Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:11–31
15:11Page 262
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١
And no messenger would come to them except that they ridiculed him.
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ المُرادُ نَفْيُ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِشِيعَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، لا نَفْيُ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الشِّيَعِ جَمِيعًا، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، فَإنَّ ما لا تَدْخُلُ في الأغْلَبِ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو في مَعْنى الحالِ، ولا عَلى ماضٍ إلّا وهو قَرِيبٌ مِنَ الحالِ، أيْ: ما أتى شِيعَةً مِن تِلْكَ الشِّيَعِ رَسُولٌ خاصٌّ بِها ﴿إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في يَأْتِيهِمْ إذا كانَ المُرادُ بِالإتْيانِ: حُدُوثَهُ. أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ رَسُولٍ، فَإنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: إلّا رَسُولٌ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، وأمّا الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ، بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. فَيُفْضِي إلى زِيادَةِ مِنَ الِاسْتِغْراقِيَّةِ في الإثْباتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الوَصْفِيَّةِ، بِأنْ يُقَدَّرَ المَوْصُوفُ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، وإنْ كانَ المُخْتارُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِيَّةِ، وهَذا كَما تَرى تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ الجُهّالِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَيْثُ كانَ الرَّسُولُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى تَضَمَّنَ ذِكْرَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرَّسُولِ اسْتِهْزاءَهم بِالكِتابِ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
15:12Page 262
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢
Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن إلْقاءِ الوَحْيِ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ الَّذِي سَلَكْناهُ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِرُسُلِهِمْ، وبِما جاءُوا بِهِ مِنَ الكُتُبِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أيِ: الذِّكْرَ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: أهْلِ مَكَّةَ، أوْ جِنْسِ المُجْرِمِينَ. فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: نَسْلُكُهُ سَلْكًا مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ، أوْ نَسْلُكُ السَّلْكَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَهُ، أيْ: مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لِما تَقْضِيهِ الحِكْمَةُ، فَإنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلانِ لَيْسَ لَهُمُ اسْتِحْقاقٌ لِقَبُولِ الحَقِّ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِكَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ مُقَدَّرًا في الوُجُودِ، وهو السَّلْكُ الواقِعُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والسَّلْكُ: إدْخالُ الشَّيْءِ في آخَرَ. يُقالُ: سَلَكْتُ الخَيْطَ في الإبْرَةِ (p-70)والرُّمْحَ في المَطْعُونِ.
15:13Page 262
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ حالٌ مِن ضَمِيرِ نَسْلُكُهُ، أيْ: غَيْرُ مُؤْمَنٍ بِهِ، أوْ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلِاسْتِهْزاءِ فَيَتَعَيَّنُ البَيانِيَّةُ إلّا أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ أيْضًا لَهُ، عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: نَسْلُكُ الِاسْتِهْزاءَ في قُلُوبِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمُلابَسَتِهِ. والحالُ إمّا مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُقارِنَةٌ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُفْرَهم مُقارِنٌ لِلْإلْقاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: قَدْ مَضَتْ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي سَنَّها اللَّهُ تَعالى في إهْلاكِهِمْ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، والِاسْتِهْزاءِ. وهو اسْتِئْنافٌ جِيءَ لَهُ تَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
15:14Page 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,
﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ المُعانِدِينَ ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: بابًا ما لا بابًا مِن أبْوابِها المَعْهُودَةِ، كَما قِيلَ: ويَسَّرْنا لَهُمُ الرُّقِيَّ والصُّعُودَ إلَيْهِ، ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ في ذَلِكَ البابِ ﴿يَعْرُجُونَ﴾ بِآلَةٍ أوْ بِغَيْرِها، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ العَجائِبِ عِيانًا، كَما يُفِيدُهُ الظُّلُولُ، أوْ فَظَلَّ المَلائِكَةُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إتْيانَهم يَعْرُجُونَ في ذَلِكَ البابِ، وهم يَرَوْنَهُ عِيانًا، مُسْتَوْضِحِينَ طُولَ نَهارِهِمْ.
15:15Page 262
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."
﴿لَقالُوا﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ، وتَفادِيهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ أيْ: سُدَّتْ مِنَ الإحْساسِ مِنَ السُّكْرِ. كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ. أوْ حُيِّرَتْ كَما يُعَضُّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ سَكِرَتْ أيْ: حارَتْ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ -ﷺ- كَما قالُوهُ عِنْدَ ظُهُورِ سائِرِ الآياتِ الباهِرَةِ، وفي كَلِمَتَيِ الحَصْرِ والإضْرابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَبُتُّونَ القَوْلَ بِذَلِكَ، وأنَّ ما يَرَوْنَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وإنَّما هو أمْرٌ خُيِّلَ إلَيْهِمْ بِالسحر. وفي اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها، وإيرادُها بَعْدَ تَسْكِيرِ الأبْصارِ لِبَيانِ إنْكارِهِمْ لِغَيْرِ ما يَرَوْنَهُ، فَإنَّ عُرُوجَ كُلٍّ مِنهم إلى السَّماءِ، وإنْ كانَ مَرْئِيًّا لِغَيْرِهِ؛ فَهو مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الوِجْدانِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأبْصارِ، فَهم يَدَّعُونَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ السحر غَيْرُ تَسْكِيرِ الأبْصارِ.
15:16Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قُصُورًا يَنْزِلُها السَّيّاراتُ: وهي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ المُخْتَلِفَةُ الهَيْئاتِ، والخَواصِّ، حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتَّجْرِبَةُ مَعَ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن بَساطَةِ السَّماءِ. و "الجَعْلُ" إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ، وهو الظّاهِرُ. فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلْنا بُرُوجًا كائِنَةً في السَّماءِ.
﴿وَزَيَّنّاها﴾ أيِ السَّماءَ بِتِلْكَ البُرُوجِ المُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ، والكَواكِبِ سَيّاراتٍ كانَتْ، أوْ ثَوابِتَ.
﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ إلَيْها. فَمَعْنى التَّزْيِينِ ظاهِرٌ، أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةِ مُقَدِّرِها، وحِكْمَةِ مُدَبِّرِها، فَتَزْيِينُها تَرْتِيبُها عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ مُسْتَتْبَعٍ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ.
15:17Page 263
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]
﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ (p-71)شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ مَرْمِيٍّ بِالنُّجُومِ فَلا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ إلَيْها، ويُوَسْوِسَ في أهْلِها، ويَتَصَرَّفَ فِيها، ويَقِفَ عَلى أحْوالِها.
15:18Page 263
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إنْ فُسِّرَ الحِفْظُ بِمَنعِ الشَّياطِينِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها عَلى الإطْلاقِ، والوُقُوفِ عَلى ما فِيها في الجُمْلَةِ، أوِ المُنْقَطِعِ إنْ فُسِّرَ ذَلِكَ بِالمَنعِ عَنْ دُخُولِها، والتَّصَرُّفِ فِيها. عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَمَواتٍ، ولَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّمَواتِ كُلِّها. واسْتِراقُ السَّمْعِ: اخْتِلاسُهُ سِرًّا، شُبِّهَ بِهِ خَطْفَتُهُمُ اليَسِيرَةُ مِن قُطّانِ السَّمَواتِ بِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ، أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِنَ الأوْضاعِ.
﴿فَأتْبَعَهُ﴾ أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ ﴿شِهابٌ﴾ لَهَبٌ مُحْرِقٌ، وهو شُعْلَةُ نارٍ ساطِعَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الكَواكِبِ، والسِّنّانِ لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِلْمُبْصِرِينَ. قالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ. وإنَّ النَّجْمَ يَنْقَضُّ، ويُرْمى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَقْتُلُهُ، أوْ يَخْبِلُهُ لِئَلّا يَعُودُ إلى اسْتِراقِ السَّمْعِ، ثُمَّ يَعُودُ إلى مَكانِهِ. قالَ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ ... الآيَةَ. قالَ: غُلِّظَتْ، وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ في شِدَّةِ الحِراسَةِ كَما بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ الشَّياطِينَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا إلى السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَيُرْمَوْنَ بِالكَواكِبِ فَلا يُخْطِئُ أبَدًا فَمِنهم مَن يَقْتُلُهُ، ومِنهم مَن يَحْرِقُ وجْهَهُ وجَنْبَهُ ويَدَهُ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَن يَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا، فَيُضِلُّ النّاسَ في البَوادِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الشِّهابَ هَلْ يَقْتُلُ، أمْ لا؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَجْرَحُ، ويُحْرِقُ، ويَخْبِلُ، ولا يَقْتُلُ. وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ. قالَ: والأوَّلُ أصَحُّ.
15:19Page 263
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩
And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ بَسَطْناها، وهو بِالنَّصْبِ عَلى الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِالرَّفْعِ لِرُجْحانِ النَّصْبِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا...﴾ إلَخْ. ولِيُوافِقَ ما بَعْدَهُ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في أوَّلِ الرَّعْدِ.
﴿وَأنْبَتْنا فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ، أوْ فِيها وفي رَواسِيها، ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ ذاتًا، وصِفَةً، ومِقْدارًا. وقِيلَ: ما يُوزَنُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٍ مُناسِبٍ، أوْ ما يُوزَنُ ويُقَدَّرُ مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ.
15:20Page 263
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1
﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَلابِسِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ البَقاءُ. وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ. وقُرِئَ: بِالهَمْزَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالشَّمائِلِ.
﴿وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعايِشَ، أوْ عَلى مَحَلِّ لَكُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلْنا لَكم مَعايِشَ، وجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ بِرازِقِيهِ مِنَ العِيالِ والمَمالِيكِ والخَدَمِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها، عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ. وذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ لَرَدِّ حُسْبانِهِمْ أنَّهم يُكْفَوْنَ مُؤْناتِهِمْ، ولِتَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَرْزُقُهم وإيّاهُمْ، أوْ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ، ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.
15:21Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
(p-72)﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ﴾ "إنْ" لِلنَّفْيِ و "مِن" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، و "شَيْءٍ" في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وخَزائِنُهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى أنَّهُ فاعِلُهُ لِاعْتِمادِهِ، أوْ خَبَرٌ لَهُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. والخَزائِنُ: جَمْعُ الخِزانَةِ: وهي ما يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأمْوالِ لا غَيْرُ، غَلَبَ في العُرْفِ عَلى ما لِلْمُلُوكِ والسَّلاطِينِ مِن خَزائِنِ أرْزاقِ النّاسِ، شُبِّهَتْ مَقْدُوراتُهُ تَعالى الفائِتَةُ لِلْحَصْرِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ قدرته الشّامِلَةِ، في كَوْنِها مَسْتُورَةً عَنْ عُلُومِ العالَمِينَ، ومَصُونَةً عَنْ وُصُولِ أيْدِيهِمْ مَعَ كَمالِ افْتِقارِهِمْ إلَيْها، ورَغْبَتِهِمْ فِيها، وكَوْنِها مُهَيَّأةً مُتَأتِّيَةً لِإيجادِهِ، وتَكْوِينِهِ. بِحَيْثُ مَتى تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِوُجُودِها وُجِدَتْ بِلا تَأخُّرٍ بِنَفائِسِ الأمْوالِ المَخْزُونَةِ في الخَزائِنِ السُّلْطانِيَّةِ. فَذِكْرُ الخَزائِنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
﴿وَما نُنَزِّلُهُ﴾ أيْ: ما نُوجِدُ، وما نُكَوِّنُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ: إلّا مُلْتَبِسًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَسْتَدْعِيهِ المَشِيئَةُ التّابِعَةُ لَها لا بِما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهٍ، فَإنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، ووَقْتٍ مَحْدُودٍ دُونَ ما عَدا ذَلِكَ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الإمْكانِ، واسْتِحْقاقِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حِكْمَةٍ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِما اخْتَصَّ بِهِ، وهَذا البَيانُ سِرُّ عَدَمِ تَكْوِينِ الأشْياءِ عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ حَسْبَما هو في خَزائِنِ القُدْرَةِ. وهو إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: نُنْزِلُهُ وما نُنْزِلُهُ... إلَخْ. أوْ حالٌ مِمّا سَبَقَ، أيْ: عِنْدَنا خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ. والحالُ أنّا ما نُنْزِلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، فالأوَّلُ: لِبَيانِ سِعَةِ القُدْرَةِ. والثّانِي: لِبَيانِ بالِغِ الحِكْمَةِ، وحَيْثُ كانَ إنْشاءُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلى العِلْمِ السُّفْلِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنْزِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
15:22Page 263
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢
And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.
﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ، وتَرْشِيحِ ما لَحِقَ، أيْ: أرْسَلْنا الرِّياحَ ﴿لَواقِحَ﴾ أيْ: حَوامِلَ. شُبِّهَتِ الرِّيحُ الَّتِي تَجِيءُ بِالخَيْرِ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ. كَما شُبِّهَ بِالعَقِيمِ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، أوْ مُلَقِّحاتٍ بِالشَّجَرِ، والسَّحابِ، ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى: المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ:
؎ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيِ: المُهْلِكاتُ. وقُرِئَ: وأرْسَلَنا الرِّيحَ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ بَعْدَ ما أنْشَأْنا بِتِلْكَ الرِّياحِ سَحابًا ماطِرًا ﴿ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَكم سُقْيًا، وهو أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ الماءِ مُعَدًّا لَهُمْ، يَنْتَفِعُونَ بِهِ مَتى شاءُوا.
﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِجَنابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْنُ القادِرُونَ عَلى إيجادِهِ، وخَزْنِهِ في السَّحابِ، وإنْزالِهِ، وما أنْتُمْ عَلى ذَلِكَ بِقادِرِينَ. وقِيلَ: ما أنْتُمْ بِخازِنِينَ لَهُ بَعْدَ ما أنْزَلْناهُ في الغُدْرانِ والآبارِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ نُخَزِّنُهُ فِيها، لِنَجْعَلَها سُقْيًا لَكُمْ، مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ.
15:23Page 263
وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣
And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1
﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها. (p-73)﴿وَنُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها عَنْها، وقَدْ يُعَمَّمُ الإحْياءُ والإماتَةُ لِما يَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ. وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلْحَصْرِ، وهو إمّا تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الفِعْلُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِ "إنّا"، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ ضَمِيرَ الفَصْلِ، لا لِأنَّ اللّامَ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ كَما قِيلَ، فَإنَّ النَّجاةَ جَوَّزُوا دُخُولَ لامَ التَّأْكِيدِ عَلى ضَمِيرِ الفَصْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾، بَلْ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ اسْمَيْنِ.
﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيِ: الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ قاطِبَةً المالِكُونَ لِلْمُلْكِ عِنْدَ انْقِضاءِ زَمانِ المُلْكِ المَجازِي، الحاكِمُونَ في الكُلِّ أوَّلًا وآخِرًا، ولَيْسَ لَهم إلّا التَّصَرُّفُ الصُّورِيُّ، والمُلْكُ المَجازِيُّ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ بِوارِثٍ لِلْمُتَقَدِّمِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ.
15:24Page 263
وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤
And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ مَن تَقَدَّمَ مِنكم وِلادَةً ومَوْتًا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَن تَأخَّرَ وِلادَةً ومَوْتًا، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الآباءِ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ، وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ. ومَن تَأخَّرَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكُمْ، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قدرته، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَقَدْ عَلِمْنا" ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: «إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُ النّاسِ لِئَلّا يَراها، وتَأخَّرَ آخَرُونَ لِيَرَوْها فَنَزَلَتْ.» والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
15:25Page 263
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥
And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو القادِرُ عَلى حَشْرِهِمْ، والمُتَوَلِّي لَهُ لا غَيْرُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ، ويَسْتَنْكِرُونَهُ. ويَقُولُونَ: " مَن يُحي العِظام وهِي رَمِيم " أيْ: هو يَحْشُرُهم لا غَيْرَ. وفي الِالتِفاتِ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ دَلالَةٌ عَلى اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ، فَإنَّها عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والإتْيانِ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ صِفَةِ الحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضائِها لِلْحَشْرِ والجَزاءِ.
15:26Page 263
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦
And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعُ بِأنْ خَلَقْنا أصْلَهُ، وأوَّلُ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مُنْطَوِيًا عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
﴿مِن صَلْصالٍ﴾ مِن طِينٍ يابِسٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ يُصَلْصِلُ، أيْ: يُصَوِّتُ عِنْدَ نَقْرِهِ. قِيلَ: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِهِ مَدًّا، فَهو صَلِيلٌ. وإنْ تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا، فَهو صَلْصَلَةٌ. وقِيلَ: هو تَضْعِيفُ صَلَّ إذا أنْتَنَ.
﴿مِن حَمَإٍ﴾ مِن طِينٍ تَغَيَّرَ، واسْوَدَّ بِطُولِ مُجاوَرَةِ الماءِ. وهو صِفَةٌ لِصَلْصالٍ، أيْ: مِن صَلْصالٍ كائِنٍ مِن حَمَأٍ.
﴿مَسْنُونٍ﴾ أيْ: مُصَوَّرٌ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ. أوْ مَصْبُوبٌ مِن سَنَّ الماءَ صَبَّهُ، أيْ: مُفْرَغٌ عَلى هَيْئَةِ الإنْسانِ، كَما يُفْرَغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذابَةِ في القَوالِبِ. وقِيلَ: مُنْتِنٌ، فَهو صِفَةٌ لِحَمَأٍ، وعَلى الأوَّلَيْنِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَلْصالٍ، وإنَّما أُخِّرَ عَنْ حَمَأٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ابْتِداءَ (p-74)مَسْنُونِيَّتِهِ لَيْسَ في حالِ كَوْنِهِ صَلْصالًا، بَلْ في حالِ كَوْنِهِ حَمَأً. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَغَ الحَمَأ، فَصَوَّرَ مِن ذَلِكَ تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَوَّتَ، ثُمَّ غَيَّرَهُ إلى جَوْهَرٍ آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ.
15:27Page 263
وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧
And the jinn We created before from scorching fire.
﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنِّ. وقِيلَ: إبْلِيسُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ؛ لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لَمّا كانَ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مَخْلُوقٍ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها. وقُرِئَ: بِالهَمْزَةِ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿خَلَقْناهُ﴾ وهو أقْوى مِنَ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ. ومِن هَذا يَظْهَرُ جَوازُ كَوْنِ المُرادِ بِالمُسْتَقْدِمِينَ أحَدَ الثِّقَلَيْنِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الآخَرَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: مِنكم لِلْكُلِّ.
﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا امْتِناعَ مِن خَلْقِ الحَياةِ مِنَ الأجْرامِ البَسِيطَةِ، كَما لا امْتِناعَ مِن خَلْقِها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ فَضْلًا عَنِ الأجْسامِ المُؤَلِّفَةِ الَّتِي غالِبُ أجْزائِها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي غالِبُ أجْزائِها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن نارِ" بِاعْتِبارِ الغالِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " خُلُقكم مِن تُراب " ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثِّقَلَيْنِ، فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
15:28Page 263
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وتَذْكِيرُ الوَقْتِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّهُ أدْخَلُ في تَذْكِيرِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ تَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ﴾ فِيما سَيَأْتِي، وفِيهِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ لَهُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ، ولا عاطِفٍ يَلْوِيهِ.
﴿بَشَرًا﴾ أيْ: إنْسانًا. قِيلَ: لَيْسَ هَذا عَيْنَ العِبارَةِ الجارِيَةِ وقْتَ الخِطابِ، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنِ اقْتَصَرَ عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى الِاسْمِ. وقِيلَ: جِسْمًا كَثِيفًا يُلاقى، ويُباشِرُ. وقِيلَ: خَلْقًا بادِي البَشَرِ بِلا صُوفٍ ولا شَعَرَةٍ.
﴿مِن صَلْصالٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خالِقٌ"، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ، أيْ: بَشَرًا كائِنًا مِن صَلْصالٍ كائِنٍ ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ولا يُنافِي هَذا ما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص مِن قَوْلِهِ: ﴿بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَإنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِوَصْفِ الطِّينِ مِنَ التَّغَيُّرِ والِاسْوِدادِ، ولِما ورَدَ عَلَيْهِ مِن آثارِ التَّكْوِينِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ غايَتَهُ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هُناكَ اكْتِفاءً بِما شُرِحَ هَهُنا.
15:29Page 263
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩
And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ: صَوَّرَتْهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ. أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ إجْراءُ الرِّيحِ إلى تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها، والِامْتِلاءِ بِها، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، أيْ: فَإذا كَمَّلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِي، (p-75)﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ مِن وقَعَ يَقَعُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ. أيِ: اسْقُطُوا لَهُ ﴿ساجِدِينَ﴾ تَحِيَّةً لَهُ وتَعْظِيمًا، أوِ اسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ، حَيْثُ ظَهَرَ فِيهِ تَعاجِيبُ آثارِ قدرته تعالى، وحِكْمَتِهِ، كَقَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى قِبْلَتَكم وأعْلَمَ النّاسِ بِالقرآن والسُّنَنِ
15:30Page 263
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠
So the angels prostrated - all of them entirely,
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ، فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ ﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ﴿أجْمَعُونَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى بِالحالِيَّةِ، بَلْ يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ أيْضًا، فَإنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ يُرْشِدُ إلى أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ والمَعِيَّةِ، بِحَسْبِ الوَضْعِ، والأصْلُ في الخِطابِ التَّنْزِيلُ عَلى أكْمَلِ أحْوالِ الشَّيْءِ، ولا رَيْبَ في أنَّ السُّجُودَ مَعًا أكْمَلُ أصْنافِ السُّجُودِ، لَكِنْ شاعَ اسْتِعْمالُهُ تَأْكِيدًا، وأُقِيمَ مَقامَ كُلٍّ في إفادَةِ مَعْنى الإحاطَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الكَمالِ، فَإذا فُهِمَتِ الإحاطَةُ مِن لَفْظٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُراعاةِ الأصْلِ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإلْغاءِ. وقِيلَ: أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ هَذا، وأمّا أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ، كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، والَّتِي في سُورَةِ ص، أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ كَما يَسْتَدْعِيهِ ما في غَيْرِهِما؟ فَقَدْ خَرَجْنا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ عُهْدَةِ تَحْقِيقِهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
15:31Page 263
إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١
Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. إمّا لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَعُدَّ مِنهم تَغْلِيبًا، وإمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ وهو مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ مُطْلَقَ عَدَمِ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ، وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ مَعَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ، أوْ مُنْقَطِعٌ فَيَتَّصِلُ بِهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَهُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ رَكاكَةِ رَأْيِه، حَيْثُ أُدْمِجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ ثَلاثُ مَعاصٍ: مُخالِفَةُ الأمْرِ، والِاسْتِكْبارُ مَعَ تَحْقِيرِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومُفارَقَةُ الجَماعَةِ، والإباءُ عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ أُولَئِكَ المُقَرَّبِينَ الكِرامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences