Abu as-Su'udIbrahim · 14:34–41

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:34–41

14:34Page 260

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤

And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2

﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ: أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، والمَصْلَحَةِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ أوْ آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ونِيطَ بِهِ انْتِظامُ أحْوالِكم عَلى الوَجْهِ المُقَدَّرِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ كُلَّ ما طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ، أوْ كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ عَلى أنَّ مِن لِلْبَيانِ، وكَلِمَةُ كُلِّ لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وأتاهُ كُلُّ النّاسِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، وما لَمْ تَسْألُوهُ. فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ. وقُرِئَ: بِتَنْوِينِ كُلِّ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ، ومَحَلُّ ما سَألْتُمُوهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: آتاكم مِن كُلٍّ غَيْرَ سائِلِيهِ، ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ (p-49)الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا بِحَصْرِها، ولَوْ إجْمالًا، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ، وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَ بِها فَفِيهِ إيذانٌ بِعَدَمِ بُلُوغِ مَرْتَبَةٍ مُعْتَدٍّ بِها مِن مَراتِبِها فَضْلًا عَنْ بُلُوغِ غايَتِها كَيْفَ لا؟ وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ النّاسِ، وإنْ كانَ في أقْصى مَراتِبِ الفَقْرِ والإفْلاسِ مَمْنُوًّا بِأصْنافِ العَنايا، مُبْتَلًى بِأنْواعِ الرَّزايا، فَهو بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلْتَهُ ألْفَيْتَهُ مُتَقَلِّبًا في نِعَمٍ لا تُحَدُّ، ومِنَنٍ لا تُحْصى ولا تُعَدُّ. كَأنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ كُلَّ ساعَةٍ وآنٍ مِنَ النَّعْماءِ ما حَواهُ حِيطَةُ الإمْكانِ، وإنْ كُنْتَ في رَيْبٍ مِن ذَلِكَ فَقَدِّرْ أنَّهُ مَلَكَ مَلِكٌ أقْطارَ العالَمِ، ودانَتْ لَهُ كافَّةُ الأُمَمِ، وأذْعَنَتْ لِطاعَتِهِ السَّراةُ، وخَضَعَتْ لِهَيْبَتِهِ رِقابُ العُتاةِ، وفازَ بِكُلِّ مَرامٍ، ونالَ كُلَّ مَنالٍ، وحازَ جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ نِدٍّ يُزاحِمُهُ، ولا شَرِيكٍ يُساهِمُهُ، بَلْ قَدِّرْ أنَّ جَمِيعَ ما فِيها مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ يَواقِيتُ غالِيَةٌ، ونَفائِسُ دُرَرٍ، ثُمَّ قَدِّرْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِن فَقْدِ مَشْرُوبٍ، أوْ مَطْعُومٍ، في حالَةٍ بَلَغَتْ نَفْسُهُ الحُلْقُومَ. فَهَلْ يَشْتَرِي، وهو في تِلْكَ الحالِ بِجَمِيعِ مالِهِ مِنَ المُلْكِ، والمالِ لُقْمَةً تُنْجِيهِ عَنْ رِواهُ، أوْ شَرْبَةً تَرْوِيهِ مِن ظَماهُ، أمْ يَخْتارُ الهَلاكَ فَتَذْهَبَ الأمْوالُ، والأمْلاكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَبْقى عَلَيْهِ، ولا نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ؟ كَلّا بَلْ يَبْذُلُ لِذَلِكَ كُلَّ ما تَحْوِيهِ اليَدانِ كائِنًا ما كانَ، ولَيْسَ في صَفْقَتِهِ شائِبَةُ الخُسْرانِ، فَإذَنْ تِلْكَ اللُّقْمَةُ والشَّرْبَةُ خَيْرٌ مِمّا في الدُّنْيا بِألْفِ رُتْبَةٍ مَعَ أنَّهُما في طَرَفِ الثُّمامِ يَنالُهُما مَتى شاءَ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ. أوْ قَدِّرْ أنَّهُ قَدِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ النَّفَسُ، فَلا دَخَلَ مِنهُ ما خَرَجَ، ولا خَرَجَ مِنهُ ما ولَجَ. والحِينُ قَدْ حانَ، وأتاهُ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ، إمّا يُعْطِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِمُقابَلَةِ نَفَسٍ واحِدٍ، بَلْ يُعْطِيهِ وهو لِرَأْيِهِ حامِدٌ، فَإذَنْ هو خَيْرٌ مِن أمْوالِ الدُّنْيا بِحَمْلَتِها، ومَطالِبِها بِرُمَّتِها، مَعَ أنَّهُ أُبِيحَ لَهُ كُلَّ آنٍ مِن آناتِ اللَّيالِي والأيّامِ، حالَ اليَقَظَةِ والمَنامِ هَذا مِنَ الظُّهُورِ، والجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، وإنْ رُمْتَ العُثُورَ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ، والوُقُوفَ عَلى كُلِّ ما جَلَّ مِنَ السِّرِّ ودَقَّ، فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ المُمْكِنَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ، وما يُتْبِعُهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ، والمَلَكاتِ الرّائِقَةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ، ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ والبَوارِ، ومَهاوِي الهَلاكِ والدَّمارِ، لَكِنْ يَفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي، وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي مِن أنْواعِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ، ووُجُودِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، والنَّفْسانِيَّةِ، والجُسْمانِيَّةِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ، ويَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، وتَوْضِيحُهُ أنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ ابْتِداءً لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً، وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المُبْدِئِ الأوَّلِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ، لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ والدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ وشَرائِطُهُ، وإنْ وجَبَ كَوْنُها مُتَناهِيَةً لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ، لَكِنِ الأُمُورُ العَدَمِيَّةُ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وإنَّما الِاسْتِحالَةُ في دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ، فارْتِفاعُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى، أعْنِي بَقاءَها عَلى العَدَمِ مَعَ إمْكانِ وجُودِها في أنْفُسِها في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ وُجُودِهِ. نِعَمٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ حَقِيقَةً (p-50)لا ادِّعاءً، وكَذا الحال في وجُوداتِ عِلَلِهِ، وشَرائِطِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، ابْتِداءً وبَقاءً، وكَذا في كَمالاتِهِ التّابِعَةِ لِوُجُودِهِ فاتَّضَحَ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ كُلَّ آنٍ نِعَمٌ لا تَتَناهى مِن وُجُوهٍ شَتّى، فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ ما أعْظَمَ سُلْطانَكَ، لا تُلاحِظُكَ العُيُونُ بِأنْظارِها، ولا تُطالِعُكَ العُقُولُ بِأفْكارِها، شَأْنُكَ لا يُضاهى، وإحْسانُكَ لا يَتَناهى، ونَحْنُ في مَعْرِفَتِكَ حائِرُونَ، وفي إقامَةِ مَراسِمِ شُكْرِكَ قاصِرُونَ نَسْألُكَ الهِدايَةَ إلى مَناهِجِ مَعْرِفَتِكَ، والتَّوْفِيقَ لِأداءِ حُقُوقِ نِعْمَتِكَ، لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ.

﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ بِوَضْعِهِ إيّاها في غَيْرِ مَوْضِعِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلْحِرْمانِ ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو، ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ، يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. واللّامُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، ومِصْداقُ الحُكْمِ بِالظُّلْمِ والكُفْرانِ بَعْضُ مَن وُجِدا فِيهِ مِن أفْرادِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا... إلَخْ. دُخُولًا أوَّلِيًّا.

14:35Page 260

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ: مِن تَذْكِيرِهِ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِن مَقالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ التَّفْصِيلِ، والمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعْجِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أُسْكِنُهم مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى لِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاجْتِنابِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، والشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وسَألَهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، ويَرْزُقَهم مِنَ الثَّمَراتِ، وتَهْوِيَ قُلُوبُ النّاسِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ أوْبٍ سَحِيقٍ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وجَعْلَهُ حَرَمًا آمِنًا يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتَبْدَلُوا بِالبَلَدِ الحَرامِ دارَ البَوارِ، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا، وفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ أوْ آمِنًا أهْلُهُ، بِحَيْثُ لا يُخافُ فِيهِ عَلى ما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ هُناكَ البَلَدِيَّةُ، والأمْنُ مَعًا، وهَهُنا الأمْنُ فَقَطْ حَيْثُ جُعِلَ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْجَعْلِ، وجُعِلَ البَلَدُ صِفَةً لِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ. فَإنْ حُمِلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ أوَّلًا كِلا الأمْرَيْنِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في أحَدِهِما، وتَأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِهِ المُقَدَّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، ثُمَّ كَرَّرَ السُّؤالَ كَما هو المُعْتادُ في الدُّعاءِ، والِابْتِهالِ، أوْ كانَ المَسْؤُولُ أوَّلًا: مُجَرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسَّكَنِ كَما في سائِرِ البِلادِ، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ. وثانِيًا: الأمْنُ المَعْهُودُ. أوْ كُلُّهُ هو المَسْؤُولُ فِيهِما، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ أيْضًا، لَكِنَّ السُّؤالَ الثّانِيَ لِلِاسْتِدامَةِ والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِ الأمْنِ، وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ، وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ كَما هو المُتَبادِرُ، فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ، وقَدْ حُكِيَ أوَّلًا، واقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ لا لِمُجَرَّدِ أنْ نِعْمَةَ الأمْنِ أدْخَلُ في اسْتِيجابِ الشُّكْرِ، فَذِكْرُهُ أنْسَبُ بِمَقامِ تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ عَلى إغْفالِهِ، كَما قِيلَ: بَلْ لِأنَّ سُؤالَ البَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ إذِ المَسْؤُولُ هُوِيَّتُها إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا لِلْحَجِّ فَقَطْ. وهو عَيْنُ سُؤالٍ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ ما قَدِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَّةَ، كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-51)والسَّلامُ لَمّا أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ هُناكَ، وعادَ مُتَوَجِّهًا إلى الشّامِ، تَبِعَتْهُ هاجَرُ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: إلى مَن تَكِلُنا في هَذا البَلْقَعِ. وهو لا يَرُدُّ عَلَيْها جَوابًا، حَتّى قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَتْ: إذًا لا يُضَيِّعُنا فَرَضِيَتْ، ومَضى حَتّى إذا اسْتَوى عَلى ثَنِيَّةِ كَداءَ أقْبَلَ عَلى الوادِي. فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ الآيَةَ، وإنَّما فَصَّلَ ما بَيْنَهُما تَثْنِيَةً لِلِامْتِنانِ، وإيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِنهُما نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَتْبِعَةٌ لِشُكْرٍ كَثِيرٍ كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ.

﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ بَعِيدٍ، أيْ: ثَبِّتْنا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ومِلَّةِ الإسْلامِ، والبُعْدِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. وقُرِئَ: (وَأجْنِبْنِي) مِنَ الإفْعالِ، وهُما لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: جَنِّبْنِي شَرَّهُ، وأجْنِبْنِي شَرَّهُ. وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ: جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبَنِيهِ: أوْلادُهُ الصُّلْبِيَّةُ. فَلا احْتِجاجَ بِهِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلى أنَّ أحَدًا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْبُدِ الصَّنَمَ، وإنَّما كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ حَجَرٌ نَصَبُوهُ، وقالُوا هو حَجَرٌ، والبَيْتُ حَجَرٌ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِهِ، ويُسَمُّونَهُ الدَّوّارَ، فاسْتُحِبَّ أنْ يُقالَ: طافَ بِالبَيْتِ. ولا يُقالَ: دارَ بِالبَيْتِ. ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في القرآن العَظِيمِ مِن قَوارِعَ تَنْعِي عَلى قُرَيْشٍ عِبادَةَ الأصْنامِ، عَلى أنَّ فِيما ذَكَرَهُ كَرًّا عَلى ما فَرَّ مِنهُ.

14:36Page 260

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ أيِ: الأصْنامَ ﴿أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: تَسَبَّبْنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: " وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا " وهو تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ، وإنَّما صَدَّرَهُ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِاعْتِنائِهِ بِهِ، ورَغْبَةً في اسْتِجابَتِهِ.

﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ مِنهم فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ومِلَّةِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: بَعْضِي. قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُبالَغَةً في بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، أوْ مُتَّصِلٌ بِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ.

﴿وَمَن عَصانِي﴾ أيْ: لَمْ يَتْبَعْنِي. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعِصْيانِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الدَّعْوَةِ، وأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إنَّما هو لِعِصْيانِهِ، لا لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.

﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ خَلا أنَّ الوَعِيدَ قَضى بِالفَرْقِ بَيْنَهُ، وبَيْنَ غَيْرِهِ.

14:37Page 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا﴾ آثَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمِيرَ الجَماعَةِ، لا لِما قِيلَ مِن تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وذِكْرِ بَنِيهِ، وإلّا لَراعاهُ في قَوْلِهِ: "رَبِّ إنَّهُنَّ..." إلَخْ. بَلْ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدِّرَ بِهِ، وما أوْرَدَهُ بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ الآيَةَ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ، وإجابَةِ المَسْؤُولِ.

﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضُهُمْ، أوْ ذُرِّيَّةٌ مِن ذُرِّيَّتِي. فَحَذَفَ المَفْعُولَ، وهو إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما سَيُولَدُ لَهُ، فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ، مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ، رُوِيَ أنَّ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ لِسارَّةَ، فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ غارَتْ عَلَيْهِما، فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها. فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ زَمْزَمَ.

﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ لا يَكُونُ فِيهِ زَرْعٌ أصْلًا، وهو وادِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ﴿عِنْدَ (p-52)بَيْتِكَ﴾ ظَرْفٌ لَأسْكَنْتُ، كَقَوْلِكَ: صَلَّيْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ. لا أنَّهُ صِفَةٌ لِوادٍ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، إذِ المَقْصُودُ: إظْهارُ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ فُقْدانِ مَبادِئِهِ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِالتِجاءِ إلى جِوارِهِ الكَرِيمِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الحُرْمَةِ المُؤْذِنِ بِعِزَّةِ المُلْتَجَأِ، وعِصْمَتِهِ عَنِ المَكارِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُحَرَّمِ﴾ حَيْثُ حُرِّمَ التَّعَرُّضُ لَهُ، والتَّهاوُنُ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ في كُلِّ عَصْرٍ، أوْ مُنِعَ مِنهُ الطُّوفانُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا، وتَسْمِيَتُهُ إذْ ذاكَ بَيْتًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ، وإنَّما كانَ نَشْزًا، مِثْلَ: الرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ ذاتَ اليَمِينِ، وذاتَ الشِّمالِ، لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ ما سَيَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن بِنائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ يَنْزِعُ إلى اعْتِبارِ عُنْوانِ الحُرْمَةِ أيْضًا، كَذَلِكَ بَلْ، إنَّما هي بِاعْتِبارِ ما كانَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ تَعَدُّدَ بِناءِ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في كَمِّيَّةِ عَدَدِهِ، وقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبارِكِينَ بِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْكَنْتُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِ الدِّينِ لِفَضْلِها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ، وتَوْسِيطُهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاهْتِمامِ بِعَرْضِ أنَّ الغَرَضَ مِن إسْكانِهِمْ بِذَلِكَ الوادِي البَلْقَعِ، ذَلِكَ المَقْصِدُ الأقْصى، والمَطْلَبُ الأسْنى، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَةِ دُعائِهِ، وإعْطاءِ مَسْؤُولِهِ الَّذِي لا يَتَسَنّى ذَلِكَ المَرامُ إلّا بِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الفاءُ، فَقالَ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أفْئِدَةً مِن أفْئِدَتِهِمْ فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ، والرُّومُ. وأمّا ما زِيدَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، فَغَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ إذِ المَسْؤُولُ تَوْجِيهُ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا تَوْجِيهُها إلى البَيْتِ لِلْحَجِّ، وإلّا لَقِيلَ: تَهْوِي إلَيْهِ، فَإنَّهُ عَيْنُ الدُّعاءِ بِالبَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى، كَما مَرَّ. أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، أيْ: أفْئِدَةَ ناسٍ. وقُرِئَ: (آفَدَةً عَلى القَلْبِ)، كَآدَرَ في أدْؤُرٍ. أوْ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَدَتِ الرِّحْلَةُ، أيْ: عَجِلَتْ. أيْ: جَماعَةً مِنَ النّاسِ، وأفِدَةً بِطَرْحِ الهَمْزَةِ مِنَ الأفْئِدَةِ، أوْ عَلى النَّعْتِ مِن أفِدُ.

﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا. وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْواهُ غَيْرُهُ، وتَهْوِي مِن بابِ عَلِمَ. أيْ: تُحِبُّ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّوْقِ والنُّزُوعِ، وأوَّلُ آثارِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّتْ رُفْقَةٌ مِن جُرْهُمَ تُرِيدُ الشّامُ، فَرَأوُا الطَّيْرَ تَحُومُ عَلى الجَبَلِ، فَقالُوا: إنَّ هَذا الطّائِرَ لَعائِفٌ عَلى الماءِ فَأشْرَفُوا، فَإذا هم بِهاجِرَ، فَقالُوا لَها: إنْ شِئْتِ كُنّا مَعَكِ، وآنَسْناكِ، والماءُ ماؤُكِ. فَأذِنَتْ لَهُمْ، وكانُوا مَعَها إلى أنْ شَبَّ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وماتَتْ هاجَرُ، فَتَزَوَّجَ إسْماعِيلُ مِنهُمْ، كَما هو المَشْهُورُ ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أُسْكِنُهم هُناكَ، أوْ مَعَ مَن يَنْحازُ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ، وإنَّما لَمْ يَخُصَّ الدُّعاءَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ اكْتِفاءً بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ.

﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مِن أنْواعِها بِأنْ يَجْعَلَ بِقُرْبٍ مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ، أوْ يُجْبى إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ، وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما حَتّى إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ، والصَّيْفِيَّةُ، والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مَن أرْضِ فِلَسْطِينَ، فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، رَفَعَها اللَّهُ تَعالى، ووَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ، لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وأداءٍ سائِرِ مَراسِمَ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: اللّامُ في "لِيُقِيمُوا" لامُ الأمْرِ. والمُرادُ: أمْرُهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-53)بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، ولا يُناسِبُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْعَلْ..." إلَخْ. وفي دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، والمُحافَظَةِ عَلى قَوانِينَ الضَّراعَةِ، وعَرْضِ الحاجَةِ، واسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ، واسْتِجْلابِ الرَّأْفَةِ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ كَوْنِ الوادِي غَيْرَ ذِي زَرْعٍ بَيِّنَ كَمالَ افْتِقارِهِمْ إلى المَسْؤُولِ، وبِذِكْرِ كَوْنِ إسْكانِهِمْ عِنْدَ البَيْتِ المُحَرَّمِ أشارَ إلى أنَّ جِوارَ الكَرِيمِ يَسْتَوْجِبُ إفاضَةَ النَّعِيمِ. وبِعَرْضِ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ كَمالِ إعْوازِ مَرافِقِ المَعاشِ لِمَحْضِ إقامَةِ الصَّلاةِ، وأداءِ حُقُوقِ البَيْتِ، مَهَّدَ جَمِيعَ مَبادِئِ إجابَةِ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قُرِنَتْ دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحُسْنِ القَبُولِ.

14:38Page 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ مِنَ الحاجاتِ وغَيْرِها. والمُرادُ بِما نُخْفِي ما يُقابِلُ ما نُعْلِنُ، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِهِ الإخْفاءُ، أوْ لا. أيْ: تَعْلَمُ ما نُظْهِرُهُ، وما لا نُظْهِرُهُ، فَإنَّ علمه تعالى مُتَعَلِّقٌ بِما يَخْطِرُ بِبالِهِ مِمّا فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَنْ إخْفائِهِ، وتَقْدِيمُ ما نُخْفِي عَلى ما نُعْلِنُ لِتَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكَأنَّ تَعَلُّقَهُ بِما يَخْفى أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلِنُ إلّا وهو قَبْلَ ذَلِكَ خَفِيٌّ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وقَصْدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الحاجاتِ، وما هو مِن مَبادِئِها، وتَتِّماتِها لَيْسَ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَكَ، بَلْ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، والتَّخَشُّعِ لِعَظَمَتِكَ، والتَّذَلُّلِ لِعِزَّتِكَ، وعَرْضِ الِافْتِقارِ إلى ما عِنْدَكَ، والِاسْتِعْجالِ لِنَيْلِ أيادِيكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في الضَّراعَةِ، والِابْتِهالِ، وضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ علمه تعالى بِسِرِّهِ وعَلَنِهِ، بَلْ بِجَمِيعِ خَفايا المُلْكَ والمَلَكُوتِ، وقَدْ حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.

﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِما أنَّهُ العالِمُ بِالذّاتِ، فَما مِن أمْرٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ كائِنًا ما كانَ في زَمانٍ مِنَ الأزْمانِ، إلّا ووُجُودُهُ في ذاتِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما قالَ: "وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ..." إلَخْ. دُونَ أنْ يَقُولَ: "وَيَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ" تَحْقِيقًا لِما عَناهُ بِقَوْلِهِ: "تَعْلَمُ ما نُخْفِي" مِن أنَّ علمه تعالى بِذَلِكَ لَيْسَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ شائِبَةُ خَفاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى علمه تعالى، كَما يَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِ المَخْلُوقاتِ. وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: مِن شَيْءٍ كائِنٍ فِيهِما أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما، أوْ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، أوْ بِيَخْفى. وتَقْدِيمُ "الأرْضِ" عَلى "السَّماءِ" مَعَ تَوْسِيطِ لا بَيْنُهُما بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَدْعِينَ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا، والِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلصِّفاتِ، لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ والإيذانِ بِعُمُومِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِشَأْنٍ يُخْتَصُّ بِهِ، أوْ بِمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، فالمُناسِبُ ذِكْرُهُ تَعالى بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِمَبْدَأِ الكُلِّ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وارِدٌ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ لِتَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ومِن لِلِاسْتِغْراقِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

14:39Page 260

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩

Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: مَعَ كِبَرِي، ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ. قَيَّدَ الهِبَةَ بِهِ، اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ، وإظْهارًا لِشُكْرِها.

﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو (p-54)ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، أوْ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ﴿إنَّ رَبِّي﴾ ومالِكَ أمْرِي ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَهُ، إذا اعْتَدَّ بِهِ. وهي مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلِهِ بِإسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى مَجازًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ مِن تَتِمَّةِ الحَمْدِ، والشُّكْرِ، إذْ هو وصْفٌ لَهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الجَمِيلَ سُنَّتُهُ المُسْتَمِرَّةُ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّذْيِيلِ لِلْهِبَةِ المَذْكُورَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَضاعِيفِ النِّعْمَةِ فِيها حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ الدُّعاءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فاقْتَرَنَتِ الهِبَةُ بِقَبُولِ الدَّعْوَةِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ هِبَتِهِما لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ خاصَّةً، وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.

14:40Page 260

رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُثابِرًا عَلَيْها، مُعَدِّلًا لَها. وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ لِذَرِّيَّتِهِ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضِهِمْ مِنَ المَذْكُورِينَ، ومَن يَسِيرُ سِيرَتَهُما مِن أوْلادِهِما لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ، وذَرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ، وإنْ ذَكَرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، لا كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ إسْكانَهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ بِلا مُلابَسَةٍ لِمَن أسْكَنَهُ، إنَّما هو مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ التَّمْهِيدِ لِلدُّعاءِ، الَّذِي هو مَخْصُوصٌ بِذُرِّيَّتِهِ، وإنَّما خَصَّ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ، لِعِلْمِهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أيْ: دُعائِيَ هَذا، المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي، وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ، ثابِتِينَ عَلى ذَلِكَ، مُجْتَنِبِينَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ.

14:41Page 260

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِنِّي مِن تَرْكِ الأوْلى في بابِ الدِّينِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْلَمُ مِنهُ البَشَرُ.

﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ: بِالتَّوْحِيدِ ولِأبَوِيَّ. وهَذا الِاسْتِغْفارُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ قَبْلَ تَبَيُّنِ الأمْرِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقِيلَ: بِشَرْطِ الإسْلامِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ. وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ التَّوْبَةِ نَوْعُ تَحْقِيقٍ لِلْمَقامِ، وسَيَأْتِي تَمامُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ. ولِلْإيذانِ بِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ؛ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ.

﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: يَثْبُتُ، ويَتَحَقَّقُ مُحاسَبَةُ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ عَلى وجْهِ العَدْلِ. اسْتُعِيرَ لَهُ مِن ثُبُوتِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ بِالِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، والمُرادُ: تَهْوِيلُهُ. وقِيلَ: أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُ أهْلِهِ مَجازًا، أوْ حُذِفَ المُضافُ كَما فِي: واسْألِ القَرْيَةَ. واعْلَمْ أنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأدْعِيَةِ والأذْكارِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ، ولا عَلى وجْهِ المَعِيَّةِ، بَلْ صَدَرَ عَنْهُ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ حُكِيَ مُرَتَّبًا لِلدَّلالَةِ عَلى سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ أمْرِهِ في المِلَّةِ، وإرْشادِ النّاسِ إلَيْها، والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِمَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском