Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:97–111
12:97Page 247
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧
They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."
﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ومِن حَقِّ مَنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفَحَ عَنْهُ ويُسْتَغْفَرَ لَهُ، فَكَأنَّهم كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن عَفْوِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى اسْتِدْعاءِ الِاسْتِغْفارِ، وأدْرَجُوا ذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ.
12:98Page 247
قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨
He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهَذا مُشْعِرٌ بِعَفْوِهِ، قِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى وقْتِ السحر، وقِيلَ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ لِيَتَحَرّى بِهِ وقْتَ الإجابَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهُمْ، فَإنَّ عَفْوَ المَظْلُومِ شَرْطُ المَغْفِرَةِ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى بَلَغَ جُهْدُهُمْ، وظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ، فَإنْ صَحَّ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُمْ، وإنَّ ما صَدَرَ عَنْهم إنَّما صَدَرَ قَبْلَ الِاسْتِنْباءِ، وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلى الدُّعاءِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتِ السحر فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ، وقِلَّةَ صَبْرِي عَنْهُ، واغْفِرْ لِوَلَدِي ما أتَوْا إلى أخِيهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
12:99Page 247
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩
And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وجَّهَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، فاسْتَقْبَلَهُ يُوسُفُ والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ قالَ: لا، بَلْ ولَدُكَ، فَلَمّا لَقِيَهُ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ، وقِيلَ: قالَ لَهُ يُوسُفُ: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا؟ فَقالَ: بَلى، ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يُسْلَبَ دِينُكَ فَيُحالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ووَلَدَهُ دَخَلُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ ما بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وكانُوا حِينَ خَرَجُوا مَعَ مُوسى سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةٍ وبِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى، وكانَتِ الذَّرِّيَّةُ ألْفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ.
﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ أيْ: أباهُ وخالَتَهُ، وتَنْزِيلُها مَنزِلَةَ الأُمِّ كَتَنْزِيلِ العَمِّ مَنزِلَةَ الأبِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أوْ لِأنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ، وقالَ: (p-307)الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ في الحَياةِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى آوى إلَيْهِ: ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ضَرَبَ في المُلْتَقى مَضْرَبًا فَنَزَلَ فِيهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَآواهُما إلَيْهِ ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ قاطِبَةً، والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الأمْنِ.
12:100Page 247
وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠
And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.
﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ عَلى السَّرِيرِ؛ تَكْرِمَةً لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ لِإخْوَتِهِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ أيْ: أبَواهُ وإخْوَتُهُ ﴿سُجَّدًا﴾ تَحِيَّةً لَهُ، فَإنَّهُ كانَ السُّجُودُ عِنْدَهم جارِيًا مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ كالقِيامَةِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَّةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا انْحِناءً دُونَ تَعْفِيرِ الجِباهِ ويَأْباهُ الخُرُورُ، وقِيلَ: خَرُّوا لِأجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ الَّتِي رَأيْتُها وقَصَصْتُها عَلَيْكَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في زَمَنِ الصِّبا ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا واقِعًا بِعَيْنِهِ، والِاعْتِذارُ بِجَعْلِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ، وجَعْلِ اللّامِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ
تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الرَّفْعِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ المَشْهُورُ اسْتِعْمالُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ أيْضًا،كَما في قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ (وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا)﴾، وقِيلَ: هَذا بِتَضْمِينِ (لَطَفَ) وهو الإحْسانُ الخَفِيُّ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ وفِيهِ فائِدَةٌ لا تَخْفى، أيْ: لَطَفَ بِي مُحْسِنًا إلَيَّ غَيْرَ هَذا الإحْسانِ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ بَعْدَما ابْتُلِيَتْ بِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِقِصَّةِ الجُبِّ؛ حِذارًا مِن تَثْرِيبِ إخْوَتِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حُضُورُهم لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِيبَ خُرُورِهِمْ سُجَّدًا واكْتِفاءً بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ: البادِيَةِ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا بِالإغْواءِ، وأصْلُهُ مِن نَخْسِ الرّائِضِ الدّابَّةَ وحَمْلِها عَلى الجَرْيِ، يُقالُ نَزَغَهُ ونَسَغَهُ إذا نَخَسَهُ، ولَقَدْ بالَغَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الإحْسانِ حَيْثُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِأجْلِهِ رَفِيقٌ حَتّى يَجِيءَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، ما مِن صَعْبٍ إلّا وهو بِالنِّسْبَةِ إلى تَدْبِيرِهِ سَهْلٌ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ في خَزائِنِ الوَرِقِ والذَّهَبِ، وخَزائِنِ الحُلِيِّ، وخَزائِنِ الثِّيابِ، وخَزائِنِ السِّلاحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمّا أدْخَلَهُ خَزائِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أعَقَّكَ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ، قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ، قالَ: أوَما تَسْألُهُ؟ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ مِنِّي، فَسَألَهُ، قالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: أخافَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، قالَ فَهَلّا خِفْتَنِي.
وَرُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ ماتَ، وأوْصى أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّةَ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ وعاشَ بَعْدَ (p-308)أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمّا تَمَّ أمْرُهُ وعَلِمَ أنَّهُ لا يَدُومُ لَهُ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المَلِكِ الدّائِمِ الخالِدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَقالَ:
12:101Page 247
۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١
My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِنهُ عَظِيمًا وهو مُلْكُ مِصْرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فالتَّرْتِيبُ ظاهِرٌ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا - كَما هو الظّاهِرُ - فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ نِعْمَةً مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ، ولا يُمْكِنُ تَمْشِيَةُ هَذا الِاعْتِذارِ فِيما سَبَقَ؛ لِأنَّ التَّعْلِيمَ هُناكَ وارِدٌ عَلى نَهْجِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلتَّمْكِينِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّمْلِيكِ لَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْهُ، وأمّا الواقِعُ هَهُنا فَمُجَرَّدُ التَّأْخِيرِ في الذِّكْرِ، والعَطْفُ بِحَرْفِ الواوِ لا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ.
﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنادى، أوْ مُنادى آخَرُ وصَفَهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالربوبية؛ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ مالِكُ أُمُورِي ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أوِ الَّذِي يَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ فِيهِما، وإذْ قَدْ أتْمَمْتَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الدُّنْيا ﴿تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْنِي ﴿مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ مِن آبائِي، أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ، فَإنَّما تَتِمُّ النِّعْمَةُ بِذَلِكَ، قِيلَ: لَمّا دَعا تَوَفّاهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ وتَشاحُّوا في ذَلِكَ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ، فَرَأوْا أنْ يَصْنَعُوا لَهُ تابُوتًا مِن مَرْمَرٍ فَجَعَلُوهُ فِيهِ ودَفَنُوهُ في النِّيلِ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلَ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا واحِدًا في التَّبَرُّكِ بِهِ.
وَوُلِدَ لَهُ أفْرايِيمُ ومِيشا ولِأفْرايِيمَ نُونٌ ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِقَةِ بَعْدَهُ مِصْرَ، ولَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
12:102Page 247
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ ١٠٢
That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muḥammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ يُوسُفَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ أوْ كَوْنِهِ بِالِانْقِضاءِ في حُكْمِ البَعِيدِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْمًا مَوْصُولًا و(مِن أنْباءِ الغَيْبِ) صِلَتَهُ، ويَكُونَ الخَبَرُ ﴿ (نُوحِيهِ إلَيْكَ)﴾ ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ وهو جَعْلُهم إيّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ ﴿وَهم يَمْكُرُونَ﴾ بِهِ ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ حَتّى تَقِفَ عَلى ظَواهِرِ أسْرارِهِمْ وبَواطِنِها، وتَطَّلِعَ عَلى سَرائِرِهِمْ طُرًّا، وتُحِيطَ بِما لَدَيْهِمْ خُبْرًا، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ نَفْيِ حُضُورِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَشْهَدِ إجْماعِهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقَطْ، بَلْ في سائِرِ المَشاهِدِ أيْضًا، وإنَّما تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مَطْلَعَ القِصَّةِ وأخْفي أحْوالِها، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: "وَهم يَمْكُرُونَ" والخِطابُ وإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ – لَكِنِ (p-309)المُرادُ إلْزامُ المُكَذِّبِينَ.
والمَعْنى: ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِكَ إيّاهُ سِوى ذَلِكَ، إذْ عَدَمُ سَماعِكَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ وعَدَمُ مُطالَعَتِكَ لِلْكُتُبِ أمْرٌ لا يَشُكُّ فِيهِ المُكَذِّبُونَ أيْضًا، ولَمْ تَكُنْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ الأمْرِ حَتّى تَعْرِفَهُ كَما هو فَتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، فَكَأنَّهم يَشُكُّونَ في ذَلِكَ فَيَدْفَعُ شَكَّهُمْ، وفِيهِ أيْضًا إيذانٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّبَأِ هو الحَقُّ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، وما يَنْقُلُهُ أهْلُ الكِتابِ لَيْسَ عَلى ما هو عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحْقِيقِ بِلا وحْيٍ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالحُضُورِ والمُشاهَدَةِ، وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِالحُضُورِ فَهو بِالوَحْيِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾
12:103Page 247
وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٠٣
And most of the people, although you strive [for it], are not believers.
﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ﴾ يُرِيدُ بِهِ العُمُومَ، أوْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ: عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارِهِمْ عَلى العِنادِ.
رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ وقُرَيْشًا لَمّا سَألُوا عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وعَدُوا أنْ يُسْلِمُوا، فَلَمّا أخْبَرَهم بِها عَلى مُوافَقَةِ التَّوْراةِ فَلَمْ يُسْلِمُوا حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
12:104Page 248
وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.
﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الأنْباءِ أوِ القرآن ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جُعْلٍ كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ كافَّةً لا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ.
12:105Page 248
وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ ١٠٥
And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.
﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ: كَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الآياتِ والعَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقدرته وحِكْمَتِهِ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي جِئْتَ بِها ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: كائِنَةٍ فِيهِما مِنَ الأجَرامِ الفَلَكِيَّةِ وما فِيها مِنَ النُّجُومِ وتَغَيُّرِ أحْوالِها، ومِنَ الجِبالِ والبِحارِ وسائِرِ ما في الأرْضِ مِنَ العَجائِبِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ أيْ: يُشاهِدُونَها ولا يَعْبَئُونَ بِها، وقُرِئَ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى الِابْتِداءِ ويَمُرُّونَ خَبَرُهُ، وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى مَعْنى ويَطَئُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (والأرْضَ يَمْشُونَ عَلَيْها) والمُرادُ: ما يَرَوْنَ فِيها مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ ﴿وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ غَيْرُ ناظِرِينَ إلَيْها ولا مُتَفَكِّرِينَ فِيها.
12:106Page 248
وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦
And most of them believe not in Allāh except while they associate others with Him.
﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، أوْ بِاتِّخاذِهِمُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ أرْبابًا، أوْ بِقَوْلِهِمْ بِاتِّخاذِهِ تَعالى ولَدًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أوْ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، وهي جُلْمَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يُؤْمِنُ أكْثَرُهم إلّا في حالِ شِرْكِهِمْ، قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ.
12:107Page 248
أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٠٧
Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allāh or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: عُقُوبَةً (p-310)تَغْشاهم وتَشْمَلُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَها.
12:108Page 248
قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨
Say, "This is my way; I invite to Allāh with insight, I and those who follow me. And exalted is Allāh; and I am not of those who associate others with Him."
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وهي الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ والإخْلاصِ وفَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ، أوْ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في سَبِيلِي، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ " أناْ " تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في (أدْعُو)، أوْ (عَلى بَصِيرَةٍ) لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (عَلى بَصِيرَةٍ) ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
12:109Page 248
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠٩
And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they1 not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh; then will you not reason?
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ( ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً)﴾ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقُرِئَ بِالياءِ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ، وأهْلُ البَوادِي فِيهِمُ الجَهْلُ والجَفاءُ والقَسْوَةُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: السّاعَةُ أوِ الحَياةُ الآخِرَةُ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ (قُلْ).
12:110Page 248
حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١١٠
[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.
﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: لا يَغُرَّنَّهم تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ والرَّخاءِ، فَإنَّ مَن قَبْلَهم قَدْ أُمْهِلُوا حَتّى أيِسَ الرُّسُلُ عَنِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عَنْ إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ مِن غَيْرِ وازِعٍ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ كَذَّبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَّبَهم رَجاؤُهم فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ، والمَعْنى: أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ وانْتِظارَ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَطاوَلَتْ وتَمادَتْ حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ فَجْأةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ، وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو تَرَجُّحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ فَلا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِن آحادِ الأُمَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهم هُمْ، ومَنزِلَتُهم في مَعْرِفَةِ شُئُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَنزِلَتُهم.
وَقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ لَهُمْ، والثّانِي لِلرُّسُلِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ القَوْمَ كَذَّبُوهم فِيما أوْعَدُوهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّهم كَذَبُوا عِنْدَ قَوْمِهِمْ فِيما حَدَّثُوا بِهِ لَمّا تَراخى عَنْهم ولَمْ يَرَوْا لَهُ أثَرًا، (p-311)أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِقَوْمِهِمْ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ هُمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ بِهِمْ، وقُرِئَ (فَنُنَجِّي) عَلى لَفْظِ المُسْتَقْبَلِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ وقُرِئَ (فَنَجا) ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِمَن تَعَلَّقُ بِهِمُ المَشِيئَةُ.
12:111Page 248
لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١١١
There was certainly in their stories a lesson for those of understanding. Never was it [i.e., the Qur’ān] a narration invented, but a confirmation of what was before it and a detailed explanation of all things and guidance and mercy for a people who believe.
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ: قَصَصِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِكَسْرِ القافِ، أوْ قَصَصِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿عِبْرَةٌ لأُولِي الألباب﴾ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنْ شَوائِبِ أحْكامِ الحِسِّ ﴿ما كانَ﴾ أيِ: القرآن المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ دَلالَةً واضِحَةً ﴿حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ﴾ كانَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ؛ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا وهو يَسْتَنِدُ إلى القرآن بِالذّاتِ أوْ بِوَسَطٍ ﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ يُنالُ بِها خَيْرُ الدّارِينَ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَهُ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا يَهْتَدُونَ بِهُداهُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِجَدْواهُ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««عَلِّمُوا أرِقّاءَكم سُورَةَ يُوسُفَ، فَإنَّهُ أيَّما مُسْلِمٍ تَلاها وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَراتِ المَوْتِ، وأعْطاهُ القُوَّةَ أنْ لا يَحْسُدَ مُسْلِمًا».»
تَمَّ الجُزْءُ الرّابِعُ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الرَّعْدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences