Abu as-Su'udAn‑Nahl · 16:70–80

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:70–80

16:70Page 274

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠

And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.

﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، وتَطَوُّراتِهِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ، وقَدْ ضَبَطُوا مَراتِبَ العُمُرِ في أرْبَعٍ: الأُولى: سِنُّ النُّشُورِ والنَّماءِ. والثّانِيَةُ: سِنُّ الوُقُوفِ، وهي سِنُّ الشَّبابِ. والثّالِثَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ القَلِيلِ، وهي سِنُّ الكُهُولَةِ. والرّابِعَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ الكَبِيرِ، وهي سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ.

﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ أطْفالًا وشَبابًا وشُيُوخًا ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ﴾ قَبْلَ تَوَفِّيهِ، أيْ: يُعادُ.

﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ: أخَسِّهِ وأحْقَرِهِ، وهو خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وتِسْعُونَ سَنَةً عَلى ما نُقِلَ عَنْ قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: خَمْسٌ وتِسْعُونَ. وإيثارُ الرَّدِّ عَلى الوُصُولِ، والبُلُوغِ ونَحْوِهِما لِلْإيذانِ بِأنَّ بُلُوغَهُ، والوُصُولَ إلَيْهِ رُجُوعٌ في الحَقِيقَةِ إلى الضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ ولا عُمُرَ أسْوَأُ حالًا مِن عُمُرِ الهَرَمِ الَّذِي يُشْبِهُ الطِّفْلَ في نُقْصانِ العَقْلِ والقُوَّةِ.

﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ كَثِيرٍ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ العِلْمِ أوْ مِنَ (p-127)المَعْلُوماتِ، أوْ لِكَيْلا يَعْلَمَ شَيْئًا بَعْدَ عِلْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم ﴿قَدِيرٌ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ، ويُبْقِي الهَرَمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ الآجالِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ رَكَّبَ أبْنِيَتَهُمْ، وعَدَّلَ أمْزِجَتَهم عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الطَّبائِعِ لَما بَلَغَ التَّفاوُتُ هَذا المَبْلَغَ.

16:71Page 274

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١

And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ أيْ: جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ فَأعْطاكم مِنهُ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَمالِيكَكم.

﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ فِيهِ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ الَّذِي رَزَقَهم إيّاهُ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمُ الَّذِينَ هم شُرَكاؤُهم في المَخْلُوقِيَّةِ والمَرْزُوقِيَّةِ ﴿فَهُمْ﴾ أيِ: المُلّاكُ والمَمالِيكُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في الرِّزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ أيْ: لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ يُساوُونَهم في التَّصَرُّفِ، ويُشارِكُونَهم في التَّدْبِيرِ و "الفاءُ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ التَّساوِي عَلى الرَّدِّ، أيْ: لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ رَدًّا مُسْتَتْبِعًا لِلتَّساوِي، وإنَّما يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْئًا يَسِيرًا، فَحَيْثُ لا يَرْضَوْنَ بِمُساواةِ مَمالِيكِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وهم أمْثالُهم في البَشَرِيَّةِ، والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ في شَيْءٍ لا يُخْتَصُّ بِهِمْ، بَلْ يَعُمُّهم وإيّاهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هم أُسْوَةٌ لَهم في اسْتِحْقاقِهِ، فَما بالُهم يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ، والمَعْبُودِيَّةِ الخاصَّةِ بِذاتِهِ تَعالى لِذاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي هو بِمَعْزِلٍ مِن دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وهَذا كَما تَرى مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ تَقْرِيعًا عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ ... الآيَةَ.

﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الإشْراكِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُضِيفُوا نِعَمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الفائِضَةَ عَلَيْهِمْ إلى شُرَكائِهِمْ، ويَجْحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحِجَجِ البالِغَةِ بَعْدَما أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، و "الباءُ" لِتَضْمِينِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ، نَحْوَ: وجَحَدُوا بِها. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، وهي داخِلَةٌ في المَعْنى عَلى الفِعْلِ، أيْ: أيُشْرِكُونَ بِهِ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وقُرِئَ: (تَجْحَدُونَ) عَلى الخِطابِ، أوْ لَيْسَ المَوالِي بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَمالِيكِهِمْ، بَلْ أنا الَّذِي أُرْزَقُهُمْ، وإيّاهم فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم يُعْطُونَهم شَيْئًا، وإنَّما هو رِزْقِي أُجْرِيهِ عَلى أيْدِيهِمْ فَهم جَمِيعًا في ذَلِكَ سَواءٌ لا مَزِيَّةَ لَهم عَلى مَمالِيكِهِمْ ألا يَفْهَمُونَ ذَلِكَ، فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فَهو رَدٌّ عَلى زَعْمِ المُفَضَّلِينَ، أوْ عَلى فِعْلِهِمُ المُؤْذِنِ بِذَلِكَ، أوْ ما المُفَضَّلُونَ بِرادِّي بَعْضِ فَضْلِهِمْ عَلى مَمالِيكِهِمْ فَيَتَساوَوْا في ذَلِكَ جَمِيعًا، مَعَ أنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ إلّا لِيَبْلُوَهم أيَشْكُرُونَ أمْ يَكْفُرُونَ؟ ألا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الرَّدِّ، يُحْكى عَنْأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إنَّما هم إخْوانُكم فاكْسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ، وأطْعِمُوهم مِمّا تَطْعَمُونَ، فَما رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ورِداؤُهُ رِداؤُهُ، وإزارُهُ إزْرارُهُ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ» ".

16:72Page 274

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢

And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ (p-128)أيْ: مِن جِنْسِكم ﴿أزْواجًا﴾ لِتَأْنَسُوا بِها، وتُقِيمُوا بِذَلِكَ جَمِيعَ مَصالِحِكُمْ، ويَكُونُ أوْلادُكم أمْثالَكم. وقِيلَ: هو خَلْقُ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ جَعْلُ لِكُلٍّ مِنكم مِن زَوْجِهِ لا مِن زَوْجِ غَيْرِهِ.

﴿بَنِينَ﴾ وبِأنَّ نَتِيجَةَ الأزْواجِ هُوَ: التَّوالُدُ ﴿وَحَفَدَةً﴾ جَمْعُ حافِدٍ، وهو الَّذِي يُسْرِعُ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ. ومِنهُ قَوْلُ القانِتِ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: جَعَلَ لَكم خَدَمًا يُسْرِعُونَ في خِدْمَتِكُمْ، وطاعَتِكم. فَقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أوْلادُ الأوْلادِ. وقِيلَ: البَناتُ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ إيذانًا بِوَجْهِ المِنَّةِ، فَإنَّهُنَّ يَخْدُمْنَ البُيُوتَ أتَمَّ خِدْمَةٍ. وقِيلَ: أوْلادُ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ. وقِيلَ: البَنُونَ، والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. وقِيلَ: الأُخْتانِ عَلى البَناتِ. وتَأْخِيرُ المَنصُوبِ في المَوْضِعَيْنِ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَجْرُورِ بِـ "مِن" لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَوْدِ مَنفَعَةِ الجَعْلِ إلَيْهِمْ إمْدادًا لِلتَّشْوِيقِ، وتَقْوِيَةً لَهُ، أيْ: جَعَلَ لِمَصْلَحَتِكم مِمّا يُناسِبُكم أزْواجًا، وجَعَلَ لِمَنفَعَتِكم مِن جِهَةٍ مُناسِبَةٍ لَكم بَنِينَ، وحَفَدَةً.

﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ، أوْ مِنَ الحَلالاتِ. و "مِن" لِلتَّبْعِيضِ إذِ المَرْزُوقُ في الدُّنْيا أُنْمُوذَجٌ لِما في الآخِرَةِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهُمْ، وأنَّ البَحائِرَ ونَحْوَها حَرامٌ. و "الفاءُ" في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الفِعْلِ، وهي لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ هَذا، فَيُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ، أوْ أبْعَدَ تَحَقُّقِ ما ذُكِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ دُونَ اللَّهِ سُبْحانَهُ؟! ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ تَعالى الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ البَيانِ ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ حَيْثُ يُضِيفُونَها إلى الأصْنامِ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِإيهامِ الِاخْتِصاصِ مُبالَغَةً، أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وصَرْفِ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ تَعْجِيبًا لَهم مِمّا فَعَلُوهُ.

16:73Page 275

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣

And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى يَكْفُرُونَ داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، أيْ: أيَكْفُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ.

﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ إنْ جُعِلَ الرِّزْقُ مَصْدَرًا، فَشَيْئًا نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِنهُ، أيْ: ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا لا مِنَ السَّمَواتِ مَطَرًا، ولا مِنَ الأرْضِ نَباتًا، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ، فَنُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ بِمَعْنى قَلِيلًا، ومِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ صِفَةٌ لِرِزْقًا، أيْ: كائِنًا مِنهُما، ويَجُوزُ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِلا يَمْلِكُ، أيْ لا يَمْلِكُ رِزْقًا ما شَيْئًا مِنَ المُلْكِ.

﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يَمْلِكُوهُ إذْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم رَأْسًا لِأنَّها مَواتٌ لا حَراكَ بِها، فالضَّمِيرُ لِلْآلِهَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ في الأُمُورِ لا يَسْتَطِيعُونَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي لا حِسَّ بِهِ.

16:74Page 275

فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤

So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِالِاهْتِمامِ بِشَأْنِ النَّهْيِ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ مَبْناهُ تَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، وقِصَّةٍ بِقِصَّةٍ، أيْ: لا تُشَبِّهُوا بِشَأْنِهِ تَعالى شَأْنًا مِنَ الشُّؤُونِ. و "اللّامُ" مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ﴾ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ لا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ . (p-129)وَنَظائِرِهِ، و "الفاءُ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ النَّهْيِ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وكَوْنُ ما يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَمْلِكَ لَهم مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ شَيْئًا مِن رِزْقٍ ما فَضْلًا عَمّا فُصِّلَ مِن نِعْمَةِ الخَلْقِ، والتَّفْضِيلِ في الرِّزْقِ، ونِعْمَةِ الأزْواجِ والأوْلادِ.

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، ووَعِيدٌ عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ ما تَأْتُونَ، وما تَذَرُونَ. وأنَّهُ في غايَةِ العِظَمِ والقُبْحِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، وإلّا لَما فَعَلْتُمُوهُ، أوْ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم وقِفُوا مَواقِفِ الِامْتِثالِ لِما ورَدَ عَلَيْكم مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَتَقَعُونَ فِيما تَقَعُونَ فِيهِ مِن مَهاوِي الرَّدى والضَّلالِ، ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفِيَّةَ ضَرْبِ الأمْثالِ في هَذا البابِ فَقالَ:

16:75Page 275

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: ذَكَرَ وأوْرَدَ شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ ما أشْرَكُوا بِهِ وعَلى تَباعُدِهِما بِحَيْثُ يُنادِي بِفَسادِ ما ارْتَكَبُوهُ نِداءً جَلِيًّا ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَثَلًا، وتَفْسِيرٌ لَهُ، والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ حالَتُهُ العارِضَةُ لَهُ مِنَ المَمْلُوكِيَّةِ، والعَجْزِ التّامِّ. وبِحَسَبِها ضَرَبَ نَفْسَهُ مَثَلًا، ووَصَفَ العَبْدَ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ لِاشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما عَبْدانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ أنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ لَهُ تَعالى، وبِعَدَمِ القُدْرَةِ لِتَمْيِيزِهِ عَنِ المُكاتَبِ والمَأْذُونِ اللَّذَيْنِ لَهُما تَصَرُّفٌ في الجُمْلَةِ، وفي إبْهامِ المَثَلِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ والجَزالَةِ.

﴿وَمَن رَزَقْناهُ﴾ مَن مَوْصُوفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَبْدًا، أيْ: رَزَقْناهُ بِطَرِيقِ المُلْكِ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حالَيْ ضَرْبِ المَثَلِ، والرِّزْقِ.

﴿مِنّا﴾ مِن جَنابِنا الكَبِيرِ المُتَعالِي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حَلالًا طَيِّبًا، أوْ مُسْتَحْسَنًا عِنْدَ النّاسِ مَرْضِيًّا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَأنْفَقَ. وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإنْفاقِ، واسْتِمْرارِهِ التَّجَدُّدَيِّ.

﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾ أيْ: حالَ السِّرِّ والجَهْرِ، أوْ إنْفاقَ سِرٍّ، وإنْفاقَ جَهْرٍ. والمُرادُ: بَيانُ عُمُومِ إنْفاقِهِ لِلْأوْقاتِ، وشُمُولِ إنْعامِهِ لِمَن يَجْتَنِبُ عَنْ قَبُولِهِ جَهْرًا، والإشارَةُ إلى أصْنافِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ القَرِينَتَيْنِ بِأنْ يُقالَ: وحُرًّا مالِكًا لِلْأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَسِيمِهِ لِتَوَخِّي تَحْقِيقِ الحَقِّ بِأنَّ الأحْرارَ أيْضًا تَحْتَ رِبْقَةِ عُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ مالِكِيَّتَهم لِما يَمْلِكُونَهُ لَيْسَتْ إلّا بِأنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ مَعَ مُحاوَلَةِ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بِالمَثَلِ مِن تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ المُمَثَّلَيْنِ، فَإنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ العَبْدِ المالِكِ، فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ؟! ومالِكِ المُلْكِ خَلّاقِ العالَمِينَ.

﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا فَرْدانِ مَعْنِيّانِ مِنهُما، أيْ: هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-130)وَأنَّ ما يُنْفِقُهُ الأحْرارُ لَيْسَ مِمّا لَهم دَخْلٌ في إيجادِهِ، ولا في تَمَلُّكِهِ بَلْ هو مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُمْ، فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ تُشْرِكُونَ بِهِ ما لا ذَلِيلَ أذَلَّ مِنهُ، وهو الأصْنامُ.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: كُلُّهُ لِأنَّهُ مَوْلى جَمِيعِ النِّعَمِ لا يَسْتَحِقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وإنْ ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي بَعْضِ الوَسائِطِ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى ما هو الحَقُّ مِن أنَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ مَن يُنْفِقُ مِمّا ذُكِرَ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما لَوَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "رَزَقْناهُ" ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما ذُكِرَ فَيُضِيفُونَ نِعَمَهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ، ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وإنَّما لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ عِنادًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ .

16:76Page 275

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ وأظْهَرَ، وبَعْدَ ما أبْهَمَ ذَلِكَ لِتَنْتَظِرَ النَّفْسُ إلى وُرُودِهِ، وتَتَرَقَّبَهُ حَتّى يَتَمَكَّنَ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ بَيَّنَ فَقِيلَ: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ وهو مَن وُلِدَ أخْرَسَ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ، أوْ بِغَيْرِهِ بِحَدْسٍ، أوْ فِراسَةٍ لِقِلَّةِ فَهْمِهِ، وسُوءِ إدْراكِهِ.

﴿وَهُوَ كَلٌّ﴾ ثِقَلٌ وعِيالٌ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾ عَلى مَن يَعُولُهُ، ويَلِي أمْرَهُ. وهَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قدرته عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قدرته عَلى شَيْءٍ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ أيْ: حَيْثُ يُرْسِلُهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ؛ بَيانٌ لِعَدَمِ قدرته عَلى إقامَةِ مَصالِحِ مَوْلاهُ، ولَوْ كانَتْ مَصْلَحَةً يَسِيرَةً. وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّوَجُّهِ.

﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بِنُجْحٍ، وكِفايَةِ مُهِمٍّ البَتَّةَ.

﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ ﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: مَن هو مِنطِيقٌ فَهو ذُو رَأْيٍ وكِفايَةٍ ورُشْدٍ يَنْفَعُ النّاسَ بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الجامِعِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ، ﴿وَهُوَ﴾ في نَفْسِهِ مَعَ ما ذُكِرَ مِن نَفْعِهِ العامِّ لِلْخاصِّ والعامِّ.

﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومُقابَلَةُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُما في حاقَ ما يُقابِلُها، فَإنَّ مُحَصِّلَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ عَدَمُ اسْتِحْقاقِ المَأْمُورِيَّةِ، ومُلَخَّصُ هَذَيْنِ اسْتِحْقاقُ كَمالِ الآمِرِيَّةِ المُسْتَتْبِعِ لِحِيازَةِ المَحاسِنِ بِأجْمَعِها، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والآخَرُ آمِرٌ بِالعَدْلِ الآيَةَ لِمُراعاةِ المُلائِمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ التَّبايُنِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ، واعْلَمْ أنَّ كُلًّا مِنَ الفِعْلَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِهِما حِكايَةَ الضَّرْبِ الماضِي بَلِ المُرادُ إنْشاؤُهُ بِما ذُكِرَ عَقِيبَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلًا بِخَلْقِ الفَرِيقَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ فَكانَ خَلْقُهُما كَذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ تَساوِيهِما عَلى امْتِناعِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ حِكايَةً لِلضَّرْبِ الماضِي.

16:77Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

﴿وَلِلَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً لا لِأحَدٍ غَيْرَهُ اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الأُمُورُ الغائِبَةُ عَنْ عُلُومِ المَخْلُوقِينَ (p-131)قاطِبَةً بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْها. لا مُشاهَدَةً ولا اسْتِدْلالًا، ومَعْنى الإضافَةِ إلَيْهِما التَّعَلُّقُ بِهِما: إمّا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ فِيهِما حالًا أوْ مَآلًا، وإمّا بِاعْتِبارِ الغَيْبَةِ عَنْ أهْلِهِما. والمُرادُ: بَيانُ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ المَعْلُومِيَّةُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ الغَيْبَةِ لا مِن حَيْثُ المَخْلُوقِيَّةُ والمَمْلُوكِيَّةُ، وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ حُضُورِيٌّ. فَإنَّ تَحَقُّقَ الغُيُوبِ في نَفْسِها عِلْمٌ بِالنَّسَّةِ إلَيْهِ تَعالى، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّمَواتِ والأرْضِ ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ ما وقَعَ فِيهِ المُماراةُ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما مِن حَيْثُ غَيْبَتُها عَنْ أهْلِهِما، أوْ ظُهُورُ آثارِها فِيهِما عِنْدَ وُقُوعِها، فَإنَّ وقْتَ وُقُوعِها بِعَيْنِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ آنِيَتُها مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي نُصِبَتْ عَلَيْها الأدِلَّةُ، أيْ: ما شَأْنُها في سُرْعَةِ المَجِيءِ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها ﴿أوْ هُوَ﴾ أيْ: بَلْ أمْرُها فِيما ذُكِرَ ﴿أقْرَبُ﴾ مِن ذَلِكَ، وأسْرَعُ زَمانًا بِأنْ يَقَعَ في بَعْضٍ مِن زَمانِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وإنَّ قَصُرَ عَنْ حَرَكَةٍ آنِيَةٍ لَها هُوِيَّةٌ اتِّصالِيَّةٌ مُنْطَبِقَةٌ عَلى زَمانٍ لَهُ هُوِيَّةٌ، كَذَلِكَ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ إلى أبْعاضٍ هي أزْمِنَةٌ أيْضًا بَلْ في آنٍ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، وهو آنُ ابْتِداءِ تِلْكَ الحَرَكَةِ، أوْ ما أمْرُها إلّا كالشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَقْرَبُ، ويُقالُ هو كَلَمْحِ البَصَرِ، أوْ هو أقْرَبُ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ مَجِيئِها حَسْبَما عَبَّرَ عَنْها في فاتِحَةِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ بِالإتْيانِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنْ يَجِيءَ بِها أسْرَعَ ما يَكُونُ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوْ وما أمْرُ إقامَةِ السّاعَةِ الَّتِي كُنْهُها وكَيْفِيَّتُها مِنَ الغُيُوبِ الخاصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ. وهي إماتَةُ الأحْياءِ، وإحْياءُ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وتَبْدِيلُ صُوَرِ الأكْوانِ أجْمَعِينَ، وقَدْ أنْكَرَها المُنْكِرُونَ، وجَعَلُوها مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الإمْكانِ في سُرْعَةِ الوُقُوعِ، وسُهُولَةِ التَّأتِّي إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ، أوْ هو أقْرَبُ عَلى ما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ. إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شْيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: غَيْبُ السَّمَواتِ والأرْضِ عِبارَةٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ بِعَيْنِهِ لِما أنَّ عِلْمَهُ بِخُصُوصِهِ غائِبٌ عَنْ أهْلِهِما، فَوَضَعَ السّاعَةَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَقْوِيَةِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

16:78Page 275

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ . و "الأُمَّهاتُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِها أيْضًا جَمْعُ "الأُمِّ" زِيدَتِ الهاءُ فِيهِ، كَما زِيدَتْ في أهَراقَ مَن أراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ قالَ:

؎ أُمَّهَتِي خِنْدِفُ والياسُ أبِي

﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا أصْلًا.

﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى أخْرَجَكُمْ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَأخُّرِ الجَعْلِ المَذْكُورِ عَنِ الإخْراجِ لِما أنَّ مَدْلُولَ الواوِ هو الجَمْعُ مُطْلَقًا لا التَّرْتِيبُ، عَلى أنَّ أثَرَ ذَلِكَ الجَعْلِ لا يَظْهَرُ قَبْلَ الإخْراجِ، أيْ: جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ آلاتٍ تُحَصِّلُونَ بِها العِلْمَ والمَعْرِفَةَ، بِأنْ تُحِسُّوا بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ، وتُدْرِكُوها بِأفْئِدَتِكُمْ، وتَتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَها مِنَ المُشارَكاتِ والمُبايَناتِ بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ فَيَحْصُلُ لَكم عُلُومٌ (p-132)بَدِيهِيَّةٌ تَتَمَكَّنُونَ بِالنَّظَرِ فِيها مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ الكَسْبِيَّةِ. والأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ: وهو وسَطُ القَلْبِ، وهو مِنَ القَلْبِ كالقَلْبِ مِنَ الصُّدُورِ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوباتِ لِما مَرَّ مِنَ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المَجْعُولِ نافِعًا لَهُمْ، وتَشْوِيقِ النَّفْسِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم طَوْرًا غِبَّ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ لِما أنَّهُ طَرِيقُ تَلَقِّي الوَحْيِ، أوْ لِأنَّ إدْراكَهُ أقْدَمُ مِن إدْراكِ البَصَرِ، وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ.

16:79Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ وقُرِئَ: بِالتّاءِ.

﴿إلى الطَّيْرِ﴾ جَمْعُ طائِرٍ، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلَيْها ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُساعِدَةِ لَهُ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى التَّسْخِيرِ جَعْلُ الشَّيْءِ مُنْقادًا لِآخَرَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، كَتَسْخِيرِ البَحْرِ والفُلْكِ والدَّوابِّ لِلْإنْسانِ، والواقِعُ هَهُنا تَسْخِيرُ الهَواءِ لِلطَّيْرِ لِتَطِيرَ فِيهِ كَيْفَ تَشاءُ، فَكانَ مُقْتَضى طَبِيعَةِ الطَّيْرِ السُّقُوطَ، فَسَخَّرَها اللَّهُ تَعالى لِلطَّيَرانِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الطَّيَرانَ لَيْسَ مُقْتَضى طَبْعِ الطَّيْرِ بَلْ ذَلِكَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ: في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ والسُّكاكِ واللَّوْحِ أبْعَدَ مِنهُ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ لِما أنَّهُ في جانِبِها مِنَ النّاظِرِ، ولِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ.

﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ حِينَ قَبْضِ أجْنِحَتِهِنَّ، وبَسْطِها، ووُقُوفِهِنَّ.

﴿إلا اللَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ بِقدرته الواسِعَةِ، فَإنَّ ثِقَلَ جَسَدِها، ورِقَّةَ قَوامِ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها، ولا عِلاقَةَ مِن فَوْقِها، ولا دِعامَةَ مِن تَحْتِها. وهو إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مُسَخَّراتٍ، أوْ مِنَ الطَّيْرِ، وإمّا مُسْتَأْنِفٌ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن تَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ، بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً تَتَمَكَّنُ بِها مِنهُ بِأنَّ جَعْلَ لَها أجْنِحَةً خَفِيفَةً، وأذْنابًا كَذَلِكَ، وجَعَلَ أجْسادَها مِنَ الخِفَّةِ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها، وأذْنابَها لا يُطِيقُ ثِقَلَها يَخْرُقُ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ الرَّقِيقِ القَوامِ، وتَخْرُقُ ما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الهَواءِ؛ لِأنَّها لا تُلاقِيهِ بِحَجْمٍ كَبِيرٍ.

﴿لآياتٍ﴾ ظاهِرَةٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما خَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

16:80Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠

And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما مَرَّ، وتَقْدِيمُ لَكم عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ المَجْرُورِ، والمَنصُوبِ لِما مَرَّ مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ، ومَنفَعَتِهِمْ لِتَشْوِيقِ النَّفْسِ إلى وُرُودِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: مِن بُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ الَّتِي تَبْنُونَها مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ تَبْيِينٌ لِذَلِكَ المَجْعُولِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ، وتَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّشْوِيقِ ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكم. أوْ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ، أيْ: جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِكم بِحَيْثُ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وتُطَمْئِنُونَ بِهِ.

﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ (p-133)الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ: بُيُوتًا أُخَرَ مُغايِرَةً لِبُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ هي الخِيامُ والقِبابُ والأخْبِيَةُ والفَساطِيطُ، ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تَجِدُونَها خَفِيفَةً، سَهْلَةَ المَأْخَذِ.

﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تَرْحالِكم في النَّقْضِ والحَمْلِ والنَّقْلِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ العَيْنِ ﴿وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ وقْتَ نُزُولِكم في الضَّرْبِ والبِناءِ ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن جُلُودِ﴾ . والضَّمائِرُ لِلْأنْعامِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ، أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ، وأوْبارِ الإبِلِ، وأشْعارِ المَعْزِ، ﴿أثاثًا﴾ أيْ: مَتاعَ البَيْتِ. وأصْلُهُ الكَثْرَةُ، والِاجْتِماعُ. ومِنهُ شَعْرٌ أثِيثٌ.

﴿وَمَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ بِفُنُونِ التَّمَتُّعِ، ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكُمْ، أوْ إلى أنْ يَبْلى ويَفْنى، فَإنَّهُ في مَعْرِضِ البِلا والفَناءِ. وقِيلَ: إلى أنْ تَمُوتُوا. والكَلامُ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ مِثْلُ ما مَرَّ مِن قَبْلُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском