Abu as-Su'udAl‑Isra · 17:37–54

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:37–54

17:37Page 285

وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧

And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1

﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ التَّقْيِيدُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإشْعارِ بِأنَّ المَشْيَ عَلَيْها مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَرَحِ ﴿مَرَحًا﴾ تَكَبُّرًا، وبَطَرًا، واخْتِيالًا. وهو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: ذا مَرَحٍ، أوْ تَمْرَحُ مَرَحًا، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ. وقُرِئَ: بِالكَسْرِ.

﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُفاخَرَةٌ مَعَ الأرْضِ، وتَكَبُّرٌ عَلَيْها، أيْ: لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ بِدَوْسِكَ، وشِدَّةِ وطَأتِكَ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ الَّتِي هي بَعْضُ أجْزاءِ الأرْضِ ﴿طُولا﴾، حَتّى يُمْكِنَ لَكَ أنَّ تَتَكَبَّرَ عَلَيْها. إذِ التَّكَبُّرُ إنَّما يَكُونُ بِكَثْرَةِ القُوَّةِ، وعِظَمِ الجُثَّةِ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما عَلَيْهِ المُخْتالُ مِن رَفْعِ رَأْسِهِ، ومَشْيِهِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْهِ.

17:38Page 285

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨

All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.

﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عُلِمَ في تَضاعِيفِ ذِكْرِ الأوامِرِ والنَّواهِي مِنَ الخِصالِ الخَمْسِ والعِشْرِينَ.

﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وهي اثْنَتا عَشْرَةَ خَصْلَةً.

﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ مُبْغَضًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ، أوْ غَيْرَ مُرادٍ بِالإرادَةِ الأوَّلِيَّةِ لا غَيْرَ مُرادٍ مُطْلَقًا لِقِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ واقِعَةٌ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وهو تَتِمَّةٌ لِتَعْلِيلِ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها جَمِيعًا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الكَراهَةِ، مَعَ أنَّ البَعْضَ مِنَ الكَبائِرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُجَرَّدَ الكَراهَةِ عِنْدَهُ تَعالى كافِيَةٌ في وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ، وتَوْجِيهُ الإشارَةِ إلى الكُلِّ، ثُمَّ تَعْيِينُ البَعْضِ دُونَ تَوْجِيهِها إلَيْهِ ابْتِداءً لِما أنَّ البَعْضَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ جُمْلَةً بَلْ عَلى وجْهِ الِاخْتِلاطِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِ ما عَداهُ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إيذانًا بِالغِنى عَنْهُ، وقِيلَ: الإضافَةُ بَيانِيَّةٌ كَما في آيَةِ اللَّيْلِ، وآيَةِ النَّهارِ. وقُرِئَ: (سَيِّئَةً) عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ. (p-173)وَ "مَكْرُوهًا" بَدَلٌ مِن سَيِّئَةً، أوْ صِفَةٌ لَها مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، فَإنَّهُ بِمَعْنى سَيِّئًا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، أوْ مُجْرى عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ، أيْ: أمْرًا مَكْرُوهًا، أوْ مُجْرى مَجْرى الأسْماءِ زالَ عَنْهُ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في كانَ، أوْ في الظَّرْفِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ سَيِّئَةٌ، وقُرِئَ: (سَيِّئاتُهُ). وقُرِئَ: (شَأْنُهُ).

17:39Page 286

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩

That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ.

﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: بَعْضٌ مِنهُ، أوْ مِن جِنْسِهِ.

﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الَّتِي هي عِلْمُ الشَّرائِعِ، أوْ مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، والعَمَلُ بِهِ. أوْ مِنَ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ الَّتِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والفَسادُ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّمانِيَ عَشَرَةَ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ . قالَ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ وهي عَشْرُ آياتٍ في التَّوْراةِ، و "مِن" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أوْحى" عَلى أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ، أوِ ابْتِدائِيَّةٌ. وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ في الصِّلَةِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الحِكْمَةِ، وإمّا بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ الجارِّ.

﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ صُدُورُ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ كُرِّرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ، ومُنْتَهاهُ، وأنَّهُ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عُلُومُهُ، وحِكَمُهُ، وإنَّ بَذَّ فِيها أساطِينَ الحُكَماءِ وحَكَّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ، وقَدْ رُتِّبَ عَلَيْهِ ما هو عائِدَةُ الإشْراكِ، أوْ لا حَيْثُ قِيلَ: فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، ورُتِّبَ عَلَيْهِ هَهُنا نَتِيجَتُهُ في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ مِن جِهَةِ نَفْسِكَ، ومِن جِهَةِ غَيْرِكَ.

﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي إيرادِ الإلْقاءِ مُبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيُ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وازْدِراءٌ بِالمُشْرِكِ، وجَعْلٌ لَهُ مِن قَبِيلِ خَشَبَةٍ يَأْخُذُها آخِذٌ بِكَفِّهِ فَيَطْرَحُها في التَّنُّورِ.

17:40Page 286

أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠

Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.

﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ خِطابٌ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإصْفاءُ بِالشَّيْءِ جَعْلُهُ خالِصًا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، أيْ: أفَضَّلَكم عَلى جَنابِهِ فَخَصَّكم بِأفْضَلِ الأوْلادِ عَلى وجْهِ الخُلُوصِ، وآثَرَ لِذاتِهِ أخَسَّها، وأدْناها كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ وقَدْ قَصَدَ هَهُنا بِالتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية تَشْدِيدَ النَّكِيرِ، وتَأْكِيدَهُ، وأُشِيرَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإيرادِ الإناثِ مَكانَ البَناتِ إلى كَفَرَةٍ لَهم أُخْرى، وهي وصْفُهم لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالأُنُوثَةِ الَّتِي هي أخَسُّ صِفاتِ الحَيَوانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .

﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ﴾ بِمُقْتَضى مَذْهَبِكُمُ الباطِلِ الَّذِي هو إضافَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

﴿قَوْلا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في اسْتِتْباعِ الإثْمِ، وخَرْقِهِ لِقَضايا العُقُولِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَيْثُ يَجْعَلُونَهُ تَعالى مِن قَبِيلِ الأجْسامِ المُتَجانِسَةِ السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ الباقِي بِذاتِهِ، ثُمَّ تُضِيفُونَ إلَيْهِ ما تَكْرَهُونَ مَن أخَسِّ الأوْلادِ، وتُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ أنْفُسَكم بِالبَنِينَ، ثُمَّ تَصِفُونَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ بِالأُنُوثَةِ الَّتِي هي أخَسُّ أوْصافِ الحَيَوانِ فَيا لَها (p-174)مِن ضَلَّةٍ ما أقْبَحَها، وكَفْرَةٍ ما أشْنَعَها وأفْظَعَها.

17:41Page 286

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١

And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ هَذا المَعْنى، وكَرَّرْناهُ ﴿فِي هَذا القرآن﴾ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّصْرِيفِ في مَواضِعَ مِنهُ، وإنَّما تُرِكَ الضَّمِيرُ تَعْوِيلًا عَلى الظُّهُورِ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ.

﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ما فِيهِ، ويَقِفُوا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُونَهُ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ الحالِ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، ويُحْكى لِلسّامِعِينَ هَناتُهُمْ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الذِّكْرِ، بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذا القرآن ما نَطَقَ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ المَذْكُورَةِ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ الوارِدَةِ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى التَّصْرِيفِ فِيهِ جَعْلُهُ مَكانًا لَهُ، أيْ: أوْقَعَنا فِيهِ التَّصْرِيفَ، كَقَوْلِهِ: يَجْرَحُ في عَراقِيها نَصْلِي. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ إضافَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى البَناتِ، وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ إبْطالَها مِن آثارِ القرآن، ونَتائِجِها.

﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما يَزِيدُهم ذَلِكَ التَّصْرِيفُ البالِغُ.

﴿إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضًا عَنْهُ فَضْلًا عَنِ التَّذَكُّرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ.

17:42Page 286

قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢

Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1

﴿قُلْ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى.

﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ تَعالى ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ قاطِبَةً، وقُرِئَ: بِالتّاءِ خِطابًا لَهم مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ. والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابِهَةِ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ.

﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾ جَوابٌ عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، وجَزاءٌ لِـ "لَوْ" أيْ: لَطَلَبُوا.

﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والربوبية عَلى الإطْلاقِ.

﴿سَبِيلا﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . وقِيلَ: بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأنْسَبُ.

17:43Page 286

سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣

Exalted is He and high above what they say by great sublimity.

﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمّا يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْرِيرِ، ولا هو مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ.

﴿وَتَعالى﴾ مُتَباعِدًا ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ.

﴿عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا؟ وإنَّهُ سُبْحانَهُ في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ، وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ لَهُ تَعالى شُرَكاءَ وأوْلادًا في أبْعَدِ مَراتِبِ العَدَمِ، أعْنِي الِامْتِناعَ لا لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ، وهو كَوْنُهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ، فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ، كَما قِيلَ. فَإنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلِ اتِّخاذُهُ تَعالى لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ آلِهَةٌ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن شَأْنُهُ ذَلِكَ.

17:44Page 286

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

(p-175)﴿تُسَبِّحُ﴾ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقُرِئَ: بِالتَّحْتانِيَّةِ. وقُرِئَ: (سَبَّحَتْ) ﴿لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ مَعْنًى مُنْتَظِمٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ المَقالِ، ولِسانُ الحالِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ.

﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ حَيَوانًا كانَ. أوْ نَباتًا، أوْ جَمادًا.

﴿إلا يُسَبِّحُ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ تَعالى بِلِسانِ الحالِ عَمّا لا يَلِيقُ بِذاتِهِ الأقْدَسِ مِن لَوازِمِ الإمْكانِ، ولَواحِقِ الحُدُوثِ إذْ ما مِن مَوْجُودٍ إلّا وهو بِإمْكانِهِ، وحُدُوثِهِ، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ لَهُ صانِعًا عَلِيمًا قادِرًا، حَكِيمًا واجِبًا لِذاتِهِ، قَطْعًا لِلسِّلْسَلَةِ.

﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ ذَلِكَ. وقُرِئَ: لا يُفَقَّهُونَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِن بابِ التَّفْعِيلِ.

﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ مَعَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِها مِنَ الإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ في الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، والِانْهِماكِ في الكُفْرِ والإشْراكِ.

﴿غَفُورًا﴾ لِمَن تابَ مِنكم.

17:45Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

﴿وَإذا قَرَأْتَ القرآن﴾ النّاطِقَ بِالتَّسْبِيحِ، والتَّنْزِيهِ. ودَعَوْتَهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الشِّرْكِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ.

﴿جَعَلْنا﴾ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى دَواعِي الحِكَمِ الخَفِيَّةِ.

﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أُوثِرَ المَوْصُولُ عَلى الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ كُفْرُهم بِالآخِرَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ونَحْوِهِ. دَلالَةً عَلى أنَّها مُعْظَمُ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القرآن، وتَمْهِيدًا لِما سَيُنْقَلُ عَنْهم مِن إنْكارِ البَعْثِ، واسْتِعْجالِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم مِن أنْ يُدْرِكُوكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَفْهَمُوا قَدْرَكَ الجَلِيلَ، ولِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى تَفَوُّهِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أوْ حُمِلَ الحِجابُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ "تَبَّتْ" أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي يَدِها فِهْرٌ، والنَّبِيُّ ﷺ قاعِدٌ في المَسْجِدِ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمّا رَآها قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ، وأخافُ أنْ تَراكَ، قالَ ﷺ: إنَّها لَنْ تَرانِي. وقَرَأ قُرْآنًا فَوَقَفَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» . مِمّا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

﴿مَسْتُورًا﴾ ذا سَتْرٍ، كَما في قَوْلِهِمْ: سَيْلٌ مُفْعَمٌ أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، بِمَعْنى غَيْرِ حِسِّيٍّ، أوْ مَسْتُورًا في نَفْسِهِ بِحِجابٍ آخَرَ، أوْ مَسْتُورًا كَوْنُهُ حِجابًا، حَيْثُ لا يَدْرُونَ أنَّهم لا يَدْرُونَ.

17:46Page 286

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً كَثِيرَةً جَمْعُ كِنانٍ.

﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أوْ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ، ويَعْرِفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَفِي (p-176)آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا، وثِقَلًا مانِعًا مِن سَماعِهِ اللّائِقِ بِهِ، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَرْطِ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القرآن الكَرِيمِ، ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ. جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ المَقالِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ الحالِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ فَهْمِهِ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ لا حِكايَةً لِما فَهِمَهُ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ لا حِكايَةً لِما قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفِى آذاننا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ، كَيْفَ لا؟ وقَصْدُهم بِذَلِكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القرآن والنَّبِيِّ ﷺ جَهْلًا وكُفْرًا مِنِ اتِّصافِهِما بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والإيمانِ. كَكَوْنِ القرآن سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ، وقِسْ عَلَيْهِ حالَ النَّبِيِّ ﷺ لا الإخْبارُ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ما أدْرَكُوهُ قَدْ حالَ بَيْنَهُمْ، وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِمّا لا يَكادُ يُلائِمُ المَقامَ.

﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القرآن وحْدَهُ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهُمْ، وهو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أصْلُهُ يَحْدُو حَدَّهُ.

﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: هَرَبُوا ونَفَرُوا ﴿نُفُورًا﴾، أوْ ولَّوْا نافِرِينَ.

17:47Page 286

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِنَ اللَّغْوِ، والِاسْتِخْفافِ، والهُزْءِ بِكَ وبِالقرآن. يُرْوى «أنَّهُ كانَ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ ﷺ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وعَنْ يَسارِهِ رَجُلانِ فَيُصَفِّقُونَ، ويَصْفِرُونَ، ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ» .

﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ظَرْفٌ لِـ "أعْلَمُ" وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَما يَقَعُ الِاسْتِماعُ المَزْبُورُ مِنهم يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، لا أنَّ العِلْمَ يُسْتَفادُ هُناكَ مِن أحَدٍ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ بَلْ بِما بِهِ التَّناجِي المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِسِياقِ النَّظْمِ، والمَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وبِالَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم. أوِ الأوَّلُ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ، والثّانِي لِيَتَناجَوْنَ. والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ غَيْرَ تَأْخِيرٍ، وبِما بِهِ التَّناجِي وقْتَ تَناجِيهِمْ. ونَجْوى مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: ذَوُو نَجْوى، أوْ هو جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتْلى جَمْعُ قَتِيلٍ، أيْ: مُتَناجُونَ.

﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ هُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ غَيْرُ ما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، وإنَّما وُضِعَ الظّالِمُونَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِأنَّهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ مُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ، أيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنهم لِلْآخَرِينَ عِنْدَ تَناجِيهِمْ.

﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ ما تَتَّبِعُونَ إنْ وُجِدَ مِنكُمُ الِاتِّباعُ فَرْضًا، أوْ ما تَتَّبِعُونَ بِاللَّغْوِ والهُزْءِ.

﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ فَجُنَّ، أوْ رَجُلًا ذا سِحْرٍ، أيْ: رِئَةً يَتَنَفَّسُ، أيْ: بَشَرًا مِثْلَكم.

17:48Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ، والسّاحِرِ، والمَجْنُونِ.

﴿فَضَلُّوا﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَنْ مِنهاجِ المَحاجَّةِ.

﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ، فَيَتَهافَتُونَ، ويَخْبِطُونَ، ويَأْتُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ أحَدٌ، أوْ إلى سَبِيلِ الحَقِّ والرَّشادِ، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما لا يَخْفى.

17:49Page 286

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

(p-177)﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ، والِاسْتِنْكارِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ ما آلَ الحالُ إلى هَذا المَآلِ، لِما بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ، ويُبُوسَةِ الرَّمِيمِ مِنَ التَّنافِي، كَأنَّ اسْتِحالَةَ الأمْرِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ المُخاطَبُ عَلى التَّكَلُّمِ بِهِ. و "الرُّفاتُ" ما بُولِغَ في دَقِّهِ وتَفْتِيتِهِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو التُّرابُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو الحُطامُ. و "إذا" مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، وهو الأظْهَرُ. والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفْسُهُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ والهَمْزَةِ واللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وهو نُبْعَثُ أوْ نُعادُ وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ، فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في قَوْلِهِمْ: "أئِنّا" لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ "أنَّ واللّامِ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَّهَمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " أفَلا تَعْقِلُونَ " ونَظائِرِهِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ. فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ، لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ، كَما هو المَشْهُورُ. ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِظامًا ورُفاتًا، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَلْ كَوْنُهم بِعَرْضِيَّةِ ذَلِكَ، واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ، وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوِ الحالِيَّةِ عَلى أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

17:50Page 287

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهُمْ، وقَرِيبًا لِما اسْتَبْعَدُوهُ.

﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ .

17:51Page 287

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

﴿أوْ خَلْقًا﴾ آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: يَعْظُمُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَمالِ المُبايَنَةِ، والمُنافاةِ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَإنَّكم مَبْعُوثُونَ، ومُعادُونَ لا مَحالَةَ.

﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ مَعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ الإعادَةِ مِن مِثْلِ هَذِهِ المُباعَدَةِ والمُبايَنَةِ.

﴿قُلِ﴾ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وإزاحَةً لِلِاسْتِبْعادِ، وإرْشادًا لَهم إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ.

﴿الَّذِي﴾ أيْ: يُعِيدُكُمُ القادِرُ العَظِيمُ الَّذِي ﴿فَطَرَكُمْ﴾ اخْتَرَعَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ، ولا أُسْلُوبٍ يَنْتَحِيهِ، وكُنْتُمْ تُرابًا ما شَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ، ألَيْسَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُعِيدَ العِظامَ البالِيَةَ إلى حالَتِها المَعْهُودَةِ؟! بَلى أنَّهُ عَلى كُلٍّ شَيْء قَدِير.

﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ: سَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا وإنْكارًا ﴿وَيَقُولُونَ﴾ اسْتِهْزاءً.

﴿مَتى هُوَ﴾ أيْ: ما ذَكَرْتَهُ مِنَ الإعادَةِ ﴿قُلِ﴾ لَهم ﴿عَسى أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ ﴿قَرِيبًا﴾ . نُصِبَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِيَكُونَ، أوْ ظَرْفٌ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ: أنْ يَقَعَ في زَمانٍ قَرِيبٍ، ومَحَلُّ "أنْ" مَعَ ما في حَيِّزِها، إمّا نَصْبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لَعَسى، وهي ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ هُوَ، أيْ: عَسى البَعْثُ أنْ يَكُونَ قَرِيبًا، أوْ عَسى البَعْثُ يَقَعَ في زَمانٍ قَرِيبٍ، أوْ رَفْعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ (p-178)لَعَسى. وهي تامَّةٌ، أيْ: عَسى كَوْنُهُ قَرِيبًا، أوْ وُقُوعُهُ في زَمانٍ قَرِيبٍ.

17:52Page 287

يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢

On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ: اذْكُرُوا. أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَرِيبًا عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ بِيَكُونَ تامَّةً بِالِاتِّفاقِ، أوْ ناقِصَةً عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ، أوْ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ المُسْتَكِنِّ في عَسى، أوْ يَكُونُ أعْنِي البَعْثَ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

فَهُوَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ.

﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتُبْعَثُونَ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لَهُما الدُّعاءُ، والإجابَةُ إيذانًا بِكَمالِ سُهُولَةِ التَّأتِّي، وبِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ، والجَوابِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَسْتَجِيبُونَ، أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، حامِدِينَ لِما فُعِلَ بِكُمْ، غَيْرَ مُسْتَعْصِينَ. أوْ حامِدِينَ لَهُ تَعالى عَلى كَمالِ قدرته عِنْدَ مُشاهَدَةِ آثارِها، ومُعايَنَةِ أحْكامِها.

﴿وَتَظُنُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، أيْ: تَظُنُّونَ عِنْدَ ما تَرَوْنَ ما تَرَوْنَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ.

﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، أوْ ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا.

17:53Page 287

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣

And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.

﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ ﴿يَقُولُوا﴾ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿الَّتِي﴾ أيِ: الكَلِمَةَ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ . ولا يُخاشِنُوهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ .

﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهِيجُ الشَّرَّ والمِراءَ ويُغْرِي بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ لِتَقَعَ بَيْنَهُمُ المَشاقَّةُ، والمَشارَّةُ، والمَعارَّةُ، والمَضارَّةُ. فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى تَأكُّدِ العِنادِ، وتَمادِي الفَسادِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ، وقُرِئَ: بِكَسْرِ الزّاءِ، ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ قِدَمًا ﴿لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم.

17:54Page 287

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤

Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ.

﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ. وهَذا تَفْسِيرُ الَّتِي هي أحْسَنُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ، وما يُشاكِلُها، ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ مِمّا يُهِيجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ العاقِبَةَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَعَسى يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ.

﴿وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أُمُورُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ، وإنَّما أرْسَلْناكَ بَشِيرًا، ونَذِيرًا فَدارِهِمْ، ومُرْ أصْحابَكَ بِالمُداراةِ، والِاحْتِمالِ، وتَرْكِ المُحاقَّةِ والمُشاقَّةِ، وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَتَمَهُ رَجُلٌ فَأُمِرَ بِالعَفْوِ. وقِيلَ: أفْرَطَ أذِيَّةُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ أنْ يَقُولُوا يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، ويَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском