Abu as-Su'udIbrahim · 14:50–52

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:50–52

14:50Page 261

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ٥٠

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire

﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ: قُمْصانُهم ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في مُقَرَّنِينَ، رابِطَتُها الضَّمِيرُ فَقَطْ كَما في كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى فِي، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والقَطِرانُ: ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِما فِيهِ مِنَ الحِدَّةِ الشَّدِيدَةِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى الجَوْفِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ يُسْرِعُ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، يُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ، حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ لَهم كالسَّراوِيلِ. لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الألْوانُ الأرْبَعَةُ مِنَ العَذابِ لَذْعُهُ، وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ المُوحِشُ والنَّتَنُ. عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُشاهِدُهُ، وبَيْنَ النّارَيْنِ لا يَكادُ يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَكَأنَّ ما نُشاهِدُهُ مِنهُما أسْماءُ مُسَمَّياتِها في الآخِرَةِ فَبِكَرَمِهِ العَمِيمِ نَعُوذُ، وبِكَنَفِهِ الواسِعِ نَلُوذُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلِكاتِ الرَّدِّيَةِ، والهَناتِ الوَحْشِيَّةِ فَتَجْلُبُ إلَيْها الآلامَ والغُمُومَ، بَلْ وأنْ يَكُونَ القَطِرانُ المَذْكُورُ عَيْنَ ما لابَسُوهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ، وجَعَلُوهُ شِعارًا لَهم مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُسْتَجْلِبَةِ لِفُنُونِ العَذابِ. قَدْ تَجَسَّدَتْ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِاشْتِدادِ العَذابِ، عَصَمَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ، ولُطْفِهِ. وقُرِئَ: (مِن قَطِرانٍ) أيْ: نُحاسٍ مُذابٍ مُتَناهٍ حَرُّهُ، ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ: تَعْلُوها، وتُحِيطُ بِها النّارُ الَّتِي تَمَسُّ جَسَدَهُمُ المُسَرْبَلَ بِالقَطِرانِ. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مَعَ عُمُومِهِ لِسائِرِ أعْضائِهِمْ لِكَوْنِها أعَزَّ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ، وأشْرَفَها كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ ...﴾ " إلَخْ. ولِكَوْنِها مَجْمَعَ المَشاعِرِ، والحَواسِّ الَّتِي خُلِقَتْ لِإدْراكِ الحَقِّ، وقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَعْمِلُوها في تَدْبِيرِهِ. كَما أنَّ الفُؤادَ أشْرَفُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ، ومَحَلُّ المَعْرِفَةِ، وقَدْ مَلَئُوها بِالجَهالاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أوْ لِخُلُوِّها عَنِ القَطِرانِ المُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَشَيانِ النّارِ لَها، ولَعَلَّ تَخْلِيَتَها عَنْهُ لِيَتَعارَفُوا عِنْدَ انْكِشافِ اللَّهَبِ أحْيانًا، ويَتَضاعَفُ عَذابُهم بِالخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ. وقُرِئَ: (تَغَشّى)، أيْ: تَتَغَشّى بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ لا عَلى أنَّ الواوَ حالِيَّةٌ؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، بَلْ عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ.

14:51Page 261

لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٥١

So that Allāh will recompense every soul for what it earned. Indeed, Allāh is swift in account.

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ مُجْرِمَةٍ ﴿ما كَسَبَتْ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، والمَعاصِي جَزاءً مُوافِقًا لِعَمَلِها. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ جَزاءَهم مُناسِبٌ لِأعْمالِهِمْ، أوْ بِقَوْلِهِ: "بَرَزُوا" (p-62)عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى تُبَدَّلُ، والضَّمِيرُ لِلْخَلْقِ. وقَوْلُهُ: "وَتَرى المُجْرِمِينَ..." إلَخِ. اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ بِهِ، أيْ: بَرَزُوا لِلْحِسابِ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مُطِيعَةٍ، أوْ عاصِيَةٍ، ما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ عِقابِ العُصاةِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ سَبْقِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُتِمُّهُ في أعْجَلِ ما يَكُونُ مِنَ الزَّمانِ فَيُوَفِّي الجَزاءَ بِحَسْبِهِ، أوْ سَرِيعُ المَجِيءِ يَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ، أوْ سَرِيعُ الِانْتِقامِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

14:52Page 261

هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٢

This [Qur’ān] is notification for the people that they may be warned thereby and that they may know that He is but one God and that those of understanding will be reminded.

﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

﴿بَلاغٌ﴾ كِفايَةٌ في العِظَةِ، والتَّذْكِيرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ما انْطَوى عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، أوْ كُلُّ القرآن المَجِيدِ مِن فُنُونِ العِظاتِ، والقَوارِعِ ﴿لِلنّاسِ﴾ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، عَلى تَقْدِيرِ: اخْتِصاصِ الإنْذارِ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ أوْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً عَلى تَقْدِيرِ: شُمُولِهِ لَهم أيْضًا، وإنْ كانَ ما شُرِحَ مُخْتَصًّا بِالظّالِمِينَ.

﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ، أيْ: كِفايَةٌ لَهم في أنَّ يَنْصَحُوا، ويُنْذَرُوا بِهِ، أوْ هَذا بَلاغٌ لَهم لِيَفْهَمُوهُ، ولِيُنْذَرُوا بِهِ، عَلى أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى: الإبْلاغُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ولِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ، أوْ تُلِيَ، وقُرِئَ: لِيَنْذَرُوا بِهِ مِن نَذِرَ الشَّيْءَ، إذا عَلِمَهُ وحَذِرَهُ واسْتَعَدَّ لَهُ.

﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بِالتَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي إهْلاكُ الأُمَمِ، وإسْكانُ آخَرِينَ مَساكِنَهم وغَيْرُهُما مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ ﴿أنّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى التَّأمُّلِ المُؤَدِّي إلى ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ العِلْمِ المَذْكُورِ، والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألباب﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وغَيْرِهِ مِن شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومُعامَلَتِهِ مَعَ عِبادِهِ، فَيَرْتَدِعُوا عَمّا يُرْدِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها الكُفّارُ، ويَتَدَرَّعُوا بِما يُحْظِيهِمْ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وفي تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألباب تَلْوِيحٌ بِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالكُفّارِ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِهَذا ما ذَكَرْنا مِنَ القَوارِعِ المَسُوقَةِ لِشَأْنِهِمْ لا كُلُّ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، وعَلى ما سَبَقَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّ فِيهِ ما يُفِيدُهم فائِدَةً جَدِيدَةً، وحَيْثُ كانَ ما يُفِيدُهُ البَلاغُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَفَرَةِ أمْرًا حادِثًا. وبِالنِّسْبَةِ إلى أُولِي الألباب الثَّباتَ عَلى ذَلِكَ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ: بِالعِلْمِ. وعَنِ الثّانِي: بِالتَّذْكِيرِ. ورُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَتْمِ بِالحُسْنى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ، خَتَمَ اللَّهُ لَنا بِالسَّعادَةِ والحُسْنى، ورَزَقَنا الفَوْزَ بِمَرْضاتِهِ في الأُولى والعُقْبى آمِينَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ إبْراهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن عَبَدَ الأصْنامَ، ومَن لَمْ يَعْبُدْهُ» ". والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском