعِ - أنَّهم بَعْدَما سَمِعُوا مِثْلَ هَذا المَقالِ الَّذِي تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ - هَلْ قابَلُوهُ بِالإقْبالِ أمْ تَمادَوْا فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ والضَّلالِ؟ فَقِيلَ مُصَدَّرًا بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما يَعْقُبُها مِن هَناتِهِمْ أمْرٌ يَجِبُ أنْ يُفْهَمَ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ:
11:5Page 221
أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥
Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، وهَذا مَعْنًى جَزْلٌ مُناسِبٌ لِما سَبَقَ - وقَدْ نَحا نَحْوَهُ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ - ولَكِنْ حَيْثُ لَمْ يَصْلُحِ التَّوَلِّي سَبَبًا لِلِاسْتِخْفاءِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ التَجَأ إلى إضْمارِ الإرادَةِ حَيْثُ قالَ: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يُطْلِعَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى إعْراضِهِمْ، وجَعْلُهُ في قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ، ولا يَخْفي أنَّ انْسِياقَ الذِّهْنِ إلى تَوْسِيطِ الإرادَةِ بَيْنَ ثَنْيِ الصُّدُورِ وبَيْنَ الِاسْتِخْفاءِ لَيْسَ كانْسِياقِهِ إلى تَوْسِيطِ الضَّرْبِ بَيْنَ الأمْرِ بِهِ وبَيْنَ الِانْفِلاقِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّ مَعْناهُ: يَعْطِفُونَ صُدُورَهم عَلى ما فِيها مِنَ الكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ مَخْفِيًّا مَسْتُورًا فِيها، كَما تُعْطَفُ الثِّيابُ عَلى ما فِيها مِنَ الأشْياءِ المَسْتُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ اسْتِهْجانًا بِذِكْرِهِ، أوْ إيماءً إلى أنَّ ظُهُورَهُ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ، أوْ لِيَذْهَبَ ذِهْنُ السّامِعِ إلى كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِن تَوَلِّيهِمْ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُلْقِيَ إلَيْهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ وجْهُ كَوْنِ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاسْتِخْفاءِ.
وَيُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وكانَ رَجُلًا حُلْوَ المَنطِقِ حَسَنَ السِّياقِ لِلْحَدِيثِ، يُظْهِرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَحَبَّةَ، ويُضْمِرُ في قَلْبِهِ ما يُضادُّها.
وَقالَ ابْنُ شَدّادٍ: إنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ، وغَطّى وجْهَهُ كَيْلا يَراهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَأنَّهُ إنَّما كانَ يَصْنَعُ ما يَصْنَعُ؛ لِأنَّهُ لَوْ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّفُ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ والمُصاحَبَةِ مَعَهُ، ورُبَّما يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى ظُهُورِ ما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وقُرِئَ (يَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ) بِالياءِ والتّاءِ مِنِ اثْنَوْنى افْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنْيِ كاحْلَوْلى مِنَ الحَلاوَةِ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لِتَثْنُونِي، وقُرِئَ (تَثْنُونَ) وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِن تَفْعَوْعِلُ مِنَ الثَّنِّ، وهو ما هَشَّ مِنَ الكَلَأِ وضَعُفَ، يُرِيدُ مُطاوَعَةَ صُدُرُوهِمْ لِلثَّنْيِ، كَما يُثْنى الهَشُّ مِنَ النَّباتِ، أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ورَخاوَةَ قُلُوبِهِمْ، وقُرِئَ (تَثْنُنَّ) مِنِ اثْنانَّ افْعالَّ مِنهُ، ثُمَّ هُمِزَ كَما قِيلَ: ابْيَأضَّتْ وادْهَأمَّتْ، وقُرِئَ (تَثْنَوِي) بِوَزْنِ تَرْعَوِي.
﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: يَتَغَطَّوْنَ بِها لِلِاسْتِخْفاءِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ شَدّادٍ، أوْ حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَدَثَّرُونَ بِثِيابِهِمْ، فَإنَّ ما يَقَعُ حِينَئِذٍ حَدِيثُ النَّفْسِ عادَةً، وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ الكُفّارِ يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي سِتْرَهُ ويُحْيِي ظَهْرَهُ (p-186)وَيَتَغَشّى بِثَوْبِهِ، ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي؟
﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سِرُّهم وعَلَنُهُمْ، فَكَيْفَ يَخْفي عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ؟! وإنَّما قُدِّمَ السِّرُّ عَلى العَلَنِ؛ نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ما صَنَعُوا، وإيذانًا بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ، وتَحْقِيقًا لِلْمُساواةِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكَأنَّ عِلْمَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَيْثُ قُدِّمَ فِيهِ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِإشْعارِ أنَّ المُحاسَبَةَ بِما يُخْفُونَهُ أوْلى مِنها بِما يُبْدُونَهُ غَرَضٌ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ، وأمّا هَهُنا فَقَدْ تَعَلَّقَ بِإشْعارِ كَوْنِ تَعَلُّقِ علمه تعالى بِما يُسِرُّونَهُ أوْلى مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ - غَرَضٌ مُهِمٌّ، مَعَ كَوْنِهِما عَلى السَّوِيَّةِ، كَيْفَ لا وعلمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ بَلْ وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فَحَيْثُ كانَ وارِدًا بِصَدَدِ الخِطابِ مَعَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُنَزَّهِ مَقامُهم عَنِ اقْتِضاءِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الإخْبارِ بِإحاطَةِ علمه تعالى بِالظّاهِرِ والباطِنِ - لَمْ يُسْلَكْ فِيهِ ذَلِكَ المَسْلَكُ، مَعَ أنَّهُ وقَعَ الغُنْيَةُ عَنْهُ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِؤُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في القَلْبِ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَقْرِيرٌ لَهُ واقِعٌ مَوْقِعَ الكُبْرى مِنَ القِياسِ، وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ، وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ، والتَّعْبِيرِ عَنِ الضَّمائِرِ بِعُنْوانِ صاحِبَيْها مِنَ البَراعَةِ ما لا يَصِفُهُ الواصِفُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمَراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ بِحَيْثُ لا تُفارِقُها أصْلًا، فَكَيْفَ يَخْفي عَلَيْهِ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ؟ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذاتِ الصُّدُورِ القُلُوبُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عَلِيمٌ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها، فَلا يَخْفي عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها.
11:6Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ غِذاؤُها اللّائِقُ بِها مِن حَيْثُ الخَلْقُ، ومِن حَيْثُ الإيصالُ إلَيْها بِطَرِيقِ طَبِيعِيٍّ، أوْ إرادِيٍّ لِتَكَفُّلِهِ إيّاهُ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الوُجُوبِ؛ اعْتِبارًا لِسَبْقِ الوَعْدِ وتَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ إلَيْها البَتَّةَ، وحَمْلًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الثِّقَةِ بِهِ تَعالى، والإعْراضِ عَنْ إتْعابِ النَّفْسِ في طَلَبِهِ ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ مَحَلَّ قَرارِها في الأصْلابِ ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ مَوْضِعَها في الأرْحامِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ البَيْضِ، ونَحْوِها.
وَإنَّما خُصَّ كُلٌّ مِنَ الِاسْمَيْنِ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ المَحَلَّيْنِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْلابِ في حَيِّزِها الطَّبِيعِيِّ ومَنشَئِها الخُلُقِيِّ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْحامِ وما يَجْرِي مَجْراها فَهي مُودَعَةٌ فِيها إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَسْكَنَها مِنَ الأرْضِ حِينَ وُجِدَتْ بِالفِعْلِ ومُودَعَها مِنَ المَوادِّ والمَقارِّ حِينَ كانَتْ بَعْدُ بِالقُوَّةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ مَحَلِّها (p-187)بِاعْتِبارِ حالَتِها الأخِيرَةِ لِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ عُنْوانِ كَوْنِها دابَّةً في الأرْضِ، والمَعْنى: وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا يَرْزُقُها اللَّهُ تَعالى حَيْثُ كانَتْ مِن أماكِنِها يَسُوقُهُ إلَيْها، ويَعْلَمُ مَوادَّها المُتَخالِفَةَ المُنْدَرِجَةَ في مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ المُتَفاوِتَةِ المُتَطَوِّرَةِ في الأطْوارِ المُتَبايِنَةِ، ومَقارَّها المُتَنَوِّعَةَ، ويُفِيضُ عَلَيْها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ ما يَلِيقُ بِها مِن مَبادِئِ وُجُودِها، وكِمالاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ فُسِّرَ المُسْتَوْدَعُ بِأماكِنِها في المَماتِ، ولا يُلائِمُهُ مَقامُ التَّكَفُّلِ بِأرْزاقِها.
﴿كُلٌّ﴾ مِنَ الدَّوابِّ ورِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُثْبَتٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ، أوِ المُظْهِرِ لِما أُثْبِتَ فِيهِ لِلنّاظِرِينَ، ولَمّا انْتَهى الأمْرُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أحْوالِ ما في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى - مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِها إلى مُنْتَهاها - اقْتَضى الحالُ التَّعَرُّضَ لِمَبْدَأِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ فَقِيلَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences