Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:10–22
14:10Page 256
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."
﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم قالُوا: مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ، ومُتَعَجِّبِينَ مِن مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ.
﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بِإدْخالِ الهَمْزَةِ عَلى الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ لَيْسَ نَفْسَ الشَّكِّ، بَلْ وُقُوعُهُ فِيما لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الشَّكُّ أصْلًا مُنْقادِينَ عَنْ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى كَلامِ الكَفَرَةِ، بِأنْ يَقُولُوا أأنْتُمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟ مُبالَغَةً في تَنْزِيهِ ساحَةِ السُّبْحانِ عَنْ شائِبَةِ الشَّكِّ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ، أيْ: أفِي شَأْنِهِ سُبْحانَهُ مِن وُجُودِهِ، ووَحْدَتِهِ، ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ وحْدَهُ شَكٌّ ما، وهو أظْهَرُ مَن كُلِّ ظاهِرٍ، وأجْلى مِن كُلِّ جَلِيٍّ، حَتّى تَكُونُوا مِن قِبَلِهِ في شَكٍّ مُرِيبٍ، وحَيْثُ كانَ مَقْصِدُهُمُ الأقْصى الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ، والتَّوْحِيدِ. (p-37)وَكانَ إظْهارُ البَيِّناتِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ، لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِ الكَفَرَةِ: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ، واقْتَصَرُوا عَلى بَيانِ ما هو الغايَةُ القُصْوى، ثُمَّ عَقَّبُوا ذَلِكَ الإنْكارَ بِما يُوجِبُهُ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى انْتِفاءِ المُنْكَرِ. فَقالُوا: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْدِعُهُما، وما فِيهِما مِنَ المَصْنُوعاتِ عَلى نِظامٍ أنِيقٍ، شاهِدٍ بِتَحَقُّقِ ما أنْتُمْ مِنهُ في شَكٍّ. وهو صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وشَكٌّ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ الظَّرْفَ خَبَرُهُ، يُفْضِي إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِالأجْنَبِيِّ، أعْنِي المُبْتَدَأ، والفاعِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن رافِعِهِ، وقَدْ جُوِّزَ ذَلِكَ أيْضًا.
﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ بِإرْسالِهِ إيّانا لا أنّا نَدْعُوكم إلَيْهِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا، كَما يُوهِمُهُ قَوْلُكُمْ: مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِهِ، أوْ يَدْعُوَكم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ. كَقَوْلِكَ: دَعَوْتُهُ لِيَأْكُلَ مَعِي.
﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضِها. وهو ما عَدا المَظالِمِ مِمّا بَيْنَهم وبَيْنَهُ تَعالى. فَإنَّ الإسْلامَ يَحُبُّهُ قِيلَ: هَكَذا وقَعَ في جَمِيعِ القرآن في وعْدِ الكَفَرَةِ دُونَ وعْدِ المُؤْمِنِينَ، تَفْرِقَةً بَيْنَ الوَعْدِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ لِما أنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكَفَرَةِ مُرَتَّبَةً عَلى مَحْضِ الإيمانِ، وفي شَأْنِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةً بِالطّاعَةِ، والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ مِنَ المَظالِمِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَغْفِرَ لَكم بَدَلًا مِن ذُنُوبِكم.
﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَهُ مُنْتَهى أعْمارِكم عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن غَيْرِ فَضْلٍ يُؤَهِّلُكم لِما تَدَّعُونَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿تُرِيدُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِبَشَرٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾، أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ، أيْ: تُرِيدُونَ بِما تَتَصَدَّوْنَ لَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ.
﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ ما اسْتَمَرَّ آباؤُنا عَلى عِبادَتِهِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ يُوجِبُهُ، وإلّا ﴿فَأْتُونا﴾ أيْ: وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما قُلْنا، بَلْ كُنْتُمْ رُسُلًا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما تَدَّعُونَهُ فَأْتُونا ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِكُمْ، واسْتِحْقاقِكم لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ، أوْ عَلى صِحَّةِ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، حَتّى نَتْرُكَ ما لَمْ نَزَلْ نَعْبُدُهُ أبًا عَنْ جَدٍّ، ولَقَدْ كانُوا آتَوْهم مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ، والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ما تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ، ولَكِنَّهم إنَّما يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِنَ العَظائِمِ مُكابَرَةً، وعِنادًا، وإراءَةً لِمَن وراءَهم أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ السُّلْطانُ المُبِينُ.
14:11Page 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُجاراةً مَعَهم في أوَّلِ مَقالَتِهِمْ، وإنَّما قِيلَ لَهم لِاخْتِصاصِ الكَلامِ بِهِمْ حَيْثُ أُرِيدَ إلْزامُهم بِخِلافِ ما سَلَفَ مِن إنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ عامٌّ، وإنِ اخْتُصَّ بِهِمْ ما يَعْقُبُهُ.
﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كَما تَقُولُونَ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنُونَ أنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بِمَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ داعِيَةٍ تُوجِبُهُ قالُوهُ تَواضُعًا، وهَضْمًا لِلنَّفْسِ، أوْ ما نَحْنُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ نَحْنُ بَشَرٌ مِثْلُكم في الصُّورَةِ، أوْ في الدُّخُولِ تَحْتَ الجِنْسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ بِالفَضائِلِ، والكَمالاتِ، والِاسْتِعْداداتِ عَلى مَن يَشاءُ المَنَّ، وما يَشاءُ ذَلِكَ إلّا لِعِلْمِهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لَها، وتِلْكَ الفَضائِلُ، والكِمالاتُ، والِاسْتِعْداداتُ، هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الِاصْطِفاءِ لِلنُّبُوَّةِ.
﴿وَما كانَ﴾ وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ ﴿لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ (p-38)أيْ: بِحُجَّةٍ مِنَ الحِجَجِ، فَضْلًا عَنِ السُّلْطانِ المُبِينِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، إنْ شاءَ كانَ وإلّا فَلا ﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، ومَقْصُودُهم حَمْلُ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ، ألا يَرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:
14:12Page 257
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."
﴿وَما لَنا﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا ﴿ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، والإظْهارُ لِإظْهارِ النَّشاطِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى، وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ.
﴿وَقَدْ هَدانا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُهُ، ويَسْتَدْعِيهِ حَيْثُ هَدانا.
﴿سُبُلَنا﴾ أيْ: أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ، ومِنهاجَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهَ في الدِّينِ، وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ الكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ القَلَقَ، والِاضْطِرابَ القادِحَ في التَّوَكُّلِ. قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّوَكُّدِ القَسَمِيِّ مُظْهِرِينَ لِكَمالِ العَزِيمَةِ ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ بِالعِنادِ، واقْتِراحِ الآياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوَكُّلِ، والمُرادُ هو المُرادُ مِمّا سَبَقَ، مِن إيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِالمُتَوَكِّلِينَ المُؤْمِنُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِسَبْقِ ذِكْرِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ مَن تَوَكَّلَ دُونَ غَيْرِهِ.
14:13Page 257
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ العاتِينَ الغالِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وأضْرابِهِمْ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ. وقالُوا: ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لَمْ يَقْنَعُوا بِعِصْيانِهِمُ الرُّسُلَ، ومُعانَدَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ما رَأوُا البَيِّناتِ الفائِتَةَ لِلْحَصْرِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى مِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَكادُ يُحِيطُ بِها دائِرَةُ الإمْكانِ، فَحَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ المُحالَيْنِ، والعَوْدُ إمّا بِمَعْنى مُطْلَقِ الصَّيْرُورَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ تَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى الرُّسُلِ، وقَدْ مَرَّ في الأعْرافِ، وسَيَأْتِي في الكَهْفِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى الرُّسُلِ ﴿رَبُّهُمْ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ عِنْدَ تَناهِي كُفْرِ الكَفَرَةِ، وبُلُوغِهِمْ مِنَ العُتُوِّ إلى غايَةٍ لا مَطْمَعَ بَعْدَها في إيمانِهِمْ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ الإيحاءِ مُجْراهُ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ.
14:14Page 257
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَهم ودِيارَهم عُقُوبَةً لَهم بِقَوْلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ وقُرِئَ: (لَيُهْلِكَنَّ) و (لَيُسْكِنَنَّكُمْ) بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى. كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ غَدًا﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ، وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ، وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم. أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ مُحَقَّقٌ ثابِتٌ.
﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ (p-39)مَوْقِفِي. وهو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ، وحِفْظِي لِأعْمالِهِ، وقِيلَ: لَفْظُ المَقامِ مُقْحَمٌ.
﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ وعِيدِي بِالعَذابِ، أوْ عَذابِيَ المَوْعُودَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ: " والعاقِبة لِلْمُتَّقِينَ " .
14:15Page 257
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيِ: اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ أوِ اسْتَحْكَمُوا، وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم مِنَ الفَتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ فالضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، وقِيلَ: لِلْكَفَرَةِ. وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ، ويُهْلَكَ المُبْطِلُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى أوْحى إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ. أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ وقالَ لَهُمُ: اسْتَفْتِحُوا، ﴿وَخابَ﴾ أيْ: خَسِرَ وهَلَكَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مُتَّصِفٍ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُتَّقُونَ، أيْ: فَنُصِرُوا عِنْدَ اسْتِفْتاحِهِمْ، وظَفَرُوا بِما سَألُوا وأفْلَحُوا، وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُهُمُ المُعانِدُونَ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الحِرْمانِ دُونَ الحِرْمانِ عَنِ المَطْلُوبِ، أوْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، أوِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ عَلى الرُّسُلِ، وخابُوا، ولَمْ يُفْلِحُوا، وإنَّما قِيلَ: وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ذَمًّا لَهُمْ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ، والعِنادِ لا أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمُ الخَيْبَةُ، أوِ اسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ الرُّسُلُ، وأُنْجِزَ لَهُمُ الوَعْدُ، وخابَ كُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى: الحِرْمانِ غِبَّ الطَّلَبِ، وفي إسْنادِ الخَيْبَةِ إلى كُلٍّ مِنهم ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.
14:16Page 257
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَيْنَ يَدَيْهِ. فَإنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا، مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ: مِن وراءِ حَياتِهِ، وحَقِيقَتِهِ ما تَوارى عَنْكَ.
﴿وَيُسْقى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ؟ فَقِيلَ: يُلْقى فِيها، ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ﴾ مَخْصُوصٍ، لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ.
﴿صَدِيدٍ﴾ وهو قَيْحٌ، أوْ دَمٌ مُخْتَلِطٌ بِمِدَّةٍ يَسِيلُ مِنَ الجُرْحِ. قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ، وهو عَطْفُ بَيانٍ لِما أُبْهِمَ أوَّلًا، ثُمَّ بُيِّنَ بِالصَّدِيدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ.
14:17Page 257
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قِيلَ: هو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِ فَقِيلَ: يَتَجَرَّعُهُ، أيْ: يُتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِغَلَبَةِ العَطَشِ، واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ.
﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ: لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنِ الإساغَةِ، بَلْ يُغَصُّ بِهِ فَيَشْرَبُهُ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي جُرْعَةً غِبَّ جُرْعَةٍ، فَيَطُولُ عَذابُهُ تارَةً بِالحَرارَةِ والعَطَشِ، وأُخْرى بِشُرْبِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ. فَإنَّ السِّواغَ انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ، وقَبُولِ نَفْسٍ، ونَفْيُهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما ذُكِرَ جَمِيعًا. وقِيلَ: لا يَكادُ يُدْخِلُهُ في جَوْفِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالإساغَةِ لِما أنَّها المَعْهُودَةُ في الأشْرِبَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يَتَجَرَّعُهُ، أوْ مِن (p-40)مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ ويُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، أوْ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أصُولِ شَعَرِهِ، وإبْهامِ رِجْلِهِ ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ مِن مَجِيءِ أسْبابِهِ، لا سِيَّما مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَتَألَّمَ بِما غَشِيَهُ مِن أصْنافِ المُوبِقاتِ، ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ، وأشَقَّ مِمّا كانَ قَبْلَهُ. فَفِيهِ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسْبِ الِاعْتِيادِ كَما في عَذابِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ: هو حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِفْتاحِ، والخَيْبَةِ: اسْتِسْقاءُ أهْلِ مَكَّةَ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَيْبَتِهِمْ في ذَلِكَ، وقَدْ وعَدَ لَهم بَدَلَ ذَلِكَ صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.
14:18Page 257
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨
The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: صِفَتُهُمْ، وحالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي كالمَثَلِ في الغَرابَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَهْتُوكٌ، ومالُهُ مَنهُوبٌ. وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ: ما بالُ أعْمالِهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في وُجُوهِ البِرِّ مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإعْتاقِ الرِّقابِ، وفِداءِ الأُسارى، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، وقِرى الأضْيافِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ، حَتّى آلَ أمْرُهم إلى هَذا المَآلِ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ كَرَمادٍ، ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ . العَصْفُ: اشْتِدادُ الرِّيحِ، وُصِفَ بِهِ زَمانُها مُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها شُبِّهَتْ صَنائِعُهُمُ المَعْدُودَةُ لِابْتِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والإيمانِ بِهِ، والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ تَعالى بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفَةُ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أعْمالِهِمُ لِلْأصْنامِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ مَثَلُهم. وقَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ" جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَيْتَ وكَيْتَ، سَواءٌ أُرِيدَ بِها صَنائِعَهُمْ، أوْ أعْمالَهم لِأصْنامِهِمْ. وقِيلَ: أعْمالُهم بَدَلٌ مِن مَثَلُ الَّذِينَ. وقَوْلُهُ: "كَرَمادٍ" خَبَرُهُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن تِلْكَ الأعْمالِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ما، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابِ، أوْ تَخْفِيفِ عَذابٍ كَدَأْبِ الرَّمادِ المَذْكُورِ. وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ، والِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ هائِلَةً، لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ، وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ دَلالَةً واضِحَةً مِن ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أوْ عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ.
14:19Page 258
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ: لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الكَفَرَةِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُذْهِبْكُمْ" والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ، والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ) ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكم بِالمَرَّةِ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: يَخْلُقُ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنِفًا لا عَلاقَةَ (p-41)بَيْنَكم وبَيْنَهم رَتَّبَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ عَلى قدرته تعالى عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ، إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، كانَ عَلى تَبْدِيلِ خَلْقٍ آخَرَ بِهِمْ أقْدَرَ. ولِذَلِكَ قالَ:
﴿وَما ذَلِكَ﴾ أيْ: إذْهابُكُمْ، والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مَكانَكم.
﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ، أوْ مُتَعَسِّرٍ. فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن هَذا شَأْنُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ويُخْشى عِقابُهُ.
14:21Page 258
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ، ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ: بُرُوزُهم مِن قُبُورِهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ: ضَعْفُ الرَّأْيِ. وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ، وعَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهُمْ، واسْتَغْوُوهم ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغَيْبٍ في جَمْعٍ غائِبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ عَلى إضْمارٍ، أيْ: ذَوِي تَبَعٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ دافِعُونَ ﴿عَنّا﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ، والمُرادُ التَّوْبِيخُ، والعِتابُ، والتَّقْرِيعُ، والتَّبْكِيتُ.
﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى: لِلْبَيانِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ. والثّانِيَةُ: لِلتَّبْعِيضِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، أيْ: بَعْضُ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ كَوْنُهُما لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضُ شَيْءٍ، هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ. والإعْرابُ كَما سَبَقَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى: مَفْعُولًا. والثّانِيَةُ: مَصْدَرًا، أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ؟ ويَعْضُدُ الأوَّلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ نَصِيبًا مِنَ النّارِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المُسْتَكْبِرُونَ جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ، واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ، ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْإيماءِ ووَفَّقَنا لَهُ ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم. أيِ: اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكُمْ، وأغْنَيْنا عَنْكُمْ، كَما عَرَضْنا لَهُ، ولَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا﴾ مِمّا لَقِينا ﴿أمْ صَبَرْنا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ في عَدَمِ الإنْجاءِ، والهَمْزَةُ وأمْ لِتَأْكِيدِ التَّسْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإنَّما أسْنَدُوهُما، ونَسَبُوا اسْتِواءَهُما إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنْتَظِمِ لِلْمُخاطَبِينَ أيْضًا، مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ (p-42)التَّوْبِيخِ، بِإعْلامِ أنَّهم شُرَكاءُ لَهم فِيما ابْتُلُوا بِهِ، وتَسْلِيَةً لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سَواءٌ عَلَيْنا..." إلَخْ. مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعْ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، فَلا يَنْفَعُهم. فَيَقُولُونَ: تَعالَوْا نَصْبِرْ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَعُهم. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ عِتابُ الأتْباعِ مِن بابِ الجَزَعِ ذَيَّلُوا جَوابَهم بِبَيانِ أنْ لا جَدْوى في ذَلِكَ. فَقالُوا: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مِن مَنجًى، ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِن حاصَ الحِمارُ إذا عَدَلَ بِالفِرارِ. وهو إمّا اسْمُ مَكانٍ: كالمَبِيتِ، والمَصِيفِ. أوْ مَصْدَرٌ كالمَغِيبِ، والمَشِيبِ. وهي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ، لِإجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ. فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
14:22Page 258
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي أضَلَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ، واسْتَتْبَعَهُما عِنْدَ ما عَتَباهُ، بِما قالَهُ الأتْباعُ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ، ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُحْكِمَ، وفُرِغَ مِنهُ، وهو الحِسابُ، ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، خَطِيبًا في مَحْفِلِ الأشْقِياءِ مِنَ الثِّقَلَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ فَأنْجَزَهُ، أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ، وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ، والجَزاءِ.
﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ أيْ: وعْدَ الباطِلِ، وهو أنْ لا بَعْثَ، ولا جَزاءَ. ولَئِنْ كانَ فالأصْنامُ شُفَعاؤُكُمْ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِبُطْلانِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ أيْ: مَوْعِدِي عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: نَقَضْتُهُ جَعَلَ وعْدَهُ كالإخْلافِ مِنهُ، كَأنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى إنْجازِهِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسَلُّطٍ أوْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْهِ، وتَسْوِيلُهُ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ السُّلْطانِ لَكِنَّهُ أبْرَزَهُ في مَبْرُوزِهِ عَلى طَرِيقَةِ [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] مُبالَغَةً في نَفْيِ السُّلْطانِ عَنْ نَفْسِهِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما يَكُونُ لِي عَلَيْكم سُلْطانٌ إذا كانَ مُجَرَّدُ الدُّعاءِ مِن بابِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا.
﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَأسْرَعْتُمْ إجابَتِي ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بِوَعْدِي إيّاكم حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ القَصْرِ، والإلْجاءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى وجْهِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ اسْتَجَبْتُمْ لِي بِاخْتِيارِكم حِينَ دَعَوْتُكم بِلا حُجَّةٍ، ولا دَلِيلَ بِمُجَرَّدِ تَزْيِينٍ، وتَسْوِيلٍ. ولَمْ تَسْتَجِيبُوا رَبَّكم إذْ دَعاكم دَعْوَةَ الحَقِّ المَقْرُونَةَ بِالبَيِّناتِ، والحُجَجِ، ولَيْسَ مُرادُهُ التَّنَصُّلَ عَنْ تَوَجُّهِ اللّائِمَةِ إلَيْهِ بِالمَرَّةِ، بَلْ بَيانُ أنَّهم أحَقُّ بِها مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ في أفْعالِهِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لِقدرته الكاسِبَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ مُدْخَلٌ فِيهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ أفْعالَهُ حَسْبَما يَخْتارُهُ، وعَلَيْهِ تَتَرَتَّبُ السَّعادَةُ، والشَّقاوَةُ. وما قِيلَ: مِن أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُقالَ: فَلا تَلُومُونِي، ولا أنْفُسَكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ، وأجْبَرَكم عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، وبَيْنَ مَسْلَكِ الجَبْرِيَّةِ.
﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ: بِمُغِيثِكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، ﴿وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ مِمّا أنا فِيهِ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ إصْراخِهِ إيّاهُمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ (p-43)أيْضًا مُبْتَلًى بِمِثْلِ ما ابْتُلُوا بِهِ، ومُحْتاجٌ إلى الإصْراخِ. فَكَيْفَ مِن إصْراخِ الغَيْرِ؟ ولِذَلِكَ آثَرَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ فَكَأنَّ ما مَضى كانَ جَوابًا مِنهُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ، وتَقْرِيعِهِمْ، وهَذا جَوابٌ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ، واسْتِعانَتِهِمْ بِهِ في اسْتِدْفاعِ ما دَهِمَهم مِنَ العَذابِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الياءِ ﴿إنِّي كَفَرْتُ﴾ اليَوْمَ ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بِإشْراكِكم إيّايَ. بِمَعْنى: تَبَرَّأْتُ مِنهُ، واسْتَنْكَرْتُهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يَعْنِي: أنْ إشْراكَكم لِي بِاللَّهِ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُطْمِعُكم في نُصْرَتِي لَكم بِأنْ كانَ لَكم عَلَيَّ حَقٌّ حَيْثُ جَعَلْتُمُونِي مَعْبُودًا، وكُنْتُ أوَدُّ ذَلِكَ، وأرْغَبُ فِيهِ. فاليَوْمَ كَفَرْتُ بِذَلِكَ، ولَمْ أحْمَدْهُ، ولَمْ أقْبَلْهُ مِنكُمْ، بَلْ تَبَرَّأْتُ مِنهُ، ومِنكُمْ، فَلَمْ يَبْقى بَيْنِي وبَيْنَكم عَلاقَةٌ، أوْ كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينِ أبَيْتُ السُّجُودَ لَآدَمَ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. كَما في قَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا؛ فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ إصْراخِهِ، فَإنَّ الكافِرَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الإغاثَةِ والإعانَةِ سَواءٌ كانَ بِالمُدافَعَةِ، أوِ الشَّفاعَةِ. وأمّا جَعْلُهُ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ إصْراخِهِمْ إيّاهُ، فَلا وجْهَ لَهُ إذْ لا احْتِمالَ لَهُ حَتّى يُحْتاجَ إلى التَّعْلِيلِ، ولِأنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ إصْراخِهِمْ بِكُفْرِهِ يُوهِمُ أنَّهم بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ، لَوْلا المانِعُ مِن جِهَتِهِ ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتِمَّةُ كَلامِهِ، أوِ ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي حِكايَةِ أمْثالِهِ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ، وإيقاظٌ لَهم حَتّى يُحاسِبُوا أنْفُسَهُمْ، ويَتَدَبَّرُوا عَواقِبَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences