Abu as-Su'udYusuf · 12:44–55

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:44–55

12:44Page 241

قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ؟ فَقِيلَ: قالُوا هي ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ: تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو في الأصْلِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزِمَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما تَجْمَعُهُ القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ مِن أحادِيثِ النَّفْسِ ووَساوِسِ الشَّيْطانِ وتَرَيَها في المَنامِ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلْمٍ، وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، أيْ: هي أضْغاثٌ مِن أحْلامٍ، أخْرَجُوها مِن جِنْسِ الرُّؤْيا الَّتِي لَها عاقِبَةٌ تَؤُولُ إلَيْها ويُعْتَنى بِأمْرِها، وجَمَعُوها - وهي رُؤْيا واحِدَةٌ - مُبالَغَةً في وصْفِها بِالبُطْلانِ، كَما في قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ العَمائِمَ) لِمَن لا يَمْلِكُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وعِمامَةً فَرْدَةً، أوْ لِتَضَمُّنِها أشْياءَ مُخْتَلِفَةً مِنَ البَقَراتِ السَّبْعِ السِّمانِ والسَّبْعِ العِجافِ والسَّنابِلِ السَّبْعِ الخُضْرِ والأُخَرِ اليابِساتِ، فَتَأمَّلْ حُسْنَ مَوْضِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.

﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ أيِ: المَناماتِ الباطِلَةِ الَّتِي لا أصْلَ لَها ﴿بِعالِمِينَ﴾ لا لِأنَّ لَها تَأْوِيلًا ولَكِنْ لا نَعْلَمُهُ، بَلْ لِأنَّهُ لا تَأْوِيلَ لَها، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الأحْلامِ - مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا - كَما يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ - حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتِها - إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ والتَّكَلُّفِ في ذَلِكَ؛ لِما بَيْنَ الآثِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ (أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ).﴾

12:45Page 241

وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ: مِن صاحِبَيْ يُوسُفَ وهو الشَّرابِيُّ ﴿وادَّكَرَ﴾ بِغَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو الفَصِيحُ، وعَنِ الحَسَنِ بِالمُعْجَمَةِ، أيْ: تَذَكَّرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشُئُونَهُ الَّتِي شاهَدَها ووَصِيَّتَهُ بِتَقْرِيبِ رُؤْيا المَلِكِ وإشْكالِ تَأْوِيلِها عَلى المَلَأِ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقُرِئَ (إمَّةٍ) بِالكَسْرِ وهي النِّعْمَةُ، أيْ: بَعْدَما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، وأمَهٍ أيْ: نِسْيانٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، وقِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى (نَجا) ولَيْسَ بِذاكَ؛ لِأنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنَ الصِّفَةِ والصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ والمَوْصُولِ عِنْدَ المُخاطَبِ، كَما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارَ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ تَذَكُّرَهُ بَعْدَ أُمَّةٍ إنَّما عُلِمَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَلا مَجالَ لِنَظْمِهِ مَعَ نَجاتِهِ المَعْلُومَةِ قَبْلُ في سِلْكِ الصِّلَةِ.

﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم (p-282)بِالتَّلَقِّي عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أنا أُفْتِيكم فِيها وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ: إلى يُوسُفَ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ ثِقَةً بِما سَبَقَ مِنَ التَّذَكُّرِ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ:

12:46Page 241

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ: أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ - حَسْبَما شاهَدَهُ وذاقَ أحْوالَهُ وجَرَّبَها - لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ: في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ، حَيْثُ لا إمْكانَ لِوُقُوعِهِ في عالَمِ الشَّهادَةِ، أيْ: بَيِّنْ لَنا مَآلَها وحُكْمَها، وحَيْثُ عايَنَ عُلُوَّ رُتْبَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الفَضْلِ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ - كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا -: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿أفْتِنا﴾ مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارٌ بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ، وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ كَما آذَنَ بِذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إنْ كانَ السِّجْنُ في الخارِجِ - كَما قِيلَ - فَأُنَبِّئُهم بِذَلِكَ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصَ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ في ذَلِكَ مُجاراةً مَعَهُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ، إذْ لَمْ يَعْلَمُوهُ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتُرِمَ دُونَهُ (لَعَلَّ المَنايا دُونَ ما تَعَدّانِي) ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ.

12:47Page 241

قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في التَّأْوِيلِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِها وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا جَدَّ فِيهِ وتَعِبَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (تَزْرَعُونَ) أيْ: دائِبِينَ، أوْ تَدْأبُونَ دَأبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أوَّلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، فَأخَذَهم بِأنَّهم يُواظِبُونَ سَبْعَ سِنِينَ عَلى الزُّرّاعِ ويُبالِغُونَ فِيها إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الخَصْبُ الَّذِي هو مِصْداقُ البَقَراتِ السِّمانِ وتَأْوِيلُها، ودَلَّهم في تَضاعِيفِ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ نافِعٍ لَهم فَقالَ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ سَنَةٍ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ ولا تَذْرُوهُ كَيْلا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، كَما هو شَأْنُ غِلالِ مِصْرَ ونَواحِيها، ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ، وإنَّما أمَرَهم بِذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا فِيما بَيْنَهُمْ، وحَيْثُ كانُوا مُعْتادِينَ لِلزِّراعَةِ لَمْ يَأْمُرْهم بِها، وجَعَلَها أمْرًا مُحَقَّقَ الوُقُوعِ، وتَأْوِيلًا لِلرُّؤْيا مِصْداقًا لِما فِيها مِنَ البَقَراتِ السِّمانِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ، وفِيهِ إرْشادٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم إلى التَّقْلِيلِ في الأكْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ البَذْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ)﴾ وبَعْدَ إتْمامِ ما أمَرَهم بِهِ شَرَعَ في بَيانِ بَقِيَّةِ التَّأْوِيلِ الَّتِي يَظْهَرُ مِنها حِكْمَةُ الأمْرِ المَذْكُورِ، فَقالَ:

12:48Page 241

ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.

(p-283)﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وهو عَطْفٌ عَلى (تَزْرَعُونَ) فَلا وجْهَ لِجَعْلِهِ بِمَعْنى الأمْرِ حَثًّا لَهم عَلى الجِدِّ والمُبالَغَةِ في الزِّراعَةِ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ بِالإخْبارِ بِذَلِكَ أيْضًا ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ السِّنِينَ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (مِن بَعْدِهِنَّ) قَصْدًا إلى الإشارَةِ إلى وصْفِهِنَّ، فَإنَّ الضَّمِيرَ ساكِتٌ عَنْ أوْصافِ المَرْجِعِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ صِعابٌ عَلى النّاسِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ كانَ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وإسْنادُ الأكْلِ إلَيْهِنَّ - مَعَ أنَّهُ حالُ النّاسِ فِيهِنَّ - مَجازِيٌّ، كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ تَأْوِيلٌ لِأكْلِ العِجافِ السِّمانَ، واللّامُ في لَهُنَّ تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ، فَكَأنَّ ما ادُّخِرَ في السَّنابِلِ مِنَ الحُبُوبِ شَيْءٌ قَدْ هُيِّئَ وقُدِّمَ لَهُنَّ كالَّذِي يُقَدَّمُ لِلنّازِلِ، وإلّا فَهو في الحَقِيقَةِ مُقَدَّمٌ لِلنّاسِ فِيهِنَّ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ مَبْذُورَ الزِّراعَةِ.

12:49Page 241

ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرِ ﴿عامٌ﴾ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِالسَّنَةِ؛ تَحاشِيًا عَنِ المَدْلُولِ الأصْلِيِّ لَها مِن عامِ القَحْطِ، وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الغَيْثِ، أيْ: يُمْطَرُونَ، يُقالُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا مُطِرَتْ في وقْتِ الحاجَةِ، أوْ مِنَ الغَوْثِ يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى أيْ: أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ العَصْرِ - مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً،كَما اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ - إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المُذْكَراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ.

وَقِيلَ: مَعْنى يَعْصِرُونَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ أوْقاتِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الغَيْثِ والعَصْرِ زَمانًا - وهو ظاهِرٌ - وعُنْوانًا، فَإنَّ الغَيْثَ والغَوْثَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والعَصْرَ مِن فِعْلِ النّاسِ، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ، فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا النَّفْعُ وذاكَ النَّفْعُ لا بَيانُ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، عَلى مَعْنى أنْ غَيْثَهم وعَصْرَهم في سائِرِ السِّنِينَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمَراعاةِ الفَواصِلِ وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ، وقُرِئَ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ، وهو المُناسِبُ لِلْإغاثَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ أيْضًا مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يُغِيثُونَ، أيْ: يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: مَعْنى (يُعْصَرُونَ) يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ، إمّا بِتَضْمِينِ أعْصَرَتْ مَعْنى مَطَرَتْ وتَعْدِيَتِهِ، وإمّا بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، عَلى أنَّ الأصْلَ: أعْصَرَتْ عَلَيْهِمْ.

وَأحْكامُ هَذا العامِ المُبارَكِ لَيْسَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِن رُؤْيا المَلِكِ، وإنَّما تَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِها بَعْدَما أوَّلَ (p-284)الرُّؤْيا بِما أوَّلَ، وأمَرَهم بِالتَّدْبِيرِ اللّائِقِ في شَأْنِهِ إبانَةً لِعُلُوِّ كَعْبِهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ في الفَضْلِ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ أحَدٍ فَضْلًا عَمّا يُرى صُورَتُهُ في المَنامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ لِصاحِبَيْهِ عِنْدَ اسْتِفْتائِهِما في مَنامِهِما:﴿ (لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُشارِكُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في العِلْمِ بِوُقُوعِها أحَدٌ ولَوْ بِرُؤْيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْها في المَنامِ.

12:50Page 241

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

﴿وَقالَ المَلِكُ﴾ بَعْدَما جاءَهُ السَّفِيرُ بِالتَّعْبِيرِ وسَمِعَ مِنهُ ما سَمِعَ مِن نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِما عَلِمَ مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: يُوسُفَ ﴿الرَّسُولُ﴾ واسْتَدْعاهُ إلى المَلِكِ ﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ: فَفَتِّشْهُ عَنْ شَأْنِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ: فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ حَثًّا لِلْمَلِكِ عَلى الجِدِّ في التَّفْتِيشِ لِيَتَبَيَّنَ بَرَءاتَهُ ويَتَّضِحَ نَزاهَتَهُ؛ إذِ السُّؤالُ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ عَلى الِاهْتِمامِ في البَحْثِ لِلتَّفَصِّي عَمّا تُوَجِّهُ إلَيْهِ، وأمّا الطَّلَبُ فَمِمّا قَدْ يُتَسامَحُ ويُتَساهَلُ فِيهِ ولا يُبالى بِهِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِامْرَأةِ العَزِيزِ - مَعَ ما لَقِيَ مِنها ما لَقِيَ مِن مُقاساةِ الأحْزانِ ومُعاناةِ الأشْجانِ والأحْزانِ - مُحافَظَةً عَلى مَواجِبِ الحُقُوقِ واحْتِرازًا عَنْ مَكْرِها، حَيْثُ اعْتَقَدَها مُقِيمَةً في عُدْوَةِ العَداوَةِ، وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ وشَهادَتِهِنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ، وقَوْلِهِنَّ: أطِعْ مَوْلاتَكَ، واكْتُفِيَ بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مُجامَلَةً مَعَهُنَّ، واحْتِرازًا عَنْ سُوءِ قالَتِهِنَّ عِنْدَ المَلِكِ وانْتِصابِهِنَّ لِلْخُصُومَةِ؛ مُدافَعَةً عَنْ أنْفُسِهِنَّ مَتى سَمِعْنَ بِنِسْبَتِهِ لَهُنَّ إلى الفَسادِ.

12:51Page 241

قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ إثْرَ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الخَبَرَ وأحْضَرَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ: شَأْنُكُنَّ - وهو الأمْرُ الَّذِي يَحِقُّ لِعِظَمِهِ أنْ يُخاطِبَ المَرْءُ فِيهِ صاحِبَهُ - ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ وخادَعْتُنَّهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ ورَغَّبْتُنَّهُ في إطاعَةِ مَوْلاتِهِ هَلْ وجَدْتُنَّ فِيهِ شَيْئًا مِن سُوءٍ ورِيبَةٍ؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن نَزاهَتِهِ وعِفَّتِهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِ السُّوءِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ وزِيادَةِ مِن.

﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ وكانَتْ حاضِرَةً في المَجْلِسِ، وقِيلَ: أقْبَلَتِ النِّسْوَةُ عَلَيْها يُقَرِّرْنَها، وقِيلَ: خافَتْ أنْ يَشْهَدْنَ عَلَيْها بِما قالَتْ لَهُنَّ: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ فَأقَرَّتْ قائِلَةً: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، أوْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ بَعْدَ خَفاءٍ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، أيْ: تَبَيَّنَ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، كَما تَتَبَيَّنُ حِصَصُ الأراضِي وغَيْرِها، وقِيلَ: بانَ وظَهَرَ، مِن حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشَرَةُ رَأْسِهِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن: حَصْحَصَ البَعِيرُ مَبارِكَهُ، أيْ: ألْقاها في (p-285)الأرْضِ لِلْإناخَةِ، قالَ:

؎ فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما

والمَعْنى: أُقِرَّ الحَقُّ في مَقَرِّهِ ووُضِعَ في مَوْضِعِهِ، ولَمْ تُرِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ ظُهُورِ ما ظَهَرَ بِشَهادَتِهِنَّ مِن مُطْلَقِ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما أحاطَ بِهِ عِلْمُهُنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَزاهَتِهِ في سائِرِ المَواطِنِ خُصُوصًا فِيما وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ بِمَحْضَرِ العَزِيزِ، ولا بَحْثٍ عَنْ حال نَفْسِها، وما صَنَعَتْ في ذَلِكَ، بَلْ أرادَتْ ظُهُورَ ما هو مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ وثُبُوتِهِ مِن نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مَحَلِّ النِّزاعِ وخِيانَتِها فَقالَتْ: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ لا أنَّهُ راوَدَنِي عَنْ نَفْسِي ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِهِ حِينَ افْتَرَيْتُ عَلَيْهِ: ﴿ (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)﴾ وأرادَتْ بِـ(الآنَ) زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ لا زَمانَ شَهادَتِهِنَّ، فَتَأمَّلْ أيُّها المُنْصِفُ هَلْ تَرى فَوْقَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ نَزاهَةً، حَيْثُ لَمْ تَتَمالَكِ الخُصَماءُ مِنَ الشَّهادَةِ بِها، والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الخُصَماءُ، وإنَّما تَصَدّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَمْهِيدِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِيُظْهِرَ بَراءَةَ ساحَتِهِ مِمّا قُذِفَ بِهِ، لا سِيَّما عِنْدَ العَزِيزِ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ ما عَقَدَهُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ:

12:52Page 241

ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢

That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّثْبِيتُ المُؤَدِّي إلى ظُهُورِ حَقِيقَةِ الحالِ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أيِ: العَزِيزُ ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ في حُرْمَتِهِ - كَما زَعَمَهُ - لا عِلْمًا مُطْلَقًا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ التَّفْتِيشِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، بَلْ قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن نَقْضِ ما أبْرَمَهُ، ولَعَلَّهُ لِمُراعاةِ حُقُوقِ السِّيادَةِ؛ لِأنَّ المُباشَرَةَ لِلْخُرُوجِ مِن حَبْسِهِ قَبْلَ ظُهُورِ بُطْلانِ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لَهُ - وإنْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ المَلِكِ - مِمّا يُوهِمُ الِافْتِياتَ عَلى رَأْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلّا يُتَمَكَّنَ مِن تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَ المَلِكِ تَمَحُّلًا لِإمْضاءِ ما قَضاهُ فَلا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الوُثُوقِ بِأمْرِهِ والتَّوَكُّلِ عَلى رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ.

﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: بِظَهْرِ الغَيْبِ، وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ ظَرْفٌ أيْ: بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغَلَّقَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بَيانُ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَنِ الخِيانَةِ وغايَةِ اجْتِنابِهِ عَنْها عِنْدَ تَعاضُدِ أسْبابِها ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: ولِيَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ: لا يُنْفِذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويُزْهِقُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ إيقاعًا لِلْفِعْلِ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يُضاهِئُونَهم في قَوْلِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَما رَأوْا آياتِ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ أمانَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أمْرَهُ وأحْسَنَ عاقِبَتَهُ.

12:53Page 242

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1

﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ: لا أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَضْمًا لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ البَرِيئَةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، ورَبْأً بِمَكانِها عَنِ التَّزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحالِها عِنْدَ ظُهُورِ كَمالِ نَزاهَتِها، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» أوْ تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – عَلَيْهِ، وإبْرازًا لِسِرِّهِ المَكْنُونِ في شَأْنِ أفْعالِ العِبادِ، أيْ: لا أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ مِن حَيْثُ هي هي ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إلَيْها بِمُقْتَضى طَبْعِها مِن غَيْرِ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وعَلا.

﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ البَشَرِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَفْسِي في حَدِّ ذاتِها ﴿لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ (p-286)مُسْتَعْمِلَةٌ لِلْقُوى والآلاتِ في تَحْصِيلِها، بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعِصْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي يَعْصِمُها مِنَ الوُقُوعِ في المَهالِكِ ومِن جُمْلَتِها نَفْسِي، أوْ هي أمّارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ عَنْها السُّوءَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا هم يُنْقِذُونِ * إلّا رَحْمَةً " 50 ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ المَغْفِرَةِ لِما يَعْتَرِي النُّفُوسَ بِمُوجِبِ طِباعِها، ومُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ لَها بِعِصْمَتِها مِنَ الجَرَيانِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ، وإيثارُ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ - مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية - لِتَرْبِيَةِ مَبادِئِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

وَقِيلَ: إلى هُنا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنِّي لَمْ أخُنْهُ، ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ الغَيْبَةِ، وجِئْتُ بِما هو الحَقُّ الواقِعُ، وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ، حَيْثُ قُلْتُ في حَقِّهِ ما قُلْتُ، وفَعَلْتُ بِهِ ما فَعَلْتُ، إنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي، أيْ: إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ كَنَفْسِ يُوسُفَ، إنَّ رَبِّي غَفُورٌ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ واعْتَرَفَ بِهِ، رَحِيمٌ لَهُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَأنِّيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ لِعَدَمِ رِضاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُلاقاةِ المَلِكِ وأمْرُهُ بَيْنَ بَيْنَ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ حَتّى يَتَبَيَّنَ نَزاهَتَهُ، وأنَّهُ إنَّما سُجِنَ بِظُلْمٍ عَظِيمٍ، مَعَ ما لَهُ مِنَ الفَضْلِ ونَباهَةِ الشَّأْنِ؛ لِيَتَلَقّاهُ المَلِكُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الإعْظامِ والإجْلالِ، وقَدْ وقَعَ.

12:54Page 242

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا ﴿لِنَفْسِي﴾ وخاصًّا بِي ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أيْ: فَأتَوْا بِهِ، فَحُذِفَ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ الإتْيانِ بِهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأمْرِ بِإحْضارِهِ والخِطابِ مَعَهُ زَمانٌ أصْلًا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في (كَلَّمَهُ) لِيُوسُفَ والبارِزُ لِلْمَلِكِ، أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ يُوسُفُ إثْرَ ما أتاهُ فاسْتَنْطَقَهُ وشاهَدَ مِنهُ ما شاهَدَ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿أمِينٌ﴾ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، و(اليَوْمَ) لَيْسَ بِمِعْيارٍ لِمُدَّةِ المَكانَةِ والأمانَةِ، بَلْ هو آنُ التَّكَلُّمِ، والمُرادُ تَحْدِيدُ مَبْدَئِهِما احْتِرازًا عَنِ احْتِمالِ كَوْنِهِما بَعْدَ حِينٍ.

رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، ودَعا لِأهْلِهِ، واغْتَسَلَ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ وشَرِّ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ؟ قالَ لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَقالَ: أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ رُؤْيايَ، فَحَكاها ونَعَتَ لَهُ البَقَراتِ والسَّنابِلَ وأماكِنَها عَلى ما رَآها، فَأجْلَسَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ.

وَقِيلَ: تُوُفِّيَ قِطْفِيرُ في تِلْكَ اللَّيالِي فَنَصَّبَهُ مَنصِبَهُ وزَوَّجَهُ راعِيلَ فَوَجَدَها عَذْراءَ، ووَلَدَتْ لَهُ إفْرايِيمَ ومِيشا، ولَعَلَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما عُيِّنَ لَهُ مِن أمْرِ الخَزائِنِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

12:55Page 242

قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ، أيْ: ولِّنِي أمْرَها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ.

وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ المَلِكُ عَلى يَدِهِ (p-287)عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّ إيثارَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ - إذْ ذاكَ - مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ، حَسْبَما فُصِّلَ في التَّأْوِيلِ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ وجُمُومِ العائِدَةِ - كَما قِيلَ - وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَةُ المَلِكِ إلى ما سَألَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِن أحْكامِ السَّلْطَنَةِ بِحَذافِيرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما المَلِكُ آلَةٌ في ذَلِكَ قِيلَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском