Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:81–97
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِكم ﴿ظِلالا﴾ أشْياءَ تَسْتَظِلُّونَ بِها مِنَ الحَرِّ كالغَمامِ والشَّجَرِ والجَبَلِ وغَيْرِها، امْتَنَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ لِما أنَّ تِلْكَ الدِّيارَ غالِبَةُ الحَرارَةِ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ مَواضِيعَ تَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الكُهُوفِ، والغِيَرانِ والسُّرُوبِ، والكَلامُ في التَّرْتِيبِ الواقِعِ بَيْنَ المَفاعِيلِ كالَّذِي مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو كُلُّ ما يُلْبَسُ، أيْ: جَعَلَ لَكم ثِيابًا مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ وغَيْرِها، ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، أوْ لِأنَّ وِقايَتَهُ هي الأهَمُّ عِنْدَهم لِما مَرَّ آنِفًا ﴿وَسَرابِيلَ﴾ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ أيِ: البَأْسَ الَّذِي يَصِلُ إلى بَعْضِكم مِن بَعْضٍ في الحَرْبِ مِنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ، ولَقَدْ مَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا حَيْثُ ذَكَرَ جَمِيعَ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلى جَمِيعِ الطَّوائِفِ فَبَدَأ بِما يَخُصُّ المُقِيمِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ ثُمَّ بِما يَخُصُّ المُسافِرِينَ مِمَّنْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى الخِيامِ وأضْرابِها حَيْثُ قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما يَعُمُّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَأْوِيهِ إلّا الظِّلالُ حَيْثُ قالَ ﴿جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما لا بُدَّ مِنهُ لِأحَدٍ حَيْثُ قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما لا غِنى عَنْهُ في الحُرُوبِ حَيْثُ قالَ: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ البالِغِ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ: إرادَةً أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، والباطِنَةِ، والأنْفُسِيَّةِ، والآفاقِيَّةِ. فَتَعْرِفُوا حَقَّ مَنعِهِما، فَتُؤْمِنُوا بِهِ وحْدَهُ، وتَذْرُوا ما كُنْتُمْ بِهِ تُشْرِكُونَ، وتَنْقادُوا لِأمْرِهِ. وإفْرادُ النِّعْمَةِ: إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ، أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقُرِئَ: (تَسْلَمُونَ) أيْ: تَسْلَمُونَ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الشِّرْكِ. وقِيلَ: مِنَ الجِراحِ بِلَبْسِ الدُّرُوعِ.
16:82Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فِعْلٌ ماضٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وصَرْفُ الخِطابِ عَنْهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيَةٌ لَهُ، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقْبَلُوا مِنكَ ما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ والعِبْرَةِ والعِظاتِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ: فَلا قُصُورَ مِن جِهَتِكَ؛ لِأنَّ وظِيفَتَكَ هي البَلاغُ المُوَضَّحُ، أوِ الواضِحُ. وقَدْ فَعَلْتَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَهو مِن بابِ وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ.
16:83Page 276
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
(p-134)﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ تَوَلِّيَهم وإعْراضَهم عَنِ الإسْلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِما عُدِّدَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَإنَّهم يَعْرِفُونَها، ويَعْتَرِفُونَ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِأفْعالِهِمْ حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ مُنْعِمِها، أوْ بِقَوْلِهِمْ إنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، أوْ بِسَبَبِ كَذا. وقِيلَ: نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَرَفُوها بِالمُعْجِزاتِ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، ثُمَّ أنْكَرُوها عِنادًا. ومَعْنى "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإنْكارِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ الِاعْتِرافُ بِها، لا الإنْكارُ. وإسْنادُ المَعْرِفَةِ والإنْكارِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْها إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، فَإنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُنْكِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ بِما ذُكِرَ، والحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِمُطْلَقِ الكُفْرِ المُؤْذِنِ بِالكَمالِ مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ لا يُنافِي كَمالَ الفِرْقَةِ الأُولى مِن حَيْثُ الكَيْفِيَّةُ، هَذا، وقَدْ قِيلَ ذِكْرُ الأكْثَرِ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفُوا لِنُقْصانِ العَقْلِ، أوِ التَّفْرِيطِ في النَّظَرِ، أوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَتَدَبَّرْ.
16:84Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وعَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ وهو نَبِيُّها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الِاعْتِذارِ إذْ لا عُذْرَ لَهُمْ، وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِالمَنعِ عَنِ الِاعْتِذارِ المُنْبِئِ عَنِ الإقْناطِ الكُلِّيِّ، وهو عِنْدَ ما يُقالُ لَهُمُ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وأطَمُّ.
﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم إذِ الآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ لا دارُ العَمَلِ، وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، أوْ خَوِّفْهم يَوْمَ نَبْعَثُ ... إلَخْ. أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ يَحِيقُ بِهِمْ ما يَحِيقُ مِمّا لا يُوصَفُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
16:85Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ بِظُلْمِهِمْ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُمْهَلُونَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ .
16:86Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا، وهُمُ الأوْثانُ أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ شارَكُوهم في الكُفْرِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، وقارَنُوهم في الغَيِّ والضَّلالِ.
﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ أيْ: نَعْبُدُهم أوْ نُطِيعُهُمْ، ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ طَمَعًا في تَوْزِيعِ العَذابِ بَيْنَهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَألْقَوْا﴾ أيْ: شُرَكاؤُهم ﴿إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ فَإنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهم فِيما قالُوا لَيْسَ إلّا لِلْمُدافَعَةِ والتَّخَلُّصِ عَنْ غائِلَةِ مَضْمُونِهِ، وإنَّما كَذَّبُوهُمْ، وقَدْ كانُوا يُعَذِّبُونَهُمْ، ويُطِيعُونَهُمْ؛ لِأنَّ الأوْثانَ ما كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم. فَكَأنَّ عِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ عِبادَةً لَهم كَما قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ (p-135)السَّلامُ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ يَعْنُونَ أنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لا نَحْنُ، أوْ كَذَّبُوهم في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ، وآلِهَةً تَنْزِيهًا لِلَّهِ سُبْحانُهُ عَنِ الشَّرِيكِ، والشَّياطِينُ وإنْ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا حامِلِينَ لَهم عَلى وجْهِ القَسْرِ والإلْجاءِ، كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً بَلْ إنَّما عَبَدْتُمْ أهْواءَكم.
16:87Page 276
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
﴿وَألْقَوْا﴾ أيِ: الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ، والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ العَزِيزِ الغالِبِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ في الدُّنْيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: ضاعَ وبَطَلَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ، وأنَّهم يَنْصُرُونَ، ويَشْفَعُونَ لَهُمْ، وذَلِكَ حِينَ كَذَّبُوهُمْ، وتَبَرَّءُوا مِنهم.
16:88Page 277
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨
Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وَصَدُّوا﴾ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالمَنعِ عَنِ الإسْلامِ، والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ. قِيلَ: في زِيادَةِ عَذابِهِمْ حَيّاتٌ أمْثالُ البُخْتِ، وعَقارِبُ أمْثالُ البِغالِ تَلْسَعُ إحْداهُنَّ فَيَجِدُ صاحِبُها حُمَّتَها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وقِيلَ: يُخْرَجُونَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ إلى النّارِ.
﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "زِدْناهُمْ" أيْ: زِدْنا عَذابَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإفْسادِ، وهو الصَّدُّ المَذْكُورُ.
16:89Page 277
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩
And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّهْدِيدِ، ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: نَبِيًّا.
﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: عَلَيْهِمْ إشْعارٌ بِأنَّ شَهادَةَ أنْبِيائِهِمْ عَلى الأُمَمِ تَكُونُ بِمَحْضَرٍ مِنهم ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ إيثارٌ لَفْظِ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.
﴿شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ الأُمَمِ، وشُهَدائِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وقِيلَ: عَلى أُمَّتِكَ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ، كَما مَرَّ. والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الكامِلَ في الكِتابِيَّةِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِاسْمِ الجِنْسِ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
﴿تِبْيانًا﴾ بَيانًا بَلِيغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أحْوالُ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وكَذا مِن جُمْلَتِهِ ما أخْبَرَ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن بَعْثِ الشُّهَداءِ، وبَعْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتِّبْيانُ كالتِّلْقاءِ في كَسْرِ أوَّلِهِ، وكَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى بَعْضِها، وإحالَةً لِبَعْضِها عَلى السُّنَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، وطاعَتِهِ. وقِيلَ فِيهِ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وحَثًّا عَلى الإجْماعِ، وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِاتِّباعِ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»، وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطِئُوا طُرُقَ الِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ مُسْتَنِدَةً إلى تِبْيانِ (p-136)الكِتابِ، ولَمْ يَضُرَّ ما في البَعْضِ مِنَ الخَفاءِ في كَوْنِهِ تِبْيانًا، فَإنَّ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ دُونَ الكَيْفِيَّةِ. كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إنَّهُ مِن قَوْلِكَ فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبِيدِهِ، وظَلامٌ لِعَبِيدِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ لِلْعالَمِينَ، فَإنَّ حِرْمانَ الكُفْرِ مِن مَغانِمِ آثارِهِ مِن تَفْرِيطِهِمْ لا مِن جِهَةِ الكِتابِ.
﴿وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصَّةً، أوْ يَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ خاصًّا بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
16:90Page 277
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠
Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ: فِيما نَزَّلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ. وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ، وفِيما بَعْدَهُ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.
﴿بِالعَدْلِ﴾ بِمُراعاةِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ، والتَّفْرِيطِ. وهو رَأْسُ الفَضائِلِ كُلِّها يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الحَرْمَزَةِ، والبَلادَةِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ العِفَّةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الخَلاعَةِ، والخُمُودِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةِ مِنَ الشَّجاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ. فَمِنَ الحِكَمِ الِاعْتِقادِيَّةِ التَّوْحِيدُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ، والتَّشْرِيكِ. نُقِلَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ العَدْلَ هو التَّوْحِيدُ. والقَوْلُ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، ومِنَ الحِكَمِ العَمَلِيَّةِ التَّعَبُّدُ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البَطالَةِ والتَّرَهُّبِ. ومِنَ الحِكَمِ الخَلِيقِيَّةِ الجُودُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ، ﴿والإحْسانِ﴾ أيِ: الإتْيانِ بِما أمَرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ، كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ، أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» ".
﴿وَإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ: إعْطاءِ الأقارِبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهو تَخْصِيصٌ إثْرَ تَعْمِيمٍ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ.
﴿وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ الإفْراطِ في مُشايَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا مَثَلًا.
﴿والمُنْكَرِ﴾ ما يُنْكَرُ شَرْعًا، أوْ عَقْلًا مِنَ الإفْراطِ في إظْهارِ آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ.
﴿والبَغْيِ﴾ الِاسْتِعْلاءُ، والِاسْتِيلاءُ عَلى النّاسِ، والتَّجَبُّرُ عَلَيْهِمْ، وهو مِن آثارِ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي هي حاصِلَةٌ مِن رَذِيلَتَيِ القُوَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، ولَيْسَ في البَشَرِ شَرٌّ إلّا وهو مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الأقْسامِ صادِرٌ عَنْهُ بِواسِطَةِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي أجْمَعُ آيَةٍ في القرآن لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ في كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهُدًى.
﴿يَعِظُكُمْ﴾ بِما يَأْمُرُ ويَنْهى، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ.
﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ طَلَبًا؛ لِأنَّ تَتَّعِظُوا بِذَلِكَ.
16:91Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ هُوَ: البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّها مُبايَعَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ .
﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: حافِظُوا عَلى حُدُودِ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وبايَعْتُمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
(p-137)﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ الَّتِي تَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ المُعاهَدَةِ.
﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ حَسْبَما هو المَعْهُودُ في أثْناءِ العُهُودِ لا عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُقَيَّدًا بِالتَّوْكِيدِ مُخْتَصًّا بِهِ ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ شاهِدًا رَقِيبًا، فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ، مُحافِظٌ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن نَقْضِ الأيْمانِ، والعُهُودِ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ.
16:92Page 277
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
﴿وَلا تَكُونُوا﴾ فِيما تَصْنَعُونَ مِنَ النَّقْضِ.
﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ أيْ: ما غَزَلَتْهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى: المَفْعُولِ ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَقَضَتْ، أيْ: كالمَرْأةِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ إبْرامِهِ، وإحْكامِهِ.
﴿أنْكاثًا﴾ طاقاتٍ نَكَثَتْ فَتْلَها. جَمْعُ نِكْثٍ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن "غَزْلَها"، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَنَقَضَتْ، فَإنَّهُ بِمَعْنى صَيَّرَتْ، والمُرادُ: تَقْبِيحُ حالِ النَّقْضِ بِتَشْبِيهِ النّاقِضِ بِمِثْلِ هَذِهِ الخَرْقاءِ المَعْتُوهَةِ. قِيلَ: هي رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وكانَتْ خَرْقاءَ اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصَنّارَةً، مِثْلُ: أُصْبُعٍ وفَلْكَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ.
﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لا تَكُونُوا" أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ مَوْقِعَ الخَبَرِ، أيْ: مُشابِهِينَ لِامْرَأةٍ شَأْنُها هَذا حالَ كَوْنِكم مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم مَفْسَدَةً، ودَخَلًا بَيْنَكُمْ، وأصْلُ الدَّخَلِ ما يَدْخُلُ الشَّيْءَ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ.
﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أيْ: بِأنْ تَكُونَ جَماعَةٌ ﴿هِيَ أرْبى﴾ أيْ: أزْيَدُ عَدَدًا، وأوْفَرُ مالًا.
﴿مِن أُمَّةٍ﴾ مِن جَماعَةٍ أُخْرى، أيْ: لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِكَثْرَتِكُمْ، وقِلَّتِهِمْ، أوْ لِكَثْرَةِ مُنابِذِيهِمْ، وقُوَّتِهِمْ، كَقُرَيْشٍ فَإنَّهم كانُوا إذا رَأوْا شَوْكَةً في أعادِي حُلَفائِهِمْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وحالَفُوا أعْداءَهم.
﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: بِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ. أيْ: يُعامِلُكم بِذَلِكَ مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وبَيْعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ، وشَوْكَتِهِمْ، وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ، وضَعْفِهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الحالِ.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ حِينَ جازاكم بِأعْمالِكم ثَوابًا وعِقابًا.
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ﴿لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ ﴿وَلَكِنْ﴾ لا يَشاءُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُزاحِمًا لِقَضِيَّةِ الحِكْمَةِ بَلْ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ الجُزْئِيَّ إلَيْهِ، ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِها ﴿وَلَتُسْألُنَّ﴾ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، وهَذا إشارَةٌ إلى ما لُوِّحَ بِهِ مِنَ الكَسْبِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الهِدايَةِ والضَّلالِ.
16:94Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
(p-138)﴿وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ التَّضْمِينِ تَأْكِيدًا، ومُبالَغَةً في بَيانِ قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ عَلَيْها، ورُسُوخِها فِيها بِالإيمانِ، وإفْرادُ القَدَمِ، وتَنْكِيرُها لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ، أيَّ: قَدَمٍ كانَتْ عَزَّتْ، أوْ هانَتْ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ. فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ؟! ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ: العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ.
﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بِصُدُودِكُمْ، أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكُمْ، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي يَنْتَظِمُ الوَفاءَ بِالعُهُودِ والأيْمانِ، فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ، وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
16:95Page 278
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَأْخُذُوا بِمُقابَلَةِ عَهْدِهِ تَعالى، وبَيْعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ آياتِهِ النّاطِقَةِ بِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى العُهُودِ والأيْمانِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا بِها عَرَضًا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشٌ يَعِدُونَ ضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ، ويَشْتَرِطُونَ لَهم عَلى الِارْتِدادِ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّصْرِ، والتَّغْنِيمِ، والثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ.
﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا يَعِدُونَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والتَّمْيِيزِ. وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
16:96Page 278
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: ما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، وإنْ جَلَّ. بَلِ الدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا ﴿يَنْفَدُ﴾، وإنَّ جَمَّ عَدَدُهُ، ويَنْقَضِي. وإنْ طالَ أمَدُهُ ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والأُخْرَوِيَّةِ ﴿باقٍ﴾ لا نَفاذَ لَهُ. أمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَظاهِرَةٌ، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَوْصُولَةً بِالأُخْرَوِيَّةِ، ومُسْتَتْبِعَةً لَها، فَقَدِ انْتَظَمَتْ في سِمْطِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، وفي إيثارِ الِاسْمِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَكْرِيرُ المَوْعِدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ، والِالتِفاتُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن أنْ يُقالَ: ولَنَجْزِيَنَّكم أجْرَكم بِأحْسَنِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لِلتَّوَسُّلِ إلى التَّعَرُّضِ لِأعْمالِهِمْ، والإشْعارِ بِعِلْيَتِها لِلْجَزاءِ، أيْ: واللَّهِ لَنَجْزِيَنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، ومَشاقِّ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الوَفاءُ بِالعُهُودِ، والفَقْرُ. وقُرِئَ: بِالياءِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ ﴿أجْرَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَجْزِيَنَّ، أيْ: لَنُعْطِيَنَّهم أجْرَهُمُ الخاصَّ بِهِمْ بِمُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ عَلى ما مُنُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَنَجْزِيَنَّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الصَّبْرِ المَذْكُورِ، وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ الأحْسَنُ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ حُسْنِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لا لِإفادَةِ قَصْرِ الجَزاءِ عَلى الأحْسَنِ مِنهُ دُونَ الحَسَنِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطِرُ بِبالِ أحَدٍ لا سِيَّما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "أجْرَهُمْ" أوْ "لَنَجْزِيَنَّهُمْ" بِحَسَبِ أحْسَنِ أفْرادِ أعْمالِهِمُ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى لِنُعْطِيَهم بِمُقابَلَةِ الفَرْدِ الأدْنى مِن أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ ما نُعْطِيهِ بِمُقابِلَةِ الفَرْدِ الأعْلى مِنها مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ، لا أنّا نُعْطِي الأجْرَ بِحَسَبِ (p-139)أفْرادِها المُتَفاوِتَةِ في مَراتِبِ الحُسْنِ، بِأنْ نَجْزِيَ الحَسَنَ مِنها بِالأجْرِ الحَسَنِ، والأحْسَنَ بِالأحْسَنِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ العُدَّةِ الجَمِيلَةِ بِاغْتِفارِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ في تَضاعِيفِ الصَّبْرِ مِن بَعْضِ جَزَعٍ، ونَظْمِهِ في سِلْكِ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، أوْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا التَّفْسِيرُ بِما تَرَجَّحَ فِعْلُهُ مِن أعْمالِهِمْ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ، أوْ بِما تَرَجَّحَ تَرْكُهُ أيْضًا كالمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ. دَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المَدارُ لِلْجَزاءِ دُونَ ما يَسْتَوِي فِعْلُهُ، وتَرْكُهُ كالمُباحاتِ. فَلا يُساعِدُهُ مَقامُ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ المَخْصُوصَةِ، والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ ثَمَراتِها بَلِ التَّعَرُّضُ لِإخْراجِ بَعْضِ أعْمالِهِمْ عَنْ مَدارِيَّةِ الجَزاءِ مِن قَبِيلِ تَحْجِيرِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في مَقامِ تَوْسِيعِ حِماها.
16:97Page 278
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا. أيَّ: عَمَلٍ كانَ، وهَذا شُرُوعٌ في تَحْرِيضِ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ غِبَّ تَرْغِيبِ طائِفَةٍ مِنهم في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ مَخْصُوصٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الأجْرِ المَوْفُورِ بِهِمْ، وبِعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قَيَّدَهُ بِهِ إذْ لا اعْتِدادَ بِأعْمالِ الكَفَرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أوْ تَخْفِيفِ العَذابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وإيثارُ إيرادِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ عَلى نَظْمِهِ في سِلْكِ الصِّلَةِ لِإفادَةِ وُجُوبِ دَوامِهِ، ومُقارَنَتِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنْيا يَعِيشُ عَيْشًا طَيِّبًا، أمّا إنْ كانَ مُوسِرًا فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ مُعْسِرًا فَيَطِيبُ عَيْشُهُ بِالقَناعَةِ والرِّضى بِالقِسْمَةِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ العَظِيمِ كالصّائِمِ يَطِيبُ نَهارُهُ بِمُلاحَظَةِ نَعِيمِ لَيْلِهِ بِخِلافِ الفاجِرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فَلا يَدَعُهُ الحِرْصُ وخَوْفُ الفَواتِ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حَسْبَما نَفْعَلُ بِالصّابِرِينَ، فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ. والجَمْعُ في الضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى المَوْصُولِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ لِما أنَّ وُقُوعَ الجَزاءِ بِطَرِيقِ الِاجْتِماعِ المُناسِبِ لِلْجَمْعِيَّةِ، ووُقُوعَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِافْتِراقِ والتَّعاقُبِ المُلائِمِ لِلْإفْرادِ. وإذْ قَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى أنَّ مَدارَ الجَزاءِ المَذْكُورِ هو صَلاحُ العَمَلِ وحُسْنُهُ، رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الإرْشادُ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ، ويَخْلُصُ عَنْ شَوْبِ الفاسِدِ. فَقِيلَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences