Abu as-Su'udIbrahim · 14:42–49

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:42–49

14:42Page 260

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢

And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمُرادُ: تَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ حُسْبانِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ولا تَكُونَنَّ مِنَ (p-55)المُشْرِكِينَ، ونَظائِرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ، حَتّى نُهِيَ عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ، أوْ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ حُسْبانِهِ تَعالى، تارِكًا لِعِقابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ العَفْوِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، والإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ بِمَنزِلَةِ حُسْبانِهِ تَعالى، غافِلًا عَنْ أعْمالِهِمْ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِعِقابِهِمْ لا مَحالَةَ، فَتَرْكُهُ لَوْ كانَ لِلْغَفْلَةِ عَمّا يُوجِبُهُ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَعْدٌ لَهُ أكِيدٌ، ووَعِيدٌ لِلْكُفْرِ، وسائِرِ الظّالِمِينَ شَدِيدٌ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَسْتَعْجِلُ عَذابَهُمْ، أوْ يَتَوَهَّمُ إهْمالَهم لِلْجَهْلِ بِصِفاتِهِ تَعالى، والِاغْتِرارِ بِإمْهالِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا عَمِلُوا، بَلْ مُعامَلَةَ مَن يُحافِظُ عَلى أعْمالِهِمْ، ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: أهْلُ مَكَّةَ مِمَّنْ عُدَّتْ مَساوِئُهم مِن تَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا، وإحْلالِ قَوْمِهِمْ دارَ البَوارِ، واتِّخاذِ الأنْدادِ. كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِحِكْمَةِ التَّأْخِيرِ المُنْبِئِ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ الآيَةَ. أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْياوِيَّةِ، ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهُمْ، حَسْبَما يُشاهِدُ. وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ، أيْ: دُمْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ، مِن عَدَمِ حُسْبانِهِ تَعالى غافِلًا عَنْ أعْمالِهِمْ، ولا تَحْزَنْ بِتَأْخِيرِ ما تَسْتَوْجِبُهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ إذْ تَأْخِيرُهُ لِلتَّشْدِيدِ، والتَّغْلِيظِ، أوْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى تارِكًا لِعُقُوبَتِهِمْ لِما تَرى مِن تَأْخِيرِها، إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذا، أوْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ، ولا يُؤاخِذُهم بِما عَمِلُوا لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ، إنَّما هو لِهَذِهِ الحِكْمَةِ. وقُرِئَ: بِالنُّونِ. وإيقاعُ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ المُؤَخَّرَ إنَّما هو عَذابُهم لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَفْظِيعِ الحالِ، بِبَيانِ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى العَذابِ، مُرْصَدُونَ لِأمْرٍ ما لا أنَّهم باقُونَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقَّهم مِنَ العَذابِ هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ، وأنْ لا يَبْقى مِنهم في الوُجُودِ عَيْنٌ، ولا أثَرٌ. ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤَخَّرَ لَهُ مِن جُمْلَةِ العَذابِ، وعُنْوانُهُ. ولَوْ قِيلَ: إنَّما يُؤَخِّرُ عَذابَهم ... إلَخْ. لَما فُهِمَ ذَلِكَ ﴿لِيَوْمٍ﴾ هائِلٍ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ تَرْتَفِعُ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمُ الكَفَرَةُ المَعْهُودُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: تَبْقى مَفْتُوحَةً، لا تَتَحَرَّكُ أجْفانُهم مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ، واعْتِبارُ عَدَمِ قَرارِها في أماكِنِها، إمّا بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ الحِسِّيِّ في جِرْمِ العَيْنِ، وإمّا بِجَعْلِ الصِّيغَةِ مَن شَخَصَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وسارَ في الِارْتِفاعِ.

14:43Page 261

مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ بِالخَوْفِ والذُّلِّ والخُشُوعِ، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْهِ، لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وحَيْثُ كانَ إدامَةُ النَّظَرِ هَهُنا بِالنَّظَرِ إلى الدّاعِي، قِيلَ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: رافِعِيها مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى شَيْءٍ، قالَهُ العُتْبِيُّ، وابْنُ عَرَفَةَ. أوْ ناكِسِيها. ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ، أيْ: طَأْطَأها، ونَكَسَها. فَهو مِنَ الأضْدادِ، وهُما حالانِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الأبْصارُ مِن أصْحابِها. والثّانِي: حالٌ مُتَداخِلَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأوَّلِ، وإضافَتُهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، فَلا يُنافِي الحالِيَّةَ، ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ تَحْرِيكُ أجْفانِهِمْ، حَسْبَما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كُلَّ لَحْظَةٍ، بَلْ تَبْقى أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أجْفانُهُمُ الَّتِي هي آلَةُ الطَّرْفِ، فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّجُوعِ إلى الطَّرْفِ مَجازِيًّا، أوْ هو نَفْسُ الجَفْنِ. قالَ الفَيْرُوزابادِيُّ: الطَّرَفُ: العَيْنُ لا يُجْمَعُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، أوِ اسْمٌ جامِعٌ لِلْعَيْنِ، أوْ لا يَرْجِعُ نَظَرُهم إلى أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى شَيْءٍ آخَرَ (p-56)فَيَبْقَوْنَ مَبْهُوتِينَ، وهو أيْضًا حالٌ، أوْ بَدَلٌ مِن مُقْنِعِي... إلَخْ. أوِ اسْتِئْنافٌ، والمَعْنى: لا يَزُولُ ما اعْتَراهم مِن شُخُوصِ الأبْصارِ، وتَأْخِيرُهُ عَمَّنْ هو مِن تَتَمَتِّهِ مِنَ الإهْطاعِ، والإقْناعِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الشُّخُوصِ المَذْكُورِ مِنَ المُناسَبَةِ لِتَرْبِيَةِ هَذا المَعْنى.

﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ، لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهَشِ، كَأنَّها نَفْسُ الهَواءِ الخالِي مِن كُلِّ شاغِلٍ، ومِنهُ قِيلٌ لِلْجَبانِ والأحْمَقِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا قُوَّةَ، ولا رَأْيَ فِيهِ، واعْتِبارُ خُلُوِّها عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهو إمّا حالٌ عامِلُها لا يَرْتَدُّ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ شُخُوصِ أبْصارِهِمْ، وعَدَمِ ارْتِدادِ طَرَفِهِمْ بِلا فَهْمٍ، ولا اخْتِيارٍ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

14:44Page 261

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤

And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1

﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إعْلامِهِ أنَّ تَأْخِيرَهم لِماذا؟ وأمْرٌ لَهُ بِإنْذارِهِمْ، وتَخْوِيفِهِمْ مِنهُ، والمُرادُ بِالنّاسِ: الكُفّارُ، المُعَبَّرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إتْيانِ العَذابِ، والعُدُولُ إلَيْهِ مِنَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْذارِ: هو الزَّجْرُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا التَّخْوِيفُ لِلْإزْعاجِ، والإيذاءِ. فالمُناسِبُ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ. أوِ النّاسُ جَمِيعًا، فَإنَّ الإنْذارَ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والإتْيانُ يُعِمُّهُما مِن حَيْثُ كَوْنُهُما في المَوْقِفِ، وإنْ كانَ لُحُوقُهُ بِالكُفّارِ خاصَّةً، أيْ: أنْذِرْهم وخَوِّفْهم.

﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ المَعْهُودُ: وهو اليَوْمُ الَّذِي وُصِفَ بِما لا يُوصَفُ مِنَ الأوْصافِ الهائِلَةِ. أعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالسَّكَراتِ، ولِقاءِ المَلائِكَةِ بِلا بُشْرى، أوْ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، ويَأْباهُ القَصْرُ السّابِقُ، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: فَيَقُولُونَ. والعُدُولُ عَنْهُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ ما لَقُوهُ مِنَ الشِّدَّةِ، إنَّما هو لِظُلْمِهِمْ، وإيثارُهُ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ حَسْبَما ذُكِرَ أوَّلًا لِلْإيذانِ بِأنَّ الظُّلْمَ في الجُمْلَةِ كافٍ في الإفْضاءِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأهْوالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الفاعِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالنّاسِ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ أيْضًا، فالمَعْنى: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ: الكُفّارُ. أوْ يَقُولُ كُلُّ مَن ظَلَمَ بِالشِّرْكِ، والتَّكْذِيبِ مِنَ المُنْذَرِينَ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ يَعُمُّهم كَما يَشْعُرُ بِذَلِكَ وعْدُهم بِاتِّباعِ الرُّسُلِ.

﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ رُدَّنا إلى الدُّنْيا وأمْهِلْنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٌ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ: الدَّعْوَةُ إلَيْكَ. أيْ: وإلى تَوْحِيدِكَ، أوْ دَعْوَتِكَ لَنا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم صَدَّقُوهم في أنَّهم مُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فِيما جاءُونا بِهِ، أيْ: نَتَدارَكُ ما فَرَّطْنا فِيهِ مِن إجابَةِ الدَّعْوَةِ، واتِّباعِ الرُّسُلِ، والجَمْعُ، إمّا بِاعْتِبارِ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى التَّوْحِيدِ، وكَوْنِ عِصْيانِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عِصْيانًا لَهم جَمِيعًا، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ ظالِمِي الأُمَمِ جَمِيعًا، والمَقْصُودُ: بَيانُ وعْدِ كُلِّ أُمَّةٍ بِاتِّباعِ رَسُولِها.

﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى "فَيَقُولُ" أيْ: فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا، وتَبْكِيتًا. ألَمْ تُؤَخَّرُوا في الدُّنْيا، ولَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ إذْ ذاكَ بِألْسِنَتِكم بَطَرًا، وأشَرًا وجَهْلًا، وسَفَهًا.

﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالحُظُوظِ الدُّنْياوِيَّةِ، أوْ بِألْسِنَةِ الحالِ حَيْثُ بَنَيْتُمْ مَشِيدًا (p-57)وَأمَّلْتُمْ بَعِيدًا، ولَمْ تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالِانْتِقالِ مِنها إلى هَذِهِ الحالَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِامْتِدادِ زَمانِ التَّأْخِيرِ، وبُعْدِ مَداهُ. أوْ ما لَكم مِن زَوالٍ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارٍ أُخْرى لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وصِيغَةُ الخِطابِ في جَوابِ القَسَمِ لِمُراعاةِ حالِ الخِطابِ في أقْسَمْتُمْ، كَما في قَوْلِهِ: حَلَفَ بِاللَّهِ لِيَخْرُجَنَّ، وهو أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ مِن أنْ يُقالَ: ما لَنا مُراعاةً لِحالِ المُقْسِمِ، ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ يُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى في أرْبَعٍ مِنها، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدَها أبَدًا، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ الآيَةَ. ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ﴾ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ، فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: اخسئوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، فَلا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَها أبَدًا، إنْ هو إلّا زَفِيرٌ وشَهِيقٌ. وعِنْدَ ذَلِكَ انْقَطَعَ رَجاؤُهُمْ، وأقْبَلَ بَعْضُهم يَنْبَحُ في وجْهِ بَعْضٍ، وأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ. اللَّهُمَّ إنّا بِكَ نَعُوذُ، وبِكَنَفِكَ نَلُوذُ، عَزَّ جارُكَ، وجَلَّ ثَناؤُكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ.

14:45Page 261

وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ مِنَ السُّكْنى، بِمَعْنى: التَّبَوُّؤِ والإيطانِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَ بِكَلِمَةِ في حَيْثُ قِيلَ: ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ جَرْيًا عَلى الأصْلِ، لِأنَّهُ مَنقُولٌ عَنْ مُطْلَقِ السُّكُونِ الَّذِي حَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِها، أوْ مِنَ السُّكُونِ واللُّبْثِ، أيْ: قَرَرْتُمْ في مَساكِنِهِمْ، مُطْمَئِنِّينَ، سائِرِينَ سِيرَتَهم في الظُّلْمِ والكُفْرِ والمَعاصِي، غَيْرَ مُحَدِّثِينَ لِأنْفُسِكم بِما لَقُوا، بِسَبَبِ ما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ، وفي إيقاعِ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما سَلَفَ إيذانًا بِأنَّ غائِلَةَ الظُّلْمِ آئِلَةٌ إلى صاحِبِهِ، والمُرادُ بِـ "هُمْ": إمّا جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الِاسْتِمْهالِ، والخِطابِ السّابِقِ بِالمُنْذَرِينَ، وإمّا أوائِلُهم مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ، عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها لِلْكُلِّ، وهَذا الخِطابُ وما يَتْلُوهُ بِاعْتِبارِ حالِ أواخِرِهِمْ.

﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ بِمُشاهَدَةِ الآثارِ، وتَواتُرِ الأخْبارِ ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ مِنَ الإهْلاكِ، والعُقُوبَةِ بِما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والفَسادِ؟ وكَيْفَ مَنصُوبٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلِ، ولَيْسَ الجُمْلَةُ فاعِلًا لِتَبَيَّنَ، كَما قالَهُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ، بَلْ فاعِلُهُ ما دَلَّتْ هي عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، أيْ: فَعَلْنا العَجِيبَ بِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: ما فَعَلْنا بِهِمْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وقُرِئَ: (وَبُيِّنَ).

﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ أيْ: بَيِّنًا لَكم في القرآن العَظِيمِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِالمُنْذَرِينَ، أوْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الظّالِمِينَ، صِفاتِ ما فَعَلُوا، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ، كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِكُلِّ ظالِمٍ لِتَعْتَبِرُوا بِها، وتَقِيسُوا أعْمالَكم عَلى أعْمالِهِمْ، ومَآلَكم عَلى مَآلِهِمْ، وتَنْتَقِلُوا مِن حُلُولِ (p-58)العَذابِ العاجِلِ إلى حُلُولِ العَذابِ الآجِلِ، فَتَرْتَدِعُوا عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ بَيَّنا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ، واسْتِحْقاقِ العَذابِ. والجُمَلُ الثَّلاثُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أقْسَمْتُمْ، أيْ: أقْسَمْتُمْ بِالخُلُودِ. والحالُ أنَّكم سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ بِظُلْمِهِمْ، وتَبَيَّنَ لَكَ فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ، ونَبَّهْناكم عَلى جَلِيَّةِ الحالِ بِضَرْبِ الأمْثالِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

14:46Page 261

وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦

And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ في فَعَلْنا بِهِمْ، أوْ مِنَ الثّانِي، أوْ مِنهُما جَمِيعًا، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في إبْطالِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا في عَمَلِهِ المَجْهُودَ، وجاوَزُوا فِيهِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، فالمُرادُ بَيانُ تَناهِيهِمْ في اسْتِحْقاقِ ما فُعِلَ بِهِمْ، أوْ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَذْكُورَ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ البَقاءِ، ومُدافِعَةِ أسْبابِ الزَّوالِ، فالمَقْصُودُ: إظْهارُ عَجْزِهِمْ، واضْمِحْلالُ قدرتهمْ، وحَقارَتُها عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ مَكْرِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ عَلى أنَّ المَكْرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ أخْذُهُ تَعالى بِهِمْ، عَلى أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا لِكَوْنِهِ بِمُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا وذِكْرًا، أوْ لِكَوْنِهِ في صُورَةِ المَكْرِ في الإتْيانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمُرادُ بِهِ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ لا أنَّهُ وعِيدٌ مُسْتَأْنِفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا، أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وعِنْدَ اللَّهِ جَزاؤُهُ، أوْ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، والمَقْصُودُ بَيانُ فَسادِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ باشَرُوا فِعْلًا مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ تَرْكَهُ.

﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ أيْ: وإنْ كانَ مَكْرُهم في غايَةِ المَتانَةِ والشِّدَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُسَوًّى ومُعَدًّا، لِإزالَةِ الجِبالِ عَنْ مَقارِّها لِكَوْنِهِ مَثَلًا في ذَلِكَ، والجُمْلَةُ المُصَدِّرَةُ بِـ "أنِ" الوَصْلِيَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ، والمَعْنى: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوِ المَكْرُ الَّذِي يَحِيقُ بِهِمْ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، وإنْ كانَ... إلَخْ. وقَدْ حُذِفَ ذَلِكَ حَذْفًا مُطَّرِدًا، لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ وُجُودِ المانِعِ القَوِيِّ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "إنِ" الوَصْلِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ. دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ . وقِيلَ: "إنْ" نافِيَةٌ و"اللّامُ" لِتَأْكِيدِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ . ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "وَما كانَ مَكْرُهُمْ" فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "مَكَرُوا" لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهم. والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وشَرائِعِهِ، ومُعْجِزاتِهِ الظّاهِرَةِ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الجِبالِ الرّاسِياتِ في الرُّسُوخِ. وأمّا كَوْنُها عِبارَةً عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمْرِ القرآن العَظِيمِ كَما قِيلَ. فَلا مَجالَ لَهُ إذِ الماكِرُونَ هُمُ المُهْلَكُونَ، لا السّاكِنُونَ في مَساكِنِهِمْ مِنَ المُخاطَبِينَ، وإنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُنْذَرِينَ. وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "إنَّ"، والمَعْنى: إنَّهُ كانَ مَكْرُهم لِيَزُولَ مِنهُ ما هو كالجِبالِ في الثَّباتِ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الآياتِ، والشَّرائِعِ، والمُعْجِزاتِ. والجُمْلَةُ كَما هي حالٌ مِن ضَمِيرِ مَكَرُوا، أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَعْهُودَ، وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم لِإزالَةِ الآياتِ، والشَّرائِعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ، وكانَ شَأْنُ الآياتِ، والشَّرائِعِ مانِعًا مِن مُباشَرَةِ المَكْرِ (p-59)لِإزالَتِهِ. وقَدْ قَرَأ الكِسائِيُّ "لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها الفارِقَةُ، والمَعْنى: تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ، فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" أيْ: عِنْدَهُ تَعالى جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوِ المَكْرُ بِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكْرَهم بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: في غايَةِ الشِّدَّةِ، وقُرِئَ: بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفَتْحُ لامَ "كَيْ". وقُرِئَ: وإنَّ كادَ مَكْرُهم هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ويَنْساقُ إلَيْهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في "مَكَرُوا" لِلْمُنْذَرِينَ، والمُرادُ بِمَكْرِهِمْ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ. وغَيْرُهُ مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا ..." إلَخْ. حالًا مِنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، أيْ: فَيُقالُ لَهم ما يُقالُ، والحالُ أنَّهم مَعَ ما فَعَلُوا مِنَ الإقْسامِ المَذْكُورِ مَعَ ما يُنافِيهِ مِنَ السُّكُونِ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ، وتَبَيُّنِ أحْوالِهِمْ، وضَرْبِ الأمْثالِ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، أيْ: لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ الَّذِي وُبِّخُوا بِهِ، بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" حالٌ مِن ضَمِيرِ "مَكَرُوا" حَسْبَما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ" مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ تَفاوُتِ الحالِ في تَحْقِيقِ الجَزاءِ بَيْنَ كَوْنِ مَكْرِهِمْ قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا كَما مَرَّ هُناكَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ أنْ نافِيَةً، فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِ مَكَرُوا، والجِبالُ عِبارَةٌ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، أيْ: وقَدْ مَكَرُوا. والحالُ أنَّ مَكْرَهم ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ هاتِيكَ الشَّرائِعُ، والآياتُ الَّتِي هي في القُوَّةِ كالجِبالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مُخَفِّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ مَكْسُورَةٌ يَكُونُ حالًا مِنهُ أيْضًا عَلى مَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَكْرَ العَظِيمَ مِنهُمْ، كانَ لِهَذا الغَرَضِ عَلى مَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ لِما أنَّ شَأْنَ الشَّرائِعِ أعْظَمُ مِن أنْ يَمْكُرَ بِها ماكِرٌ، وعَلى تَقْدِيرِ فَتْحِ اللّامِ فَهُوَ: حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" كَما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.

فَلْيُتَأمَّلْ:

14:47Page 261

فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧

So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ ما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِالتَّعْذِيبِ لا سِيَّما الأُخْرَوِيُّ، بَلْ ما سَلَفَ آنِفًا مِن وعْدِهِ بِتَعْذِيبِ الظّالِمِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الآيَةَ. كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّهْيِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والتَّيَقُّنِ بِإنْجازِ وعْدِهِ المَذْكُورِ المَقْرُونِ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ يَوْمَ إتْيانِ العَذابِ المُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ تَعْذِيبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ رُسُلَهُمْ، بَعْدَ ما وعَدَهم بِذَلِكَ. كَما فُصِّلَتْ قِصَّةُ كُلٍّ مِنهم في القرآن العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قَدْ وعَدْناكَ بِعَذابِ الظّالِمِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأخْبَرْناكَ بِما يَلْقَوْنَهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وبِما يَسْألُونَهُ مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا، وبِما أجَبْناهم بِهِ وقَرَّعْناهم بِعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ في أحْوالِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم بِظُلْمِهِمْ بَعْدَ ما وعَدْنا رُسُلَهم بِإهْلاكِهِمْ، فَدُمْ عَلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ بِعَدَمِ إخْلافِنا رُسُلَنا وعْدَنا ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ، وقادِرٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، وتَذْيِيلٌ لَهُ، وحَيْثُ كانَ الوَعْدُ عِبارَةً عَمّا ذَكَرْنا مِن تَعْذِيبِهِمْ خاصَّةً لَمْ يُذَيَّلْ، بِأنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، بَلْ تَعَرَّضَ لِوَصْفِ العِزَّةِ والِانْتِقامِ المُشْعِرِينَ بِذَلِكَ. والمُرادُ بِالِانْتِقامِ: ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالفِعْلِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَكْرِ.

14:48Page 261

يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,

(p-60)﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنِفٌ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ المَذْكُورُ، أيْ: يُنْجِزُهُ يَوْمَ... إلَخْ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، نَحْوُ: وارْتَقِبْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، أوْ لِانْتِقامٍ. وهو يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لَهُ أحْوالٌ جَمَّةٌ يُذْكَرُ كُلَّ مَرَّةٍ بِعُنْوانٍ مَخْصُوصٍ، والتَّقْيِيدُ بِهِ مَعَ عُمُومِ انْتِقامِهِ لِلْأوْقاتِ كُلِّها، لِلْإفْصاحِ عَمّا هو المَقْصُودُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ المُؤَخَّرِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، أوْ نُصِبَ بِاذْكُرْ أوْ بِإضْمارِ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ يَوْمَ تُبَدَّلُ ... إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا ما في الوَجْهِ الثّالِثِ مِنَ الحاجَةِ إلى الِاعْتِذارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقَوْلِهِ: "مُخْلِفَ وعْدِهِ"؛ لِأنَّ ما قَبْلَ "إنَّ" لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مانِعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ" جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، فَلا يُبالى بِها فاصِلًا، واعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها". وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ، كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا غَيَّرْتَ شَكْلَها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُبَدَّلُ الأرْضُ بِأرْضٍ، كالفِضَّةِ بَيْضاءَ نَقِيَّةٍ، لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ، ولَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ، وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها. وأنْشَدَ:

؎ وما النّاسُ بِالنّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتَهم وما الدّارُ بِالدّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْلَمُ

وَتُبَدَّلُ السَّمَواتُ بِانْتِثارِ كَواكِبِها، وكُسُوفِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وانْشِقاقِها، وكَوْنِها أبْوابًا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: " «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ، لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا» ".

﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ: وتُبَدِّلُ السَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، حَسْبَما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ. وتَقْدِيمُ تَبْدِيلِ الأرْضِ لِقُرْبِها مِنّا، ولِكَوْنِ تَبْدِيلِها أعْظَمَ أثَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا.

﴿وَبَرَزُوا﴾ أيِ: الخَلائِقُ أوِ الظّالِمُونَ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِمَعُونَةِ السِّباقِ. والمُرادُ: بُرُوزُهم مِن أجْداثِهِمُ الَّتِي في بُطُونِ الأرْضِ، أوْ ظُهُورُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها سِرًّا، ويَزْعُمُونَ أنَّها لا تَظْهَرُ، أوْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ، ولَعَلَّ إسْنادَ البُرُوزِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ لِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِتَشَكُّلِهِمْ بِأشْكالٍ تُناسِبُها، وهو مَعْطُوفٌ عَلى تُبَدَّلُ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، والرّابِطُ بَيْنَها وبَيْنَ صاحِبِها "الواوُ" ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ، والتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفَيْنِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإظْهارِ بُطْلانِ الشِّرْكِ، وتَحْقِيقُ الِانْتِقامِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لَهُ، وتَحْقِيقُ إتْيانِ العَذابِ المَوْعُودِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن "يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ"، فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُعارُ، وقادِرٌ لا يُضارُّ، ولا يُغارُّ. كانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ.

14:49Page 261

وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩

And you will see the criminals that Day bound together in irons,

﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى بَرَزُوا، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا البُرُوزُ فَهو دَفْعِيٌّ (p-61)لا اسْتِمْرارَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حالِيَّةِ بَرَزُوا فَهو مَعْطُوفٌ عَلى تُبَدَّلُ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يُنْجِزُهُ.

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ بَرَزُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ يَوْمَ إذْ تُبَدَّلُ الأرْضُ، أوْ يَوْمَ إذْ يُنْجِزُ وعْدَهُ.

﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ حَسْبَ اقْتِرانِهِمْ في الجَرائِمِ، والجَرائِرِ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، أوْ قُرِنُوا مَعَ ما اقْتَرَفُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ غِبَّ تَصَوُّرِ كُلٍّ مِنها، وتُشَكُّلِهِما بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ المُوحِشَةِ، والأشْكالِ الهائِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ، وهو حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ.

﴿فِي الأصْفادِ﴾ في القُيُودِ، أوِ الأغْلالِ، وهو إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مُقَرَّنِينَ"، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: مُصَفَّدِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском