Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:56–67
12:56Page 242
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَلِيغِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ مَكانًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ.
رُوِيَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِالتَّمْكِينِ في الأرْضِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ - مِن تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُبالَغَةِ في كَمالِ وِلايَتِهِ، والإشارَةِ إلى حُصُولِ ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ - لا أنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ السُّؤالِ - ما لا يَخْفى.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قدرته عَلى التَّصَرُّفِ فِيها ودُخُولِها تَحْتَ مِلْكَتِهِ وسُلْطانِهِ، فَكَأنَّها مَنزِلُهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ.
رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَّجَهُ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ، وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ، وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي، فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ، وإقْرارًا بِفَضْلِكَ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأوْلى بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، وفي الثّانِيَةِ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، وفي الثّالِثَةِ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا، فَقالُوا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ وأعْظَمَ مِنهُ، ثُمَّ أعْتَقَهم ورَدَّ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بِعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ بِعَطائِنا في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِّعَمِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى المَشِيئَةِ ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بَلْ نُوَفِّيهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَرْقُومَةُ، وأنَّها أجْرٌ لَهُ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ:
12:57Page 242
وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧
And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.
﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: أجْرُهم في الآخِرَةِ، فالإضافَةُ لِلْمُلابَسَةِ، وهو النَّعِيمُ المُقِيمُ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ ﴿خَيْرٌ﴾ لَهُمْ، أيْ: لِلْمُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ المَوْصُولُ فَقِيلَ: " الَّذِينَ آمَنُوا وكانُواْ يَتَّقُونَ " تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالإحْسانِ إنَّما هو الإيمانُ والثَّباتُ عَلى التَّقْوى المُسْتَفادُ مِن جَمْعِ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
12:58Page 242
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨
And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1
﴿وَجاءَ (p-288)إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ مُمْتارِينَ لَمّا أصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ ما أصابَ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ كانَ أرْسَلَهم يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمِيعًا غَيْرَ بِنْيامِينَ ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى يُوسُفَ، وهو في مَجْلِسِ وِلايَتِهِ ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لِقُوَّةِ فَهْمِهِ، وعَدَمُ مُبايَنَةِ أحْوالِهِمُ السّابِقَةِ لِحالِهِمْ يَوْمَئِذٍ لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم وهم رِجالٌ، وتَشابُهِ هَيْئاتِهِمْ وزِيِّهِمْ في الحالَيْنِ، ولِكَوْنِ هِمَّتِهِ مَعْقُودَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ، لا سِيَّما في زَمَنِ القَحْطِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ.
﴿وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُنْكِرُونَ لَهُ لِطُولِ العَهْدِ، وتَبايُنِ ما بَيْنَ حالَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في نَفْسِهِ ومَنزِلَتِهِ وزِيِّهِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ، وحَيْثُ كانَ إنْكارُهم لَهُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في حالَتَيِ المَحْضَرِ والمَغِيبِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِخِلافِ عِرْفانِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم.
12:59Page 242
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩
And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?
﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أيْ: أصْلَحَهم بِعُدَّتِهِمْ مِنَ الزّادِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لَهُ مِنَ المِيرَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ لَمْ يَقُلْ بِأخِيكُمْ؛ مُبالَغَةً في إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُمْ، ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما قالَهُ لِما قِيلَ مِن أنَّهم سَألُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِمْلًا زائِدًا عَلى المُعْتادِ لِبِنْيامِينَ فَأعْطاهم ذَلِكَ، وشَرَطَهم أنْ يَأْتُوا بِهِ، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمّا رَأوْهُ وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرِيَّةِ، قالَ لَهُمْ: مَن أنْتُمْ فَإنِّي أُنْكِرُكُمْ؟! فَقالُوا لَهُ: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ رُعاةٌ، أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ لَهُمْ، لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا؟ فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ! نَحْنُ إخْوَةٌ مِن أبٍ واحِدٍ، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، فَقالَ: كَمْ أنْتُمْ؟ قالُوا: عَشَرَةٌ، قالَ فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ؟ قالُوا: هو عِنْدَ أبِيهِ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم لَسْتُمْ عُيُونًا وأنَّ ما تَقُولُونَ حَقٌّ؟ قالُوا: نَحْنُ بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ فَيَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكُمْ، وهو يَحْمِلُ رِسالَةً مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القَرْعَةُ شَمْعُونَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، إذْ لا يُساعِدُهُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِ عِنْدَ التَّجْهِيزِ، ولا الحَثُّ عَلَيْهِ بِإيفاءِ الكَيْلِ، ولا الإحْسانُ في الإنْزالِ، ولا الِاقْتِصارُ عَلى مَنعِ الكَيْلِ عَلى تَقْدِيرِ عَمْدِ الإتْيانِ بِهِ، ولا جَعْلُ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ، ولا عِدَتُهم بِالإتْيانِ بِهِ بِطَرِيقِ المُراوَدَةِ، ولا تَعْلِيلُهم عِنْدَ أبِيهِمْ إرْسالَ أخِيهِمْ بِمَنعِ الكَيْلِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرِّسالَةِ، عَلى أنَّ اسْتِبْقاءَ شَمْعُونَ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ طامَّةً يَنْسى عِنْدَها كُلَّ قِيلٍ وقالَ.
﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ - مَعَ كَوْنِ هَذا الكَلامِ بَعْدَ التَّجْهِيزِ - لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَةٌ لَهُ مُسْتَمِرَّةٌ ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ لَكم إيفاءً مُسْتَمِرًّا، والحالُ أنِّي في غايَةِ الإحْسانِ في إنْزالِكم وضِيافَتِكُمْ، وقَدْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الرُّؤْيَةِ بِالإيفاءِ لِوُقُوعِ الخِطابِ في أثْنائِهِ، وأمّا الإحْسانُ في الإنْزالِ فَقَدْ كانَ مُسْتَمِرًّا فِيما سَبَقَ ولَحِقَ، ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ولَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الِامْتِنانِ بَلْ لِحَثِّهِمْ عَلى تَحْقِيقِ ما أمَرَهم بِهِ، والِاقْتِصارُ في الكَيْلِ عَلى ذِكْرِ الإيفاءِ؛ لِأنَّ مُعامَلَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم في ذَلِكَ كَمُعامَلَتِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ في مَراعاةِ مَواجِبِ العَدْلِ، وأمّا الضِّيافَةُ فَلَيْسَ لِلنّاسِ فِيها حَقٌّ فَخَصَّهم في ذَلِكَ بِما شاءَ.
12:60Page 242
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠
But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."
(p-289)﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ مِن بَعْدُ فَضْلًا عَنْ إيفائِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ بِدُخُولِ بِلادِي فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ في الإنْزالِ والضِّيافَةِ، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةٍ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْلُومًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
12:61Page 242
قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١
They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ عَنْهُ، ونَحْتالُ في انْتِزاعِهِ مِن يَدِهِ ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ مَنالِهِ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذَلِكَ غَيْرَ مُفَرِّطِينَ فِيهِ ولا مُتَوانِينَ، أوْ لَقادِرُونَ عَلَيْهِ لا نَتَعانى بِهِ.
12:62Page 242
وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢
And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."
﴿وَقالَ﴾ يُوسُفُ ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ غِلْمانِهِ الكَيّالِينَ جَمْعِ فَتًى، وقُرِئَ (لِفِتْيَتِهِ) وهي جَمْعُ قِلَّةٍ لَهُ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ فَإنَّهُ وكَّلَ بِكُلِّ رَحْلٍ رَجُلًا يُعْبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي شَرَوْا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأدَمًا، وإنَّما فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وخَوْفًا مِن أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن رُجُوعِهِمْ بِأخِيهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها والتَّكَرُّمِ في ذَلِكَ، أوْ لِكَيْ يَعْرِفُوها وهو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَتَهم لَها مُقَيَّدَةٌ بِالرُّجُوعِ وتَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ قَطْعًا، وأمّا مَعْرِفَةُ حَقِّ التَّكَرُّمِ في رَدِّها فَهي - وإنْ كانَتْ في ذاتِها غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ - لَكِنْ لَمّا كانَ ابْتِداؤُها حِينَئِذٍ قُيِّدَتْ بِهِ.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ حَسْبَما أمَرْتُهم بِهِ، فَإنَّ التَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ - ولا سِيَّما عِنْدَ إعْوازِ البِضاعَةِ - مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ، وما قِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا فَكَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ، وأمّا أنَّ عِلِّيَّةَ الجَعْلِ المَذْكُورِ لِلرُّجُوعِ مِن حَيْثُ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَهم فَمَدارُهُ حُسْبانُهم أنَّها بَقِيَتْ في رِحالِهِمْ نِسْيانًا، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أصْلًا، فَإنَّ هَيْئَةَ التَّعْبِيَةِ تُنادِي بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ، ألا يُرى أنَّهم كَيْفَ جَزَمُوا بِذَلِكَ حِينَ رَأوْها؟ وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى التَّفَضُّلاتِ السّابِقَةِ، كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.
12:63Page 242
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا﴾ قَبْلَ أنْ يَشْتَغِلُوا بِفَتْحِ المَتاعِ ﴿يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أيْ: فِيما بَعْدُ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودًا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ بِنْيامِينَ إلى مِصْرَ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَدارَ المَنعِ عَدَمُ كَوْنِهِ مَعَهم ﴿نَكْتَلْ﴾ بِسَبَبِهِ مِنَ الطَّعامِ ما نَشاءُ، وقَرَأ حَمْزَةُ (p-290)والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى الأخِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلِاكْتِيالِ، أوْ يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ مَعَ اكْتِيالِنا ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ.
12:64Page 243
قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤
He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."
﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ﴾ يُوسُفَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ في حَقِّهِ أيْضًا ما قُلْتُمْ، ثُمَّ فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ، فَلا أثِقُ بِكم ولا بِحِفْظِكُمْ، وإنَّما أُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ وقُرِئَ (حِفْظًا) وانْتِصابُهُما عَلى التَّمْيِيزِ والحالِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الأوْلى تُوهِمُ تَقَيُّدَ الخَيْرِيَّةِ بِتِلْكَ الحالَةِ ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعَ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ، وهَذا - كَما تَرى - مَيْلٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الإيذانِ والإرْسالِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ.
12:65Page 243
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥
And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1
﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَفَضُّلًا، وقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِما مَرَّ مِن دَلالَةِ الحالِ، وقُرِئَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ، كَما قِيلَ في قِيلَ وكِيلَ.
" وقالُوا " اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالُوا لِأبِيهِمْ - ولَعَلَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ الفَتْحِ -: ﴿يا أبانا ما نَبْغِي﴾ إذا فُسِّرَ البَغْيُ بِالطَّلَبِ، فَـ"ما" إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِهِ، فالمَعْنى ماذا نَبْتَغِي وراءَ ما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ والمُراجَعَةِ إلَيْهِ في الحَوايِجِ، وقَدْ كانُوا أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ وقالُوا لَهُ: إنّا قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ، أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا وهَذِهِ بِضاعَتُنا رَدَّها إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي بَعْدَما مَنَّ عَلَيْنا مِنَ المِنَنِ العِظامِ؟ هَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى هَذا فَنَطْلُبَهُ، ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ الِاكْتِفاءَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، أوِ التَّقاعُدَ عَنْ طَلَبٍ بِنَظائِرِهِ، بَلْ أرادُوا الِاكْتِفاءَ بِهِ في اسْتِيجابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ في اسْتِجْلابِ المَزِيدِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ (رُدَّتْ إلَيْنا)﴾ حالٌ مِن ﴿ (بِضاعَتُنا)﴾ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الإحْسانِ النّاشِئِ عَنْ كَمالِ الإخْفاءِ المَفْهُومِ مِن كَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ، بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ ولا بِفاعِلِهِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ: نَجْلِبُ إلَيْهِمُ الطَّعامَ مِن عِنْدِ المَلِكِ، مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ رَدُّ البِضاعَةِ، أيْ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿وَنَحْفَظُ أخانا﴾ مِنَ المَكارِهِ - حَسْبَما وعَدْنا - فَما يُصِيبُهُ مِن مَكْرُوهٍ ﴿وَنَزْدادُ﴾ أيْ: بِواسِطَتِهِ، ولِذَلِكَ وُسِّطَ الإخْبارُ بِحِفْظِهِ بَيْنَ الأصْلِ والمَزِيدِ ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ: وسْقَ بَعِيرٍ زائِدًا عَلى أوَساقِ أباعِرِنا عَلى قَضِيَّةِ التَّقْسِيطِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما يَحْمِلُهُ أباعِرُنا ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أيْ: مَكِيلٌ قَلِيلٌ لا يَقُومُ بِأوَدِنا، فَهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى الِازْدِيادِ؟ فَقِيلَ ما قِيلَ، أوْ ذَلِكَ الكَيْلُ الزّائِدُ شَيْءٌ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ، أوْ سَهْلٌ عَلَيْهِ لا يَتَعاظَمُهُ، أوْ أيُّ مَطْلَبٍ نَطْلُبُ مِن مُهِمّاتِنا، والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَوْضِيحٌ (p-291)وَبَيانٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الإنْكارُ مِن كَوْنِهِمْ فائِزِينَ بِبَعْضِ المُطالِبِ، أوْ مُتَمَكِّنِينَ مِن تَحْصِيلِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ، فَنَسْتَظْهِرُ بِها، ونَمِيرُ أهْلَنا، ونَحْفَظُ أخانا، فَما يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ، ونَزْدادُ بِسَبَبِهِ غَيْرَ ما نَكْتالُهُ لِأنْفُسِنا كَيْلَ بِعِيرٍ، فَأيُّ شَيْءٍ نَبْتَغِي وراءَ هَذِهِ المَباغِي؟!
وَقُرِئَ (ما تَبْغِي) عَلى خِطابِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَبْغِي وراءَ هَذِهِ المَباغِي المُشْتَمِلَةِ عَلى سَلامَةِ أخِينا، وسَعَةِ ذاتِ أيْدِينا، أوْ وراءَ ما فَعَلَ بِنا المَلِكُ مِنَ الإحْسانِ داعِيًا إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِئْنافِيَّةُ مُوَضِّحَةٌ لِذَلِكَ، أوْ أيَّ شَيْءٍ تَبْغِي شاهِدًا عَلى صِدْقِنا فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ، والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ الشّاهِدِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الإنْكارِ، وإمّا نافِيَةٌ فالمَعْنى ما نَبْغِي شَيْئًا غَيْرَ ما رَأيْنا مِن إحْسانِ المَلِكِ في وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ، أوْ ما نَبْغِي غَيْرَ هَذِهِ المَباغِي، وقِيلَ: ما نَطْلُبُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى، والجُمْلَةَ المُسْتَأْنَفَةَ تَعْلِيلٌ لَهُ.
وَأمّا إذا فُسِّرَ البَغْيُ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ فَما نافِيَةٌ فَقَطْ، والمَعْنى: ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ المُوجِبِ لِما ذُكِرَ، والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ لِبَيانِ ما ادَّعَوْا مِن عَدَمِ البَغْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ (ما نَبْغِي)﴾ أيْ: ما نَبْغِي فِيما ذَكَرْنا مِن إحْسانِهِ وتَحْصِيلِ أمْثالِهِ مِن مَيْرِ أهْلِنا وحِفْظِ أخِينا، فَإنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ شَيْءٍ بِواسِطَةِ إحْسانِهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، أيْ: جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً تَذْيِيلِيَّةً عَلى مَعْنى: ويَنْبَغِي أنْ نَمِيرَ أهْلَنا، وشُبِّهَ ذَلِكَ بِقَوْلِكَ: سَعَيْتُ في حاجَةِ فُلانٍ ويَجِبُ أنْ أسْعى، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ شَأْنَ الجُمَلِ التَّذْيِيلِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ الصَّدْرِ ومُقَرِّرَةً لَهُ كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، وقَوْلُكَ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ فالحَقُّ أبْلَجُ، وأنَّ قَوْلَهُ: "وَنَمِيرُ" ... إلَخْ - وإنْ ساعَدَنا في حَمْلِهِ عَلى مَعْنى يَنْبَغِي أنْ نَمِيرَ أهْلَنا - بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، أوْ ما نَبْغِي في الرَّأْيِ وما نَعْدِلُ عَنِ الصَّوابِ فِيما نُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ مِن إرْسالِ أخِينا مَعَنا، والجُمَلُ إلى آخِرِها تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِعَدَمِ بَغْيِهِمْ وإصابَةِ رَأْيِهِمْ، أيْ: بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ نَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا، ونَصْنَعُ كَيْتَ وذَيْتَ، فَتَأمَّلْ.
12:66Page 243
قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦
[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ بَعْدَما عايَنْتُ مِنكم ما عايَنْتُ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإنَّما جَعَلَهُ مَوْثِقًا مِنهُ تَعالى؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ العُهُودِ بِهِ مَأْذُونٌ فِيهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَهو إذْنٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابُ القَسَمِ، إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ: إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا بِهِ، أوْ إلّا أنْ تُهْلَكُوا، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، فَإنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ هَلَكَ غالِبًا، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أوْ أعَمِّ العِلَلِ عَلى تَأْوِيلِ الكَلامِ بِالنَّفْيِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ، أيْ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ولا تَمْتَنِعُنَّ مِنهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكُمْ، أوْ لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَما فَعَلْتَ وإلّا فَعَلْتَ، أيْ: ما أُرِيدُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ.
وَقَدْ جُوِّزَ الأوَّلُ بِلا تَأْوِيلٍ أيْضًا، أيْ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكُمْ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الإتْيانُ بِهِ مِنَ الأفْعالِ المُمْتَدَّةِ الشّامِلَةِ لِلْأحْوالِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ - كَما في قَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تُعْطِيَنِي حَقِّي، ولَمْ يَكُنْ مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقارَنَتَهُ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ - لَما عَدا الحالَ المُسْتَثْناةَ، كَما إذا قُلْتَ: صَلِّ إلّا أنْ تَكُونَ (p-292)مُحْدِثًا، بَلْ مُجَرَّدُ تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِهِ، كَما في قَوْلِكَ: لَأحُجَّنَّ العامَ إلّا أنْ أُحْصَرَ، فَإنَّ مُرادَكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِعَدَمِ مَنعِ ما سِوى حالِ الإحْصارِ عَنِ الحَجِّ إلّا الإخْبارُ بِمُقارَنَتِهِ لِتِلْكَ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، كَما هو مُرادُكَ في مِثالِ الصَّلاةِ، كَأنَّ اعْتِبارَ الأحْوالِ مَعَهُ مِن حَيْثُ عَدَمُ مَنعِها مِنهُ فَآلَ المَعْنى إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ.
﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عَهْدَهم مِنَ اللَّهِ حَسْبَما أرادَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ: عَلى ما قُلْنا في أثْناءِ طَلَبِ المَوْثِقِ وإيتائِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ المُؤَدِّي إلى تَثَبُّتِهِمْ ومُحافَظَتِهِمْ عَلى تَذَكُّرِهِ ومُراقَبَتِهِ ﴿وَكِيلٌ﴾ مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ، يُرِيدُ بِهِ عَرْضَ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى مُراعاةِ مِيثاقِهِمْ.
12:67Page 243
وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧
And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."
﴿وَقالَ﴾ ناصِحًا لَهم لَمّا أزْمَعَ عَلى إرْسالِهِمْ جَمِيعًا: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا﴾ مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ حِذارًا مِن إصابَةِ العَيْنِ، فَإنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ، وقَدْ كانُوا تَجَمَّلُوا في هَذِهِ الكَرَّةِ أكْثَرَ مِمّا في المَرَّةِ الأُولى، وقَدِ اشْتَهَرُوا في مِصْرَ بِالكَرامَةِ والزُّلْفي لَدى المَلِكِ بِخِلافِ النَّوْبَةِ الأُولى، فَكانُوا مَئِنَّةً لِدُنُوِّ كُلِّ ناظِرٍ وطُمُوحِ كُلِّ طامِحٍ، وإصابَةُ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لَيْسَتْ مِمّا يُنْكَرُ، وقَدْ ورَدَ عَنْهُ ﷺ: ««إنَّ العَيْنَ حَقٌّ»» وعَنْهُ ﷺ: ««إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ»» «وَقَدْ كانَ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»» وكانَ ﷺ يَقُولُ: ««كانَ أبُوكُما يُعَوِّذُ بِها إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ"» رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، وقَدْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ التَّجارِبُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ مُسْتَلْزِمًا لِلدُّخُولِ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وكانَ في دُخُولِهِمْ مِن بابَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ بَعْضُ ما في الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ مِن نَوْعِ اجْتِماعٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِ المَحْذُورِ قالَ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ بَيانًا لِما هو المُرادُ بِالنَّهْيِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا الأمْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لَهُ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ وإيذانًا بِأنَّهُ المُرادُ بِالأمْرِ المَذْكُورِ لا تَحْقِيقًا لِشَيْءٍ آخَرَ.
﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ﴾ أيْ: لا أنْفَعُكم ولا أدْفَعُ عَنْكم بِتَدْبِيرِي ﴿مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا قَضى عَلَيْكُمْ، فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلْغاءَ الحَذَرِ بِالمَرَّةِ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ وقالَ: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بَلْ أرادَ بَيانَ أنَّ ما وصّاهم بِهِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ المُرادَ لا مَحالَةَ، بَلْ هو تَدْبِيرٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ وتَرَتُّبُ المَنفَعَةِ عَلَيْهِ مِنَ العَزِيزِ القَدِيرِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُدافَعَةٍ لِلْقَدَرِ بَلْ هو اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وهَرَبٌ مِنهُ إلَيْهِ ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ مُطْلَقًا ﴿إلا لِلَّهِ﴾ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ، ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿عَلَيْهِ﴾ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَرْتِيبَ الأسْبابِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالتَّوَكُّلِ ﴿وَعَلَيْهِ﴾ دُونَ غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ مَعَ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ مُقَيَّدًا بِالواوِ، وعَطَفَ فِعْلَ غَيْرِهِ مِن تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ وبِإلْقاءِ سَبَبِيَّةِ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا لِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنَ المُقْتَدِينَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ بَنُوهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِن حُسْنِ هِدايَتِهِمْ، وإرْشادِهِمْ إلى التَّوَكُّلِ فِيما هم بِصَدَدِهِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - غَيْرَ مُغْتَرِّينَ (p-293)بِما وصّاهم بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences