Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:52–69
16:52Page 272
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
﴿وَلَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا، ومُلْكًا. تَقْرِيرٌ لِعِلَّةِ انْقِيادِ ما فِيها لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةٌ، وتَحْقِيقٌ لِتَخْصِيصِ الرَّهْبَةِ بِهِ تَعالى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ أيِ: الطّاعَةُ والِانْقِيادُ.
﴿واصِبًا﴾ أيْ: واجِبًا ثابِتًا لا زَوالَ لَهُ لِما تَقَرَّرَ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْهَبَ، وقِيلَ: واصِبًا مِنَ الوَصْبِ. أيْ: ولَهُ الدِّينُ ذا كُلْفَةٍ، وقِيلَ: الدِّينُ الجَزاءُ، أيْ: ولَهُ (p-120)الجَزاءُ الدّائِمُ، بِحَيْثُ لا يَنْقَطِعُ ثَوابُهُ لِمَن آمَنَ، وعِقابُهُ لِمَن كَفَرَ.
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ، و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: أعَقِيبَ تَقَرُّرِ الشُّؤُونِ المَذْكُورَةِ مِن تَخْصِيصِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ لِلسُّجُودِ بِهِ تَعالى، وكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ، ونَهْيِهِ عَنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ. وكَوْنِ الدِّينِ لَهُ واصِبًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِتَخْصِيصِ التَّقْوى بِهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ تَتَّقُونَ فَتُطِيعُونَ.
16:53Page 272
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
﴿وَما بِكُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُلابِسُكُمْ، ويُصاحِبُكم ﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ أيَّةِ نِعْمَةٍ كانَتْ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَهي مِنَ اللَّهِ. فَـ "ما" شَرْطِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ دُونَ الحُصُولِ، فَإنَّ مُلابَسَةَ النِّعْمَةِ بِهِمْ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِأنَّها مِنهُ تَعالى لا لِكَوْنِها مِنهُ تَعالى.
﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ مَسامًا يَسِيرًا ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ تَتَضَرَّعُونَ في كَشْفِهِ لا إلى غَيْرِهِ، والجُؤارِ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، قالَ الأعْشى:
؎ يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارا
وَقُرِئَ: (تَجَّرُونَ) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها، وفي ذِكْرِ المَساسِ المُنْبِئِ عَنْ أدْنى إصابَةٍ، وإيرادِهِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ الحُدُوثِ مَعَ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِهِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، وتَحْلِيَةِ الضُّرِّ بِلامِ الجِنْسِ المُفِيدَةِ لِمَساسِ أدْنى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجِنْسِ مَعَ إيرادِ النِّعْمَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَتِها لِلْمُخاطَبِينَ بِباءِ المُصاحَبَةِ، وإيرادِ ما المُعْرِبَةِ عَنِ العُمُومِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ، والفَخامَةِ، ولَعَلَّ إيرادَ إذا دُونَ إنْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الجَوابِ.
16:54Page 272
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ وقُرِئَ: (كاشَفَ الضُّرَّ)، وكَلِمَةُ ثُمَّ لَيْسَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِي زَمانِ مَساسِ الضُّرِّ، ووُقُوعِ الكَشْفِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مَدِيدَةٍ، بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن مُفاجَأةِ الإشْراكِ المَدْلُولِ عَلَيْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ تَرَتُّبَها عَلى ذَلِكَ في أبْعَدِ غايَةٍ مِنَ الضَّلالِ، ثُمَّ إنْ وُجِّهَ الخِطابُ إلى النّاسِ جَمِيعًا، فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والفَرِيقُ فَرِيقُ الكَفَرَةِ، وإنْ وُجِّهَ إلى الكَفَرَةِ فَـ "مِن" لِلْبَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا فَرِيقٌ كافِرٌ، وهم أنْتُمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنِ اعْتَبَرَ، وازْدَجَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ فَـ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ أيْضًا، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الإشْراكِ والكُفْرانِ.
16:55Page 273
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهُمْ، كَأنَّهم جَعَلُوا غَرَضَهم في الشِّرْكِ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، وإنْكارَ كَوْنِها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِتَناهِي السُّخْطِ. وقُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى "لِيَكْفُرُوا" عَلى أنْ يَكُونَ كُفْرانُ النِّعْمَةِ والتَّمَتُّعُ غَرَضًا لَهم مِنَ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ الوارِدِ لِلتَّهْدِيدِ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكُمْ، وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، وفِيهِ وعِيدٌ أكِيدٌ مُنْبِئٌ عَنْ أخْذٍ شَدِيدٍ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ المَفْعُولُ إشْعارًا بِأنَّهُ مِمّا لا يُوصَفُ.
16:56Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
(p-121)﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ بِحَسَبِ المَعْنى تِعْدادًا لِجِناياتِهِمْ، أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الجُؤارِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَساسِ الضُّرِّ، ومِنَ الإشْراكِ بِهِ عِنْدَ كَشْفِهِ، ويَجْعَلُونَ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِما لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ، وقَدْرَهُ الخَسِيسَ مِنَ الجَماداتِ الَّتِي يَتَّخِذُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جَهالَةً وسَفاهَةً، ويَزْعُمُونَ أنَّها تَنْفَعُهُمْ، وتَشْفَعُ لَهم. عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ. أوْ لِما لا عِلْمَ لَهُ أصْلًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ أيْضًا، والعائِدُ إلَيْها ما في الفِعْلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ لِكَوْنِ "ما" عِبارَةً عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي وصَفُوها بِصِفاتِ العُقَلاءِ، أوْ مَصْدَرِيَّةً. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ، والمَجْعُولُ لَهُ لِلْعِلْمِ بِمَكانِهِ.
﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها.
﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنْيا بِأنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْها، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ، وصَرْفِ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ الغَضَبِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
16:57Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ هم خُزاعَةُ، وكِنانَةُ. الَّذِينَ يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ، وتَقْدِيسٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، أوْ تَعْجِيبٌ مِنَ جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ.
﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ البَنِينَ. و "ما" مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ، والظَّرْفُ مُقَدَّمٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وسُبْحانُهُ اعْتِراضٌ في حَقِّ مَوْقِعِهِ، وجَعْلُها مَنصُوبَةً بِالعَطْفِ عَلى البَناتِ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ البَنِينَ يُؤَدِّي إلى جَعْلِ الجَعْلِ، بِمَعْنى: يَعُمُّ الزَّعْمَ والِاخْتِيارَ.
16:58Page 273
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ أيْ: أُخْبِرَ بِوِلادَتِها ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾ أيْ: صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ ﴿مُسْوَدًّا﴾ مِنَ الكَآبَةِ، والحَياءِ مِنَ النّاسِ. واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ الِاغْتِمامِ والتَّشْوِيشِ.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مُمْتَلِئٌ حَنَقًا وغَيْظًا.
16:59Page 273
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
﴿يَتَوارى﴾ أيْ: يَسْتَخْفِي ﴿مِنَ القَوْمِ مِنَ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ مِن أجْلِ سُوئِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما لِإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ أيْ: مُتَرَدِّدًا في أمْرِهِ مُحَدِّثًا نَفْسَهُ في شَأْنِهِ أيُمْسِكُهُ ﴿عَلى هُونٍ﴾ ذُلٍّ. وقُرِئَ: (هَوانٍ).
﴿أمْ يَدُسُّهُ﴾ يُخْفِيهِ ﴿فِي التُّرابِ﴾ بِالوَأْدِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ما. وقُرِئَ: بِالتَّأْنِيثِ.
﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حَيْثُ يَجْعَلُونَ ما هَذا شَأْنُهُ عِنْدَهم مِنَ الهُونِ، والحَقارَةِ لِلَّهِ المُتَعالِي عَنِ الصّاحِبَةِ، والوَلَدِ. والحالُ أنَّهم يَتَحاشَوْنَ عَنْهُ، ويَخْتارُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، فَمَدارُ الخَطَأِ جَعْلُهم ذَلِكَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ إبائِهِمْ إيّاهُ لا جَعْلُهُمُ البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ، ولا عَدَمُ جَعْلِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَدارُهُ التَّعْكِيسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ .
16:60Page 273
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
(p-122)﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِمَّنْ ذُكِرَتْ قَبائِحُهم ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صِفَةُ السَّوْءِ الَّذِي هو كالمَثَلِ في القُبْحِ، وهي الحاجَةُ إلى الوَلَدِ لِيَقُومَ مَقامَهم عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وإيثارُ الذُّكُورِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِمْ، ووَأْدُ البَناتِ لِدَفْعِ العارِ، وخَشْيَةِ الإمْلاقِ المُنادِي كُلَّ ذَلِكَ بِالعَجْزِ والقُصُورِ والشُّحِّ البالِغِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ هو الكُفْرُ بِالآخِرَةِ.
﴿وَلِلَّهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي مَثَلٌ في العُلُوِّ مُطْلَقًا، وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ، والغِنى المُطْلَقُ، والجُودُ الواسِعُ، والنَّزاهَةُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ عُلُوُّهُ تَعالى عَمّا قالُوهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ المُتَفَرِّدُ بِكَمالِ القُدْرَةِ لا سِيَّما عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، وهَذا أيْضًا مِن جُمْلَةِ صِفاتِهِ العَجِيبَةِ تَعالى.
16:61Page 273
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ الكُفّارَ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدِّدَ مِن قَبائِحِهِمْ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإيذانٌ بِأنَّ ما أتَوْهُ مِنَ القَبائِحِ قَدْ تَناهى إلى أمَدٍ لا غايَةَ وراءَهُ ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: ما تَرَكَ عَلَيْها شَيْئًا مِن دابَّةٍ قَطُّ، بَلْ أهْلَكَها بِالمَرَّةِ بِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ. فَقالَ: بَلى، واللَّهُ حَتّى إنَّ الحُبارى لَتَمُوتُ في وكْرِها بِظُلْمِ الظّالِمِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجُعَلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، أوْ مِن دابَّةٍ ظالِمَةٍ. وقِيلَ لَوْ أهْلَكَ الآباءَ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ في الأرْضِ دابَّةٌ لِما أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعَ البَشَرِ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ .
﴿وَلَكِنْ﴾ لا يُؤاخِذُهم بِذَلِكَ بَلْ ﴿يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِأعْمارِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ كَيْ يَتَوالَدُوا، أوْ يَكْثُرَ عَذابُهم.
﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ المُسَمّى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ، أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ. وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ساعَةً﴾ فَذَّةً. وهي مَثَلٌ في قِلَّةِ المُدَّةِ.
﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذِكْرِهِ مَعَ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِنَظْمِهِ في سَلْكِ ما يَمْتَنِعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا قَدْ نُظِّمَ في سِمْطِ مَن لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُما سِيّانِ في ذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ.
16:62Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ (p-123)أيْ: يُثْبِتُونَ لَهُ سُبْحانَهُ، ويَنْسُبُونَ إلَيْهِ في زَعْمِهِمْ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا ذُكِرَ، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ، وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ تَعالى ما يَجْعَلُونَ، ومَعَ ذَلِكَ تَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ، وهو ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ وقُرِئَ: (الكُذُبَ) وهو جَمْعُ الكَذُوبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الألْسِنَةِ.
﴿لا جَرَمَ﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ ذَلِكَ، وإثْباتٌ لِنَقِيضِهِ، أيْ: حَقًّا.
﴿أنَّ لَهُمُ﴾ مَكانَ ما أمَّلُوا مِنَ الحُسْنى.
﴿النّارَ﴾ الَّتِي لَيْسَ وراءَ عَذابِها عَذابٌ، وهي عَلَمٌ في السَّوْأى ﴿وَأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُقَدَّمُونَ إلَيْها مِن أفْرَطْتُهُ، أيْ: قَدَّمْتُهُ في طَلَبِ الماءِ. وقِيلَ: مَنسِيُّونَ مَن أفْرَطْتُ فُلانًا خَلْفِي إذا خَلَّفْتَهُ، ونَسِيتَهُ. وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ، وفَتْحِ الرّاءِ مِن فَرَّطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ، وبِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ مِنَ التَّفْرِيطِ في الطّاعاتِ، وبِكَسْرِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الإفْراطِ في المَعاصِي، فَلا يَكُونانِ حِينَئِذٍ مِن أحْوالِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ كَما عُطِفَ عَلَيْهِ.
16:63Page 273
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَنالُهُ مِن جَهالاتِ الكَفَرَةِ، ووَعِيدٌ لَهم عَلى ذَلِكَ، أيْ: أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا فَدَعَوْهم إلى الحَقِّ فَلَمْ يُجِيبُوا إلى ذَلِكَ.
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ، فَعَكَفُوا عَلَيْها مُصِرِّينَ.
﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ﴾ أيْ: قَرِينُهُمْ، وبِئْسَ القَرِينُ.
﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: يَوْمَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فِيهِ عَلى طَرِيقِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، أوْ في الدُّنْيا، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى طَرِيقِ حِكايَةِ الحالِ الآتِيَةِ، وهي حالُ كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ في النّارِ. والوَلِيُّ بِمَعْنى: النّاصِرُ، أيْ: فَهو ناصِرُهُمُ اليَوْمَ لا ناصِرَ لَهم غَيْرُهُ. مُبالَغَةً في نَفْيِ النّاصِرِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والمَعْنى: زَيَّنَ لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أعْمالَهُمْ، فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهُمْ، وأنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: ولِيُّ أمْثالِهِمْ.﴿وَلَهُمْ﴾ فى الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو عَذابُ النّارِ.
16:64Page 273
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن.
﴿إلا لِتُبَيِّنَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتُبَيِّنَ ﴿لَهُمُ﴾ أيْ: لِلنّاسِ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ، والقَدَرِ، وأحْكامِ الأفْعالِ، وأحْوالِ المَعادِ.
﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِتُبَيِّنَ، أيْ: ولِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وإنَّما انْتَصَبا لِكَوْنِهِما أثَرَيْ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِخِلافِ التَّبَيُّنِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَصِبْ لِفُقْدانِ شَرْطِهِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِما لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ، وتَخْصِيصُ كَوْنِهِما هُدًى ورَحْمَةً بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ آثارَهُ.
16:65Page 274
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ حَسْبَما مَرَّ، وهَذا تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ، وتَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُهُ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ﴿ماءً﴾ نَوْعًا خاصًّا مِنَ الماءِ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِما مَرَّ مِرارًا (p-124)مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بِما أنْبَتَ بِهِ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتاتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: بَعْدَ يُبْسِها وما يُفِيدُهُ الفاءُ مِنَ التَّعْقِيبِ العادِيِّ، لا يُنافِيهِ ما بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ مِنَ المُهْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِهِ ﴿لآيَةً﴾ وأيَّةُ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانِهِ، وعِلْمِهِ، وقدرته، وحِكْمَتِهِ.
﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ هَذا التَّذْكِيرَ ونَظائِرَهُ سَماعَ تَفَكُّرٍ، وتَدَبُّرٍ فَكَأنَّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ أصَمُّ.
16:66Page 274
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦
And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.
﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً، وأيَّ: عِبْرَةٍ تَحارُ في دَرْكِها العُقُولُ، وتَهِيمُ في فَهْمِها ألْبابُ الفُحُولِ.
﴿نُسْقِيكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا مِنَ العِبْرَةِ، ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ أيْ: بُطُونِ الأنْعامِ، والتَّذْكِيرُ هُنا لِمُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ، فَإنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، ولِذَلِكَ عَدَّهُ سِيبَوَيْهِ في المُفْرَداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى أفْعالٍ كَأكْباشٍ وأخْلاقٍ. كَما أنَّ تَأْنِيثَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ لِرِعايَةِ جانِبِ المَعْنى، ومَن جَعَلَهُ جَمْعَ نَعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ، فَإنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ لِجَمِيعِها أوَّلَهُ عَلى المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ النُّونِ هَهُنا، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا﴾ الفَرْثُ فُضالَةُ ما يَبْقى مِنَ العَلَفِ في الكَرِشِ المُنْهَضِمَةِ بَعْضَ الِانْهِضامِ، وكَثِيفُ ما يَبْقى في المِعاءِ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتَلَفَتْ، وانْطَبَخَ العَلَفُ في كَرِشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، وأعْلاهُ دَمًا. ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ، وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَغْذُو البَدَنَ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَكَوُّنِهِما في الكَرِشِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، بَلِ الكَبِدُ تَجْذِبُ صَفاوَةَ الطَّعامِ المُنْهَضِمِ في الكَرِشِ، ويَبْقى ثُفْلُهُ وهو الفَرْثُ، ثُمَّ يُمْسِكُها رَيْثَما يَهْضِمُها فَيُحْدِثُ أخَلاطًا أرْبَعَةً مَعَها مائِيَّةً، فَتُمَيِّزُ القُوَّةُ المُمَيِّزَةُ تِلْكَ المائِيَّةَ بِما زادَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ المِرَّتَيْنِ الصَّفْراءِ والسَّوْداءِ، وتَدْفَعُها إلى الكُلْيَةِ، والمَرارَةِ، والطِّحالِ. ثُمَّ تُوَزِّعُ الباقِيَ عَلى الأعْضاءِ بِحَسَبِها فَتُجْرِي عَلى كُلٍّ حَقَّهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ. ثُمَّ إنْ كانَ الحَيَوانُ أُنْثى زادَ أخْلاطُها عَلى قَدْرِ غِذائِها لِاسْتِيلاءِ البَرْدِ، والرُّطُوبَةِ عَلى مِزاجِها، فَيَنْدَفِعُ الزّائِدُ أوَّلًا لِأجْلِ الجَنِينِ إلى الرَّحِمِ، فَإذا انْفَصَلَ انْصَبَّ ذَلِكَ الزّائِدُ، أوْ بَعْضُهُ إلى الضُّرُوعِ فَيَبْيَضُّ لِمُجاوَرَتِهِ لُحُومَها العَذَوِيَّةَ البِيضَ، ويَلَذُّ طَعْمُهُ فَيَصِيرُ لَبَنًا. ومَن تَدَبَّرَ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فِيما ذُكِرَ مِنَ الأخْلاطِ والألْبانِ، وأعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها، والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها، وتَسْخِيرِ القُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، اضْطُرَّ إلى الِاعْتِرافِ بِكَمالِ عِلْمِهِ، وقدرته، وحِكْمَتِهِ، وتَناهِي رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ. فَـ "مِن" الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِما أنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِهِ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ حَسْبَما فُصِّلَ. والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ: سَقَيْتُ مِنَ الحَوْضِ؛ لِأنَّ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ مَبْدَأ الإسْقاءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيكُمْ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ، يَبْعَثُ لِلنَّفْسِ شَوْقًا إلى المُؤَخَّرِ مُوجِبًا لِفَضْلِ تَمْكِينِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها لا سِيَّما إذا كانَ المُقَدَّمُ مُتَضَمِّنًا لِوَصْفٍ مُنافٍ لِوَصْفِ المُؤَخَّرِ، كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ بَيْنَ وصْفَيِ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ تَنافِيًا، وتَنائِيًا، بِحَيْثُ لا يَتَراءى ناراهُما، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الشَّوْقَ والِاسْتِشْرافَ إلى المُؤَخَّرِ. (p-125)كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ أوْ حالٌ مِن لَبَنًا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ ﴿خالِصًا﴾ عَنْ شائِبَةِ ما في الدَّمِ والفَرْثِ مِنَ الأوْصافِ، بِبَرْزَخٍ مِنَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ الحاجِزَةِ عَنْ بَغْيِ أحَدِهِما عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِما مُكْتَنِفِينَ لَهُ ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ، قِيلَ: لَمْ يَغَصَّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ. وقُرِئَ: (سَيِّغًا) بِالتَّشْدِيدِ، وبِالتَّخْفِيفِ، مِثْلَ: هَيْنٍ وهَيِّنٍ.
16:67Page 274
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الإسْقاءُ مِن مُطْلَقِ الإطْعامِ المُنْتَظِمِ لِإعْطاءِ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، فَإنَّ اللَّبَنَ مَطْعُومٌ كَما أنَّهُ مَشْرُوبٌ، أيْ: ونُطْعِمُكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ، ومِنَ الأعْنابِ، أيْ: مِن عَصِيرِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كُنْهِ الإطْعامِ وكَشْفِهِ، أوْ بِقَوْلِهِ: "تَتَّخِذُونَ مِنهُ" وتَكْرِيرُ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ تَتَّخِذُونَ، أيْ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ في الكَلامِ كَلِمَةُ "مِن" سائِغٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّهُ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ. أعْنِي العَصِيرَ. أوْ لِأنَّ المُرادَ هو الجِنْسُ، والسَّكَرُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الخَمْرُ، وقِيلَ: هو النَّبِيذُ. وقِيلَ: هو الطَّعْمُ.
﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمْرِ والدِّبْسِ والزَّبِيبِ والخَلِّ، والآيَةُ إنْ كانَتْ سابِقَةَ النُّزُولِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهَتِها، وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ باهِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الآياتِ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ.
16:68Page 274
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ أيْ: ألْهَمَها، وقَذَفَ في قُلُوبِها، وعَلَّمَها بِوَجْهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ. وقُرِئَ: بِفَتْحَتَيْنِ ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾ أيْ: بِأنِ اتَّخِذِي عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في الإيحاءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ النَّحْلَ مُذَكَّرٌ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، أوْ لِأنَّهُ جَمْعُ نَحْلَةٍ، والتَّأْنِيثُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ أيْ: أوْكارًا مَعَ ما فِيها مِنَ الخَلايا. وقُرِئَ: (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أيْ: يَعْرِشُهُ النّاسُ، أيْ: يَرْفَعُهُ مِن كَرْمٍ أوْ سَقْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: ما يَرْفَعُهُ النّاسُ، ويَبْنُونَهُ لِلنَّحْلِ. والمَعْنى: اتَّخِذِي لِنَفْسِكِ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ. إذا لَمْ يَكُنْ لَكِ أرْبابٌ، وإلّا فاتَّخِذِي ما يَعْرِشُونَهُ لَكِ، وإيرادُ حَرْفِ التَّبْعِيضِ لِما أنَّها لا تُبْنى في كُلِّ جَبَلٍ، وكُلِّ شَجَرٍ، وكُلِّ عَرْشٍ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها.
16:69Page 274
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩
Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها حُلْوَها ومُرَّها.
﴿فاسْلُكِي﴾ ما أكَلْتِ مِنها ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أيْ: مَسالِكَهُ الَّتِي بَرَأها بِحَيْثُ يُحِيلُ فِيها بِقدرته القاهِرَةِ النَّوْرَ المُرَّ عَسَلًا مِن أجْوافِكِ، أوْ فاسْلُكِي الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ سُبُلَ رَبِّكِ لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ ولا (p-126)تَلْتَبِسُ ﴿ذُلُلا﴾ جَمْعُ ذَلُولٍ، وهو حالٌ مِنَ السُّبُلِ، أيْ: مُذَلَّلَةً غَيْرَ مُتَوَعِّرَةٍ ذَلَّلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وسَهَّلَها لَكِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اسْلُكِي، أيِ: اسْلُكِي مُنْقادَةً لِما أُمِرْتِ بِهِ.
﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ اسْتِئْنافٌ عُدِلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَوْضِعُ العِبْرَةِ بَعْدَ ما أُمِرَتْ بِما أُمِرَتْ.
﴿شَرابٌ﴾ أيْ: عَسَلٌ لِأنَّهُ مَشْرُوبٌ، واحْتَجَّ بِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: "كُلِي" مَن زَعَمَ أنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ الأزْهارَ والأوْراقَ العَطِرَةَ، فَتَسْتَحِيلُ في بَطْنِها عَسَلًا، ثُمَّ تَقِيءُ ادِّخارًا لِلشِّتاءِ، ومَن زَعَمَ أنَّها تَلْتَقِطُ بِأفْواهِها أجْزاءً قَلِيلَةً حُلْوَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأزْهارِ والأوْراقِ، وتَضَعُها في بُيُوتِها، فَإذا اجْتَمَعَ فِيها شَيْءٌ كَثِيرٌ يَكُونُ عَسَلًا، فَسَّرَ البُطُونَ بِالأفْواهِ.
﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أبْيَضُ وأسْوَدُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ حَسَبَ اخْتِلافِ سِنِّ النَّحْلِ، أوِ الفَصْلِ، أوِ الَّذِي أخَذَتْ مِنهُ العَسَلَ.
﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ، إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ لا يَكُونُ فِيهِ عَسَلٌ مَعَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ مُشْعِرٌ بِالتَّبَعِيَّةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ لِلتَّفْخِيمِ. وعَنْ قَتادَةَ " «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقالَ ﷺ: اسْقِهِ العَسَلَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفَعَ، فَقالَ: اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، فَسَقاهُ فَبَرِئَ» " كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ النَّحْلِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: العَسَلُ شَفاءٌ لِكُلِّ داءٍ، والقرآن شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، فَعَلَيْكم بِالشِّفاءَيْنِ العَسَلِ والقرآن ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أعاجِيبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مِن تَفَكَّرَ في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ، والأفْعالِ العَجِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى حُسْنِ الصَّنْعَةِ، وصِحَّةِ القِسْمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ إلّا بِآلاتٍ رَقِيقَةٍ، وأدَواتٍ أنِيقَةٍ، وأنْظارٍ دَقِيقَةٍ جَزَمَ قَطْعًا بِأنَّ لَهُ خالِقًا قادِرًا حَكِيمًا يُلْهِمُها ذَلِكَ، ويَهْدِيها إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences