Abu as-Su'udHud · 11:56–70

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Hud 11:56–70

11:56Page 228

إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦

Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ في مُضارَّتِي مَجْهُودَكم لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ بِي، فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الإنْشاءِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، وواثِقٌ بِكَلاءَتِي وحِفْظِي عَنْ غَوائِلِكُمْ، وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَصْدُرُ عَنْكم شَيْءٌ، ولا يُصِيبُنِي أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ: إلّا هو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الأخْذَ بِالنّاصِيَةِ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ مِن عَدَمِ قدرتهمْ عَلى إضْرارِهِ، أيْ: هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ، فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ إذْ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفْتاتُ عَلَيْهِ ظالِمٌ، والِاقْتِصارُ عَلى إضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ إمّا بِطْرِيقِ الِاكْتِفاءِ لِظُهُورِ المُرادِ، وإمّا لِأنَّ فائِدَةَ كَوْنِهِ تَعالى مالِكًا لَهم أيْضًا راجِعَةٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

11:57Page 228

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧

But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1

(p-219)﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، أيْ: إنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: لَمْ أُعاتَبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ وكُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِأنْ بَلَغَكُمُ الحَقُّ فَأبَيْتُمْ إلّا التَّكْذِيبَ والجُحُودَ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهُمْ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ قَوْمًا آخَرِينَ، أوْ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَوَلَّوْا يَعْذُرْنِي ويُهْلِكْكم ويَسْتَخْلِفْ مَكانَكم آخَرِينَ، وفي اقْتِصارِ إضافَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَمْزٌ إلى اللُّطْفِ بِهِ والتَّدْمِيرِ لِلْمُخاطَبِينَ ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ بِتَوَلِّيكم ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومَن جَزَمَ و(يَسْتَخْلِفُ) أسْقَطَ مِنهُ النُّونَ.

﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ فَلا تَخْفي عَلَيْهِ أعْمالُكم فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، أوْ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ وهو الحافِظُ لِلْكُلِّ؟!

11:58Page 228

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨

And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: نَزَلَ عَذابُنا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالأمْرِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَنْ نُزُولِهِ بِالمَجِيءِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، أوْ ورَدَ أمْرُنا بِالعَذابِ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ لَهم ﴿مِنّا﴾ وهي الإيمانُ الَّذِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ والهِدايَةِ إلَيْهِ ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: كانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ تَنْجِيَةً مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، وهي السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَ الكَفَرَةِ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُهم إرْبًا إرْبًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالثّانِيَةِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ وأشَدُّ، وهَذِهِ التَّنْجِيَةُ - وإنْ لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةً بِمَجِيءِ الأمْرِ - لَكِنْ جِيءَ بِها تَكْمِلَةً لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ.

11:59Page 228

وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩

And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ، أوْ لِأنَّ الإشارَةَ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَفَرُوا بِها بَعْدَما اسْتَيْقَنُوها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جَمَعَ الرُّسُلَ - مَعَ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ غَيْرَ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ، وإظْهارًا لِكَمالِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ بِبَيانِ أنَّ عِصْيانَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِصْيانٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ) فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما أتى بِهِ هُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وفِيهِ زِيادَةُ مُلاءَمَةٍ لِما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الآياتِ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِن كُبَرائِهِمْ ورُؤَسائِهِمُ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ وإلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَصَوْا كُلَّ رَسُولٍ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ، وهَذا الوَصْفُ لَيْسَ كَما سَبَقَ مِن جُحُودِ الآياتِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ في الشُّمُولِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم، فَإنَّ الِاتِّباعَ لِلْأمْرِ مِن أوْصافِ الأسافِلِ دُونَ الرُّؤَساءِ، (p-220)وَعَنِيدٌ فَعِيلٌ مِن عَنَدَ عَنَدًا وعَنْدًا إذا طَغا، والمَعْنى: عَصَوْا مَن دَعاهم إلى الهُدى وأطاعُوا مَن حَداهم إلى الرَّدى.

11:60Page 228

وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.

﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ إبْعادًا عَنِ الرَّحْمَةِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أيْ: جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ لازِمَةً لَهم وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ، فَكَأنَّها لا تُفارِقُهم وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَيْثُما دارُوا، ولِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ اتِّباعِهِمْ رُؤَساءَهم يَعْنِي أنَّهم لَمّا اتَّبَعُوهم أُتْبِعُوا ذَلِكَ جَزاءً لِصَنِيعِهِمْ جَزاءً وِفاقًا ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ: أُتْبِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا لَعْنَةً، وهي عَذابُ النّارِ المُخَلِّدُ، حُذِفَتْ لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْها، ولِلْإيذانِ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ اللُّغَتَيْنِ نَوْعًا بِرَأْسِهِ لَمْ تُجْمَعا في قَرْنٍ واحِدٍ، بِأنْ يُقالَ: وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ إيذانًا بِاخْتِلافِ نَوْعَيِ الحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ نَحْوُ الصِّحَّةِ والكَفافِ والتَّوْفِيقِ لِلْخَيْرِ، وبِالحَسَنَةِ الأُخْرَوِيَّةِ الثَّوابُ والرَّحْمَةُ.

﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ، أوْ نِعْمَةَ رَبِّهِمْ حَمْلًا لَهُ عَلى نَقِيضِهِ الَّذِي هو الشُّكْرُ أوْ جَحَدُوهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ مَعَ كَوْنِهِمْ هالِكِينَ أيَّ هَلاكٌ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ الهَلاكِ، واسْتِيجابِ الدَّمارِ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ، وإعادَةُ "عادٍ" لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ، والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِقِصَّتِهِمْ ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(عادٍ) فائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ عَنْ (عادٍ) الثّانِيَةِ عادِ إرَمَ، والإيماءُ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِسَبَبِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهم قَوْمُهُ.

11:61Page 228

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١

And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ وثَمُودُ قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودِ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامٍ، وقِيلَ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ مِنَ الثَّمْدِ، وهو الماءُ القَلِيلُ، وصالِحٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو ابْنُ عَبِيدِ بْنِ آسَفَ بْنِ ماشِجِ بْنِ عَبِيدِ بْنِ جادِرِ بْنِ ثَمُودٍ، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِمْ مَظِنَّةً لِأنْ يُسْألَ ويُقالَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ قِيلَ جَوابًا عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحْدَهُ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ زِيدَ فِيما يَبْعَثُهم عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ ويُحِثُّهم عَلى زِيادَةِ الإخْلاصِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ هو كَوَّنَكم وخَلَقَكم مِنها لا غَيْرُهُ؟ قَصْرُ قَلْبٍ، أوْ قَصْرُ إفْرادٍ، فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنها خَلْقٌ لِجَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ مِنها لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ خِلْقَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَكُنْ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ ذُرِّيّاتِهِ الَّتِي سَتُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، وقِيلَ: إنَّ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنْشاءَ مَوادِّ النُّطَفِ الَّتِي مِنها خُلِقَ نَسْلُهُ مِنَ التُّرابِ إنْشاءٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ مِنَ الأرْضِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿واسْتَعْمَرَكُمْ﴾ مِنَ العُمُرِ، أيْ: عَمَّرَكم واسْتَبَقاكم.

﴿فِيها﴾ أوْ مِنَ العِمارَةِ، أيْ: (p-221)أقْدَرَكم عَلى عِمارَتِها، أوْ أمَرَكم بِها، وقِيلَ: هو مِنَ العُمْرى بِمَعْنى أعْمَرَكم فِيها دِيارَكُمْ، ويَرِثُها مِنكم بَعْدَ انْصِرامِ أعْمارِكُمْ، أوْ جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم تَسْكُنُونَها مُدَّةَ عُمُرِكُمْ، ثُمَّ تَتْرُكُونَها لِمِثْلِكم ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فَإنَّ ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ الإحْسانِ داعٍ إلى الِاسْتِغْفارِ عَمّا وقَعَ مِنهم مَنِ التَّفْرِيطِ، والتَّوْبَةِ عَمّا كانُوا يُباشِرُونَهُ مِنَ القَبائِحِ، وقَدْ زِيدَ في بَيانِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: قَرِيبُ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، ﴿مُجِيبٌ﴾ لِمَن دَعاهُ وسَألَهُ، وقَدْ رُوعِيَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ نُكْتَةٌ، حَيْثُ قُدِّمَ ذِكْرُ العِلَّةِ الباعِثَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ وأُخِّرَ عَنْهُ ذُكِرَ الغائِبَةِ المُتَأخِّرَةِ عَنْهُما في الوُجُودِ، أعْنِي الإجابَةَ.

11:62Page 228

قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢

They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ أيْ: كُنّا نَرْجُو مِنكَ - لِما كُنّا نَرى مِنكَ مِن دَلائِلِ السَّدادِ ومَخايِلِ الرَّشادِ - أنْ تَكُونَ لَنا سَيِّدًا ومُسْتَشارًا في الأُمُورِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا، وقِيلَ: كُنّا نَرْجُو أنْ تَدْخُلَ في دِينِنا وتُوافِقَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿قَبْلَ هَذا﴾ الَّذِي باشَرْتَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، أوْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا إلى الآنِ عَلى يَأْسٍ مِن ذَلِكَ، ولَوْ بَعْدَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ فالآنَ قَدِ انْصَرَمَ عَنْكَ رَجاؤُنا، وقَرَأ طَلْحَةُ: (مَرْجُوءًا) بِالمَدِّ والهَمْزَةِ.

﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: عَبَدُوهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿وَإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ، مِن أرابَهُ أيْ أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، أيْ: قَلَقِ النَّفْسِ وانْتِفاءِ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأيَّهُما كانَ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والتَّنْوِينُ فِيهِ وفي (شَكٍّ) لِلتَّفْخِيمِ.

11:63Page 229

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ في الحَقِيقَةِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ مالِكِي ومُتَوَلِّي أمْرِي ﴿وَآتانِي مِنهُ﴾ مِن جِهَتِهِ ﴿رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ - وإنْ كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ - لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا لِحالِ المُخاطَبِينَ ورِعايَةً لِحُسْنِ المُحاوَرَةِ لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنِ المُكابَرَةِ.

﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُنَجِّينِي مِن عَذابِهِ، والعُدُولُ إلى الإظْهارِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ النُّصْرَةِ عَلى ما سَبَقَ مِن إيتاءِ النُّبُوَّةِ، وكَوْنِهِ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ، حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ: بِالمُساهَلَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والمُجاراةِ مَعَكم فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ؛ فَإنَّ العِصْيانَ مِمَّنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ أبْعَدُ، والمُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ألْزَمُ، وإنْكارَ نُصْرَتِهِ أدْخَلُ.

﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: "قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا" أيْ: لا تُفِيدُونَنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أصْلُ الخُسْرانِ حَتّى يَزِيدُوهُ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ: غَيْرَ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ أعْمالِي وتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَما (p-222)تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ غَيْرَ أنْ أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولَ لَكُمْ: إنَّكم لَخاسِرُونَ، فالزِّيادَةُ عَلى مَعْناهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى انْتِفاءِ النّاصِرِ المَفْهُومِ مِن إنْكارِهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِن كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ.

11:64Page 229

وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤

And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُفارِقَةٌ لِسائِرِ ما يُجانِسُها مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ ومِن حَيْثُ الخُلُقُ ﴿لَكم آيَةً﴾ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِي، وهي حالٌ مِن (ناقَةُ اللَّهِ) والعامِلُ ما في هَذِهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، و(لَكُمْ) حالٌ مِن (آيَةً) مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْها لِكَوْنِها نَكِرَةٌ، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ناقَةُ اللَّهِ) بَدَلًا مِن (هَذِهِ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ (وَلَكُمْ) خَبَرًا وعامِلًا في (آيَةً).

﴿فَذَرُوها﴾ خَلُّوها وشَأْنَها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ تَرْعَ نَباتَها وتَشْرَبُ ماءَها، وإضافَةُ الأرْضِ إلى اللَّهِ تَعالى لِتَرْبِيَةِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ، وتَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَرْكِها وشَأْنَها ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بُولِغَ في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِما يَضُرُّها، حَيْثُ نُهِيَ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مِن مَبادِئِ الإصابَةِ ونُكْرِ السُّوءِ، أيْ: لا تَضْرِبُوها ولا تَطْرُدُوها ولا تَقْرَبُوها بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ فَضْلًا عَنْ عَقْرِها وقَتْلِها ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: قَرِيبُ النُّزُولِ.

رُوِيَ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ مِن صَخْرَةٍ تُسَمّى الكاثِبَةَ ناقَةً عُشَراءَ مُخْتَرِجَةً جَوْفاءَ وبْراءَ، وقالُوا: إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ صَدَّقْناكَ، فَأخَذَ صالِحٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ مَواثِيقَهم لَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَتُؤْمِنُنَّ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، فَصَلّى ودَعا رَبَّهُ فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها فانْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ عُشَراءَ كَما وصَفُوا، وهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ أنْتَجَتْ ولَدًا مِثْلَها في العِظَمِ، فَآمَنَ بِهِ جُنْدُعُ بْنُ عَمْرٍو في جَماعَةٍ، ومَنَعَ الباقِينَ مِنَ الإيمانِ دَوابُ بْنُ عَمْرٍو، والحُبابُ صاحِبُ أوْثانِهِمْ، ورَبابُ كاهِنُهُمْ، فَمَكَثَتِ النّاقَةُ مَعَ ولَدِها تَرْعى الشَّجَرَ، وتَرِدُ الماءَ غِبًّا، فَما تَرْفَعُ رَأْسَها مِنَ البِئْرِ حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها، ثُمَّ تَتَفَحَّجُ فَيَحْلُبُونَ ما شاءُوا حَتّى تَمْتَلِئَ أوانِيهِمْ فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ، وكانَتْ تُصَيِّفُ بِظَهْرِ الوادِي، فَتَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم إلى بَطْنِهِ، وتَشْتُو بِبَطْنِهِ فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

11:65Page 229

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."

﴿فَعَقَرُوها﴾ قِيلَ: زَيَّنَتْ عَقْرَها لَهم عُنَيْزَةُ أُمُّ غَنْمٍ، وصَدَقَةُ بِنْتُ المُخْتارِ، فَعَقَرُوها، واقْتَسَمُوا لَحْمَها، فَرَقِيَ سَقْيُها جَبَلًا اسْمُهُ قارَّةُ فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ لَهُمْ: أدْرِكُوا الفَصِيلَ عَسى أنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ العَذابَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وانْفَجَرَتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ رُغائِهِ فَدَخَلَها ﴿فَقالَ﴾ لَهم صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: عِيشُوا ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ: في مَنازِلِكم أوْ في الدُّنْيا ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قِيلَ: قالَ لَهم تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً، واليَوْمَ الثّالِثَ مُسَوَّدَةً، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن نُزُولِ العَذابِ عَقِيبَها، والمُرادُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ تَفْخِيمُهُ ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ لِلِاتِّساعِ المَشْهُورِ كَقَوْلِهِ:

؎ ويَوْمٍ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرا

أوْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، كَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ: أفِي بِكَ، فَإنْ وفي بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالمَجْلُودِ والمَعْقُولِ.(p-223)

11:66Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِنُزُولِهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّهْوِيلِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نَجَّيْنا) أوْ بِـ(آمِنُوا) ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿مِنّا﴾ وهي بِالنِّسْبَةِ إلى صالِحٍ النُّبُوَّةُ، وإلى المُؤْمِنِينَ الإيمانُ كَما مَرَّ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ مِنّا ﴿وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ، وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ)﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ تَنْجِيَةً مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ، أيْ: مِن ذِلَّتِهِ ومَهانَتِهِ، أوْ ذُلِّهِمْ وفَضِيحَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فُسِّرَ بِهِ العَذابُ الغَلِيظُ فِيما سَبَقَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ونَجَّيْناهم مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ بَعْدَ تَنْجِيَتِنا إيّاهم مِن عَذابِ الدُّنْيا، وعَنْ نافِعٍ بِالفَتْحِ عَلى اكْتِسابِ المُضافِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ هُنا وفي المَعارِجِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ).

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، والغالِبُ عَلَيْهِ لا غَيْرُهُ، ولِكَوْنِ الإخْبارِ بِتَنْجِيَةِ الأوْلِياءِ - لا سِيَّما عِنْدَ الإنْباءِ بِحُلُولِ العَذابِ - أهَمَّ ذَكَرَها أوَّلًا، ثُمَّ أخْبَرَ بِهَلاكِ الأعْداءِ فَقالَ:

11:67Page 229

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَدَلَ عَنِ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإشْعارًا بِعِلِّيَّتِهِ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: أتَتْهم مِنَ السَّماءِ صَيْحَةٌ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ في الأرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ، وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِيبَ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ: صارُوا ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ أيْ: بِلادِهِمْ، أوْ مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ، مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ، والمُرادُ كَوْنُهم كَذَلِكَ عِنْدَ ابْتِداءِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ مِن غَيْرِ اضْطِرابٍ وحَرَكَةٍ، كَما يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ المُعْتادِ، ولا يَخْفي ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الأخْذِ وسُرْعَتِهِ، اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن حُلُولِ غَضَبِكَ، قِيلَ: لَمّا رَأوُا العَلاماتِ الَّتِي بَيَّنَها صالِحٌ مِنِ اصْفِرارِ وُجُوهِهِمْ واحْمِرارِها واسْوِدادِها، عَمَدُوا إلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ، ولَمّا كانَ ضَحْوَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ تَحَنَّطُوا وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم فَهَلَكُوا.

11:68Page 229

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: كَأنَّهم في بِلادِهِمْ، أوْ في مَساكِنِهِمْ، وهو في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: أصْبَحُوا جاثِمِينَ مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُقِمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، ونَوَّنَهُ أبُو بَكْرٍ هُنا وفي النَّجْمِ، وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي الفُرْقانِ والعَنْكَبُوتِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ صُرِّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ؛ تَقْبِيحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالبُعْدِ والهَلاكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّنْوِينِ.(p-224)

11:69Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهم جِبْرِيلُ ومَلَكانِ، وقِيلَ: هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: جِبْرِيلُ ومَعَهُ سَبْعَةٌ، وعَنِ السُّدِّيِّ أحَدَ عَشَرَ عَلى صُوَرِ الغِلْمانِ الوَضّاءِ وُجُوهُهُمْ، وعَنْ مُقاتِلٍ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مُطْلَقُ المَجِيءِ بِالبُشْرى دُونَ الإرْسالِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما جاءُوهُ لِداعِيَةِ البُشْرى، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ سُوءِ صَنِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ الرُّسُلِ المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ، ولُحُوقِ العَذابِ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِمَّنْ لَحِقَ بِهِمُ العَذابُ، بَلْ إنَّما لَحِقَ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنهم خاصَّةً غُيِّرَ الأُسْلُوبُ المُطَّرِدُ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ ثُمَّ رُجِعَ إلَيْهِ حَيْثُ قِيلَ: "وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا".

﴿بِالبُشْرى﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِها، قِيلَ: هي مُطْلَقُ البُشْرى المُنْتَظِمَةِ لِلْبِشارَةِ بِالوَلَدِ مِن سارَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ... الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ولِلْبِشارَةِ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى مَجِيئِها كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي البِشارَةُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ويَأْباهُ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في شَأْنِهِمْ، والأظْهَرُ أنَّها البِشارَةُ بِالوَلَدِ، وسَتَعْرِفُ سِرَّ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِمَجِيئِهِمْ بِالبُشْرى مَظِنَّةً لِسُؤالِ السّامِعِ بِأنَّهم ما قالُوا أُجِيبَ بِأنَّهم ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: سَلَّمْنا أوْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِـ"قالُوا"، أيْ: قالُوا قَوْلًا ذا سَلامٍ، أوْ ذَكَرُوا سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، أوْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، حَيّاهم بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ، وقُرِئَ سَلِمَ كَحَرِمَ في حَرامٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: قالَ سَلامًا، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيهِما.

﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ﴾ أيْ في المَجِيءِ بِهِ، أوْ ما لَبِثَ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ ﴿حَنِيذٍ﴾ أيْ: مَشْوِيٍّ بِالرَّضْفِ في الأُخْدُودِ، وقِيلَ: سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكُهُ لِقَوْلِهِ: (بِعِجْلٍ سَمِينٍ) مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّقْتَهُ بِالجِلالِ.

11:70Page 229

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يُمِدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم لِلْأكْلِ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهُمْ، يُقالُ: نَكِرَهُ وأنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ بِمَعْنًى، وإنَّما أنْكَرَهُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِخَيْرٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ، ولا تَصِلُ إلَيْهِ أيْدِيهِمْ، وهَذا الإنْكارُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - راجِعٌ إلى فِعْلِهِمُ المَذْكُورِ، وأمّا إنْكارُهُ المُتَعَلِّقُ بِأنْفُسِهِمْ فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِرُؤْيَةِ عَدَمِ أكْلِهِمْ، وإنَّما وقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لَهم لِعَدَمِ كَوْنِهِمْ مِن جِنْسِ ما كانَ يَعْهَدُهُ مِنَ النّاسِ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الذّارِياتِ: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ﴿وَأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أحَسَّ أوْ أضْمَرَ مِن جِهَتِهِمْ ﴿خِيفَةً﴾ لَمّا ظَنَّ أنَّ نُزُولَهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ، وإنَّما أُخِّرَ (p-225)المَفْعُولُ الصَّرِيحُ عَنِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ المُرادَ الإخْبارُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْجَسَ مِن جِهَتِهِمْ شَيْئًا هو الخِيفَةُ، لا أنَّهُ أوْجَسَ الخِيفَةَ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ يُوجِبُ تَرَقُّبَ النَّفْسِ إلَيْهِ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ ما قالُوهُ بِمُجَرَّدِ ما رَأوْا مِنهُ مَخايِلَ الخَوْفِ إزالَةً لَهُ مِنهُ، بَلْ بَعْدَ إظْهارِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – لَهُ، قالَ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ.

﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ إرْسالَهم إلى قَوْمٍ آخَرِينَ يُوجِبُ أمْنَهم مِنَ الخَوْفِ، أيْ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ خاصَّةً، إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم قالُوهُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَدْ أُوجِزَ الكَلامُ اكْتِفاءً بِذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском