Abu as-Su'udHud · 11:85–95

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Hud 11:85–95

11:85Page 231

وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فَإنَّ الزِّيادَةَ في الكَيْلِ والوَزْنِ - وإنْ كانَ تَفَضُّلًا مَندُوبًا إلَيْهِ - لَكِنَّها في الآلَةِ مَحْظُورَةٌ كالنَّقْصِ، فَلَعَلَّ الزّائِدَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الِاكْتِيالِ والنّاقِصَ لِلِاسْتِعْمالِ وقْتَ الكَيْلِ، وإنَّما أُمِرَ بِتَسْوِيَتِهِما وتَعْدِيلِهِما صَرِيحًا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ والمَنعِ مِنَ البَخْسِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمْ مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إصْلاحُ ما أفْسَدُوهُ، وجَعَلُوهُ مِعْيارًا لِظُلْمِهِمْ وقانُونًا لِعُدْوانِهِمْ.

﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ﴾ بِسَبَبِ نَقْصِهِما وعَدَمِ اعْتِدالِهِما ﴿أشْياءَهُمْ﴾ الَّتِي يَشْتَرُونَها بِهِما، وقَدْ صُرِّحَ بِالنَّهْيِ عَنِ البَخْسِ بَعْدَما عُلِمَ ذَلِكَ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِعْيارِ والأمْرِ بِإيفائِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وتَرْغِيبًا في إيفاءِ الحُقُوقِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ والزَّجْرِ عَنْ نَقْصِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ بِإيفاءِ المِكْيالِ (p-232)والمِيزانِ الأمْرَ بِإيفاءِ المَكِيلاتِ والمَزُوناتِ، ويَكُونَ النَّهْيُ عَنِ البَخْسِ عامًّا لِلنَّقْصِ في المِقْدارِ وغَيْرِهِ تَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ العَثْيَ يَعُمُّ نَقْصَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ مِن أنْواعِ الفَسادِ، وقِيلَ: البَخْسُ المَكْسُ كَأخْذِ العُشُورِ في المُعامَلاتِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:

؎ أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

والعَثْيُ في الأرْضِ السَّرِقَةُ وقَطْعُ الطَّرِيقِ والغارَةُ، وفائِدَةُ الحالِ إخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ، كَما فَعَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الغُلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ أمْرَ آخِرَتِكم ومَصالِحَ دِينِكم.

11:86Page 231

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦

What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أبْقاهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ التَّنَزُّهِ عَنْ تَعاطِي المُحْرِماتِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَجْمَعُونَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فَإنَّ ذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا، بَلْ شَرٌّ مَحْضٌ وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ فِيهِ خَيْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا، فَإنَّ خَيْرِيَّتَها بِاسْتِتْباعِ الثَّوابِ مَعَ النَّجاةِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ لا مَحالَةَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في مَقالَتِي لَكُمْ، وقِيلَ: البَقِيَّةُ الطّاعاتُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقُرِئَ (تَقِيَّةُ اللَّهِ) بِالفَوْقانِيَّةِ وهي تَقْواهُ عَنِ المَعاصِي ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم مِنَ القَبائِحِ، أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم فَأُجازِيَكُمْ، وإنَّما أنا ناصِحٌ مُبَلِّغٌ، وقَدْ أعْذَرْتُ إذْ أنْذَرْتُ ولَمْ آلُ في ذَلِكَ جُهْدًا، أوْ ما أنا بِحافِظٍ ومُسْتَبْقٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن سُوءِ الصَّنِيعِ.

11:87Page 231

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧

They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأوْثانِ، أجابُوا بِذَلِكَ أمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَقَدْ بالَغُوا في ذَلِكَ وبَلَغُوا أقْصى مَراتِبَ الخَلاعَةِ والمُجُونِ والضَّلالِ، حَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِإنْكارِ الوَحْيِ الآمِرِ بِذَلِكَ حَتّى ادَّعَوْا أنْ لا أمْرَ بِهِ مِنَ العَقْلِ واللُّبِّ أصْلًا، وأنَّهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، وعَلى ذَلِكَ بَنَوُا اسْتِفْهامَهُمْ، وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: أصَلاتُكَ - الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ - تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ الَّتِي تَوارَثْناها أبًا عَنْ جَدٍّ، وإنَّما جَعَلُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا - مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ - لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم بِذَلِكَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم بِإسْنادِ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ، فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِ الدِّينِ ضِحْكَةً لَهُمْ، وقُرِئَ (أصَلَواتُكَ).

﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ جَوابٌ عَنْ أمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيِهِ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، مَعْطُوفٌ عَلى ما، أيْ: أوْ أنْ نُتْرَكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ الأخْذِ والإعْطاءِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ في الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَأْمُرُكَ) أيْ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ أنْتَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، وتَجْوِيزُ (p-233)العَطْفِ عَلى ما قِيلَ يَسْتَدْعِي أنْ يُرادَ بِالتَّرْكِ مَعْنَيانِ مُتَخالِفانِ، والمُرادُ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيجابُ الإيفاءِ والعَدْلِ في مُعامَلاتِهِمْ لا نَفْسُ الإيفاءُ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن أفْعالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مِن أفْعالِهِمْ.

وَإنَّما لَمْ نَقُلْ عَطْفًا عَلى (أنْ نَتْرُكَ) لِأنَّ التَّرْكَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، بَلِ المَأْمُورُ بِهِ تَكْلِيفُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم وأمْرُهُ بِذَلِكَ، والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تُكَلِّفَنا أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا مِنهم بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِهْزاءً بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ - يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى الصَّلاةِ دُونَ الأمْرِ، ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ، وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.

وَقُرِئَ بِالنُّونِ في الأوَّلِ والتّاءِ في الثّانِي عَطْفًا عَلى (أنْ نَتْرُكَ) أيْ: أوْ أنْ نَفْعَلَ نَحْنُ في أمْوالِنا عِنْدَ المُعامَلَةِ ما تَشاءُ أنْتَ مِنَ التَّسْوِيَةِ والإيفاءِ ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وصَفُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَصْفَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ وصْفَهُ بِضِدَّيْهِما، كَقَوْلِ الخَزَنَةِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ مِنِ اسْتِبْعادِ ما ذَكَرُوهُ عَلى مَعْنى (إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ) عَلى زَعْمِكَ، وأمّا وصْفُهُ بِهِما عَلى الحَقِيقَةِ فَيَأْباهُ مَقامُ الِاسْتِهْزاءِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الدِّينُ كَما قِيلَ.

11:88Page 231

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ، عُبِّرَ بِها عَمّا آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ رَدًّا عَلى مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ في جَعْلِهِمْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى سَنَدٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ ومالِكِ أُمُورِي، وإيرادُ حَرْفِ الشَّرْطِ مَعَ جَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِكَوْنِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ والحُجَجِ لِاعْتِبارِ حالِ المُخاطَبِينَ، ومَراعاةِ حُسْنِ المُحاوَرَةِ مَعَهُمْ، كَما ذَكَرْناهُ في نَظائِرِهِ ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ﴾ أيْ: مِن لَدُنْهُ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ أيْضًا، عُبِّرَ عَنْهُما بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةً رِزْقٌ حَسَنٌ، كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ؟! وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ: أتَقُولُونَ في شَأْنِي ما تَقُولُونَ، والمَعْنى إنَّكم نَظَمْتُمُونِي في سِلْكِ السُّفَهاءِ والغُواةِ، وعَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ، وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي حَتّى قُلْتُمْ: إنَّ ما أمَرْتُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ والِاجْتِنابِ عَنِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ لَيْسَ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ آمِرُ العَقْلِ، ويَقْضِي بِهِ قاضِي الفِطْنَةِ، وإنَّما يَأْمُرُ بِهِ صَلاتُكَ الَّتِي هي مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحٌ لِطامِحٍ، ورَزَقَنِي بِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا، أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ؟ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَحْذُوفَ: أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، أوْ هَلْ يَسَعُ لِي - مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ (p-234)لِلسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ - أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ فَبِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما يُناسِبُ تَقْدِيرُهُ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ، وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينُ عَلى مَعْنى: أدِينُكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُكَلِّفَنا بِتَرْكِ عِبادَةِ آلِهَتِنا القَدِيمَةِ، وتَرْكِ التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ في أمْوالِنا، وتُخالِفَنا في ذَلِكَ وتَشُقَّ عَصانا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْكَ، فَإنَّكَ أنْتَ المَشْهُورُ بِالحِلْمِ الفاضِلِ والرُّشْدِ الكامِلِ فِيما بَيْنَنا، كَما كانَ قَوْلُ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿ (قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا)﴾ مَسْرُودًا عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ، فَأُجِيبُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ الحَلالَ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى حِينَئِذٍ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا - أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ - أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وأُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ؟!

﴿وَما أُرِيدُ﴾ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ: أقْصِدَهُ بَعْدَما ولَّيْتُمْ عَنْهُ وأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكُمْ، يُقالُ: خالَفْتُ زَيْدًا إلى كَذا إذا قَصَدْتَهُ وهو مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفْتُهُ عَنْ كَذا إذا كانَ الأمْرُ عَلى العَكْسِ.

﴿إنْ أُرِيدُ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ بِما أُباشِرُهُ مِنَ الأمْرِ والنَّيِّهِ ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِالنَّصِيحَةِ والمَوْعِظَةِ ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أيْ: مِقْدارَ ما اسْتَطَعْتُهُ مِنَ الإصْلاحِ، والتَّقْيِيدُ بِهِ لِلِاحْتِرازِ عَنِ الِاكْتِفاءِ بِالإصْلاحِ في الجُمْلَةِ لا عَنْ إرادَةِ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ مِنهُ ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ أيْ: كَوْنِي مُوَفَّقًا لِتَحْقِيقِ ما أنَتْحِيهِ مِن إصْلاحِكم ﴿إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَأْيِيدِهِ ومَعُونَتِهِ، بَلِ الإصْلاحُ مِن حَيْثُ الخَلْقُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أنا مِن مَبادِئِهِ الظّاهِرَةِ، قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإزاحَةً لِما عَسى يُوهِمُهُ إسْنادُ الِاسْتِطاعَةِ إلَيْهِ بِإرادَتِهِ مِنِ اسْتِبْدادِهِ بِذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في ذَلِكَ مُعْرِضًا عَمّا عَداهُ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وما عَداهُ عاجِزٌ مَحْضٌ في حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَرْتَبَةِ الِاسْتِمْدادِ بِهِ والِاسْتِظْهارِ.

﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ فِيما أنا بِصَدَدِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ إلّا بِهِدايَتِهِ ومَعُونَتِهِ ﴿ (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ والفِعْلِيِّ ﴿ (وَإلَيْهِ أُنِيبُ)﴾ أيْ: عَلَيْهِ أُقْبِلُ بِشَراشِرِ نَفْسِي في مَجامِعِ أُمُورِي، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ عَلى الماضِي الأنْسَبِ لِلتَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ، كَما في التَّوَكُّلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَخْفي ما في جَوابِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مُراعاةِ لُطْفِ المُراجَعَةِ ورِفْقِ الِاسْتِنْزالِ، والمُحافَظَةِ عَلى قَواعِدِ حُسْنِ المُجاراةِ والمُحاوَرَةِ، وتَمْهِيدِ مَعاقِدِ الحَقِّ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ في أُمُورِهِ، وحَسْمِ أطْماعِ الكُفّارِ، وإظْهارِ الفَراغِ عَنْهُمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ، وأمّا تَهْدِيدُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ - كَما قِيلَ - فَلا لِأنَّ الإنابَةَ إنَّما هي الرُّجُوعُ الِاخْتِيارِيُّ بِالفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى لا الرُّجُوعُ الِاضْطِرارِيُّ لِلْجَزاءِ، أوْ ما يَعُمُّهُ.

11:89Page 232

وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.

﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم مِن جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، مِثْلُ كَسَبْتُهُ مالًا ﴿شِقاقِي﴾ مُعاداتِي، وأصْلُهُما أنَّ أحَدَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ والآخَرُ في آخَرَ ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَجَرِمَنَّكُمْ) أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم لِي أنْ يُصِيبَكم (p-235)﴿مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ مِنَ الغَرَقِ ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ مِنَ الرِّيحِ ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مِنَ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ: كاسِبًا، وهو مَنقُولٌ مِن جَرَمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما نُقِلَ أكْسِبُهُ المالَ مِن كَسَبَ المالَ، فَكَما لا فَرْقَ بَيْنَ كَسَّبْتُهُ مالًا وأكْسَبْتُهُ إيّاهُ لا فَرْقَ بَيْنَ جَرَّمْتُهُ ذَنْبًا وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ في المَعْنى، إلّا أنَّ الأوَّلَ أصَحُّ وأدْوَرُ عَلى ألْسِنَةِ الفُصَحاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (مِثْلَ ما أصابَ) بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَقَوْلِهِ:

؎ لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتٍ أوْ قالَ

وَهَذا، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلشِّقاقِ عَنْ كَسْبِ إصابَةِ العَذابِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لِلْكَفَرَةِ عَنْ مُشاقَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ألْطَفِ أُسْلُوبٍ وأبْدَعِهِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ... الآيَةَ.

﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا أوْ مَكانًا، فَإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المَعْدُودَةِ فاعْتَبِرُوا بِهِمْ، فَكَأنَّهُ إنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّحْذِيرِ بِهِمْ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِما أصابَهُمْ، بَلِ اكْتَفي بِذِكْرِ قُرْبِهِمْ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مَنظُومًا في سِمْطِ ما ذُكِرَ مِن دَواهِي الأُمَمِ المَرْقُومَةِ، أوْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ، وإفْرادُ البَعِيدِ مَعَ تَذْكِيرِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ: (وَما إهْلاكُهُمْ) عَلى نِيَّةِ المُضافِ، أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ عَدَمِ بُعْدِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، لا مِن حَيْثُ خُصُوصِيَّةُ كَوْنِهِمْ قَوْمًا، أوْ ما هم في زَمانٍ بَعِيدٍ أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالنَّهِيقِ والشَّهِيقِ.

وَلَمّا أنْذَرَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسُوءِ عاقِبَةِ صَنِيعِهِمْ عَقَّبَهُ؛ طَمَعًا في ارْعِوائِهِمْ، عَمّا كانُوا فِيهِ يَعْمَهُونَ مِن طُغْيانِهِمْ بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ فَقالَ:

11:90Page 232

وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ ﴿وَدُودٌ﴾ مُبالِغٌ في فِعْلِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةِ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ وحَثٌّ عَلَيْهِما.

11:91Page 232

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١

They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ الفِقْهُ مَعْرِفَةُ غَرَضِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، أيْ: ما نَفْهَمُ مُرادَكَ، وإنَّما قالُوهُ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ دَلائِلَ الحَقِّ المُبِينِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، فَلَمْ يَجِدُوا إلى مُحاوَرَتِهِ سَبِيلًا سِوى الصُّدُودِ عَنْ مِنهاجِ الحَقِّ والسُّلُوكِ إلى سَبِيلِ الشَّقاءِ، كَما هو دَيْدَنُ المُفْحَمِ المَحْجُوجِ، يُقابِلُ البَيِّناتِ بِالسَّبِّ والإبْراقِ والإرْعادِ، فَجَعَلُوا كَلامَهُ المُشْتَمِلَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَواعِظِ وأنْواعِ العُلُومِ والمَعارِفِ مِن قَبِيلِ ما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ ولا يُدْرَكُ فَحَواهُ، وأدْمَجُوا في ضِمْنِ ذَلِكَ أنَّ في تَضاعِيفِهِ ما يَسْتَوْجِبُ أقْصى ما يَكُونُ مِنَ المُؤاخَذَةِ والعِقابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ التَّحْذِيرِ مِن عَواقِبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿وَإنّا لَنَراكَ فِينا﴾ فِيما بَيْنَنا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ، ولا قُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ والإيقاعِ والدَّفْعِ ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ لَوْلا مُراعاةُ جانِبِهِمْ لا لَوْلاهم يُمانِعُونَنا ويُدافِعُونَنا ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ فَإنَّ مُمانَعَةَ الرَّهْطِ - وهو اسْمٌ لِلثَّلاثَةِ إلى (p-236)السَّبْعَةِ أوْ إلى العِشْرَةِ - لَهم وهم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ مِمّا لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ، وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ مُكْرَمٍ مُحْتَرَمٍ حَتّى نَمْتَنِعَ مِن رَجْمِكَ، وإنَّما نَكُفُّ عَنْهُ لِلْمُحافَظَةِ عَلى حُرْمَةِ رَهْطِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى دِينِنا، ولَمْ يَخْتارُوكَ عَلَيْنا، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ دُونَنا، وإيلاءُ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ - وإنْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ فِعْلِيًّا - غَيْرَ خالٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى رُجُوعِ النَّفْيِ إلى الفاعِلِ دُونَ الفِعْلِ لا سِيَّما مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: "وَلَوْلا رَهْطُكَ" كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ، بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، وحَيْثُ كانَ غَرَضُهم مِن عَظِيمَتِهِمْ هَذِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ ما فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ والعِزَّةِ الرَّبّانِيَّتَيْنِ حَسْبَما يُوجِبُهُ كَوْنُهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ، ويَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ طَلَبِ التَّوْفِيقِ مِنهُ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، وإلى إسْقاطِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِاعْتِبارِ

11:92Page 232

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢

He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَوابِهِمْ: ﴿يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ الِاسْتِهانَةَ بِمَن لا يَتَعَزَّزُ إلّا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - اسْتِهانَةٌ بِجَنابِهِ العَزِيزِ، وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى - مَعَ أنَّ ما أثْبَتُوهُ إنَّما هو مُطْلَقُ عِزَّةِ رَهْطِهِ لا أعَزِّيَّتُهم مِنهُ، عَزَّ وجَلَّ، مَعَ الِاشْتِراكِ في أصْلِ العِزَّةِ - لِتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ، وتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ، حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا تَرْجِيحَ جَنَبَةِ الرَّهْطِ عَلى جَنَبَةِ اللَّهِ تَعالى، وثانِيًا بِنَفْيِ العِزَّةِ بِالمَرَّةِ، والمَعْنى: أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، والحالُ إنَّكم لَمْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حَظًّا مِنَ العِزَّةِ أصْلًا.

﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بِسَبَبِ عَدَمِ اعْتِدادِكم بِمَن لا يَرِدُ ولا يَصْدُرُ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وَراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ أيْ: شَيْئًا مَنبُوذًا وراءَ الظَّهْرِ مَنسِيًّا لا يُبالى بِهِ، مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ والكَسْرِ لِتَغْيِيرِ النَّسَبِ كالأمْسِيِّ في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَدَمُ مُراعاتِكم لِجانِبِهِ ﴿مُحِيطٌ﴾ لا يَخْفي عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وإنْ جَعَلْتُمُوهُ مَنسِيًّا فَيُجازِيكم عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ لِلرَّدِّ والتَّكْذِيبِ، فَإنَّهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم لا يَكُفُّونَ عَنْ رَجْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ، بَلْ لِمُراعاةِ جانِبِ رَهْطِهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّكم ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ العَزِيزِ، ولَمْ تُراعُوا جَنابَهُ القَوِيَّ، فَكَيْفَ تُراعُونَ جانِبَ رَهْطِي الأذِلَّةِ؟!

11:93Page 232

وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣

And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."

﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ لَمّا رَأى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي الِاسْتِهانَةُ بِهِ والعَزِيمَةُ عَلى رَجْمِهِ لَوْلا حُرْمَةُ رَهْطِهِ، قالَ لَهم - عَلى طَرِيقَةِ التَّهْدِيدِ – اعْمَلُوا ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكُمْ، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، وإنَّما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدًّا لِما ادَّعَوْا أنَّهم أقْوِياءُ قادِرُونَ عَلى رَجْمِهِ، وأنَّهُ ضَعِيفٌ فِيما بَيْنَهم لا عِزَّةَ لَهُ، أوْ عَلى ناحِيَتِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمُ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ كَمَقامٍ ومَقامَةٍ، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمُشاقَّةِ لِي، وسائِرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِمّا لا خَيْرَ (p-237)فِيهِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في مُضارَّتِي وإيقاعِ ما في نِيَّتِكم وإخْراجِ ما في أُمْنِيَتِكم مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي حَسْبَما يُؤَيِّدُنِي اللَّهُ ويُوَفِّقُنِي بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ)﴾ كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَسْألَ مِنهم سائِلٌ فَيَقُولَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالإخْزاءِ تَعْرِيضًا بِما أوْعَدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ مِنَ الرَّجْمِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَذابًا فِيهِ خِزْيٌ ظاهِرٌ حَيْثُ لا يَكُونُ إلّا بِجِنايَةٍ عَظِيمَةٍ تُوجِبُهُ ﴿وَمَن هو كاذِبٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَن يَأْتِيهِ) لا عَلى أنَّهُ قَسِيمُهُ، بَلْ حَيْثُ أوْعَدُوهُ بِالرَّجْمِ وكَذَّبُوهُ قِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ ومَنِ الكاذِبُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمُ القُوَّةَ والقُدْرَةَ عَلى رَجْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي نِسْبَتِهِ إلى الضَّعْفِ والهَوانِ، وفي ادِّعائِهِمُ الإبْقاءَ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ جانِبِ الرَّهْطِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ؛ لِأنَّ كَذِبَ الكاذِبِ لَيْسَ بِمُرْتَقَبٍ كَإتْيانِ العَذابِ، بَلْ إنَّما المُرْتَقَبُ ظُهُورُ الكَذِبِ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ، و"مَن" إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِلْعِلْمِ عَنِ العَمَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وأيُّنا كاذِبٌ، وإمّا مَوْصُولَةٌ، أيْ: سَوْفَ تَعْرِفُونَ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ والَّذِي هو كاذِبٌ ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا مَآلَ ما أقُولُ ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ، فَعِيلٌ بِمَعْنى الرّاقِبِ كالصَّرِيمِ، أوِ المُراقِبِ كالعَشِيرِ، أوِ المُرْتَقَبِ كالرَّفِيعِ، وفي زِيادَةِ ﴿ (مَعَكُمْ)﴾ إظْهارٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِكَمالِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ.

11:94Page 232

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤

And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: عَذابُنا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أوْ وقْتُهُ؛ فَإنَّ الِارْتِقابَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وهي الإيمانُ الَّذِي وفَّقْناهم لَهُ، أوْ بِمَرْحَمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَهُمْ، وإنَّما ذُكِرَ بِالواوِ - كَما في قِصَّةِ عادٍ - لِما أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ فِيها ذِكْرُ وعْدٍ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُقْتَضِي لِدُخُولِ الفاءِ في مَعْلُولِهِ كَما في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ، فَإنَّهُ قَدْ سَبَقَ هُنالِكَ سابِقَةُ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ" وقَوْلِهِ: "إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ" .

﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عُدِلَ إلَيْهِ عَنِ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإشْعارًا بِأنَّ ما أخَذَهم إنَّما أخَذُهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي فُصِّلَ فِيما سَبَقَ فُنُونُهُ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكُوا، وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، ولَعَلَّها مِن رَوادِفِ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ المُفْضِي إلَيْها كَما مَرَّ فِيما قَبْلُ.

﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَيِّتِينَ لازِمِينَ لِأماكِنِهِمْ لا بَراحَ لَهم مِنها.

وَلَمّا لَمْ يُجْعَلْ مُتَعَلَّقُ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ ... إلَخْ، نَفْسَ مَجِيءِ العَذابِ، بَلْ مَن يَجِيئُهُ ذَلِكَ جُعِلَ مَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الوُقُوعِ، غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ، حَيْثُ جُعِلَ شَرْطًا، وجُعِلَ تَنْجِيَةُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإهْلاكُ الكَفَرَةِ جَوابًا لَهُ ومَقْصُودَ الإفادَةِ، وإنَّما قُدِّمَ تَنْجِيَتُهُ؛ اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإيذانًا بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مُقْتَضى الربوبية عَلى الغَضَبِ الَّذِي يَظْهَرُ أثَرُهُ بِمُوجِبِ جَرائِرِهِمْ وجَرائِمِهِمْ.

11:95Page 232

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥

As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا (p-238)﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى طُغْيانِهِمُ الَّذِي أدّاهم إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ، ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شُبِّهَ هَلاكُهم بِهَلاكِهِمْ أعْنِي ثَمُودَ، وإنَّما شُبِّهَ هَلاكُهم بِهَلاكِهِمْ؛ لِأنَّهُما أُهْلِكَتا بِنَوْعٍ مِنَ العَذابِ وهو الصَّيْحَةُ، غَيْرَ أنَّ هَؤُلاءِ صِيحَ بِهِمْ مِن فَوْقِهِمْ وأُولَئِكَ مِن تَحْتِهِمْ، وقُرِئَ (بَعُدَتْ) بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ، فَإنَّ الكَسْرَ تَغْيِيرٌ لِتَخْصِيصِ مَعْنى البُعْدِ بِما يَكُونُ سَبَبَ الهَلاكِ والبُعْدِ، مَصْدَرٌ لَهُما، والبُعْدُ مَصْدَرٌ لِلْمَكْسُورِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском