Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:87–99
15:87Page 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ سَبْعَ آياتٍ، وهي الفاتِحَةُ. وعَلَيْهِ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: سَبْعُ سُوَرٍ، وهي الطِّوالُ الَّتِي سابِعَتُها الأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، فَإنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ واحِدَةٍ، ولِذَلِكَ لَمَّ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وقِيلَ: يُونُسُ، أوِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ. وقِيلَ: الصَّحائِفُ السَّبْعُ، وهي الأسْباعُ.
﴿مِنَ المَثانِي﴾ بَيانٌ لِلسَّبْعِ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وهي التَّكْرِيرُ، فَإنْ كانَ المُرادُ الفاتِحَةَ وهو الظّاهِرُ، فَتَسْمِيَتُها مَثانِيَ لِتَكَرُّرِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ. وأمّا تَكَرُّرُ قِراءَتِها في غَيْرِ الصَّلاةِ كَما قِيلَ. فَلَيْسَ بِحَيْثُ يَكُونُ مَدارٌ لِلتَّسْمِيَةِ، ولِأنَّها تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها في الصَّلاةِ، وأمّا تَكَرُّرُ نُزُولِها فَلا يَكُونُ وجْهًا لِلتَّسْمِيَةِ، لِأنَّها كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ نُزُولِها الثّانِي، إذِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ المُرادُ غَيْرَها مِنَ السُّورِ فَوَجْهُ كَوْنِها مِنَ المَثانِي أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ وألْفاظُهُ، أوْ قَصَصُهُ ومَواعِظُهُ، أوْ مِنَ الثَّناءِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ما هو ثَناءٌ عَلى اللَّهِ. واحِدَتُها مَثْناةٌ أوْ مَثْنِيَّةٌ صِفَةٌ لِلْآيَةِ. وأمّا الصَّحائِفُ: وهي الأسْباعُ. فَلِما وقَعَ فِيها مِن تَكْرِيرِ القَصَصِ، (p-89)والمَواعِظِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأفْعالِهِ، وصِفاتِهِ الحُسْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَثانِي: القرآن لِما ذُكِرَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ مُثْنى عَلَيْهِ بِالإعْجازِ، أوْ كُتُبُ اللَّهِ تَعالى كُلُّها فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى الأوَّلِ لِلْبَيانِ.
﴿والقرآن العَظِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ الآياتُ، أوِ السُّوَرُ، فَمِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ، أوِ العامِّ عَلى الخاصِّ. وإنْ أُرِيدَ بِهِ الأسْباعُ، أوْ كُلُّ القرآن فَهو عَطْفُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
أيْ: ولَقَدْ أتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ: السَّبْعُ المَثانِي، والقرآن العَظِيمُ.
15:88Page 266
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ طُمُوحَ راغِبٍ، ولا تُدِمْ نَظَرَكَ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا، وزِينَتِها، ومَحاسِنِها، وزَهْرَتِها، ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ ما في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الأمْوالِ، والذَّخائِرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُوتِيتَهُ مُسْتَحْقَرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ أصْلًا، وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أُوتِيَ القرآن فَرَأى أنَّ أحَدًا أُوتِيَ أفْضَلَ مِمّا أُوتِيَ، فَقَدْ صَغَّرَ عَظِيمًا، وعَظَّمَ صَغِيرًا. ورُوِيَ أنَّهُ: وافَتْ مِن بُصْرى وأذْرِعاتٍ سَبْعُ قَوافِلَ لِيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فِيها أنْواعُ البَزِّ، والطِّيبِ، والجَواهِرِ، وسائِرِ الأمْتِعَةِ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها، وأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ أُعْطِيتُمْ سَبْعَ آياتٍ، وهي خَيْرٌ مِن هَذِهِ القَوافِلِ السَّبْعِ.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَنْتَظِمُوا أتْباعَكَ في سَلْكٍ لِيَتَقَوّى بِهِمْ ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: أوْ أنَّهُمُ المُتَمَتِّعُونَ بِهِ، ويَأْباهُ كَلِمَةُ عَلى فَإنَّ تَمَتُّعَهم بِهِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ.
﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تَواضَعْ لَهُمْ، وارْفُقْ بِهِمْ، وألِنْ جانِبَكَ لَهُمْ، وطِبْ نَفْسًا مِن إيمانِ الأغْنِياءِ.
15:89Page 266
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيِ: المُنْذِرُ المُظْهِرُ لِنُزُولِ عَذابِ اللَّهِ، وحُلُولِهِ.
15:90Page 266
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Just as We had revealed [scriptures] to the separators1
﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ ..." إلَخْ. أيْ: أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القرآن عِضِينَ﴾ أيْ: قَسَّمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا: عِنادًا وعُدْوانًا بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ. وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما. أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً، حَيْثُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي، وهَكَذا. أوْ قَسَّمُوا ما قَرَءُوا مِن كُتُبِهِمْ، وحَرَّفُوهُ فَأقَرُّوا بِبَعْضِهِ، وكَذَّبُوا بِبَعْضِهِ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ " عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ، وعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جُلَّ المَقامُ عَنِ التَّشْبِيهِ، ولَقَدْ أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وقِيلَ: (p-90)إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ فَإنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ، وهو ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعُ كالواقِعِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما يُشَبَّهُ بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُحَقَّقَ الوُقُوعِ، مَعْلُومَ الحالِ عِنْدَ المُنْذَرِينَ. إذْ بِهِ تَتَحَقَّقُ فائِدَةُ التَّشْبِيهِ، وهي تَأْكِيدُ الإنْذارِ، وتَشْدِيدُهُ. وعَذابُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ إذْ ذاكَ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَهم مِنهُ في غَفْلَةٍ مُحَصَّنَةٍ، وشَكٍّ مُرِيبٍ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ونَظائِرِهِ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ، والمُخالَفَةِ. وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى: التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ، بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وقَدْ جُعِلَ المَوْصُولُ مَفْعُولًا أوَّلَ لِأنْذِرْ، أيْ: أنْذِرِ المُعِضِّينَ الَّذِينَ جَزَّءُوا القرآن إلى سِحْرٍ، وشِعْرٍ، وأساطِيرَ. مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ. وهُمُ الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدَ كُلٌّ مِنهم في مَدْخَلٍ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: شاعِرٌ. والآخَرُ: كَذّابٌ. فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرِ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ. وفِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاشْتِراكِ لِما سَبَقَ في عَدَمِ كَوْنِ العَذابِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ واقِعًا، ولا مَعْلُومًا لِلْمُنْذَرِينَ، ولا مَوْعُودَ الوُقُوعِ أنَّهُ لا داعِيَ إلى تَخْصِيصِ وصْفِ التَّعْضِيَةِ بِهِمْ، وإخْراجِ المُقْتَسِمِينَ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في ذَلِكَ، فَإنَّ وصْفَهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما وصَفُوا مِنَ السحر والشِّعْرِ والكَذِبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى وصْفِهِمْ لِلْقُرْآنِ بِذَلِكَ. وهَلْ هو إلّا نَفْسُ التَّعْضِيَةِ، ولا إلى إخْراجُهم مِن حُكْمِ الإنْذارِ عَلى أنَّ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ العَذابِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ عَذابُ غَيْرِهِمْ، ولا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلْ عامًّا لِكِلا الفَرِيقَيْنِ وغَيْرِهِمْ. مَعَ أنَّ بَعْضَ المُنْذَرِينَ، كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ. قَدْ هَلَكُوا قَبْلَ مَهْلِكِ أكْثَرِ المُقْتَسِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، ولا إلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَفْعُولِ النَّذِيرِ أُقِيمَ مَقامَهُ، والمُقْتَسِمُونَ هُمُ: القاعِدُونَ في مَداخِلِ مَكَّةَ. كَما حُرِّرَ وفِيهِ مَعَ ما مَرَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لا مِن قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ. والِاعْتِذارُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ ما يَقُولُهُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ أُمِرْنا بِكَذا، وإنْ كانَ الأمْرُ هو المَلِكَ حَسْبَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وأنَّ إعْمالَ الوَصْفِ المَوْصُوفِ مِمّا لَمْ يُجَوِّزْهُ البَصْرِيُّونَ، فَلا بُدَّ مِنَ الهَرَبِ إلى مَسْلَكِ الكُوفِيِّينَ، أوِ المَصِيرِ إلى جَعْلِهِ مَفْعُولًا غَيْرَ صَرِيحٍ، أيْ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ بِعَذابٍ مِثْلِ عَذابِ المُقْتَسِمِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ: الرَّهْطُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ عَذابَهم حَيْثُ كانَ مُتَحَقِّقًا، ومَعْلُومًا لِلْمُنْذَرِينَ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ القرآن العَظِيمُ صالِحٌ؛ لِأنْ يَقَعَ مُشَبَّهًا بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ، لَكِنَّ المَوْصُولَ المَذْكُورَ عَقِيبَهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمُقْتَسِمِينَ، حِينَئِذٍ فَسَواءٌ جَعَلْناهُ مَفْعُولًا أوَّلَ لِلنَّذِيرِ، أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مَن أُنْذِرَ لا يَكُونُ لِلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولا لِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ بِالمَعْنى المَزْبُورِ في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي فائِدَةٌ، لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ، والصِّفَةِ لِلْحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمَوْصُولِ والمَوْصُوفِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ وجْهُ شَبَهٍ يَدُورُ عَلَيْهِ (p-91)تَشْبِيهُ عَذابِهِمْ بِعَذابِهِمْ، خاصَّةً لِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ في السَّبَبِ، فَإنَّ المُعَضِّينَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقاسُمِ عَلى التَّثْبِيتِ الَّذِي هو السَّبَبُ لِهَلاكِ أُولَئِكَ، كَما أنَّ أُولَئِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّعْضِيَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ لِهَلاكِ هَؤُلاءِ، ولا عَلاقَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ مَفْهُومًا، ولا وُجُودًا تُصَحِّحُ وُقُوعَ أحَدِهِما في جانِبٍ. والآخَرِ في جانِبٍ. واتِّفاقُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مُطْلَقِ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَفْهُومِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَخْصُوصِ الَّذِي هو التَّثْبِيتُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّقاسُمِ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لا دَلالَةَ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِسامُ المَداخِلِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وجَلالَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ إذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأوَّلِ، وأنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: أهْلُ الكِتابَيْنِ. وأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ اقْتِسامِهِمْ. ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وحَدِيثُ جَلالَةِ المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ مِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ، والمَعْنى: لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي، والقرآن العَظِيمَ إيتاءً مُماثِلًا لِإنْزالِ الكِتابَيْنِ عَلى أهْلِهِما، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الإيتاءَيْنِ لا بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما في جانِبِ المُشَبَّهِ. بِأنْ يُقالَ: كَما آتَيْنا المُقْتَسِمِينَ. حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ..." إلَخْ. لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَيْنَ الإيتاءَيْنِ مِنَ التَّنائِي، فَإنَّ الأوَّلَ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ، والِامْتِنانِ. وشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي. ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في وُقُوعِهِ مُشَبَّهًا بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُسَلَّمِيَّتِهِ عِنْدَهُمْ، وتَقْدِيمُ وجُودِهِ عَلى المُشَبَّهِ زَمانًا لا لِمَزِيَّةٍ تَعُودُ إلى ذاتِهِ كَما في الصَّلاةِ الخَلِيلِيَّةِ، فَإنَّ التَّشْبِيهَ فِيها لَيْسَ لِكَوْنِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى الفائِضَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآلِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِمّا فاضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وإنَّما ذَلِكَ لِلتَّقَدُّمِ في الوُجُودِ، والتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ في القرآن العَظِيمِ، فَلَيْسَ في التَّشْبِيهِ شائِبَةُ إشْعارٍ بِأفْضَلِيَّةِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ المُشَبَّهِ. فَضْلًا عَنْ إيهامِ أفْضَلِيَّةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ إنْكارًا لِاتِّصافِهِمْ بِهِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِنَ الإنْزالِ المَذْكُورِ، وإيذانًا بِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّهِ حَسَبَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ، والِاتِّحادِ في الحَقِيقَةِ الَّتِي هي مُطْلَقُ الوَحْيِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: "تَمُدَّنَّ ..." إلَخْ. لِكَمالِ اتِّصالِهِ بِما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ حالِ ما أُوتِيَ النَّبِيُّ ﷺ. ولَقَدْ بُيِّنَ أوَّلًا عُلُوُّ شَأْنِهِ، ورِفْعَةُ مَكانِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُ اغْتِباطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانِهِ، واسْتِغْناءَهُ بِهِ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زَهْرَةِ الدُّنْيا، وعُبِّرَ عَنْ إيتائِها لِأهْلِها بِالتَّمْتِيعِ المُنْبِئِ عَنْ وشَكِ زَوالِها عَنْهُمْ، ثُمَّ عَنِ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِ المُنْهَمِكِينَ فِيها بِمُراعاةِ المُؤْمِنِينَ، والِاكْتِفاءِ بِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وبِإظْهارِ قِيامِهِ بِمَواجِبِ الرِّسالَةِ، ومَراسِمِ النَّذارَةِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيَ مِنَ القرآن العَظِيمِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَيْفِيَّةِ إيتائِهِ عَلى وجْهٍ أُدْمِجَ فِيهِ ما يُزِيحُ شُبَهَ المُنْكِرِينَ، ويَسْتَنْزِلُهم عَنِ العِنادِ مِن بَيانِ مُشارَكَتِهِ لِما لا رَيْبَ لَهم في كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا، فَتَأمَّلْ: "واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ" هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى قُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا. عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ انْتَهى. يُرِيدُ أنَّ "ما" في "كَما" مَوْصُولَةٌ. والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الكافِ المُوافَقَةُ، وهي مَعَ ما في حَيِّزِها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ قُلْ، أيْ: قُلْ هَذا القَوْلَ حالَ كَوْنِهِ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مُوافِقًا لِذَلِكَ، فالأنْسَبُ حِينَئِذٍ حَمْلُ الِاقْتِسامِ عَلى التَّحْرِيفِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِما فَعَلُوا مِن تَحْرِيفِهِمْ، وكِتْمانِهِمْ لِنَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهِيَ: الفِرْقَةُ. (p-92)أصْلُها: عِضْوَةٌ فِعْلَةٌ، مِن عَضى الشّاةَ تَعْضِيَةً إذا جَعَلَها أعْضاءً، وإنَّما جُمِعَتْ جَمْعَ السَّلامَةِ جَبْرًا لِلْمَحْذُوفِ، كَسِنِينَ وعِزِينَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَجْزِئَةِ القرآن بِالتَّعْضِيَةِ الَّتِي هي تَفْرِيقُ الأعْضاءِ مِن ذِي الرُّوحِ المُسْتَلْزِمُ لِإزالَةِ حَياتِهِ، وإبْطالِ اسْمِهِ دُونَ مُطْلَقِ التَّجْزِئَةِ، والتَّفْرِيقِ اللَّذَيْنِ رُبَّما يُوجَدانِ فِيما لا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ مِنَ المِثْلِيّاتِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوهُ بِالقرآن العَظِيمِ. وقِيلَ: هي فِعْلَةٌ مِن عَضَهْتُهُ إذا بَهَتَّهُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: العَضْهُ السحر بِلِسانِ قُرَيْشٍ، فَنُقْصانُها عَلى الأوَّلِ واوٌ، وعَلى الثّانِي هاءٌ.
15:92Page 267
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لَنَسْألَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أصْنافَ الكَفَرَةِ مِنَ المُقْتَسِمِينَ وغَيْرِهِمْ، سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ.
﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن قَوْلٍ، وفِعْلٍ، وتَرْكٍ. فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاقْتِسامِ، والتَّعْضِيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَنَجْزِيَنَّهم بِذَلِكَ جَزاءً مَوْفُورًا، وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ، وتَأْكِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مُضافًا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إظْهارُ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
15:94Page 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاجْهَرْ بِهِ مِن صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، أوِ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ: الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ المُودَعَةِ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيتَهُ مِنَ المَثانِي السَّبْعِ، والقرآن العَظِيمِ.
﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ، ولا تُبالِ بِهِمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهم.
15:95Page 267
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ بِقَمْعِهِمْ، وتَدْمِيرِهِمْ. قِيلَ: كانُوا خَمْسَةً مِن أشْرافِ قُرَيْشٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الطَّلاطِلَةِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ. يُبالِغُونَ في إيذاءِ النَّبِيِّ ﷺ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: قَدْ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهُمْ، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ، فَلَمْ يَنْعَطِفْ تَعْظِيمًا لِأخْذِهِ، فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ فَقَطَّهُ فَماتَ، وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِ فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ، فَقالَ: لُدِغْتُ لُدِغْتُ، وانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى فَماتَ. وأشارَ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ فَعَمِيَ. وإلى أنْفِ الحارِثِ فامْتَخَطَ قَيْحًا، فَماتَ. وإلى الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وهو قاعِدٌ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَجَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ، ويَضْرِبُ وجْهَهُ بِالشَّوْكِ، حَتّى ماتَ.
15:96Page 267
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وصَفَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ بِإعْلامِ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي الإشْراكُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ ما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ.
15:97Page 267
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
(p-93)﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الشِّرْكِ، والطَّعْنِ في القرآن، والِاسْتِهْزاءِ بِهِ وبِكَ. وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّسْلِيَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ؛ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُتَعَلِّقِهِ، بِاسْتِمْرارِ ما يُوجِبُهُ مِن أقْوالِ الكَفَرَةِ.
15:98Page 267
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فافْزَعْ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما نابَكَ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ، والحَرَجِ بِالتَّسْبِيحِ، والتَّقْدِيسِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أعْنِي الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ، والحَمْدِ ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أيِ: المُصَلِّينَ يَكْفِيكَ، ويَكْشِفُ الغَمَّ عَنْكَ، أوْ فَنَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ عَلى أنْ هَداكَ لِلْحَقِّ المُبِينِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ.»
15:99Page 267
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ تَعالى، وإيثارُ الإظْهارِ بِالعُنْوانِ السّالِفِ آنِفًا، لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ أيِ: المَوْتُ. فَإنَّهُ مُتَيَقَّنُ اللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ. والمَعْنى: دُمْ عَلى العِبادَةِ ما دُمْتَ حَيًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِها لَحْظَةً. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ الحِجْرِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والمُسْتَهْزِئِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ» ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences