Abu as-Su'udAl‑Hijr · 15:32–55

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:32–55

15:32Page 264

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢

[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ؟ فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ﴾ أيْ: أيُّ سَبَبٍ. لا أيُّ غَرَضٍ لَكَ. كَما قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ما مَنَعَكَ ﴿ألا تَكُونَ﴾ في أنْ لا تَكُونُ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾ لِآدَمَ مَعَ أنَّهم هم ومَنزِلَتُهم في الشَّرَفِ مَنزِلَتُهُمْ؟! وما كانَ التَّوْبِيخُ عِنْدَ وُقُوعِهِ لِمُجَرَّدِ تَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ، بَلْ لِكُلٍّ مِنَ المَعاصِي الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ وفي سُورَةِ ص: ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ولَكِنِ اقْتُصِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ اجْتِزاءً بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَعاصِي الثَّلاثِ كافِيَةٌ في التَّوْبِيخِ، وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ، وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طه.

15:33Page 264

قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

(p-76)﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ، وهو أيْضًا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: يُنافِي حالِي، ولا يَسْتَقِيمُ مِنِّي؛ لِأنِّي مَخْلُوقٌ مِن أشْرَفِ العَناصِرِ، وأعْلاها أنْ أسْجُدَ ﴿لِبَشَرٍ﴾، أيْ: جِسْمٍ كَثِيفٍ ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى ادِّعاءِ الخَيْرِيَّةِ، وشَرَفِ المادَّةِ اكْتِفاءً بِما صَرَّحَ بِهِ، حِينَ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ اللَّعِينُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أخَسُّ العَناصِرِ وأسْفَلِها، بَلْ تَعَرَّضَ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنهُ في أخَسِّ أحْوالِهِ مِن كَوْنِهِ طِينًا مُتَغَيِّرًا، وقَدِ اكْتَفى في سُورَةِ الأعْرافِ، وسُورَةِ ص بِما حَكى عَنْهُ هَهُنا فاقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَعَرُّضِهِ لِخَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طِينٍ، وكَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ؟! وفي جَوابِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "ما لَكَ"؟! لَيْسَ اسْتِفْسارًا عَنِ الغَرَضِ بَلْ هو اسْتِفْسارٌ عَنِ السَّبَبِ، وفي عُدُولِهِ عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ رَوْمٌ لِلتَّقَصِّي عَنِ المُناقَشَةِ، وأنّى لَهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ أمْتَنِعْ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ، ولا عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ المَلائِكَةِ، بَلْ عَمًّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَفْضُولِ، ولَقَدْ جَرى خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سُنَنِ قِياسٍ عَقِيمٍ، وزَلَّ عَنْهُ أنَّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الفَضْلِ والكَمالِ، هو التَّحَلِّي بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، والتَّخَلِّي عَنِ المَلَكاتِ الرِّدِيَّةِ الَّتِي أقْبَحُها الكِبْرُ والِاسْتِعْصاءُ عَلى أمْرِ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ جَلالُهُ.

15:34Page 264

قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤

[Allāh] said, "Then depart from it,1 for indeed, you are expelled.

﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ لا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجَنَّةِ، إنَّما كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، فَإنَّ الخُرُوجَ مِن بَيْنِ المَلَإ الأعْلى هُبُوطٌ وأيُّ هُبُوطٍ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ عَلى أنَّ وسْوَسَتَهُ كانَتْ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِها، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. أوْ بِطَرِيقِ المُشافَهَةِ بَعْدَ أنِ احْتالَ في دُخُولِها، وتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِالحَيَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ولا يُنافِي هَذا طَرْدَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فَإنَّ مَن يُطْرَدْ يُرْجَمْ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ، فَإنَّ مَن عارَضَ النَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ.

15:35Page 264

وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ الإبْعادَ عَنِ الرَّحْمَةِ، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ جارِيًا عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، قِيلَ في سُورَةِ ص: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يَوْمِ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِ وجَزائِهِ إلَيْهِ، وأنَّ "اللَّعْنَةَ" مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِفِعْلِهِ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يُوصَفُ، وجَعْلُ ذَلِكَ أقْصى أمَدِ اللَّعْنَةِ لَيْسَ لِأنَّها تَنْقَطِعُ هُنالِكَ، بَلْ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَذَّبُ بِما يَنْسى بِهِ اللَّعْنَةَ مِن أفانِينِ العَذابِ فَتَصِيرُ هي كالزّائِلِ. وقِيلَ: إنَّما حَدَتْ بِهِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ غايَةٍ يَضْرِبُها النّاسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السماوات والأرْض " .

15:36Page 264

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

وَحَيْثُ أمْكَنَ كَوْنُ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ مَعَ المَوْتِ (p-77)كَسائِرِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ طَلَبَ اللَّعِينُ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ، كَما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ: أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي، ولا تُمِتْنِي. والفاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: إذْ جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ، وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِاسْتِحالَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ البَعْثِ.

15:37Page 264

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧

[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved

﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ لِآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهُمْ، أزَلًا لا إنْشاءً. لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، فالفاءُ لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ، بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المَذْكُورِ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلُ

فَإنَّهُ لا إمْكانَ لِجَعْلِ الفاءِ فِيهِ لِرَبْطِ ما فِيهِ تَعالى مِنَ الأهْلِيَّةِ القَدِيمَةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِ الرَّحْمَةِ الحادِثَةِ، بَلْ هي لِرَبْطِ الإخْبارِ بِتِلْكَ الأهْلِيَّةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِها، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، كَما قِيلَ. ونَظَمَهُ في ذَلِكَ في سَلْكِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوبَتُهم إلى الآخِرَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمَّنْ سَبَقَ مِنَ الجِنِّ ولَحِقَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُلائِمُ مَقامَ الِاسْتِنْظارِ مَعَ الحَياةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ مَعَ إضافَتِهِ في السُّؤالِ إلى البَعْثِ كَما عَرَفْتَهُ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ قالَ: ﴿أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ بِتَرْكِ التَّوْقِيتِ، والنِّداءِ. والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ. والإنْظارُ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هَهُنا، وفي سُورَةِ ص فَإنَّ إيرادَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ غَيْرُ عَزِيزٍ في الكِتابِ العَزِيزِ، وأمّا أنَّ كُلَّ أُسْلُوبٍ مِن أسالِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ يَقْتَضِيهِ مُغايِرٌ لِمَقامِ غَيْرِهِ، وأنَّ ما حُكِيَ مِنَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً، وكَذا جَوابُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا دَفْعَةً فَمَقامُ المُحاوِرَةِ إنِ اقْتَضى أحَدَ الأسالِيبِ المَذْكُورَةِ، فَهو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى طَبَقَةِ الإعْجازِ، وما عَداهُ قاصِرٌ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ فَضْلًا عَنِ الِارْتِقاءِ إلى مَعالِمِ الإعْجازِ، فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ.

15:38Page 264

إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨

Until the Day of the time well-known."

﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي عَلِمَ أنَّهُ يُصْعَقُ عِنْدَها مَن في السَّمَواتِ، ومِن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأيّامِ واحِدًا، والِاخْتِلافُ في العِباراتِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ، فالتَّعْبِيرُ بِيَوْمِ البَعْثِ لِأنَّ غَرَضَ اللَّعِينِ بِهِ يَتَحَقَّقُ، وبِيَوْمِ الدِّينِ لِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ وبِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ لِما ذُكِرَ، أوْ لِاسْتِئْثارِهِ تَعالى بِعِلْمِهِ، فَلَعَلَّ كُلًّا مِن هَلاكِ الخَلْقِ جَمِيعًا، وبَعْثِهِمْ وجَزائِهِمْ في يَوْمٍ واحِدٍ يَمُوتُ اللَّعِينُ في أوَّلِهِ ويُبْعَثُ في أوْسَطِهِ، ويُعاقَبُ في بَقِيَّتِهِ. يُرْوى أنَّ بَيْنَ مَوْتِهِ وبَعْثِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن سِنِي الدُّنْيا مِقْدارَ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، ونُقِلَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ أُرِيدُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ - عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ- فَإذا أنا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ فِيها يُحَدِّثُ (p-78)النّاسَ وهو يَقُولُ: لَمّا حَضَرَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إبْلِيسُ إذا رَآنِي مَيْتًا، وهو مُنْظَرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فَأُجِيبَ: أنْ يا آدَمُ إنَّكَ سَتَرِدُ إلى الجَنَّةِ، ويُؤَخَّرُ اللَّعِينُ إلى النَّظْرَةِ لِيَذُوقَ ألَمَ المَوْتِ بِعَدَدِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ثُمَّ قالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: صِفْ كَيْفَ تُذِيقُهُ المَوْتَ؟ فَلَمّا وصَفَهُ قالَ: يا رَبِّ حَسْبِي، فَضَجَّ النّاسُ. وقالُوا: يا أبا إسْحاقَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَأبى، فَألَحُّوا. فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ عَقِيبَ النَّفْخَةِ الأُولى: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ أهْلِ السَّمَواتِ السَّبْعِ، وأهْلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وإنِّي ألْبَسْتُكَ اليَوْمَ أثْوابَ السُّخْطِ والغَضَبِ كُلَّها، فانْزِلْ بِغَضَبِي وسَطْوَتِي عَلى رَجِيمِي إبْلِيسَ، فَأذِقْهُ المَوْتَ، واحْمِلْ عَلَيْهِ فِيهِ مَرارَةَ الأوَّلِينَ والأخِرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبانِيَةِ سَبْعُونَ ألْفًا قَدِ امْتَلَأُوا غَيْظًا وغَضَبًا، ولْيَكُنْ مَعَ كُلٍّ مِنهم سِلْسِلَةٌ مِن سَلاسِلِ جَهَنَّمَ، وغُلٌّ مِن أغْلالِها، وانْزِعْ رُوحَهُ المُنْتِنَ بِسَبْعِينَ ألْفَ كُلابٍ مِن كَلالِيبِها، ونادِ مالِكًا لِيَفْتَحَ أبْوابَ النِّيرانِ، فَيَنْزِلُ مَلَكُ المَوْتِ بِصُورَةٍ لَوْ نَظَرَ إلَيْها أهْلُ السَّمَواتِ والأرَضِينَ لَماتُوا بَغْتَةً مِن هَوْلِها، فَيَنْتَهِي إلى إبْلِيسَ فَيَقُولُ: قِفْ لِي يا خَبِيثُ لِأُذِيقَنَّكَ المَوْتَ، كَمْ مِن عُمْرٍ أدْرَكْتَ، وقُرُونٍ أضْلَلْتَ، وهَذا هو الوَقْتُ المَعْلُومُ. قالَ: فَيَهْرُبُ اللَّعِينُ إلى المَشْرِقِ فَإذا هو بِمَلَكِ المَوْتِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَهْرُبُ إلى المَغْرِبِ فَإذا هو بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَغُوصُ البِحارَ فَتَنِزُّ مِنهُ البِحارُ فَلا تَقْبَلُهُ فَلا يَزالُ يَهْرُبُ في الأرْضِ، ولا مَحِيصَ لَهُ، ولا مَلاذَ. ثُمَّ يَقُومُ في وسَطِ الدُّنْيا عِنْدَ قَبْرِ آدَمَ ويَتَمَرَّغُ في التُّرابِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ومِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، حَتّى إذا كانَ في المَوْضِعِ الَّذِي أهْبِطَ فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ نَصَبَتْ لَهُ الزَّبانِيَةُ الكَلالِيبَ، وصارَتِ الأرْضُ كالجَمْرَةِ احْتَوَشَتْهُ الزَّبانِيَةُ، وطَعَنُوهُ بِالكَلالِيبِ، ويَبْقى في النَّزْعِ والعَذابِ إلى حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى. ويُقالُ لِآدَمَ وحَوّاءَ: اطَّلِعا اليَوْمَ إلى عَدُوِّكُما كَيْفَ يَذُوقُ المَوْتَ؟ فَيَطَّلِعانِ فَيَنْظُرانِ إلى ما هو فِيهِ مِن شِدَّةِ العَذابِ، فَيَقُولانِ: رَبَّنا أتْمَمْتَ عَلَيْنا نِعْمَتَكَ.

15:39Page 264

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them [i.e., mankind] on earth, and I will mislead them all

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والجَوابُ ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ، ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ وإقْسامُهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ المُفَسَّرَةِ بِسُلْطانِهِ، وقَهْرِهِ لا يُنافِي إقْسامَهُ بِهَذا، فَإنَّهُ فَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأثَرٌ مِن آثارِها. فَلَعَلَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً فَسَمَهُ بِهَذا، وأُخْرى بِذاكَ. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: "لَأُزَيِّنَنَّ" جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: بِسَبَبِ تَسَبُّبِكَ لِإغْوائِي، أقْسَمَ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلْتَ بِي مِنَ التَّسَبُّبِ لِإغْوائِهِمْ: بِتَزْيِينِ المَعاصِي، وتَسْوِيلِ الأباطِيلِ. والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوا الإغْواءَ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيِّ، أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ بِأمْرِهِ إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واعْتَذَرُوا عَنْ إمْهالِ اللَّهِ تَعالى، وتَسْلِيطِهِ لَهُ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنْ تَبِعَهُ، أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُمْهِلَ، أمْ لَمْ يُمْهَلْ. وأنَّ في إمْهالِهِ تَعْرِيضًا لِمَن خالَفَهُ لِاسْتِحْقاقِ مَزِيدِ الثَّوابِ ﴿وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ لَأحْمِلَنَّهم عَلى الغَوايَةِ.

15:40Page 264

إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

Except, among them, Your chosen servants."

﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ، وطَهَّرْتَهم مِنَ الشَّوائِبِ (p-79)فَلا يَعْمَلُ فِيهِمْ كَيْدِي. وقُرِئَ: بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ تَعالى.

15:41Page 264

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١

[Allāh] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

﴿قالَ هَذا صِراطٌ﴾ أيْ حَقٌّ ﴿عَلَيَّ﴾ أنْ أُراعِيَهُ.

﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، والإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ، وهو تَخَلُّصُ المُخْلَصِينَ مِن إغْوائِهِ، أوِ الإخْلاصُ عَلى مَعْنى: أنَّهُ طَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الوُصُولِ إلَيَّ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ وضَلالٍ، والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لِما وقَعَ في عِبارَةِ إبْلِيسَ حَيْثُ قالَ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ ... الآيَةَ. وقُرِئَ: (عُلَيَّ) مِن عُلُوِّ الشَّرَفِ.

15:42Page 264

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

﴿إنَّ عِبادِي﴾ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ تَحْقِيقًا لِما قالَهُ اللَّعِينُ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ المُخْلَصِينَ، وبَيانٌ لِمَنزِلَتِهِمْ، ولِانْقِطاعِ مَخالِبِ الإغْواءِ عَنْهُمْ، وأنَّ إغْواءَهُ لِلْغاوِينَ لَيْسَ بِطَرِيقِ السُّلْطانِ، بَلْ بِطَرِيقِ اتِّباعِهِمْ لَهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.

15:43Page 264

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٣

And indeed, Hell is the promised place for them all.

﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ: مَوْعِدُ المُتَّبَعِينَ، أوِ الغاوِينَ. والأوَّلُ أنْسَبُ. وأدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ جَهَنَّمَ مَكانُ الوَعْدِ، وأنَّ المَوْعُودَ مِمّا لا يُوصَفُ في الفَظاعَةِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، أوْ حالٌ. والعامِلُ فِيهِ المَوْعِدُ إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ مَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ اسْمَ مَكانٍ.

15:44Page 264

لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ ٤٤

It has seven gates; for every gate is of them [i.e., Satan's followers] a portion designated."

﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ يَدْخُلُونَها لِكَثْرَتِهِمْ، أوْ سَبْعُ طَبَقاتٍ يَنْزِلُونَها بِحَسْبِ مَراتِبِهِمْ في الغَوايَةِ، والمُتابَعَةِ. وهي جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحُطْمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرٌ، ثُمَّ الجحيم، ثُمَّ الهاوِيَةُ.

﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ مِنَ الأتْباعِ، أوِ الغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِن غَيْرِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، فَأعْلاها: لِلْمُوَحِّدِينَ. والثّانِيَةُ: لِلْيَهُودِ. والثّالِثَةُ: لِلنَّصارى. والرّابِعَةُ: لِلصّابِئِينَ. والخامِسَةُ: لِلْمَجُوسِ. والسّادِسَةُ: لِلْمُشْرِكِينَ. والسّابِعَةُ: لِلْمُنافِقِينَ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ جَهَنَّمَ لِمَنِ ادَّعى الربوبية، ولَظى لِعَبَدَةِ النّارِ، والحُطَمَةُ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، وسَقَرٌ لِلْيَهُودِ، والسَّعِيرُ لِلنَّصارى، والجحيم لِلصّابِئِينَ، والهاوِيَةُ لِلْمُوَحِّدِينَ، ولَعَلَّ حَصْرَها في السَّبْعِ لِانْحِصارِ المُهْلِكاتِ في المَحْسُوساتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ، ومُقْتَضَياتِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ، والغَضَبِيَّةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الزّايِ، وبِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها مَعَ تَشْدِيدِها في الوَقْفِ، والوَصْلِ. ومِنهم حالٌ مِن جُزْءٍ. أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الظَّرْفِ لا في مَقْسُومٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ لا تَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ مَوْصُوفَها.

15:45Page 264

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٤٥

Indeed, the righteous will be within gardens and springs,

﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ مِنِ اتِّباعِهِ في الكُفْرِ، والفَواحِشِ. فَإنَّ غَيْرَها مُكَفِّرٌ.

﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها خالِدِينَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ مِنهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ . وقُرِئَ: بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ في القرآن العَظِيمِ.

15:46Page 264

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ٤٦

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

(p-80)﴿ادْخُلُوها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالدُّخُولِ. وقُرِئَ: (أدْخِلُوها) أمْرًا مِنهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: (أُدْخَلُوها) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ الإدْخالِ ﴿بِسَلامٍ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، أيْ: سالِمِينَ، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم.

﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ الآفاتِ والزَّوالِ.

15:47Page 264

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧

And We will remove whatever is in their breasts of resentment,1 [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ: حِقْدٍ كانَ في الدُّنْيا. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

﴿إخْوانًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ" أوْ مِن فاعِلِ "ادْخُلُوها"، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "آمِنِينَ"، أوِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾، ويَجُوزُ كَوْنُهُما صِفَتَيْنِ لِإخْوانًا، أوْ حالَيْنِ مِن ضَمِيرِهِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُتَصافِّينَ، وكَوْنُ الثّانِي حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأوَّلِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: تَدُورُ بِهِمُ الأسِرَّةُ حَيْثُما دارُوا، فَهم مُتَقابِلُونَ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ.

15:48Page 264

لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ ٤٨

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ: تَعَبٌ. بِأنْ لا يَكُونَ لَهم فِيها ما يُوجِبُهُ مِنَ الكَدِّ في تَحْصِيلِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ لِحُصُولِ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ مِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ عَمَلٍ أصْلًا، أوْ بِأنْ لا يَعْتَرِيَهِمْ ذَلِكَ، وإنْ باشَرُوا الحَرَكاتِ العَنِيفَةَ لِكَمالِ قُوَّتِهِمْ. وهو اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَقابِلِينَ.

﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدَ الآبادِ؛ لِأنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ بِالخُلُودِ.

15:49–50Page 264

۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩

[O Muḥammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful,

وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠

And that it is My punishment which is the painful punishment.

﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها، وفي وصْفِ ذاتِهِ تَعالى بِها، وبِالرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ القَصْرِ دُونَ التَّعْذِيبِ، إيذانٌ بِأنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِما الذّاتُ، وأنَّ العَذابَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِما يُوجِبُهُ مِن خارِجٍ.

15:51Page 264

وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٥١

And inform them about the guests of Abraham,

﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "نَبِّئْ" "عِبادِي" والمَقْصُودُ: اعْتِبارُهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِهِ مِنَ البُشْرى في تَضاعِيفِ الخَوْفِ، وبِما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ العَذابِ، ونَجاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِهِ التّابِعِينَ لَهُ في ضِمْنِ الخَوْفِ، وتَنْبِيهُهم بِحُلُولِ انْتِقامِهِ تَعالى مِنَ المُجْرِمِينَ، وعِلْمُهم بِأنَّ عَذابَ اللَّهِ هو العَذابُ الألِيمُ.

﴿عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَلَكانِ مَعَهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وسَبْعَةٌ مَعَهُ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً. وعَنِ السُّدِّيِّ: كانُوا أحَدَ (p-81)عَشَرَ عَلى صُوَرِ الغِلْمانِ، الوَضّاءِ وُجُوهُهم. وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ حَسْبَما يَأْتِي ذِكْرُهُ.

15:52Page 265

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ ٥٢

When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful [i.e., apprehensive] of you."

﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى نَبِّئْ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ مُضافٌ إلى ضَيْفٍ، أيْ خَبَرُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ بِنَفْسِ ضَيْفٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ﴿فَقالُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿سَلامًا﴾ أيْ نُسَلِّمُ سَلامًا، أوْ سَلَّمْنا، أوْ سَلِمْتَ سَلامًا.

﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ. فَإنَّ الوَجَلَ اضْطِرابُ النَّفْسِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ امْتَنَعُوا مِن أكْلِ ما قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ مِنَ العِجْلِ الحَنِيذِ. لِما أنَّ المُعْتادَ عِنْدَهم أنَّهُ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِخَيْرٍ لا عِنْدَ ابْتِداءِ دُخُولِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ فَلا مَجالَ لِكَوْنِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ دُخُولِهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ، ولا بِغَيْرِ وقْتٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجابُوا حِينَئِذٍ بِما أجابُوا حِينَئِذٍ بِهِ، ولَمْ يَتَصَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَقْرِيبِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا اكْتِفاءً بِما بُيِّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ألا يُرى إلى أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا رَدُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِسَلامِهِمْ.

15:53Page 265

قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٥٣

[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."

﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ. وقُرِئَ: (لا تاجَلْ) و (لا تُوجِلْ) مَن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافُهُ. ولا تُواجِلْ مِن واجَلَهُ، بِمَعْنى: أوْجَلَهُ.

﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، فَإنَّ المُبَشَّرَ بِهِ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَ ساحَتِهِ خَوْفٌ، ولا حُزْنٌ. كَيْفَ لا، وهو بِشارَةٌ بِبَقائِهِ، وبَقاءِ أهْلِهِ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ زَمانًا طَوِيلًا؟ ﴿بِغُلامٍ﴾ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِبِشارَةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ: " عَلِيمٌ " إذا بَلَغَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ .

15:54Page 265

قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ بِذَلِكَ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ وأثَرٌ في تَعَجُّبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بِشارَتِهِمْ بِالوَلَدِ في حالَةٍ مُبايَنَةٍ لِلْوِلادَةِ، وزادَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أيْ: بِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونَنِي؟ فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ عادَةً بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ، أوْ بِأيِّ طَرِيقَةٍ تُبَشِّرُونَنِي. وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ المَكْسُورَةِ عَلى إدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ.

15:55Page 265

قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِما يَكُونُ لا مَحالَةَ، أوْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ، أوْ بِطَرِيقَةٍ هي حَقٌّ. وهو أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ بَشَرًا بِغَيْرِ أبَوَيْنِ، فَكَيْفَ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ؟ وقُرِئَ: (مِنَ القَنِطِينَ)، وكانَ مَقْصِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِعْظامُ نِعْمَتِهِ تَعالى في ضِمْنِ التَّعَجُّبِ العادِيِّ المَبْنِيِّ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ (p-82)تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ عِبادِهِ لا اسْتِبْعادَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته سُبْحانَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا مِنَ المُمْتَرِينَ، أوْ نَحْوَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском