Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:26–34
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أيْ: طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا، كَما قالَتْ، وإنَّما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ مِنَ الخِيانَةِ، وعَدَمِ مَعْرِفَةِ حَقِّ السَّيِّدِ، ودَفْعِ ما عَرَضَتْهُ لَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ الأمْرَيْنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها.
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قِيلَ: هو ابْنُ عَمِّها، وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ جالِسًا مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، وقِيلَ: كانَ حَكِيمًا يَرْجِعُ إلَيْهِ المَلِكُ ويَسْتَشِيرُهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها قَدْ بَصُرَ بِها مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّهادَةِ لَهُ والقِيامِ بِالحَقِّ، وإنَّما ألْقى اللَّهُ سُبْحانَهُ الشَّهادَةَ إلى مَن هو مِن أهْلِها؛ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْفي لِلتُّهْمَةِ.
وَقِيلَ: كانَ الشّاهِدُ ابْنَ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ وهو الأظْهَرُ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ﴾ رَواهُ الحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وذِكْرُ كَوْنِهِ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ إذْ لا يَخْتَلِفُ الحالُ في هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ كَوْنِ الشّاهِدِ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ.
﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ: إنْ عُلِمَ أنَّهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ مِن قَبْلُ، ونَظِيرُهُ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ فِيما قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ: إنْ تَعْتَدَّ بِإحْسانِكَ إلَيَّ فاعْتَدَّ بِإحْسانِي السّابِقِ إلَيْكَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ؛ لِأنَّها تُقَرِّبُ الماضِيَ إلى الحالِ، أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ وهي - وإنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِها سُوءًا - إلّا أنَّ كَلامَها حَيْثُ كانَ واضِحَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ أُسْنِدَ إلَيْها الصِّدْقُ والكَذِبُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، فَإنَّهم كَما يَعْرِضانِ لِلْكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَعْرِضانِ لَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ، وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ يَعْتَرِضانِ لِلْإنْشاءاتِ.
﴿وَهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ - حَيْثُ لا مُلازَمَةَ (p-269)عَقْلِيَّةً ولا عادِيَّةً بَيْنَ مُقَدِّمِها وتالِيها - لَيْسَتْ مِنَ الشَّهادَةِ في شَيْءٍ، وإنَّما ذُكِرَتْ تَوْسِيعًا لِلدّائِرَةِ وإرْخاءً لِلْعِنانِ إلى جانِبِ المَرْأةِ بِإجْراءِ ما عَسى يَحْتَمِلُهُ الحالُ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَقَعَ القَدُّ مِن قُبُلٍ بِمُدافَعَتِها لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِها عِنْدَ إرادَتِهِ المُخالَطَةَ والتَّكَشُّفَ مَجْرى الظّاهِرِ الغالِبِ الوُقُوعِ؛ تَقْرِيبًا لِما هو المَقْصُودُ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ، أعْنِي: مَضْمُونَ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصّادِقِينَ﴾ إلى التَّسْلِيمِ والقَبُولِ عِنْدَ السّامِعِ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الوُقُوعِ، وأدَلَّ عَلى المَطْلُوبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْها أيْضًا مُلازَمَةٌ، وحِكايَةُ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ فِعْلِ الشَّهادَةِ لِكَوْنِها مِن قَبِيلِ الأقْوالِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: شَهِدَ قائِلًا... إلَخْ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةً - مَعَ أنَّهُ لا حُكْمَ فِيها بِالفِعْلِ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ - لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، بَلْ لِأنَّها شَهادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ وحُكْمٌ بِصِدْقِهِ وكَذِبِها، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الشّاهِدِ هو الصَّبِيَّ فَظاهِرٌ؛ إذْ هو إخْبارٌ بِهِما مِن قِبَلِ عَلّامِ الغُيُوبِ، والتَّصْوِيرُ بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ العَلائِمِ أيْضًا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَهُ فَلِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ صُورَةَ الحالِ مَعْلُومَةٌ لَهُ عَلى ما هي عَلَيْهِ، إمّا مُشاهَدَةً أوْ إخْبارًا، فَهو مُتَيَقَّنٌ بِعَدَمِ مَقْدَمِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى، وبِوُجُودِ مَقْدَمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ، ومِن ضَرُورَتِهِ الجَزْمُ بِانْتِفاءِ تالِي الأُولى وبِوُقُوعِ تالِي الثّانِيَةِ، فَإذَنْ هو إخْبارٌ بِكَذِبِها وصِدْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّهُ ساقَ شَهادَتَهُ مَساقًا مَأْمُونًا مِنَ الجَرْحِ والطَّعْنِ، حَيْثُ صَوَّرَها بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ ظاهِرًا بَيْنَ نَفْعِها ونَفْعِهِ، وأمّا حَقِيقَةً فَلا تَرَدُّدَ فِيها قَطْعًا؛ لِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى تَعْلِيقٌ لِصِدْقِها بِما يَسْتَحِيلُ وجُودُهُ مِن قَدِّ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ، فَيَكُونُ مُحالًا لا مَحالَةَ، ومِن ضَرُورَتِهِ تُقَرِّرُ كَذِبِها، والثّانِيَةُ تَعْلِيقٌ لِصِدْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرٍ مُحَقَّقِ الوُجُودِ، وهو القَدُّ مِن دُبُرٍ، فَيَكُونُ مُحَقَّقًا البَتَّةَ.
وَهَذا كَما قِيلَ فِيمَن قالَ لِامْرَأةٍ: زَوِّجِينِي نَفْسَكِ، فَقالَتْ: لِي زَوْجٌ، فَكَذَّبَها في ذَلِكَ، فَقالَتْ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِي زَوْجٌ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ نَفْسِي، فَقَبِلَ الرَّجُلُ، فَإذا لا زَوْجَ لَها فَهو نِكاحٌ؛ إذْ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِأمْرٍ مُقَرَّرٍ تَنْجِيرٌ لَهُ.
وَقُرِئَ (مِن قُبُلُ ومِن دُبُرُ) بِالضَّمِّ؛ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ العَيْنِ.
12:28Page 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَأى ذَلِكَ بَعْدُ، أوْ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ فَلَمّا تَنَبَّهَ لَهُ وعَلِمَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿قالَ إنَّهُ﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ، وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها: ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلى آخِرِهِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ والإسْنادُ عَنْها، بَلْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْلُوَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ - أيْ: مِن جِنْسِ حِيلَتِكُنَّ ومَكْرِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ لا مِن غَيْرِكُنَّ - عَنِ الإفادَةِ وتَدْبِيرِ العُقُوبَةِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَجْرِيدُهُ عَنِ الإضافَةِ إلَيْها، إلّا أنَّها لَمّا صَوَّرَتْهُ بِصُورَةِ الحَقِّ أفادَ الحُكْمَ بِكَوْنِهِ مِن كَيْدِهِنَّ إفادَةً ظاهِرَةً، فَتَأمَّلْ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ:
؎ ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ
وَرَجْعُ الضَّمِيرِ إلى قَوْلِها: ﴿ (ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا)﴾ فَقَطْ عُدُولٌ عَنِ البَحْثِ عَنْ أصْلِ ما وقَعَ فِيهِ النِّزاعُ مِن أنَّ (p-270)إرادَةَ السُّوءِ مِمَّنْ هي إلى البَحْثِ عَنْ شُعْبَةٍ مِن شُعَبِهِ، وجُعِلَ لِلسُّوءِ أوْ لِلْأمْرِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ طَمَعِها في يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْباهُ الخَبَرُ، فَإنَّ الكَيْدَ يَسْتَدْعِي أنْ يُعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ هَنّاتٌ أُخَرُ مِن قِبَلِها، كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّهُ أطْلَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: إنِّي أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ.
12:29Page 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."
﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ؛ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفِيهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ لِمَحَلِّهِ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ، وعَنِ التَّحَدُّثِ بِهِ، واكْتُمْهُ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ ونَزاهَتُكَ ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أنْتِ يا هَذِهِ ﴿لِذَنْبِكِ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ، وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُعْتَمِدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ، يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ عَمْدًا، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وكانَ العَزِيزُ رَجُلًا حَلِيمًا، فاكْتَفي بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، وقِيلَ: كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ.
12:30Page 238
۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠
And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، وكُنَّ خَمْسًا: امْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ، وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ، وامْرَأةُ الحاجِبِ، والنِّسْوَةُ" اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَتَأْنِيثِ اللُّمَةِ وهي اسْمٌ لِجَماعَةِ النِّساءِ، والثُّبَةِ وهي اسْمٌ لِجَماعَةِ الرِّجالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ ظَرْفٌ لِـ(قالَ) أيْ: أشَعْنَ الأمْرَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ النِّسْوَةِ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ أيِ: المَلِكِ يُرِدْنَ قِطْفِيرَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِذَلِكَ العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لَيْسَتْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمِيلُ - كَما قِيلَ - إذْ لَيْسَ مُرادُهُنَّ تَفْضِيحَ العَزِيزِ، بَلْ هي لِقَصْدِ الإشْباعِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ: ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ أيْ: تُطالِبُهُ بِمُواقَعَتِهِ لَها، وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ وتُخادِعُهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقِيلَ: تَطْلُبُ مِنهُ الفاحِشَةَ، وإيثارُهُنَّ لِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ، والفَتى مِنَ النّاسِ الشّابُّ، وأصْلُهُ فِتْيٌ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ، والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ وجَمْعُهُ فَتِيَةٌ وفِتْيانٌ، ويُسْتَعارُ لِلْمَمْلُوكِ وهو المُرادُ هَهُنا، وفي الحَدِيثِ: ««لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي»» وتَعْبِيرُهُنَّ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ مُضافًا إلَيْها لا إلى العَزِيزِ الَّذِي لا تَسْتَلْزِمُ الإضافَةُ إلَيْهِ الهَوانَ، بَلْ رُبَّما يُشْعِرُ بِنَوْعِ عِزَّةٍ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ النّاشِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَةِ ما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ والإشْباعِ في اللَّوْمِ، فَإنَّ مَن لا زَوْجَ لَها مِنَ النِّساءِ أوْ لَها زَوْجٌ دَنِيءٌ قَدْ تُعْذَرُ في مُراوَدَةِ الأخْدانِ، لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِمْ عُلُوُّ الجَنابِ، وأمّا الَّتِي لَها زَوْجٌ - وأيُّ زَوْجٍ - عَزِيزُ مِصْرَ فَمُراوَدَتُها لِغَيْرِهِ - لا سِيَّما لِعَبْدِها الَّذِي لا كَفاءَةَ بَيْنَها وبَيْنَهُ أصْلًا - وتَمادِيها في ذَلِكَ غايَةُ الغَيِّ ونِهايَةُ الضَّلالِ.
﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ: شَقَّ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، وهو حِجابُهُ، أوْ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها: لِسانُ القَلْبِ، حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها، وقُرِئَ (شَعَفَها) بِالعَيْنِ مِن (p-271)شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطِرانِ.
وَعَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّغَفُ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ حُبٌّ دُونَ ذَلِكَ، وكانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: الشَّغَفُ حُبٌّ، والشَّعَفُ جُنُونٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُراوِدُ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَكْرِيرٌ لِلَّوْمِ، وتَأْكِيدٌ لِلْعَذْلِ بِبَيانِ اخْتِلالِ أحْوالِها القَلْبِيَّةِ كَأحْوالِها القالَبِيَّةِ، وجَعْلُها تَعْلِيلًا لِدَوامِ المُراوَدَةِ مِن حَيْثُ الإنْيَةُ مَصِيرٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى الأجْلى بِالأخْفى، ومِن حَيْثُ اللُّمْيَةُ مَيْلٌ إلى تَمْهِيدِ العُذْرِ مِن قِبَلِها، ولَسْنَ بِذَلِكَ المَقامِ، وانْتِصابُ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنَقْلِهِ عَنِ الفاعِلِيَّةِ، إذِ الأصْلُ قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ: نَعْلَمُها عِلْمًا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ والعِيانِ - فِيما صَنَعَتْ مِنَ المُراوَدَةِ والمَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ – مُسْتَقِرَّةً ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، أوْ عَنْ سُنَنِ العَقْلِ ﴿مُبِينٍ﴾ واضِحٍ لا يَخْفي كَوْنُهُ ضَلالًا عَلى أحَدٍ، أوْ مُظْهِرٍ لِأمْرِها بَيْنَ النّاسِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المَسُوقَتَيْنِ لِلَّوْمِ والتَّشْنِيعِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْها بِأنَّها في أمْرِها عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْنَ: إنَّها لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ غَيْرُ صادِرٍ عَنْهُنَّ مُجازَفَةً، بَلْ عَنْ عِلْمٍ ورَأْيٍ، مَعَ التَّلْوِيحِ بِأنَّهُنَّ مُتَنَزِّهاتٌ عَنْ أمْثالِ ما هي عَلَيْهِ.
12:31Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ قالَتِهِنَّ، وقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ وهو مَقَتَها، وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا؛ لِكَوْنِهِ خُفْيَةً مِنها كَمَكْرِ الماكِرِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِغَيْرِها، وقِيلَ: اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّما قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ أيْ: أحْضَرَتْ وهَيَّأتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ: ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ، أوْ رَتَّبَتْ لَهُنَّ مَجْلِسَ طَعامٍ وشَرابٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ والحَدِيثِ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ الرَّجُلُ أنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا، وقِيلَ: (مُتَّكَأً) طَعامًا مِن قَوْلِهِمُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا، قالَ جَمِيلٌ:
؎ فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ
وَعَنْ مُجاهِدٍ (مُتَّكَأً) طَعامًا يُحَزُّ حَزًّا، كَأنَّ المَعْنى يُعْتَمَدُ بِالسِّكِّينِ عِنْدَ القَطْعِ؛ لِأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلى المَقْطُوعِ بِالسِّكِّينِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقُرِئَ بِالمَدِّ بِإشْباعِ حَرَكَةِ الكافِ كَمُنْتَزاحٍ في مُنْتَزَحٍ ويَنْباعُ في يَنْبُعُ وقُرِئَ: (مُتْكَأً) وهو الأُتْرُجُّ، وأنْشَدُوا:
؎ وأهْدَتْ مُتْكَةً لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخُبُّ بِها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ
أوْ ما يُقْطَعُ، مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ، و(مَتْكًا) مِن تَكى إذا اتَّكى.
﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ، وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ مِنَ اللُّحُومِ والفَواكِهِ ونَحْوِها، وهُنَّ مُتَّكِئاتٌ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ ﴿وَقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ، وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ مِنَ الفَواكِهِ وأضْرابِها، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَها ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ - أيِ: ابْرُزْ لَهُنَّ - لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها مِنِ اسْتِغْفالِهِنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ، ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، (p-272)وَإنَّما حُذِفَ تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ، كَأنَّها تَفُوتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، كَما حُذِفَ لِتَحْقِيقِ السُّرْعَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِها فِيما لا يُشاهَدُ مَضَرَّتُهُ مِنَ الأفاعِيلِ.
﴿أكْبَرْنَهُ﴾ عَظَّمْنَهُ، وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ، وجَمالَهُ الرّائِعَ الرّائِقَ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ»» وقِيلَ: كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ عَلى الماءِ، وقِيلَ: مَعْنى "أكْبَرْنَ" حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، أوْ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ، كَما قالَ المُتَنَبِّئُ:
؎ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ بُرْقُعُ ∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ
﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ: جَرَحْنَها بِما في أيْدِيهِنَّ مِنَ السَّكاكِينِ لِفَرْطِ دَهْشَتِهِنَّ، وخُرُوجِ حَرَكاتِ جَوارِحِهِنَّ عَنْ مِنهاجِ الِاخْتِيارِ والِاعْتِيادِ حَتّى لَمْ يَعْلَمْنَ ما فَعَلْنَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَرْحِ بِالقَطْعِ ما لا يَخْفي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ جُرُحِهِنَّ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبالِينَ بِذَلِكَ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِهِ.
﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ والعَجْزِ، وتَعَجُبًّا مِن قدرته عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ، وأصْلُهُ حاشا كَما قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (فِي الدَّرَجِ) فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا، وهو حَرْفُ جَرٍّ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَلا يُسْتَثْنى بِهِ إلّا ما يَكُونُ مُوجِبًا لِلتَّنْزِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ، فَمَعْنى "حاشا اللَّهِ": تَنْزِيهُ اللَّهِ وبَراءَةُ اللَّهِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللّامُ لِبَيانِ المُنَزَّهِ والمُبَرَّأِ، كَما في سُقْيًا لَكَ، والدَّلِيلُ عَلى وضْعِهِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ: (حاشًا) بِالتَّنْوِينِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ، وقِراءَةُ الأعْمَشِ بِحَذْفِ الأُولى، فَإنَّ التَّصَرُّفَ مِن خَصائِصِ الِاسْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَتَهُ، وعَدَمُ التَّنْوِينِ لِمُراعاةِ أصْلِهِ، كَما في قَوْلِكَ: جَلَسْتُ مِن عَنْ يَمِينِهِ، وقَوْلِهِ: غَدْتُ مِن عَلَيْهِ، مُنْقَلِبَ الألِفِ إلى الياءِ مَعَ الضَّمِيرِ، وقُرِئَ (حاشْ لِلَّهِ) بِسُكُونِ الشِّينِ إتْباعًا لِلْفَتْحَةِ الألِفَ في الإسْقاطِ وحاشَ الإلَهِ، وقِيلَ: حاشا فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ، أيْ: صارَ في ناحِيَةٍ مِن أنْ يُقارِفَ ما رَمَتْهُ بِهِ لِلَّهِ، أيْ: لِطاعَتِهِ، أوْ لِمَكانِهِ، أوْ جانَبَ المَعْصِيَةَ لِأجْلِ اللَّهِ.
﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ عَلى إعْمالِ ما بِمَعْنى لَيْسَ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ لِمُشارَكَتِهِما في نَفْيِ الحالِ، وقُرِئَ (بَشَرٌ) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وبِشِرًى أيْ: بِعَبْدٍ مُشْتَرًى لَئِيمٍ، نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِما شاهَدْنَ فِيهِ مِنَ الجَمالِ العَبْقَرِيِّ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثالُهُ في البَشَرِ، وقَصَرْنَهُ عَلى المَلَكِيَّةِ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بِناءً عَلى ما رُكِزَ في العُقُولِ مِن أنْ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ، كَما رَكِبَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ لا يَزالُ يُشَبَّهُ بِهِما كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ، وغَرَضُهُنَّ وصْفُهُ بِأقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والجَمالِ.
12:32Page 239
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ، والإشارَةُ إلى يُوسُفَ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ الآنَ مِنَ الخُرُوجِ في الحُسْنِ والجَمالِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، والِاقْتِصارِ عَلى المَلَكِيَّةِ، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والمَوْصُولُ (p-273)خَبَرُهُ، والمَعْنى: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُنَّ فَذَلِكُنَّ المَلَكُ الكَرِيمُ النّائِي مِنَ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ هو ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ: عَيَّرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، حَيْثُ رَبَأْتُنَّ بِمَحَلِّي بِنِسْبَتِي إلى العَزِيزِ، ووَضَعْتُنَّ قَدْرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ المَمالِيكِ، أوْ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فَهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ وقُلْتُنَّ فِيهِ وفِيَّ ما قُلْتُنَّ، فالآنَ قَدْ عَلِمْتُنَّ مَن هو وما قَوْلُكُنَّ فِينا، وأمّا ما يُقالُ تَعْنِي أنَّكُنَّ لَمْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ، ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ - فَلا يُلائِمُ المَقامَ، فَإنَّ مُرادَها بِدَعْوَتِهِنَّ وتَمْهِيدِ ما مَهَّدَتْهُ لَهُنَّ تَبْكِيتُهُنَّ وتَنْدِيمُهُنَّ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُنَّ مِنَ اللَّوْمِ، وقَدْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وما ذُكِرَ مِنَ المَقالِ فَحَقُّ المُعْتَذِرِ قَبْلَ ظُهُورِ مَعْذِرَتِهِ، وقَدْ قِيلَ في تَعْلِيلِ المَلَكِيَّةِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَمالِ الرّائِقِ والكَمالِ الفائِقِ والعِصْمَةِ البالِغَةِ مِنَ الخَواصِّ المَلَكِيَّةِ، وهو أيْضًا لا يُلائِمُ قَوْلَها: ﴿ (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)﴾ فَإنَّ عُنْوانَ العِصْمَةِ مِمّا يُنافِي تَمْشِيَةَ مَرامِها، ثُمَّ بَعْدَما أقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأوْضَحَتْ لَدَيْهِنَّ عُذْرَها، وقَدْ أصابَهُنَّ مِن قِبَلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما أصابَها باحَتْ لَهُنَّ بِبَقِيَّةِ سِرِّها فَقالَتْ:
﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ حَسْبَما قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ امْتَنَعَ طالِبًا لِلْعِصْمَةِ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ، والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ، وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، كَما في اسْتَمْسَكَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، وفِيهِ بُرْهانٌ نَيِّرٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَيْءٌ مُخِلٌّ بِاسْتِعْصامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ (مَعاذَ اللَّهِ)﴾ مِنَ الهَمِّ وغَيْرِهِ، اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ أوَّلًا بِما كُنَّ يَسْمَعْنَهُ مِن مُراوَدَتِها لَهُ وأكَّدَتْهُ إظْهارًا لِابْتِهاجِها بِذَلِكَ، ثُمَّ زادَتْ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ أعْرَضَ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، ولَمْ يَمِلْ إلَيْها قَطُّ، ثُمَّ زادَتْ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ مُرْعَوِيَّةٍ عَنْهُ لا بِلَوْمِ العَواذِلِ، ولا بِإعْراضِ الحَبِيبِ فَقالَتْ:
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ أيْ: آمُرُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي، كَما لَمْ يَفْعَلْ فِيما مَضى فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، كَما فِي: (أمَرْتُكَ الخَيْرَ) فالضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ، أوْ أمْرِي إيّاهُ، أيْ: مُوجِبَ أمْرِي ومُقْتَضاهُ، فَما مَصْدَرِيَّةٌ، والضَّمِيرُ لِيُوسُفَ، وعَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها بِالأمْرِ إظْهارًا لِجَرَيانِ حُكُومَتِها عَلَيْهِ واقْتِضاءً لِلِامْتِثالِ بِأمْرِها.
﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بِالنُّونِ المُثَقَّلَةِ آثَرَتْ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى رَسْمِ المُلُوكِ، أوْ إيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لِأمْرِها، كَأنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيِ: الأذِلّاءِ في السِّجْنِ، وقَدْ قُرِئَ الفِعْلانِ بِالتَّثْقِيلِ، ولَكِنَّ المَشْهُورَةَ أُولى؛ لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَقَدْ أتَتْ بِهَذا الوَعِيدِ المُنْطَوِي عَلى فُنُونِ التَّأْكِيدِ بِمَحْضَرٍ مِنهُنَّ؛ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها لَيْسَتْ في أمْرِها عَلى خُفْيَةٍ ولا خِيفَةٍ مِن أحَدٍ، فَتَضِيقَ عَلَيْهِ الحِيَلُ وتَعْيا بِهِ العِلَلُ، ويَنْصَحْنَ لَهُ ويُرْشِدْنَهُ إلى مُوافَقَتِها، ولَمّا كانَ هَذا الإبْراقُ والإرْعادُ مِنها مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما صَنَعَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ قِيلَ:
12:33Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
﴿قالَ﴾ مُناجِيًا لِرَبِّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ الَّذِي أوْعَدْتَنِي بِالإلْقاءِ فِيهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ ﴿أحَبُّ إلى﴾ (p-274)أيْ: آثَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّهُ مَشَقَّةٌ قَلِيلَةٌ نافِذَةٌ إثْرَها راحاتٌ جَلِيلَةٌ أبَدِيَّةٌ ﴿مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها الَّتِي تُؤَدِّي إلى الشَّقاءِ والعَذابِ الألِيمِ، وهَذا الكَلامُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَبْنِيٌّ عَلى ما مَرَّ مِنِ انْكِشافِ الحَقائِقِ لَدَيْهِ، وبُرُوزِ كُلٍّ مِنها بِصُورَتِها اللّائِقَةِ بِها، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ عَلى بابِها؛ إذْ لَيْسَ لَهُ شائِبَةُ مَحَبَّةٍ لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ، وإنَّما هو والسِّجْنُ شَرّانِ أهْوَنُهُما وأقْرَبُهُما إلى الإيثارِ السِّجْنُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإيثارِ بِالمَحَبَّةِ لِحَسْمِ مادَّةِ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ خَوْفًا مِنَ الحَبْسِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ مِن حَيْثُ إنَّ الصَّغارَ مِن فُرُوعِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبَتْهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفَتْهُ مِن مُخالَفَتِها، وقِيلَ: دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ: إنَّما ابْتُلِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا، وكانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ، ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ.
﴿وَإلا تَصْرِفْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تَصْرِفْ ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ لَدَيَّ بِأنْ تُثَبِّتَنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ: أمِلْ إلى إجابَتِهِنَّ، أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ عَلى قَضِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهْوِيَّةِ، وهَذا فَزَعٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ والنَّجاةِ عَنِ الشُّرُورِ عَلى جَنابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنْ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ، كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ، لا أنَّهُ يَطْلُبُ الإجْبارَ والإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى هَواهُنَّ، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى، ومِنهُ الصَّبّا؛ لِأنَّ النُّفُوسَ تَصْبُو إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورَوْحِها، وقُرِئَ أصُبُ إلَيْهِنَّ مِنَ الصَّبابَةِ وهي رِقَّةُ الشَّوْقِ.
﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو والجاهِلُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ.
12:34Page 239
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ (وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ ...) إلَخْ، فَإنَّ فِيهِ اسْتِدْعاءً لِصَرْفِ كَيَدِهِنَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ كَما مَرَّ، وفي إسْنادِ الِاسْتِجابَةِ إلى الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما لا يَخْفي مِن إظْهارِ اللُّطْفِ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ حَسَبَ دُعائِهِ، وثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences