Abu as-Su'udAl‑Isra · 17:55–67

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:55–67

17:55Page 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].

﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-179)وَتَفاصِيلِ أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والكامِنَةِ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُونَ الِاصْطِفاءَ، والِاجْتِباءَ، فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، وهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: بَعِيدٌ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا. وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوعُ أصْحابَهُ دُونَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأكابِرِ والصَّنادِيدِ. وذِكْرُ مَن في السَّمَواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ . وذِكْرُ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .

﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضَ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ.

﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ إيتاءُ الزَّبُورِ لا إيتاءُ المُلْكِ، والسَّلْطَنَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ نُعُوتَهُ الجَلِيلَةَ، وكَوْنَهُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ مَسْطُورَةٌ في الزَّبُورِ، وأنَّ المُرادَ بِعِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ هو النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ. وتَعْرِيفُ "الزَّبُورِ" تارَةً، وتَنْكِيرُهُ أُخْرى، إمّا لِأنَّهُ في الأصْلِ فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالحَلُوبِ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ كالقَوْلِ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ آتَيْنا داوُدَ زَبُورًا مِنَ الزُّبُرِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُهُ ﷺ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الزّايِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ زَبْرٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ.

17:56Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، والمَسِيحِ، وعُزَيْرٍ.

﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ بِالمَرَّةِ كالمَرَضِ، والفَقْرِ، والقَحْطِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ أيْ: ولا تَحْوِيلَهُ إلى غَيْرِكم.

17:57Page 287

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ.

﴿يَبْتَغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ لِأنْفُسِهِمْ ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ ومالِكِ أُمُورِهِمْ، ﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبَةَ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.

﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن فاعِلِ يَبْتَغُونَ، و "أيُّ" مَوْصُولَةٌ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ؟ أوْ ضُمِّنَ الِابْتِغاءُ مَعْنى الحِرْصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ بِها ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ بِتَرْكِها كَدَأْبِ سائِرِ العِبادِ، فَأيْنَ هم مِن كَشْفِ الضُّرِّ فَضْلًا عَنِ الإلَهِيَّةِ؟ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى المَلائِكَةُ والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "وَيَخافُونَ عَذابَهُ" وتَخْصِيصُهُ بِالتَّعْلِيلِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ مِنَ العَذابِ، وأنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ بَوْنًا بَعِيدًا.

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ بَيانٌ لِتَحَتُّمِ حُلُولِ عَذابِهِ تَعالى بِـ "مَن" لا يَحْذَرُهُ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ حَقِيقٌ بِالحَذَرِ، وأنَّ أساطِينَ الخَلْقِ مِنَ المَلائِكَةِ، والنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ، وكَلِمَةُ "إنْ" نافِيَةٌ، و "مِنِ" اسْتِغْراقِيَّةٌ، والمُرادُ بِـ "القَرْيَةِ" القَرْيَةُ الكافِرَةُ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ ﴿إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ . (p-180)أيْ: مُخَرِّبُوها البَتَّةَ بِالخَسْفِ بِها، أوْ بِإهْلاكِ أهْلِها بِالمَرَّةِ لِما ارْتَكَبُوا مِن عَظائِمِ المُوبِقاتِ المُسْتَوْجِبِ لِذَلِكَ، وفي صِيغَةِ الفاعِلِ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ما لَيْسَ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والتَّقَرُّرِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، ولا هو بِطْرِيقِ العُقُوبَةِ، وإنَّما هو لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا ﴿أوْ مُعَذِّبُوها﴾ أيْ: مُعَذِّبُو أهْلِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ لا بِالقَتْلِ، والسَّبْيِ، ونَحْوِهِما مِنَ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ بِما لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ مِن فُنُونِ العُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةِ أيْضًا، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ إطْلاقُ التَّعْذِيبِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الإهْلاكُ مِن قَبْلِيَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ كَيْفَ لا؟ وكَثِيرٌ مِنَ القُرى العاتِيَةِ العاصِيَةِ قَدْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

﴿كانَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا لَمْ يُغادَرْ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بُيِّنَ فِيهِ بِكَيْفِيّاتِهِ، وأسْبابِهِ المُوجِبَةِ لَهُ، ووَقْتِهِ المَضْرُوبِ لَهُ هَذا، وقَدْ قِيلَ: الهَلاكُ لِلْقُرى الصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: وجَدْتُ في كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَيُخْرِبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا. وقالَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في كِتابِ الفِتَنِ: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ، حَتّى تَخْرَبَ أرْمِينِيَّةُ، وأرْمِينِيَّةُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى، حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزَّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنِ انْقِطاعِ النَّيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ مِن ورائِهِمْ يَحْصُرُهم حَتّى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَشْرَبُوا مِنَ الفُراتِ قَطْرَةً، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قِبَلِ الغَرَقِ، وخَرابُ الأيْلَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ التِّبْتِ، وخَرابُ التِّبْتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِن قِبَلِ الجُوعِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: آخَرُ قَرْيَةٍ مِن قُرى الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ،» وقَدْ أخْرَجَهُ العُمَرِيُّ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَعْمِيمَ القَرْيَةِ لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ.

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ أيِ: الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ مِن إحْياءِ المَوْتى، وقَلْبِ الصَّفا ذَهَبًا، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما مَنَعَنا إرْسالَها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ بِها حِينَ جاءَتْهم بِاقْتِراحِهِمْ، وعَدَمُ إرْسالِهِ تَعالى بِها، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا لِمَنعِ مانِعٍ عَنْ ذَلِكَ مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ غَيْرِهِ لِاسْتِحالَةِ العَجْزِ عَلَيْهِ تَعالى، لَكِنَّ تَكْذِيبَهُمُ المَذْكُورَ بِواسِطَةِ اسْتِتْباعِهِ لِاسْتِئْصالِهِمْ بِحُكْمِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ، واسْتَلْزامِهِ لِتَكْذِيبِ الآخَرِينَ بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العُتُوِّ، والعَتادِ، وإفْضائِهِ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ بِحُكْمِ الشِّرْكَةِ في الجَرِيرَةِ لَمّا كانَ مُنافِيًا لِإرْسالِ ما اقْتَرَحُوهُ (p-181)مِنَ الآياتِ، لِتَعْيِينِ التَّكْذِيبِ المُسْتَدْعِي لِلِاسْتِئْصالِ المُخالِفِ لِما جَرى بِهِ قَلَمُ القَضاءِ مِن تَأْخِيرِ عُقُوباتِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى الآخِرَةِ لِحِكَمٍ باهِرَةٍ مِن جُمْلَتِها ما يُتَوَهَّمُ مِن إيمانِ بَعْضِ أعْقابِهِمْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُنافاةِ بِالمَنعِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ، إيذانًا بِتَعاضُدِ مَبادِئِ الإرْسال لا كَما زَعَمُوا مِن عَدَمِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَأْيِيدِهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ الإرْسالِ عَلى الإيتاءِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَداعِي الآياتِ إلى النُّزُولِ لَوْلا أنْ تُمْسِكَها يَدُ التَّقْدِيرِ، وإسْنادُ هَذا المَنعِ إلى تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ لا إلى علمه تعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ الآخِرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإبْرازِ الأُنْمُوذَجِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ عَدَمِ الإجابَةِ إلى إيتاءِ مُقْتَرَحِهِمْ لَيْسَ إلّا صَنِيعَهم.

﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، فَكَذَّبُوها، وآتَيْنا بِاقْتِراحِهِمْ ثَمُودَ النّاقَةَ.

﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيْ: بَيِّنَةً ذاتَ إبْصارٍ، أوْ بَصائِرَ يُدْرِكُها النّاسُ، أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ مَن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وبِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها ظالِمِينَ، أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِها بَلْ فَعَلَوْا بِها ما فَعَلُوا مِنَ العَقْرِ، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وعَرَّضُوها لِلْهَلاكِ بِسَبَبِ عَقْرِها، ولَعَلَّ تَخْصِيصَها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ ثَمُودَ عَرَبٌ مِثْلَهُمْ، وأنَّ لَهم مِنَ العِلْمِ بِحالِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ يُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، وُرُودًا وصُدُودًا، أوْ لِأنَّها مِن جِهَةِ أنَّها حَيَوانٌ أُخْرِجَ مِنَ الحَجْرِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ المُقْتَرَحَةِ ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ لِمَن أُرْسِلَتْ هي عَلَيْهِمْ مِمّا يَعْقُبُها مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ كالطَّلِيعَةِ لَهُ، وحَيْثُ لَمْ يَخافُوا ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ حِينَئِذٍ مِنَ الإعْرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ: ظَلَمُوا بِها، ولَمْ يَخافُوا عاقِبَتَهُ، والحالُ أنّا ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ الَّذِي يَعْقُبُها فَنَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلْ.

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: عِلْمًا كَما نَقَلَهُ الإمامُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمُ الماضِيَةِ، والمُسْتَقْبَلَةِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّكْذِيبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِها بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ لِاشْتِراكَ الكُلِّ في كَوْنِها أُمُورًا خارِقَةً لِلْعاداتِ، مُنَزَّلَةً مِن جانِبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَكْذِيبُهم لِبَعْضِها مُسْتَلْزِمٌ لِتَكْذِيبِ الباقِي كَما أنَّ تَكْذِيبَ الآخَرِينَ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، والمُرادُ بِالـرُّؤْيا ما عايَنَهُ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ مِن عَجائِبِ الأرْضِ، والسَّماءِ حَسْبَما ذُكِرَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالرُّؤْيا، إمّا لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ الرُّؤْيَةِ، أوْ لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: لَعَلَّها رُؤْيا، أيْ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَها عِيانًا مَعَ كَوْنِها آيَةً عَظِيمَةً، وأيَّةَ آيَةٍ حَقِيقَةٍ بِأنْ (p-182)لا يَتَلَعْثَمُ في تَصْدِيقِها أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ إلّا فِتْنَةً افْتُتِنَ بِها النّاسُ حَتّى ارْتَدَّ بَعْضُهم.

﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القرآن﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، والمُرادُ بِلَعْنِها فِيهِ لَعْنُ طاعِمِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، أوْ إبْعادُها عَنِ الرَّحْمَةِ فَإنَّها تَنْبُتُ في أصْلِ الجحيم في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أيْ: وما جَعَلْناها إلّا فِتْنَةً لَهم حَيْثُ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجحيم يَحْرِقُ الحِجارَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَقَدْ ضَلُّوا في ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا حَيْثُ كابَرُوا قَضِيَّةَ عُقُولِهِمْ، فَإنَّهم يَرَوْنَ النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ، وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ فَلا تَضُرُّها، ويُشاهِدُونَ المَنادِيلَ المُتَّخَذَةَ مِن وبَرِ السَّمَندَرِ تُلْقى في النّارِ فَلا تُؤَثِّرُ فِيها، ويَرَوْنَ أنَّ في كُلِّ شَجَرٍ نارًا. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القرآن كَذَلِكَ.

﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بِذَلِكَ، وبِنَظائِرِها مِنَ الآياتِ، فَإنَّ الكُلَّ لِلتَّخْوِيفِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ.

﴿إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ مُتَجاوِزًا عَنِ الحَدِّ فَلَوْ أنّا أُرْسِلْنا بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ لَفَعَلُوا بِها ما فَعَلُوا بِنَظائِرِها، وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ، وقَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ العامَّةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إلى الطّامَّةِ الكُبْرى، هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وقَدْ حَمَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ الإحاطَةَ عَلى الإحاطَةِ بِالقُدْرَةِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا عَسى يَعْتَرِيهِ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى إنْزالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها؛ لِأنَّ إنْزالَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ مِن نَوْعِ حُزْنٍ مِن طَعْنِ الكَفَرَةِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ اللَّطِيفَ بِكَ قَدْ أحاطَ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَةِ قدرته لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَشِيئَتِهِ، فَهو يَحْفَظُكَ مِنهُمْ، فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ، وامْضِ لِما أمَرْتُكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. ألا يُرى أنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ مِن قَبْلُ جَعَلْناها فِتْنَةً لِلنّاسِ، مُوَرِّثَةً لِلشُّبْهَةِ مَعَ أنَّها ما أوْرَثَتْ ضَعْفًا لِأمْرِكَ، وفُتُورًا في حالِكَ. وقَدْ فُسِّرَ الإحاطَةُ بِإهْلاكِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مُنْتَظَرًا حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾، وغَيْرُ ذَلِكَ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في أخْبارِهِ، وأُوِّلَتِ الرُّؤْيا بِما رَآهُ ﷺ في المَنامِ مِن مَصارِعِهِمْ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَما ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: واللَّهِ لِكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ، هَذا مَصْرَعُ فَلانَ، وهَذا مَصْرَعُ فَلانَ» . فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، فاسْتَسْخَرُوا مِنهُ، وبِما رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ، وأخْبَرَ بِهِ أصْحابَهُ فَتَوَجَّهَ إلَيْها فَصَدَّهُ عامَ المُشْرِكُونَ الحُدَيْبِيَةَ، واعْتَذَرَ عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ مَدَنِيًّا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ بِإهْلاكِهِمْ، وكَذا الرُّؤْيا واقِعًا بِمَكَّةَ. وذِكْرُ الرُّؤْيا، وتَعْيِينُ المَصارِعِ واقِعَيْنِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ افْتِتانُ النّاسِ بِذَلِكَ واقِعًا بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأنْ يَكُونَ ازْدِيادُهم طُغْيانًا مُتَوَقَّعًا غَيْرَ واقِعٍ عِنْدِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ قِيلَ: الرُّؤْيا ما رَآهُ ﷺ في وقْعَةِ بَدْرٍ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ ولا رَيْبَ في أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا مَعَ وُقُوعِها في المَدِينَةِ ما جُعِلَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.

17:61Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ تَذْكِيرٌ لِما جَرى مِنهُ تَعالى مِنَ الأمْرِ، ومِنَ المَلائِكَةِ مِنَ الِامْتِثالِ، والطّاعَةِ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾، ويَعْلَمُ (p-183)مِن حالِ المَلائِكَةِ حالَ غَيْرِهِمْ مِن عِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في الطّاعَةِ، وابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ، ورَجاءِ الرَّحْمَةِ، ومَخافَةِ العَذابِ. ومِن حالِ إبْلِيسَ حالُ مَن يُعانِدُ الحَقَّ، ويُخالِفُ الأمْرَ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمْ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ تَحِيَّةً، وتَكْرِيمًا لِما لَهُ مِنَ الفَضائِلِ المُسْتَوْجِبَةِ لِذَلِكَ، ﴿فَسَجَدُوا﴾ لَهُ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ امْتِثالًا لِلْأمْرِ، وأداءً لِحَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ وكانَ داخِلًا في زُمْرَتِهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ.

﴿قالَ﴾ أيْ: عِنْدَ ما وُبِّخَ بِقَوْلِهِ عَزَّ سُلْطانُهُ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وأنا مَخْلُوقٌ مِنَ العُنْصُرِ العالِي، ﴿لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: مِن طِينٍ. أوْ حالٌ مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ، أيْ: خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ. أوْ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، أيْ: أأسْجُدُ لَهُ، وأصْلُهُ طِينٌ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِالمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ إنْكارِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ.

17:62Page 288

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ لَكِنْ لا عَقِيبَ كَلامِهِ المَحْكِيِّ بَلْ بَعْدَ الإنْظارِ المُتَرَتِّبِ عَلى اسْتِنْظارِهِ المُتَفَرِّعِ عَلى الأمْرِ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ المَلَأِ الأعْلى بِاللَّعْنِ المُؤَبَّدِ، وإنَّما لَمْ تُصَرِّحْ بِذَلِكَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَإنَّ تَوْسِيطَ "قالَ" بَيْنَ كَلامَيِ اللَّعِينِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ، وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ بَلْ عَلى غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ .

﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ "الكافُ" لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ صِفَتُهُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأنْ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقِيلَ: "هَذا" مُبْتَدَأٌ حُذِفَ عَنْهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُهُ، ومَقْصُودُهُ الِاسْتِصْغارُ والِاسْتِحْقارُ، أيْ: أخْبِرْنِي أهَذا مَن كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ؟ وقِيلَ: مَعْنى "أرَأيْتَكَ" أتَأمَّلْتَ، كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يُنَبَّهُ المُخاطَبَ عَلى اسْتِحْضارِ ما يُخاطِبُهُ بِهِ عَقِيبَهُ.

﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ﴾ حَيًّا ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ قَوْلُهُ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَأْصِلَنَّهم مِن قَوْلِهِمُ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، أوْ لَأقُودَنَّهم حَيْثُ ما شِئْتُ، ولَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءً قَوِيًّا مِن قَوْلِهِمْ حَنَكْتُ الدّابَّةَ، واحْتَنَكْتُها. إذا جَعَلْتَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا تَقُودُها بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وإنَّما عُلِمَ تَسَنِّي ذَلِكَ المَطْلَبِ لَهُ تَلَقِّيًا مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ أوْ تَوَسُّمًا مِن خَلْقِهِ.

﴿إلا قَلِيلا﴾ مِنهُمْ، وهُمُ المُخْلَصُونَ الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

17:63Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وهو طَرْدٌ لَهُ، وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ.

﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: جَزاؤُكَ، وجَزاؤُهم. فَغُلِّبَ المُخاطَبُ في الغائِبِ رِعايَةً لِحَقِّ المَتْبُوعِيَّةِ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ: فِرَّ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ فِرَّةً، أيْ: وفِّرْ. وهو نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ مِن مَعْنى تُجازُونَ، أوْ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، أوْ حالٌ مُوطِئَةٌ لِقَوْلِهِ مَوْفُورًا.

17:64Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

(p-184)﴿واسْتَفْزِزْ﴾ أيِ: اسْتَخِفَّ.

﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ، ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ، وهي الصِّياحُ.

﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ أيْ: بِأعْوانِكَ، وأنْصارِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ مِن أهْلِ العَبَثِ والفَسادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجِلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَما كانَ مِن راكِبٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ، وما كانَ مِن راجِلٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَن رَجِلِ إبْلِيسَ. والخَيْلُ الخَيّالَةُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» "؟ والرَّجْلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ، كالصَّحْبِ والرَّكْبِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَلى أنَّهُ فَعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَعِبٍ وتاعِبٍ، وبِضَمَّةٍ مِثْلُ حَدِثٍ وحُدُثٍ ونَدِسٍ ونُدُسٍ ونَظائِرِهِما، أيْ: جَمْعُكَ الرّاجِلَ لِيُطابِقَ الخَيْلَ، وقُرِئَ: (رِجالِكَ) (وَرِجالكَ). ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهُ بِصَوْتِهِ، وإجْلابُهُ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ فَكَأنَّهُ مِغْوارٌ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ، فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يُزْعِجُهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ، ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهم.

﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ، والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي.

﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلَيْهِمْ بِالأسْبابِ المُحَرَّمَةِ، والإشْراكِ كَتَسْمِيَتِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى، والتَّضْلِيلِ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ، والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ، والأفْعالِ القَبِيحَةِ.

﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ، والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ، وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ بِتَطْوِيلِ الأمَلِ، ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ شَأْنِ مَواعِيدِهِ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الِاعْتِراضِ مَعَ ما فِيهِ مِن صَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِ، وبَيانِ شَأْنِهِ لِلنّاسِ، ومِنَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ شَيْطَنَتِهِ لِلْغُرُورِ، وهو تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

﴿إنَّ عِبادِي﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وهُمُ المُخْلَصُونَ، وفِيهِ أنَّ مَن تَبِعَهُ لَيْسَ مِنهُمْ، وأنَّ الإضافَةَ لِثُبُوتِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: تَسَلُّطٌ وقُدْرَةٌ عَلى إغْوائِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، ويَسْتَمِدُّونَ بِهِ في الخَلاصِ عَنْ إغْوائِكَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلِقَةِ، والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ إبْلِيسَ، لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ كِفايَتِهِ تَعالى لَهُمْ، أعْنِي سَلْبَ قدرته عَلى إغْوائِهِمْ.

17:66Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والإزْجاءُ السَّوْقُ. حالًا بَعْدَ حالٍ، أيْ: هو القادِرُ الحَكِيمُ الَّذِي يَسُوقُ لِمَنافِعِكُمُ الفُلْكَ، ويُجْرِيها في البَحْرِ.

﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ مِن رِزْقِهِ الَّذِي هو فَضْلٌ مِن قِبَلِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ الَّذِي هو مُعْطِيهِ، و "مِن" مَزِيدَةٌ، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ لِبَعْضِ النِّعَمِ الَّتِي هي دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، وتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ تَوْحِيدِهِمْ (p-185)عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ تَكْمِلَةً لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ ... الآيَةَ.

﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وسَهَّلَ عَلَيْكم ما يَعْسُرُ مِن مَبادِئِهِ، وهَذا تَذْيِيلٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإزْجاءِ لِابْتِغاءِ الفَضْلِ، وصِيغَةُ الرَّحِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ: الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، والنِّعْمَةُ العاجِلَةُ المُنْقَسِمَةُ إلى الجَلِيلَةِ والحَقِيرَةِ.

17:67Page 289

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفَ الغَرَقِ فِيهِ.

﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ، أوِ المَسِيحِ، أوْ غَيْرِهِمْ.

﴿إلا إيّاهُ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطِرَ بِبالِكم أحَدٌ مِنهُمْ، وتَدْعُوهُ لِكَشْفِهِ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ عَنْ إغاثَتِكُمْ، وإنْقاذِكُمْ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.

﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الغَرَقِ، وأوْصَلَكم ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ، أوِ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإعْراضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском