Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:102–111
17:102Page 292
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ فَتَخَبَّطَ عَقْلُكَ.
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي الآياتِ الَّتِي أظْهَرَها.
﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خالِقُهُما، ومُدَبِّرُهُما. والتَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إيتاءِ مِثْلِ هاتِيكَ الآياتِ العِظامِ إلّا خالِقُهُما، ومُدَبِّرُهُما.
﴿بَصائِرَ﴾ حالٌ مِنَ الآياتِ، أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي، ولَكِنَّكَ تُعانِدُ، وتُكابِرُ. نَحْوُ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ العِلْمِ العِلْمُ بِأنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ رَصانَةِ العَقْلِ، فَضْلًا عَنْ تَوَهُّمِ المَسْحُورِيَّةِ. وقُرِئَ: (عَلِمْتُ) عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ، أيْ: لَقَدْ عَلِمْتُ بِيَقِينٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةَ أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَحُومَ حَوْلِي سِحْرٌ؟ ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ، مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ: ما صَرَفَكَ. أوْ هالِكًا، ولَقَدْ قارَعَ ﷺ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ، وشَتّانَ بَيْنَهُما. كَيْفَ لا؟ وظَنُّ فِرْعَوْنَ (p-199)إنَّكَ مُبِينٌ، وظَنُّهُ ﷺ يُتاخِمُ اليَقِينَ.
17:103Page 292
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
﴿فَأرادَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخِفَّهم ويُزْعِجَهم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ، أوْ مِنَ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ .
﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ، واسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ.
17:104Page 292
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ إغْراقِهِمْ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ الكَرَّةُ الآخِرَةُ، أوِ الحَياةُ، أوِ السّاعَةُ، والدّارُ الآخِرَةُ، أيْ: قِيامُ القِيامَةِ.
﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكُمْ، وإيّاهُمْ، ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكُمْ، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.
17:105Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ أيْ: وما أنْزَلْنا القرآن إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، أوْ ما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ.
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ.
﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي مِنَ العِقابِ، وهو تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ بَعَثْتِهِ ﷺ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ إنْزالِ القرآن.
17:106Page 293
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
﴿وَقُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَقْناهُ﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ؛ دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ نُجُومِهِ.
﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ عَلى مَهْلٍ، وتَثَبُّتٍ. فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ، وأعْوَنُ عَلى الفَهْمِ. وقُرِئَ: بِالفَتْحِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، ويَقَعُ مِنَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ.
17:107Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
﴿قُلْ﴾ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ إيمانَكم بِهِ لا يَزِيدُهُ كَمالًا، وامْتِناعَكم لا يُورِثُهُ نَقْصًا.
﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ: العُلَماءُ الَّذِينَ قَرَءُوا الكُتُبَ السّالِفَةَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِهِ، وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ، وأماراتِ النُّبُوَّةِ، وتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، ورَأوْا فِيها نَعْتَكَ ونَعْتَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ.
﴿إذا يُتْلى﴾ أيِ: القرآن.
﴿عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ أيْ: يَسْقُطُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ.
﴿سُجَّدًا﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ ما وُعِدَ بِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ مِن بِعْثَتِكَ، وتَخْصِيصُ الأذْقانِ بِالذِّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّذَلُّلِ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الخُرُورُ عَلَيْها، وإيثارُ اللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ الخُرُورِ بِها كَما في قَوْلِهِ:
؎ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ
وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِذَلِكَ، أيْ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنُ بِهِ أحْسَنَ إيمانٍ مَن هو خَيْرٌ مِنكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقُلْ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ، ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وإعْراضِهِمْ.
17:108Page 293
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
(p-200)﴿وَيَقُولُونَ﴾ في سُجُودِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَمّا يَفْعَلُ الكَفَرَةُ مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ عَنْ خُلْفِ وعْدِهِ.
﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ، و "اللّامُ" فارِقَةٌ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ هَذا.
17:109Page 293
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَ الخُرُورَ لِلْأذْقانِ لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَإنَّ الأوَّلَ: لِتَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، أوِ الشُّكْرِ لِإنْجازِ الوَعْدِ. والثّانِي: لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القرآن حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: القرآن بِسَماعِهِمْ.
﴿خُشُوعًا﴾ كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ تَعالى.
17:110Page 293
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠
Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نَزَلَ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا أللَّهُ، يا رَحْمَنُ. فَقالُوا: إنَّهُ يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ إلَهَيْنِ، وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ. وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ. والمُرادُ عَلى الأوَّلِ: هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ ذاتٍ واحِدَةٍ، وإنِ اخْتَلَفَ الِاعْتِبارُ والتَّوْحِيدُ، إنَّما هو لِلذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ. وعَلى الثّانِي: أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ، والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ، وهو أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ، وأوْ لِلتَّخْيِيرِ، والتَّنْوِينُ في "أيًّا"، عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في "أيٍّ" مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في "لَهُ" لِلْمُسَمّى؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ أيًّا ما تَدْعُو فَهو حَسَنٌ، فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، إذْ حُسْنُ جَمِيعِ أسْمائِهِ يَسْتَدْعِي حُسْنَ ذَيْنِكَ الِاسْمَيْنِ. وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالَةِ والجَمالِ والإكْرامِ.
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ: بِقِراءَةِ صَلاتِكَ بِحَيْثُ تُسْمِعُ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها، ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ أيْ: بِقِراءَتِها بِحَيْثُ لا تُسْمَعُ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ.
﴿سَبِيلا﴾ أمْرًا وسَطًا قَصْدًا، فَإنَّ خَيْرَ الأُمُورِ أوْساطُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبِيلِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ المُتَوَجِّهُونَ، ويَؤُمُّهُ المُقْتَدُونَ، ويُوصِلُهم إلى المَطْلُوبِ. ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ، ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رِضى اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ بِها، ويَقُولُ: أطْرُدُ الشَّيْطانَ، وأُوقِظُ الوَسْنانَ فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا، وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.» وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها، ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالمُخافَتَةِ نَهارًا، والجَهْرِ لَيْلًا. وقِيلَ: بِصِلاتِكَ بِدُعائِكَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ .
17:111Page 293
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا ١١١
And say, "Praise to Allāh, who has not taken a son and has had no partner in [His] dominion and has no [need of a] protector out of weakness; and glorify Him with [great] glorification."
(p-201)﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ كَما يَزْعُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، وبَنُو مَلِيٍّ. حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ أيِ: الأُلُوهِيَّةُ، كَما يَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ القائِلُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ناصِرٌ، ومانِعٌ مِنهُ لِاعْتِزازِهِ بِهِ، أوْ لَمْ يُوالِ أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ لِيَدْفَعَها بِهِ، وفي التَّعَرُّضِ في أثْناءِ الحَمْدِ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ إيذانٌ بِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ مَن هَذِهِ نُعُوتُهُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ بِذَلِكَ يَتِمُّ الكَمالُ، والقُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى الإيجادِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن إضافَةِ أنْواعِ النِّعَمِ، وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكٌ نِعْمَتُهُ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ، واجْتَهَدَ في الطّاعَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ. في ذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ.
وَعَنْهُ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» . والقِنْطارُ: ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ.
والحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ والجَبَرُوتُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences