Abu as-Su'udAn‑Nas · 114:1–6

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الناس

An-Nas

Mankind · Meccan · 6 ayahs

114:1Page 604

قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١

Say, "I seek refuge in the Lord of mankind,

(p-216)سُورَةُ النّاسِ

مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها وآياتُها سِتٌّ

﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ.

﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أىْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهم.

114:2Page 604

مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢

The Sovereign of mankind,

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ؛ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ.

114:3Page 604

إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣

The God of mankind,

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مِلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ، والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ وسِياسَتِهِمْ، والتَّوَلِي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ؛ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً، وإيجادًا وإعْدامًا، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ بِالنّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِينَ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ؛ لِلْإرْشادِ إلى مَنهَجِ الاسْتِعاذَةِ المَرْضِيَّةِ عِنْدَهُ تَعالى الحَقِيقَةِ بِالإعاذَةِ، فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ، وانْتِسابَهُ إلَيْهِ تَعالى بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ، مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمَزَ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطُهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾، فَمَن جَعَلَ مَدارَ تَخْصِيصِ الإضافَةِ مُجَرَّدَ كَوْنِ الاسْتِعاذَةِ مِنَ المَضارِّ المُخْتَصَّةِ بِالنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ فَقَدْ قَصَّرَ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ، وأمّا جَعْلُ المُسْتَعاذِ مِنهُ فِيما سَبَقَ المَضارَّ البَدَنِيَّةِ فَقَدْ عُرِفَتْ حالُهُ، وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ.

114:4Page 604

مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤

From the evil of the retreating whisperer1 -

﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ هو اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ وهي الصَّوْتُ الخَفِيُ كالزِّلْزالِ بِمَعْنى: (p-217)الزَّلْزَلَةِ، وأمّا المَصْدَرُ؛ فَبِالكَسْرِ والمُرادُ بِهِ: الشَّيْطانُ سُمِّيَ بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الوَسْوَسَةِ ﴿الخَنّاسِ﴾ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ أيْ: يَتَأخَّرُ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ.

114:5Page 604

ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥

Who whispers [evil] into the breasts of mankind -

﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ إذا غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَلى الوَصْفِ، وإمّا الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ.

114:6Page 604

مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ٦

From among the jinn and mankind."1

﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ عَلى أنَّهُ ضَرْبانِ جِنِّيٌّ وإنْسِيٌّ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُوَسْوِسُ" أيْ: يُوَسْوِسُ في صَدْرِهِمْ مِن جِهَةِ الجِنِّ ومِن جِهَةِ الإنْسِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلنّاسِ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ أيْضًا حَسَبَ إطْلاقِ النَّفَرِ والرِّجالِ عَلَيْهِمْ، ولا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ: النّاسِي ويُجْعَلُ سُقُوطُ الياءِ كَسُقُوطِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالجَنَّةِ والنّاسِ، فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ مُبْتَلى بِنِسْيانِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن تَدارَكَهُ شَوافِعُ عِصْمَتِهِ وتَناوَلَهُ واسِعُ رَحْمَتِهِ عَصَمَنا اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، ووَفَّقَنا لِأداءِ حُقُوقِ شُكْرِهِ.

تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ هَذا التَّفْسِيرُ الجَلِيلُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

(p-218)خاتِمَةُ المُؤَلِّفِ

قالَ العَبْدُ الذَّلِيلُ مُتَضَرِّعًا إلى رَبِّهِ الجَلِيلِ: اللَّهُمَّ يا ولِيَّ العِصْمَةِ والإرْشادِ، وهادِيَ الغُواةِ إلى سَنَنِ الرَّشادِ، بارِئِ البَرِيَّةِ مالِكَ الرِّقابِ، عَلَيْكَ تَوَكُّلِي وإلَيْكَ مَتابِ، أنْتَ المُغِيثُ لِكُلِّ حائِرٍ مَلْهُوفٍ، والمُجِيرُ مِن كُلِّ هائِلٍ مَخُوفٍ، ألُوذُ بِحَرَمِكَ المَأْمُونِ، مِن غَوائِلِ رَيْبِ المَنُونِ، وألْتَجِئُ إلى حِرْزِكَ الحَرِيزِ، وآوِي إلى رُكْنِكَ العَزِيزِ، وأسْألُكَ مِن خَزائِنِ بِرِّكَ المَخْزُونِ، في مَكامِنِ سِرِّ المَكْنُونِ، خَيْرَ ما جَرى بِهِ قَلَمُ التَّكْوِينِ، مِن أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ، وأعُوذُ بِكَ مِن فُنُونِ الفِتَنِ والشُّرُورِ، لا سِيَّما الاطْمِئْنانَ بِدارِ الغُرُورِ، والاغْتِرارَ بِنَعِيمِها وزَهْرَتِها، والافْتِتانَ بِزَخارِفِها وزِينَتِها، فَأعِذْنِي بِحِمايَتِكَ، وأعِنِّي بِعِنايَتِكَ، وأفِضْ عَلَيَّ مِن شَوارِقِ الأنْوارِ الرَّبّانِيَّةِ، وبِوارِقِ الآثارِ السُّبْحانِيَّةِ، ما يُخَلِّصُنِي مِنَ العَوائِقِ الظَّلَمانِيَّةِ، ويُجَرِّدُنِي مِنَ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذِّبْ نَفْسِي الأبِيَّةَ مِن دَنَسِ الطَّبائِعِ والأخْلاقِ، ونَوِّرْ قَلْبِيَ القاسِي بِلَوامِعِ الإشْراقِ، لِيَسْتَعِدَّ لِلْعُبُورِ عَلى سَرائِرِ الأُنْسِ، ويَتَهَيَّأ لِلْحُضُورِ في حَظائِرَ القُدْسِ، وثَبِّتْنِي عَلى مَناهِجِ الحَقِّ والهُدى، وأرْشِدْنِي إلى مَسالِكِ البَرِّ والتُّقى، واجْعَلْ أعَزَّ مَرامِي ابْتِغاءَ رِضاكَ، وأشْرَفَ أيّامِي يَوْمَ لِقاكَ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ فَرِيقًا فَرِيقًا، واحْشُرْنِي مَعَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقَيْنَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.

قامَ بِمُراجَعَةِ وتَصْحِيحِ هَذا التَّفْسِيرِ: فَضِيلَةُ الأُسْتاذ الدُّكْتُور / حَسَن أحْمَد مَرْعِي الأُسْتاذُ بِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ والقانُونِ بِجامِعَةِ الأزْهَرِ، وفَضِيلَةُ الأُسْتاذ الشَّيْخُ / مُحَمَّد الصّادِق قَمْحاوِيّ المُفَتِّشُ العامُّ بِالمَعاهِدِ الأزْهَرِيَّةِ، وعُضْوُ لَجْنَةِ مُراجِعَةِ المَصاحِفِ بِمَشْيَخَةِ الأزْهَرِ

End of An-Nas

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском