Abu as-Su'udIbrahim · 14:23–33

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:23–33

14:23Page 258

وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارُ مَزِيدٍ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُدْخِلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ: يُحَيِّهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

14:24Page 258

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤

Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عُلِّقَ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: كَيْفَ اعْتَمَدَهُ، ووَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ.

﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، أوْ كُلَّ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ كالتَّسْبِيحَةِ، والتَّحْمِيدَةِ، والِاسْتِغْفارِ، والتَّوْبَةِ، والدَّعْوَةِ.

﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: حَكَمَ بِأنَّها مِثْلَها لا أنَّهُ تَعالى صَيَّرَها مِثْلَها في الخارِجِ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا" كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةً بَدَلًا مِن مَثَلًا، وكَشَجَرَةٍ صِفَتُها. أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هي كَشَجَرَةٍ، وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مُجْرى جَعَلَ قَدْ أُخِّرَ عَنْ ثانِيهِما. أعْنِي: مَثَلًا لِئَلّا يَبْعُدَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هي كَشَجَرَةٍ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ في الأرْضِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ثابِتٌ أصْلُها، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أقْوى سَبْكًا، وأنْسَبُ بِقَرِينَتِهِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَفَرْعُها﴾ أيْ: أعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ في جِهَةِ العُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ "وَفُرُوعُها" عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ.

14:25Page 259

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

(p-44)﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها، والمُرادُ: "بِالشَّجَرَةِ" المَنعُوتَةِ إمّا النَّخْلَةُ كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ، وتَذْكِيرٍ. فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ.

14:26Page 259

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ، والدُّعاءِ إلَيْهِ، أوْ تَكْذِيبُ الحَقِّ، أوْ ما يَعُمُّ الكُلَّ، أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ.

﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ أيْ: كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ. قِيلَ: هي كُلُّ شَجَرَةٍ لا يَطِيبُ ثَمَرُها كالحَنْظَلِ، والكَشُوثِ، ونَحْوِهِما. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودِ الضَّرْبِ والبَيانِ، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ، وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ، ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً مِنهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ اسْتِقْرارٍ عَلَيْها.

14:27Page 259

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧

Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهُمْ، وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ، وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ، ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَزالُونَ عَنْهُ إذا افْتُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى وجَرْجِيسَ وشَمْسُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ القِيامَةِ، أوْ عِنْدَ سُؤالِ القَبْرِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: "ثُمَّ يُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ، فَيَقُولُونَ مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، ودِينِيَ الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ صَدَقَ عَبْدِي" فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾» وهَذا مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ المَذْكُورَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ. قالَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنِي أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ في سَنَةِ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَلَثِمِائَةٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الخَيّاطَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَمّارٍ العَمَلِيَّ يَقُولُ: رَأيْتُ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ في مَنامِي بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقُلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قالَ: أتانِي في قَبْرِي مَلَكانِ فَظّانِ فَقالا: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَأخَذْتُ بِلِحْيَتِي البَيْضاءِ فَقُلْتُ لَهُما: ألِمِثْلِي يُقالُ هَذا، وقَدْ عَلَّمْتُ النّاسَ جَوابَكُما ثَمانِينَ سَنَةً؟ فَذَهَبا.

﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِما الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسْبَ إرادَتِهِمْ، واخْتِيارِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ: الكَفَرَةُ، بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ. ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ، أوْ كُلُّ مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ، والإعْراضِ عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ، فَلا يَثْبُتُ في مَوْقِفِ الفِتَنِ، ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ، فالمُرادُ: "بِالَّذِينَ آمَنُوا" حِينَئِذٍ المُخْلِصُونَ في الإيمانِ، الرّاسِخُونَ في الإيقانِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّثْبِيتُ، لَكِنَّهُ يُوهِمُ كَوْنَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إذا كانَتْ لا عَنْ إيقانٍ داخِلَةً تَحْتَ ما لا قَرارَ لَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا (p-45)﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ، وإضْلالِ آخَرِينَ حَسْبَما تُوجِبُهُ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكَمِ البالِغَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِالتَّفاوُتِ في مَبْدَأِ التَّثْبِيتِ، والإضْلالِ، فَإنَّ مَبْدَأ صُدُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِهِ العُلا غَيْرُ ما هو مَبْدَأُ صُدُورِ الآخَرِ.

14:28Page 259

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨

Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّا صَنَعَ الكَفَرَةُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي لا تَكادُ تَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ أدْنى إدْراكٍ، أيْ: ألُمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: شُكْرَ نِعْمَتِهِ تَعالى، بِأنْ وضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿كُفْرًا﴾ عَظِيمًا، وغَمْطًا لَها، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبُوها، فَصارُوا مُسْتَبْدِلِينَ بِها كُفْرًا كَأهْلِ مَكَّةَ، حَيْثُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ الآمِنَ الَّذِي يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ، فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلُوا، وأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَصارُوا أذِلّاءَ مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ، باقِينَ بِالكُفْرِ بَدَلَها. وعَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ. أمّا بَنُو المُغِيرَةِ: فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ: فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. كَأنَّهُما يَتَأوَّلانِ ما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ الآيَةَ.

﴿وَأحَلُّوا﴾ أيْ: أنْزَلُوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بِإرْشادِهِمْ إيّاهم إلى طَرِيقَةِ الشِّرْكِ، والضَّلالِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحُلُولِهِمْ لِدَلالَةِ الإحْلالِ عَلَيْهِ، إذْ هو فَرْعُ الحُلُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ .

﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكَ، الَّذِي لا هَلاكَ وراءَهُ.

14:29Page 259

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها، وفي الإبْهامِ، ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ.

﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها، أوْ مِن قَوْمِهِمْ، أيْ: داخِلِينَ فِيها، مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ يُقَدَّرُ ناصِبًا لِجَهَنَّمَ. فالمُرادُ بِالإحْلالِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ: تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أنْسَبُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها. وفِيهِ أنَّ حُلُولَهُمْ، وصَلْبَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.

14:30Page 259

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿وَجَعَلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أحَلُّوا، وما عَطَفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحُكْمِ التَّعْجِيبِ، أيْ: جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهو الواحِدُ القَهّارُ.

﴿أنْدادًا﴾ أشْباهًا في العِبادَةِ ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهُمُ الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، ويُوقِعُوهم في ورْطَةِ الكُفْرِ، والضَّلالِ. ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يُذْكَرَ كُفْرانُهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرُهم بِذاتِهِ تَعالى؛ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، ثُمَّ إضْلالُهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ، وتَكْرِيرِهِ، والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن وضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإحْلالِ القَوْمِ دارَ البَوارِ، واتِّخاذِ الأنْدادِ لِلْإضْلالِ أمْرٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمَ التَّعْجِيبُ مِن مَجْمُوعِ الهَناتِ الثَّلاثِ، كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ. وقُرِئَ: (لِيَضِلُّوا) بِالفَتْحِ (p-46)وَأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ غَرَضًا حَقِيقِيًّا لَهم مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ نَتِيجَةً لَهُ شُبِّهَ بِالغَرَضِ، وأُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ.

﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِأُولَئِكَ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، ونَعْيًا عَلَيْهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهم لِشِدَّةِ إبائِهِمْ قَبُولَ الحَقِّ، وفَرْطِ انْهِماكِهِمْ في الباطِلِ، وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِحالٍ أحِقّاءُ بِأنْ يُضْرَبَ عَنْهم صَفْحًا، ويُعْطَفَ عَنْهم عِنانُ العِظَةِ، ويُخَلُّوا وشَأْنَهُمْ، ولا يُنْهَوْا عَنْهُ، بَلْ يُؤْمَرُوا بِمُباشَرَتِهِ مُبالَغَةً في التَّخْلِيَةِ، والخِذْلانِ، ومُسارَعَةً إلى بَيانِ عاقِبَتِهِ الوَخِيمَةِ. ويُقالُ لَهُمْ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كُفْرانُ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتِتْباعُ النّاسِ في عِبادَةِ الأصْنامِ.

﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ لَيْسَ إلّا. فَلا بُدَّ لَكم مِن تَعاطِي ما يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَقْتَضِيهِ مِن أحْوالِكُمْ، بَلْ هي في الحَقِيقَةِ صُورَةٌ لِدُخُولِها، ومِثالٌ لَهُ حَسْبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ... إلَخْ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المَأْمُورِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، والوَعِيدِ الأكِيدِ. ما لا يُوصَفُ، أوْ قُلْ لَهم تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ، وتَعْبِيرًا عَمّا يُلْجِئُهم إلى ذَلِكَ تَمَتَّعُوا إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ انْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِما هم فِيهِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مِن قِبَلِ آمِرِ الشَّهْوَةِ. مُذْعِنُونَ لِحُكْمِهِ، مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ كَدَأْبِ مَأْمُورٍ ساعٍ في خِدْمَةِ آمِرٍ مُطاعٍ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى:"فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ" حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ، بَلْ هو جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ حالُكُمْ، فَإنْ دُمْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، وفِيهِ التَّهْدِيدُ، والوَعِيدُ لا في الأمْرِ.

14:31Page 259

قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١

[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَنْوِيهًا لَهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها. وتَرْكُ العاطِفِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما بِاعْتِبارِ المَقُولِ تَهْدِيدًا، وتَشْرِيفًا. والمَقُولُ هَهُنا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، أيْ: قُلْ لَهم أقِيمُوا، وأنْفِقُوا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: يُداوِمُوا عَلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ، وغايَةُ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ المَقُولُ يُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا بِحَذْفِ لامِ الأمْرِ عَنْهُما. وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ دُونَ الحَذْفِ في قَوْلِهِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا

. لِدَلالَةِ (قُلْ) عَلَيْهِ. وقِيلَ: هُما جَوابا أقِيمُوا، وأنْفِقُوا قَدْ أُقِيما مَقامَهُما، ولَيْسَ بِذاكَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ الأمْرِ المُقَدَّرِ، لا مِن جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ، أيْ: أنْفِقُوا إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ. والأحَبُّ في الإنْفاقِ إخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ، وإعْلانُ الواجِبِ. والمُرادُ: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى الشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والمالِيَّةِ، وتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِمَتاعِ الدُّنْيا، والرُّكُونِ إلَيْها، كَما هو صَنِيعُ الكُفْرِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَلافى بِهِ تَقْصِيرَهُ، أوْ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ؛ والمَقْصُودُ: نَفِيُ عَقْدِ المُعاوَضَةِ بِالمَرَّةِ، وتَخْصِيصُ البَيْعِ بِالذِّكْرِ، لِلْإيجازِ مَعَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العَقْدِ إذِ انْتِفاءُ البَيْعِ المُسْتَلْزِمِ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وانْتِفاؤُهُ بِما يُتَصَوَّرُ مَعَ تَحَقُّقِ الإيجابِ مِن قِبَلِ البائِعِ، ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةٌ فَيَشْفَعَ لَهُ خَلِيلٌ، أوْ يُسامِحَهُ بِمالٍ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا أثَرَ فِيهِ لِما لَهَجَوا بِتَعاطِيهِ مِنَ البَيْعِ (p-47)والمُخالَّةِ، ولا انْتِفاعَ بِذَلِكَ. وإنَّما الِانْتِفاعُ، والِارْتِفاقُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والظّاهِرُ أنَّ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْفِقُوا"، وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن فُقْدانِ الشَّفاعَةِ، وما يُتَدارَكُ بِهِ التَّقْصِيرُ مُعاوَضَةً، وتَبَرُّعًا، وانْقِطاعُ آثارِ البَيْعِ، والخِلالِ الواقِعَيْنِ في الدُّنْيا، وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِما: مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ، وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ ادِّخارَ المالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ، إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ، والمُهاداةِ، فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وتَخْصِيصُ التَّأْكِيدِ بِذَلِكَ لِمَيْلِ الطِّباعِ إلى المالِ، وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، والضِّنَّةِ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيْضًا مِن حَيْثُ إنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِالِاشْتِغالِ بِالبِياعاتِ، والمُخالّاتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقُرِئَ: بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى إرادَةِ النَّفْيِ العامِّ، ودَلالَةِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ هو وُقُوعُهُ في جَوابِ هَلْ فِيهِ بَيْعٌ، أوْ خِلالٌ؟

14:32Page 259

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢

It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ﴿والأرْضَ﴾ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابَرَةَ عَلى الشُّكْرِ، والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها، وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ بِها الواضِعِينَ مَوْضِعَها الكُفْرَ، والمَعاصِيَ. وفي جَعْلِ المُبْتَدَأِ الِاسْمَ الجَلِيلَ، والخَبَرَ الِاسْمَ المَوْصُولَ بِتِلْكَ الأفاعِيلِ العَظِيمَةِ مِن خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإنْزالِ الأمْطارِ، وإخْراجِ الثَّمَراتِ، وما يَتْلُوها مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ، ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ.

﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: السَّحابِ. فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوْ مِنَ الفَلَكِ، فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَبْتَدِئُ إلى السَّحابِ، ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ النُّصُوصِ، أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى الجَوِّ فَيَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا، وأيًّا ما كانَ فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ.

﴿ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِنُزُولِهِ، أوْ لِتَشْرِيفِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أعْطاهُ السُّلْطانُ مِن خِزانَتِهِ مالًا، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، إمّا لِأنَّ صِيَغَ الجُمُوعِ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُفْرَدِها جَماعَةُ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أُدْرِكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِ فُلانٍ.

﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ لَهُ، وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ شامِلٌ لِلْمَطْعُومِ، والمَلْبُوسِ. مَفْعُولًا لِأخْرَجَ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولًا، ورِزْقًا حالًا مِنهُ. أوْ مَصْدَرًا مِن أخْرَجَ بِمَعْنى: رَزَقَ. أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ، فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ، لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكم. إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثِّمارِ، ولا جَعَلَ كُلَّ الرِّزْقِ ثَمَرًا. وخُرُوجُ الثَّمَراتِ، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقدرته، لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى (p-48)بِإضافَةِ صُوَرِها، وكَيْفِيّاتِها عَلى المَوادِّ المُمْتَزِجَةِ مِنَ الماءِ والتُّرابِ، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً، وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ. وهو قادِرٌ عَلى إيجادِ الأشْياءِ بِلا أسْبابٍ، ومَوادَّ. كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ كَذَلِكَ لِما أنَّ لَهُ تَعالى في إنْشائِها مُدَرِّجًا مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ صَنائِعَ، وحِكَمًا يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا، وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قدرته لَيْسَ ذَلِكَ في إبْداعِها دَفْعَةً، وقَوْلُهُ: "لَكُمْ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "رِزْقًا" إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ. ومَفْعُولٌ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ بِأنْ أقْدَرَكم عَلى صَنْعَتِها، واسْتِعْمالِها بِما ألْهَمَكم كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ جَرْيًا تابِعًا لِإرادَتِكم ﴿بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَةِ الَّتِي نِيطَ بِها كُلُّ شَيْءٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُزاوَلَةِ الأعْمالِ، واسْتِعْمالِ الآلاتِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها المِياهُ العَظِيمَةُ الجارِيَةُ في الأنْهارِ العِظامِ كَما يُومِئُ إلَيْهِ ذِكْرُها عِنْدَ البَحْرِ فَتَسْخِيرُها جَعْلُها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِ النّاسِ، حَيْثُ يَتَّخِذُونَ مِنها جَداوِلَ يَسْقُونَ بِها زُرُوعَهُمْ، وجِنانَهُمْ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِها نَفْسُ الأنْهارِ فَتَسْخِيرُها تَيْسِيرُها لَهم.

14:33Page 259

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما، وإنارَتِهِما أصالَةً، وخِلافَةً، وإصْلاحِهِما لِما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكُمْ، ومَعاشِكُمْ، ولِعَقْدِ الثِّمارِ، وإنْضاجِها، ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْواعَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وأبْرَزَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْوِيهًا لِشَأْنِها، وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِها، وتَنْصِيصًا عَلى كَوْنِ كُلٍّ مِنها نِعْمَةً جَلِيلَةً مُسْتَوْجِبَةً لِلشُّكْرِ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّصْرِيفِ المُتَعَلِّقِ بِما ذُكِرَ مِنَ الفُلْكِ، والأنْهارِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، واللَّيْلِ، والنَّهارِ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ الإشْعارِ بِما فِيها مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ، وعِزَّةِ المَنالِ، والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّلْطانِ، وشِدَّةِ المِحالِ ما لا يَخْفى، وتَأْخِيرُ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنْ تَسْخِيرِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِ السَّمَواتِ مِنَ المُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ، لِاسْتِتْباعِ ذِكْرِها لِذِكْرِ الأرْضِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ إنْزالِ الماءِ مِنها إلَيْها المُوجِبِ لِذِكْرِ إخْراجِ الرِّزْقِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ الفُلْكِ، والأنْهارِ، أوْ لِلتَّفادِي عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الكُلُّ، أعْنِي: خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ نِعْمَةً واحِدَةً، كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском