Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:68–78
12:68Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨
And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.
﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ البَلَدِ، قِيلَ: كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ فَدَخَلُوا مِنها، وإنَّما اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ لِاسْتِلْزامِهِ الِانْتِهاءَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿يُغْنِي﴾ فِيما سَيَأْتِي عِنْدَ وُقُوعِ ما وقَعَ ﴿عَنْهُمْ﴾ عَنِ الدّاخِلِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ اسْتِدْفاعُ الضَّرَرُ عَنْهُمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِتَحْقِيقِ المُقارَنَةِ الواجِبَةِ بَيْنَ جَوابِ لَمّا ومَدْخُولِهِ، فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ بِالفِعْلِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ نُزُولِ المَحْذُورِ لا وقْتَ الدُّخُولِ، وإنَّما المُتَحَقِّقُ حِينَئِذٍ ما أفادَهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الدُّخُولِ المَذْكُورِ مُغْنِيًا فِيما سَيَأْتِي، فَتَأمَّلْ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِن جِهَتِهِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِذَلِكَ في بادِي الرَّأْيِ، حَيْثُ وصّاهم بِهِ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ واثِقِينَ بِجَدْواهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلَيْسَ المُرادُ بَيانَ سَبَبِيَّةِ الدُّخُولِ المَذْكُورِ لِعَدَمِ الإغْناءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ فَإنَّ مَجِيءَ النَّذِيرِ هُناكَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ نُفُورِهِمْ، بَلْ بَيانَ عَدَمِ سَبَبِيَّتِهِ لِلْإغْناءِ مَعَ كَوْنِها مُتَوَقَّعَةً في بادِي الرَّأْيِ، كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ أنْ يُعْطِيَنِي حَقِّي عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَلَمّا حَلَّ لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا، فَإنَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّةِ حُلُولِ الأجَلِ لِلْإعْطاءِ مَعَ كَوْنِها مَرْجُوَّةً بِمُوجِبِ الحَلِفِ لا بَيانُ سَبَبِيَّتِهِ لِعَدَمِ الإعْطاءِ، فالمَآلُ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ المَقْصُودِ عَلى التَّدْبِيرِ المَعْهُودِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ لا بَيانُ تَرَتُّبِ عَدَمِهِ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَضاعِيفِ وصِيَّتِهِ مِن أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا فَعَلُوا ما وصّاهم بِهِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا ووَقَعَ الأمْرُ، حَسْبَما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَقَوْا ما لَقَوْا، فَيَكُونُ مِن بابِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ، فَتَأمَّلْ.
﴿إلا حاجَةً﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ ولَكِنْ حاجَةً وحَرازَةً كائِنَةً ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ أيْ: أظْهَرَها ووَصّاهم بِها دَفْعًا لِلْخاطِرَةِ، غَيْرَ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ تَأْثِيرًا في تَغْيِيرِ التَّقْدِيرِ، وقَدْ جُعِلَ ضَمِيرُ الفاعِلِ في (قَضاها) لِلدُّخُولِ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ قَضى حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فالمَعْنى ما كانَ ذَلِكَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا، ولَكِنْ قَضى حاجَةً حاصِلَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ بِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّدْبِيرِ فائِدَةٌ سِوى دَفْعِ الخاطِرَةِ، وأمّا إصابَةُ العَيْنِ فَإنَّما لَمْ تَقَعْ لِكَوْنِها غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ عَلَيْهِمْ لا لِأنَّها انْدَفَعَتْ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِها مُقْتَضِيَةً عَلَيْهِمْ.
﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ جَلِيلٍ ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ بِالوَحْيِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ، حَيْثُ لَمْ يَعْتَقِدْ أنَّ الحَذَرَ يَدْفَعُ القَدَرَ، وأنَّ التَّدْبِيرَ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّأْثِيرِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخَلَلُ في رَأْيِهِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الأثَرِ، أوْ حَيْثُ بَتَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَكانَ الحالُ كَما قالَ، وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِإنَّ واللّامِ وتَنْكِيرِ العِلْمِ، وتَعْلِيلِهِ بِالتَّعْلِيمِ المُسْنَدِ إلى ذاتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وفَخامَتِهِ - ما لا يَخْفى.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أسْرارَ القَدَرِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ، وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّ المَعْنى لا يَعْلَمُونَ إيجابَ الحَذَرِ مَعَ أنَّهُ لا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ القَدَرِ فَيَأْباهُ مَقامُ بَيانِ تَخَلُّفِ المَطْلُوبِ عَنِ المَبادِئِ.
12:69Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩
And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."
(p-294)﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ بِنْيامِينَ، أيْ: ضَمَّهُ إلَيْهِ في الطَّعامِ، أوْ في المَنزِلِ، أوْ فِيهِما، رُوِيَ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ لَهُمْ: أحْسَنْتُمْ وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي فَأكْرَمَهُمْ، ثُمَّ أضافَهم وأجْلَسَهم مَثْنى مَثْنى، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى، وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم فَرِيدًا وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ، ثُمَّ أنْزَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم بَيْتًا، فَقالَ: هَذا لا ثانِيَ مَعَهُ فَيَكُونُ مَعِي فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ، ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ، فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ، اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ، وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِ وعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا بِخَيْرٍ، ولا تُعْلِمْهم بِما أعْلَمْتُكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وَعَنْ وهْبٍ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّفْ إلَيْهِ، بَلْ قالَ لَهُ: أنا أخُوكَ بَدَلَ أخِيكَ المَفْقُودِ، ومَعْنى ﴿ (فَلا تَبْتَئِسْ)﴾ لا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقى مِنهم مِنَ الحَسَدِ والأذى، فَقَدْ أمِنتَهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ: فَأنا لا أُفارِقُكَ، قالَ: قَدْ عَلِمْتَ بِاغْتِمامِ والِدِي بِي، فَإذا حَبَسْتُكَ يَزْدادُ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يَجْمُلُ، قالَ: لا أُبالِي فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهُمْ، قالَ: افْعَلْ.
12:70Page 244
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠
So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ أيِ: المِشْرَبَةُ قِيلَ: كانَتْ مِشْرَبَةً جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحُبُوبُ، وكانَتْ مِن فِضَّةٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ إناءً مُسْتَطِيلَةً تُشْبِهُ المَكُّوكَ الفارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ يَسْتَعْمِلُهُ الأعاجِمُ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ.
﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ، وقُرِئَ (وَجَعَلَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا تَقْدِيرُهُ: أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُنادٍ ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ وهي الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ؛ لِأنَّها تُعِيرُ، أيْ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فَعْلٌ مِثْلُ سَقْفٍ وسُقُفٍ فَفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وغِيدٍ، والمُرادُ: أصْحابُها كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي».»
رُوِيَ أنَّهُمُ ارْتَحَلُوا وأمْهَلَهم يُوسُفُ حَتّى انْطَلَقُوا مَنزِلًا، وقِيلَ: خَرَجُوا مِنَ العِمارَةِ ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَأُدْرِكُوا ونُودُوا ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ هَذا الخِطابُ إنْ كانَ بِأمْرِ يُوسُفَ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسَّرِقَةِ أخْذُهم لَهُ مِن أبِيهِ ودُخُولُ بِنْيامِينَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وإلّا فَهو مِن قِبَلِ المُؤَذِّنِ بِناءً عَلى زَعْمِهِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ لِلسِّياقِ، وقَرَأاليَمانِيُّ: (سارِقُونَ) بِلا لامٍ.
12:71Page 244
قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١
They said while approaching them, "What is it you are missing?"
﴿قالُوا﴾ أيِ: الإخْوَةُ ﴿وَأقْبَلُوا (p-295)عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى انْزِعاجِهِمْ مِمّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهِمْ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ: تَعْدَمُونَ، تَقُولُ: فَقَدْتُ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِأنْ ضَلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ، والمَآلُ: ماذا أضاعَ عَنْكُمْ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وقُرِئَ (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: (ماذا سُرِقَ مِنكُمْ)؟ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ بِإظْهارِ أنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ مِنهم شَيْءٌ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا هُمُ السّارِقِينَ لَهُ، وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يَضِيعَ مِنهم شَيْءٌ، فَيَسْألُونَهم أنَّهُ ماذا؟ وفِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُجازَفَةِ ونِسْبَةِ البُرَآءِ إلى ما لا خَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوا كَلامَهم حَيْثُ.
12:72Page 244
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
﴿قالُوا﴾ في جَوابِهِمْ: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: سَرَقْتُمُوهُ، أوْ سُرِقَ، وقُرِئَ (صاعَ) وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، وبِإهْمالِ العَيْنِ وإعْجامِها مِنَ الصِّياغَةِ، ثُمَّ قالُوا تَرْبِيَةً لِما تَلَقَّوْهُ مِن قِبَلِهِمْ وإراءَةً لِاعْتِقادِ أنَّهُ إنَّما بَقِيَ في رَحْلِهِمُ اتِّفاقًا: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ﴾ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مُظْهِرًا لَهُ قَبْلَ التَّفْتِيشِ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعامِ، جُعْلًا لَهُ لا عَلى نِيَّةِ تَحْقِيقِ الوَعْدِ لِجَزْمِهِمْ بِامْتِناعِ وُجُودِ الشَّرْطِ وعَزْمِهِمْ عَلى ما لا يَخْفي مِن أخْذِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المُؤَذِّنِ.
12:73Page 244
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولِذَلِكَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجَلالَةِ المُعَظَّمَةِ، أوِ الرَّبِّ المُضافِ إلى الكَعْبَةِ، أوِ الرَّحْمَنِ في قَوْلٍ ضَعِيفٍ، ولَوْ قُلْتَ: تالرَّحِيمِ لَمْ يَجُزْ، وقِيلَ: مِنَ الباءِ، وقِيلَ: أصْلُ بِنَفْسِها، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَعَجُّبٌ ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ عِلْمًا جازِمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِنَسْرِقَ؛ فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإفْسادِ، أوْ لِنُفْسِدَ فِيها أيَّ إفْسادٍ كانَ مِمّا عَزَّ أوْ هانَ فَضْلًا عَمّا نَسَبْتُمُونا إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ، ونَفْيُ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفْسادِ مُطْلَقًا - لَكِنَّهم جَعَلُوا المَجِيءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَوْ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ مَجِيئًا لِغَرَضِ الإفْسادِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ادِّعاءً إظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِهِ عِنْدَهُمْ، وتَرْبِيَةً لِاسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُمْ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الدّالِّ بِظاهِرِهِ عَلى نَفْيِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ دُونَ نَفْيِ الظُّلْمِ في الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُقْتَضى المَقامِ مِن أنَّ المَعْنى: إذا عَذَّبْتُ مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ كُنْتُ ظَلّامًا مُفْرِطًا في الظُّلْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَدَرَ عَنّا إفْسادٌ كانَ مَجِيئُنا لِذَلِكَ، مُرِيدِينَ بِهِ تَقْبِيحَ حالِهِ وإظْهارَ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ عَنْهُ، يَعْنُونَ أنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَكم في كَرَّتَيْ مَجِيئِنا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وقَدْ كانُوا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الدِّيانَةِ والصِّيانَةِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا مِصْرَ وأفْواهُ رَواحِلِهِمْ مَكْمُومَةٌ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ، وكانُوا مُثابِرِينَ عَلى فُنُونِ الطّاعاتِ، وعَلِمْتُمْ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنّا إفْسادٌ.
﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ أيْ: ما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ قَطُّ، وإنَّما حَكَمُوا بِعِلْمِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الشّاهِدَةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الغائِبَةِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفُوا بِنَفْيِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَلِ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ؛ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِلتَّعَجُّبِ المَفْهُومِ مِن تاءِ القَسَمِ.
12:74Page 244
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
(p-296)﴿قالُوا﴾ أيْ: أصْحابُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ عِنْدَكم وفي شَرِيعَتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ لا في دَعْوى البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، فَإنَّهم صادِقُونَ فِيها بَلْ فِيما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن نَفْيِ كَوْنِ الصُّواعِ فِيهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
12:75Page 244
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ أيْ: أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ حَيْثُ ذُكِرَ بِعُنْوانِ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ عُنْوانِ السَّرِقَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لَها في اعْتِقادِهِمُ المَبْنِيِّ عَلى قَواعِدِ العادَةِ، ولِذَلِكَ أجابُوا بِما أجابُوا، فَإنَّ الأخْذَ والِاسْتِرْقاقَ سَنَةً إنَّما هو جَزاءُ السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ في يَدِهِ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ فَتَأمَّلْ، واحْمِلْ كَلامَ كُلِّ فَرِيقٍ عَلى ما لا يُزاحِمُ رَأْيَهُ، فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى مَعْنى الكَيْدِ، وأبْعَدُ مِنَ الِافْتِراءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، أيْ: فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو عَلى أنَّ الأوَّلَ لِمَن، والثّانِيَ لِلظّاهِرِ الَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَهُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفي ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بِالسَّرِقَةِ، تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ غِبَّ تَأْكِيدٍ وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ، ولَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِكَمالِ بَراءَتِهِمْ عَنْها وهم عَمّا فُعِلَ بِهِمْ غافِلُونَ.
12:76Page 244
فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦
So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1
﴿فَبَدَأ﴾ يُوسُفُ بَعْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ لِلتَّفْتِيشِ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ بِأوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ، أيْ: بِتَفْتِيشِها ﴿قَبْلَ﴾ تَفْتِيشِ ﴿وِعاءِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتِ النَّوْبَةُ إلى وِعائِهِ قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا! فَقالُوا: واللَّهِ لا نَتْرُكُهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ: السِّقايَةَ، أوِ الصُّواعَ فَإنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ لَمْ يَقُلْ مِنهُ عَلى رَجْعِ الضَّمِيرِ إلى الوِعاءِ، أوْ مِن وِعائِهِ عَلى رَجْعِهِ إلى أخِيهِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ وبِقَلْبِها هَمْزَةً كَما في أشاحٍ في وِشاحٍ.
﴿كَذَلِكَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ المُشارِ إلَيْهِ، وكَذا ما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ إرْشادِ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ بِإجْرائِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وبِحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ المُسْتَفْتِينَ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، فَمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ صَنَعْنا لَهُ ودَبَّرْنا لِأجْلِ تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي رَتَّبَها مِن دَسِّ الصُّواعِ وما يَتْلُوهُ، فاللّامُ لَيْسَتْ كَما في قَوْلِهِ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا" فَإنَّها داخِلَةٌ عَلى المُتَضَرِّرِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ وصُنْعِهِ لا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لَهُ كَما قِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِما فَعَلَهُ في دِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ - أيْ: في سُلْطانِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-297)أوْ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ، قالَهُ قَتادَةُ - إلّا بِهِ؛ لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ في دِينِهِ إنَّما كانَ ضَرْبَهُ وتَغْرِيمَهُ ضِعْفَ ما أخَذَ دُونَ الِاسْتِرْقاقِ والِاسْتِعْبادِ، كَما هو شَرِيعَةُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ بِما صَنَعَهُ مِن أخْذِ أخِيهِ بِالسَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبَها إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ لِذَلِكَ الكَيْدِ، أوْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ لِلْأخْذِ بِذَلِكَ الوَجْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَيْدُ عِبارَةً عَنْهُ وعَنْ مَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ جَمِيعًا مِن إرْشادِ يُوسُفَ وقَوْمِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ حَسْبَما شُرِحَ مُرَتَّبًا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مَأْخُوذًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ مُطْلَقًا عَلى مَعْنى مِثْلِ ذَلِكَ الكَيْدِ كِدْنا لا كَيْدًا آخَرَ - إذْ لا مَعْنى لِتَعْلِيلِهِ بِعَجْزِ يُوسُفَ عَنْ أخْذِ أخِيهِ في دِينِ المَلِكِ في شَأْنِ السّارِقِ قَطْعًا، إذا لا عَلاقَةَ بَيْنَ مُطْلَقِ الكَيْدِ ودِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ أصْلًا - بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِ عَلى مَعْنى مِثْلِ ذَلِكَ الكَيْدِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ كِدْنا لَهُ، ولَمْ نَكْتَفِ بِبَعْضٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ بِهِ إلّا حالَ مَشِيئَتِنا لَهُ بِإيجادِ ما يَجْرِي مَجْرى الجَزاءِ الصُّورِيِّ مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ، وهو إرْشادُ إخْوَتِهِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القَصْرُ في تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ بِقَوْلِهِ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبِعِ لِما شُرِحَ مُرَتَّبًا عَلَّمْناهُ دُونَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ فَقَطْ... إلَخْ.
وَعَلى كُلِّ حالٍ فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ العِلَلِ والأسْبابِ، أيْ: لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ أخاهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ أوْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا لِعِلَّةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، أوْ إلّا بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ أخْذَ السّارِقِ إذا كانَ مِمَّنْ يَرى ذَلِكَ ويَعْتَقِدُهُ دِينًا - لا سِيَّما عِنْدَ رِضاهُ وإفْتائِهِ بِهِ - لَيْسَ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنى الِاسْتِثْناءِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ المُرادَ بِدِينِهِ: ما عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، فَتَغْيِيرُهُ مُخِلٌّ بِالِاتِّصالِ، وإرادَةُ مُطْلَقِ ما يُتَدَيَّنُ بِهِ أعَمُّ مِنهُ ومِمّا يُحْدِثُ تُفْضِي إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَبِيلِ التَّطْبِيقِ بِالمُحالِ، إذِ المَقْصُودُ بَيانُ عَجْزِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أخْذِ أخِيهِ حِينَئِذٍ، ولَمْ تَتَعَلَّقِ المَشِيئَةُ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ إذْ ذاكَ، وإرادَةُ عَجْزِهِ مُطْلَقًا تُؤَدِّي إلى خِلافِ المُرادِ، فَإنَّ اسْتِثْناءَ حالَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ مِن أحْوالِ عَجْزِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا يُشْعِرُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى الكَيْدِ المَذْكُورِ، فَتَدَبَّرْ، وقَدْ جُوِّزَ الِانْقِطاعُ، أيْ: لَكِنْ أخْذُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ في دِينٍ غَيْرِ دِينِ المَلِكِ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: رُتَبًا كَثِيرَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى دَرَجاتٍ، والمَفْعُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ أيْ: نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ المادَّةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعِينَ ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَنالُونَ شَأْوَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ جُعِلَ الكَيْدُ عِبارَةً عَنِ المَعْنَيَيْنِ الأوَّلَيْنِ فالمُرادُ بِرَفْعِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما اعْتُبِرَ فِيهِ بِالشَّرْطِيَّةِ أوِ الشَّطْرِيَّةِ مِن إرْشادِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى دَسِّ الصُّواعِ في رَحْلِ أخِيهِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ المُقَدِّماتِ المُرَتَّبَةِ لِاسْتِبْقاءِ أخِيهِ مِمّا يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ، والمَعْنى: أرْشَدْنا إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن أخْذِ أخِيهِ بِدُونِهِ، أوْ أرْشَدْنا كُلًّا مِنهم ومِن يُوسُفَ وأصْحابِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهُمْ، ولَمْ نَكْتَفِ بِما تَمَّ مِن قِبَلِ يُوسُفَ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن أخْذِ أخِيهِ بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ" إلى (p-298)قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِيمٌ" تَوْضِيحٌ لِذَلِكَ، عَلى مَعْنى أنَّ الرَّفْعَ المَذْكُورَ لا يُوجِبُ تَمامَ مَرامِهِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، بَلْ إنَّما نَرْفَعُ كُلَّ مَن نَرْفَعُ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ، وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِلْمِهِ، ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، يَرْفَعُ كُلًّا مِنهم إلى ما يَلِيقُ بِهِ مِن مَعارِجِ العِلْمِ ومَدارِجِهِ، وقَدْ رَفَعَ يُوسُفَ إلى ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وعَلِمَ أنَّ ما حَواهُ دائِرَةُ عِلْمِهِ لا يَفِي بِمَرامِهِ، فَأرْشَدَ إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ فَكانَ ما كانَ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِن صُدُورِ الإفْتاءِ المَذْكُورِ عَنْ إخْوَتِهِ، وإنْ كانَ عَلى طَمَعٍ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وُجُودًا وعَدَمًا، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِلْمِ لِتَعْيِينِ جِهَةِ الفَوْقِيَّةِ، وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّنْكِيرِ والِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِهِ - عَزَّ وعَلا - وجَلالَةِ مِقْدارِ عِلْمِهِ المُحِيطِ ما لا يَخْفى.
وَأمّا إنْ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبِعِ لِلْإفْتاءِ المَذْكُورِ فالرَّفْعُ عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ والإفْتاءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ قدرته - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّهُ كانَ داخِلًا تَحْتَ عِلْمِهِ بِواسِطَةِ الوَحْيِ والتَّعْلِيمِ، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ عَلَّمْناهُ، ولَمْ نَقْتَصِرْ عَلى تَعْلِيمِ ما عَدا الإفْتاءَ الَّذِي سَيَصْدُرُ عَنْ إخْوَتِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن أخْذِ أخِيهِ إلّا بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ" تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ: "كِدْنا" وبَيانٌ لِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّفْعِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ العِلْمِ، ومَدْحٌ لِيُوسُفَ بِرَفْعِهِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" تَذْيِيلٌ لَهُ، أيْ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ عالِيَةً مِنَ العِلْمِ مَن نَشاءُ رَفْعَهُ، وفَوْقَ كُلٍّ مِنهم عَلِيمٌ هو أعْلى دَرَجَةً.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ عالِمٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى.
والمَعْنى: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا عُلَماءَ إلّا أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلُ مِنهُمْ، وقُرِئَ (دَرَجاتِ مَن نَشاءُ) بِالإضافَةِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ، حَيْثُ نُسِبَ فِيهِ الرَّفْعُ إلى مَن نُسِبَ إلَيْهِ الفَوْقِيَّةُ لا إلى دَرَجَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَلِيمُ في هَذا التَّفْسِيرِ أيْضًا عِبارَةً عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وفَوْقَ كُلٍّ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعِينَ عَلِيمٌ يَرْفَعُ كُلًّا مِنهم إلى دَرَجَتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
12:77Page 244
۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧
They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن أنَّها كانَتْ تَحْضُنُهُ فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتِزاعَهُ مِنها، وكانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً، وكانَتْ لَها مِنطَقَةٌ ورِثَتْها مِن أبِيها إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاحْتالَتْ لِاسْتِبْقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَمَدَتْ إلى المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلَيْهِ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فانْظُرُوا مَن أخَذَها فَوَجَدُوها مَحْزُومَةً عَلى يُوسُفَ، فَقالَتْ: إنَّهُ لِي سَلَمٌ أفْعَلُ بِهِ ما أشاءُ فَخَلّاهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَها حَتّى ماتَتْ، وقِيلَ: كانَ أخَذَ في صِباهُ صَنَمًا لِأبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ، وقِيلَ: دَخَلَ كَنِيسَةً فَأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ فَدَفَنَهُ.
﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾ أيْ: أكَنَّ الحَزازَةَ الحاصِلَةَ مِمّا قالُوا ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ لا أنَّهُ أسَرَّها لِبَعْضِ أصْحابِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾، ﴿وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ لا قَوْلًا ولا فِعْلًا صَفْحًا عَنْهم وحِلْمًا، وهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ ﴿قالَ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وهو اسْتِئْنافٌ (p-299)مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالإسْرارِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في نَفْسِهِ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ الإسْرارِ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً، حَيْثُ سَرَقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكُمْ، ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (أسَرَّها) والضَّمِيرُ لِلْمَقالَةِ المُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ: "أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا" ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أيْ: عالِمٌ عِلْمًا بالِغًا إلى أقْصى المَراتِبِ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ مِن صُدُورِ السَّرِقَةِ مِنّا، بَلْ إنَّما هو افْتِراءٌ عَلَيْنا، فالصِّيغَةُ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ لا لِتَفْضِيلِ عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى عِلْمِهِمْ، كَيْفَ لا ولَيْسَ لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ؟
12:78Page 244
قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨
They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."
﴿قالُوا﴾ عِنْدَما شاهَدُوا مَخايِلَ أخْذِ بِنْيامِينَ مُسْتَعْطِفِينَ: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الإخْبارَ بِأنَّ لَهُ أبًا، فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ، وإنَّما أرادُوا الإخْبارَ بِأنَّ لَهُ أبًا ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السِّنِّ، لا يَكادُ يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ وهو عَلالةٌ بِهِ يَتَعَلَّلُ عَنْ شَقِيقِهِ الهالِكِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ فَلَسْنا عِنْدَهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلَيْنا، فَأتْمِمْ إحْسانَكَ بِهَذِهِ التَّتِمَّةِ، أوِ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ فَلا تُغَيِّرْ عادَتَكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences