Abu as-Su'udAl‑Isra · 17:68–83

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:68–83

17:68Page 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

﴿أفَأمِنتُمْ﴾ "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ، و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ.

﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي هو مَأْمَنُكُمْ، أيْ: يَقْلِبُهُ مُلْتَبِسًا بِكُمْ، أوْ بِسَبَبِ كَوْنِكم فِيهِ، وفي زِيادَةِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى تَساوِي الجَوانِبِ، والجِهاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَهْرِهِ، وسُلْطانِهِ. وقُرِئَ: بِنُونِ العَظَمَةِ.

﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن فَوْقِكُمْ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ.

﴿حاصِبًا﴾ رِيحًا تَرْمِي بِالحَصْباءِ، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ يَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ، أوْ يَصْرِفُهُ عَنْكُمْ، فَإنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ الغالِبِ.

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ في البَحْرِ، أُوثِرَتْ كَلِمَةُ في عَلى كَلِمَةِ إلى المُنْبِئَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِهاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ، ﴿تارَةً أُخْرى﴾ إسْنادُ الِإعادَةِ إلَيْهِ تَعالى مَعَ أنَّ العَوْدَ إلَيْهِ بِاخْتِيارِهِمْ بِاعْتِبارِ خَلْقِ الدَّواعِي المُلْجِئَةِ لَهم إلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى كَمالِ شِدَّةِ هَوْلِ ما لا قُوَّةَ في التّارَةِ الأُولى بِحَيْثُ لَوْلا الإعادَةُ لَما عادُوا.

﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأنْتُمْ في البَحْرِ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ.

﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ وهي الَّتِي لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ، إلّا كَسَرَتْهُ، وجَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ، أوِ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ، أيْ: تَتَكَسَّرُ.

﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ بَعْدَ كَسْرِ فُلْكِكم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ القَصْفِ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ.

﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِكُمْ، أوْ كُفْرانِكم لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا انْتِصارًا مِنّا، ودَرْكًا لِلثَّأْرِ مِن جِهَتِنا، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ .

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

(p-186)﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قاطِبَةً تَكْرِيمًا شامِلًا لِبَرِّهِمْ، وفاجِرِهِمْ، أيْ: كَرَّمْناهم بِالصُّورَةِ، والقامَةِ المُعْتَدِلَةِ، والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ، والتَّمَتُّعِ بِهِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِبارَةِ. ومِن جُمْلَتِهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ. وما قِيلَ: مِن شِرْكَةِ القِرْدِ لَهُ في ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ اليَدِ والرِّجْلِ، فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لَهُ بِرِجْلِهِ الَّتِي يَطَأُ بِها القاذُوراتِ لا بِيَدِهِ.

﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى الدَّوابِّ، والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ إذا جَعَلْتَ لَهُ ما يَرْكَبُهُ، ولَيْسَ مِنَ المَخْلُوقاتِ شَيْءٌ كَذَلِكَ. وقِيلَ: حَمَلْناهم فِيها حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ولَمْ نُغْرِقْهم بِالماءِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالتَّكْرِيمِ، إذْ جَمِيعُ الحَيَواناتِ كَذَلِكَ.

﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: فُنُونِ النِّعَمِ، وضُرُوبِ المُسْتَلِذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِصَنِيعِهِمْ، وبِغَيْرِ صَنِيعِهِمْ.

﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ في العُلُومِ، والإدْراكاتِ بِما رَكَّبْنا فِيهِمْ مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ.

﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ وهم مَن عَدا المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿تَفْضِيلا﴾ عَظِيمًا فَحَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ، ولا يَكْفُرُوها، ويَسْتَعْمِلُوا قُواهم في تَحْصِيلِ العَقائِدِ الحَقَّةِ، ويَرْفُضُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمَيُّزٍ فَضْلًا عَمَّنْ فُضِّلَ عَلى مَن عَدا المَلَأِ الأعْلى، الَّذِينَ هُمُ العُقُولُ المَحْضَةُ، وإنَّما اسْتُثْنِيَ جِنْسُ المَلائِكَةِ مِن هَذا التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ عُلُومَهم دائِمَةٌ عارِيَةٌ عَنِ الخَطَأِ والخَلَلِ. ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أفْضَلِيَّتِهِمْ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ، فَإنَّ المُرادَ هُنا بَيانُ التَّفْضِيلِ في أمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ صالِحِها وطالِحِها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الفَضْلَ في عِظَمِ الدَّرَجَةِ، وزِيادَةِ القُرْبَةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إنْ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى تَعْيِينِ ما فِيهِ التَّفْضِيلُ بَعْدَ بَيانِ ما هو المُرادُ بِالمُفَضَّلِينَ، فَإنَّ اسْتِثْناءَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَفْضِيلِ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ عَلَيْهِمْ لا يَسْتَلْزِمُ اسْتِثْناءَهم مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ عَلَيْهِمْ قُلْنا لا بُدَّ مِن تَعْيِينِهِ البَتَّةَ إذْ لَيْسَ مِنَ الأفْرادِ الفاجِرَةِ لِلْبَشَرِ أحَدٌ يَفْضُلُ عَلى أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ فِيما هو المُتَنازَعُ فِيهِ أصْلًا بَلْ هم أدْنى مِن كُلِّ دَنِئَ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

17:71Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ولا يُظْلَمُونَ. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ. و "يَدْعُو" بِقَلْبِ الألِفِ واوًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في افْعى افْعَوْا، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عَلامَةَ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " وأسَرُّواْ النَّجْوى " أوْ ضَمِيرَهُ "وَكُلَّ" بَدَلًا مِنهُ، والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها، فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وقَدْ يُكْتَفى بِتَقْدِيرِهِ كَما في يُدْعى ﴿كُلَّ أُناسٍ﴾ مِن بَنِي آدَمَ، الَّذِينَ (p-187)فَعَلْنا بِهِمْ في الدُّنْيا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ، وهَذا شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ أحْوالِهِمْ، وأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿بِإمامِهِمْ﴾ أيْ: بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ، أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ، أوْ كِتابٍ، أوْ دِينٍ. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها. فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ، يا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ. أوْ يا أهْلَ دِينِ كَذا، يا أهْلَ كِتابِ كَذا. وقِيلَ: الإمامُ جَمْعٌ أُمٍّ، كَخُفٍّ وخِفافٍ. والحِكْمَةُ في دَعْوَتِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ بِإجْلالِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَشْرِيفِ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والسِّتْرِ عَلى أوْلادِ الزِّنا.

﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ يَوْمَئِذٍ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِّينَ ﴿كِتابَهُ﴾ صَحِيفَةَ أعْمالِهِ، ﴿بِيَمِينِهِ﴾ إبانَةً لِخَطَرِ الكِتابِ المُؤْتى، وتَشْرِيفًا لِصاحِبِهِ، وتَبْشِيرًا لَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما في مَطاوِيهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ مَعْناهُ إيذانًا بِأنَّهم حِزْبٌ مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوْ إشْعارٌ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ، كَما في حالِ الإيتاءِ، وما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِرِفْعَةِ دَرَجاتِهِمْ، أيْ: أُولَئِكَ المُخْتَصُّونَ بِتِلْكَ الكَرامَةِ الَّتِي يُشْعِرُ بِها الإيتاءُ المَزْبُورُ.

﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ عَلى الوَجْهِ المُبِينِ تَبَجُّحًا بِما سُطِّرَ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِفُنُونِ الكَراماتِ.

﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقِصُونَ مِن أُجُورِ أعْمالِهِمُ المُرْتَسِمَةِ في كُتُبِهِمْ، بَلْ يُؤْتُونَها مُضاعَفَةً.

﴿فَتِيلا﴾ أيْ: قَدْرَ فَتِيلٍ: وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ، أوْ أدْنى شَيْءٍ، فَإنَّ الفَتِيلَ مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ.

17:72Page 289

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

﴿وَمَن كانَ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ المَذْكُورِينَ.

﴿فِي هَذِهِ﴾ الدُّنْيا الَّتِي فُعِلَ بِهِمْ فِيها ما فُعِلَ مِن فُنُونِ التَّكْرِيمِ، والتَّفْضِيلِ ﴿أعْمى﴾ فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يَهْتَدِي إلى رُشْدِهِ، ولا يَعْرِفُ ما أوْلَيْناهُ مِن نِعْمَةِ التَّكْرِمَةِ، والتَّفْضِيلِ فَضْلًا عَنْ شُكْرِها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، ولا يُسْتَعْمَلُ ما أوْدَعْناهُ فِيهِ مِنَ العُقُولِ، والقُوى فِيما خُلِقْنَ لَهُ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الحَقَّةِ.

﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ﴾ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِيَوْمٍ نَدْعُو.

﴿أعْمى﴾ كَذَلِكَ، أيْ: لا يَهْتَدِي إلى ما يُنْجِيهِ، ولا يَظْفَرُ بِما يُجْدِيهِ؛ لِأنَّ العَمى الأوَّلَ مُوجِبٌ لِلثّانِي. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ عَماهُ في الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عَماهُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ مُمالًا، والثّانِيَ مُفَخَّمًا.

﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾ أيْ: مِنَ الأعْمى لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ المُمْكِنِ، وتَعَطُّلِ الآلاتِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا بِعَيْنِهِ هو الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِشَمالِهِ بِدِلالَةِ حالِ ما سَبَقَ مِنَ الفَرِيقِ المُقابِلِ لَهُ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ ذِكْرِهِ بِذَلِكَ العُنْوانِ مَعَ أنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ المُقابَلَةِ حَسْبَما هو الواقِعُ في سُورَةِ الحاقَّةِ، وسُورَةِ الِانْشِقاقِ. لِلْإيذانِ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ . ولِلرَّمْزِ إلى عِلَّةِ حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ المُسَبَّبَ، وفي الآخَرِ السَّبَبَ، ودَلَّ بِالمَذْكُورِ في كُلٍّ مِنهُما عَلى المَتْرُوكِ في الآخَرِ، تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ .

17:73Page 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ إذْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا نَدْخُلُ في أمْرِكَ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى العَرَبِ، لا نُعْشَرُ ولا نُحْشَرُ، ولا نَجْبِي في صَلاتِنا، وكُلُّ رِبًا لَنا فَهو لَنا، وكُلُّ رِبًا عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ عَنّا، وأنْ تُمَتِّعَنا بِاللّاتِ سَنَةً، وأنْ تُحَرِّمَ (p-188)وادِيَنا وجٍّ كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَإذا قالَتِ العَرَبُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ فَقُلْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِذَلِكَ. وقِيلَ: في قُرَيْشٍ، حَيْثُ قالُوا: اجْعَلْ لَنا آيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ، وآيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ، أوْ قالُوا: لا نُمَكِّنُكَ مِنِ اسْتِلامِ الحَجَرِ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا. فَـ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُشَدَّدَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ، أيْ: يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ.

﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِن أوامِرِنا ونَواهِينا ووَعْدِنا ووَعِيدِنا.

﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَتْهُ ثَقِيفٌ، أوْ قُرَيْشٌ حَسْبَما نُقِلَ.

﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي.

17:74Page 289

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِعِصْمَتِنا لَكَ.

﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ مِنَ الرُّكُونِ الَّذِي هو أدْنى مَيْلٍ، أيْ: لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقارَبَتْ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ المَيْلِ اليَسِيرِ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ، لَكِنْ أدْرَكَتْكَ العِصْمَةُ فَنَمْنَعُكَ مِن أنْ تَقْرَبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدّاعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ.

17:75Page 289

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

﴿إذًا﴾ لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ، ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: عَذابَ الدُّنْيا، وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما يُعَذَّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرُكَ؛ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ خَطِيرٌ. وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، بِمَعْنى مُضاعَفًا. ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ إضافَةَ مَوْصُوفِها. وقِيلَ: الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ. وقِيلَ المُرادُ بِضِعْفِ الحَياةِ: عَذابُ الآخِرَةِ، وبِضِعْفِ المَماتِ: عَذابُ القَبْرِ.

﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْكَ العَذابَ.

17:76Page 290

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

﴿وَإنْ كادُوا﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ، أيْ: كادَ أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أيْ: لَيُزْعِجُونَكَ بِعَداوَتِهِمْ ومَكْرِهِمْ، ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ: الأرْضِ الَّتِي أنْتَ فِيها، وهي أرْضُ مَكَّةَ.

﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى خَبَرِ كادَ، وقُرِئَ: (لا يَلْبَثُوا) بِالنَّصْبِ بِإعْمالِ إذَنْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ".

﴿خِلافَكَ﴾ أيْ: بَعْدَكَ. قالَ:

؎ خَلَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

أيْ: ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقَوْنَ بَعْدَ خُرُوجِكَ. وقُرِئَ: (خَلْفَكَ).

﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ ﷺ. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ حَيْثُ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ ﷺ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً، فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ. ثُمَّ قُتِلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةَ، وأُجْلِيَ بَنَوُ النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ.

17:77Page 290

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى (p-189)المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: سَنَّ اللَّهُ تَعالى سُنَّةً، وهي أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجَتْ رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ. فالسُّنَّةُ لِلَّهِ تَعالى وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها سُنَّتْ لِأجْلِهِمْ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ أيْ: تَغْيِيرًا.

17:78Page 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» ". واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ إلَيْها حِينَئِذٍ يَدْلُكُ عَيْنَهُ، وقِيلَ: لِغُرُوبِها مِن دَلَكَتِ الشَّمْسُ، أيْ: غَرَبَتْ، وقِيلَ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ فَيَنْتَظِمُ كِلا المَعْنَيَيْنِ، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ.

﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى اجْتِماعِ ظُلْمَتِهِ، وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، ولَيْسَ المُرادُ إقامَتَها فِيما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ بَلْ إقامَةَ كُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها، الَّذِي عُيِّنَ لَها بِبَيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أنَّ أعْدادَ رَكَعاتِ كُلِّ صَلاةٍ مَوْكُولَةٌ إلى بَيانِهِ ﷺ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بَيانِ المَبْدَأِ، والمُنْتَهى في أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَها لِما أنَّ الإنْسانَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ عَلى اليَقَظَةِ فَبَعْضُها مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ بِخِلافِ أوَّلِ وقْتِ العِشاءِ والفَجْرِ، فَإنَّهُ بِاشْتِغالِهِ فِيما بَيْنَهُما بِالنَّوْمِ يَنْقَطِعُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ وقْتُ الفَجْرِ عَنْ سائِرِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ: صَلاةُ المَغْرِبِ. والتَّحْدِيدُ المَذْكُورُ بَيانٌ لِمَبْدَئِهِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى امْتِدادِ وقْتِهِ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أيْ: صَلاةَ الفَجْرِ نُصِبَ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أقِمْ، أوْ عَلى الإغْراءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وإنَّما سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما تُسَمّى رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى الرُّكْنِيَّةِ، ولَكِنْ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ كَوْنِ مَدارِ الجَوْزِ كَوْنَ القِراءَةِ مَندُوبَةً فِيها نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ لَدَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَنِ الوُجُوبِ فِيها نَصًّا، وفِيما عِداها دَلالَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَقُرْآنَ الفَجْرِ" حَثًّا عَلى تَطْوِيلِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ.

﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ إبانَةً لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ.

﴿كانَ مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، ومَلائِكَةُ النَّهارِ. أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الضِّياءِ بِالظُّلْمَةِ والِانْتِباهِ بِالنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، أوْ يَشْهَدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ، أوْ مِن حَقِّهِ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ. فالآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ الدُّلُوكِ بِالزَّوالِ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَلى تَفْسِيرِهِ بِالغُرُوبِ لِما عِدا الظُّهْرِ والعَصْرِ.

17:79Page 290

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩

And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمْ بَعْضَ اللَّيْلِ. وقِيلَ: لا يَكُونُ المُغْرى بِهِ حَرْفًا، ولا يُجْدِي نَفْعًا كَوْنُ مَعْناها التَّبْعِيضَ فَإنَّ "واوَ" مَعَ لَيْسَتِ اسْمًا بِالإجْماعِ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الِاسْمِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ، ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: أزِلْ وألْقِ الهُجُودِ، أيِ: النَّوْمَ. فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ تَجِيءُ لِلْإزالَةِ كالتَّحَرُّجِ، والتَّحَنُّثِ، والتَّأثُّمِ، ونَظائِرِها. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ مِن حَيْثُ هو لا يُقَيِّدُ إضافَتَهُ إلى الفَجْرِ، أوْ لِلْبَعْضِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنَ اللَّيْلِ" أيْ: تَهَجَّدْ في ذَلِكَ البَعْضِ عَلى أنَّ "الباءَ" بِمَعْنى "فِي". وقِيلَ: مَنصُوبُ يَتَهَجَّدُ، أيْ: تَهَجَّدْ بِالقرآن بَعْضَ اللَّيْلِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ .

﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ خاصَّةً بِكَ دُونَ الأُمَّةِ، ولَعَلَّهُ هو الوَجْهُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ صَلاةِ الفَجْرِ مَعَ تَقَدُّمِ وقْتِها عَلى وقْتِها، أوْ تَطَوُّعًا لَكِنْ لا لِكَوْنِها زِيادَةً (p-190)عَلى الفَرائِضِ بَلْ لِكَوْنِها زِيادَةً لَهُ ﷺ في الدَّرَجاتِ، عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، فَإنَّهُ ﷺ مَغْفُورٌ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وما تَأخَّرَ، فَيَكُونُ تَطَوُّعُهُ زِيادَةً في دَرَجاتِهِ، بِخِلافِ مَن عَداهُ مِنَ الأُمَّةِ فَإنَّ تَطَوُّعَهم لِتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِمْ، وتَدارُكِ الخَلَلِ الواقِعِ في فَرائِضِهِمْ. وانْتِصابُها إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ تَنَفَّلْ، أوْ بِجَعْلٍ تَهَجَّدْ بِمَعْناهُ، أوْ بِجْعَلِ "نافِلَةً" بِمَعْنى تَهَجُّدًا، فَإنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ زائِدَةٌ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى القرآن، أيْ: حالَ كَوْنِها صَلاةً نافِلَةً، وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِتَهَجَّدْ، إذا جُعِلَ بِمَعْنى صَلِّ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَعْضِ، أيْ: فَصَلِّ في ذَلِكَ البَعْضِ نافِلَةً لَكَ.

﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ مِن بَعْدِ المَوْتِ الأكْبَرِ كَما انْبَعَثْتَ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ بِالصَّلاةِ، والعِبادَةِ.

﴿مَقامًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عَلى إضْمارِ فَيُقِيمُكَ، أوْ تَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، إذْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ في مِثْلِ هَذا الظَّرْفِ فِعْلًا فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: يَبْعَثُكَ ذا مَقامٍ.

﴿مَحْمُودًا﴾ عِنْدَكَ، وعِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ. وفِيهِ تَهْوِينٌ لِمَشَقَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ". وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَقامًا يَحْمَدُكَ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وتُشْرِفُ فِيهِ عَلى جَمِيعِ الخَلائِقِ تَسْألُ فَتُعْطى، وتَشْفَعُ فَتُشَفَّعُ، لَيْسَ أحَدٌ إلّا تَحْتَ لِوائِكَ. وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ، فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ، وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ، سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ.»

17:80Page 290

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."

﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيِ: القَبْرَ.

﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إدْخالًا مَرْضِيًّا.

﴿وَأخْرِجْنِي﴾ أيْ: مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ.

﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ. فَهو تَلْقِينُ الدُّعاءِ بِما وعَدَهُ مِنَ البَعْثِ المَقْرُونِ بِالإقامَةِ المَعْهُودَةِ الَّتِي لا كَرامَةَ فَوْقَها، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ، والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، وتَغْيِيرُ تَرْتِيبِ الوُجُودِ، لَكَوْنِ الإدْخالِ هو المَقْصِدَ. وقِيلَ: إدْخالُهُ ﷺ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: إدْخالُهُ الغارَ، وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ، وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ. وقِيلَ: إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ، وإخْراجُهُ مِنهُ. وقُرِئَ: (مَدْخَلَ) (وَمَخْرَجَ) بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخِلْنِي فَأدْخُلَ دُخُولًا، وأخْرِجْنِي فَأخْرُجَ خُرُوجًا، كَقَوْلِهِ:

؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ

أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ.

﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن يُخالِفُنِي، أوْ مُلْكًا وعِزًّا ناصِرًا لِلْإسْلامِ مُظْهِرًا لَهُ عَلى الكُفْرِ. فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ ﷺ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾، ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ .

17:81Page 290

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."

﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الإسْلامُ، والوَحْيُ الثّابِتُ الرّاسِخُ.

﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾ أيْ: ذَهَبَ، وهَلَكَ الشِّرْكُ والكُفْرُ، وتَسْوِيلاتُ الشَّيْطانِ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ.

﴿إنَّ الباطِلَ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، (p-191)وَهُوَ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإجابَةِ الدُّعاءِ بِالسُّلْطانِ النَّصِيرِ الَّذِي لُقِّنَهُ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلَثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ بِيَدِهِ في عَيْنِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَقُولُ: جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألقْى جَمِيعَها، وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ، وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ، ارْمِ بِهِ، فَصَعِدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ.»

17:82Page 290

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ وقُرِئَ: (نُنْزِلُ) مِنَ الإنْزالِ.

﴿ما هو شِفاءٌ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن أدْواءِ الرَّيْبِ، وأسْقامِ الأوْهامِ.

﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِهِ العالِمِينَ بِما في تَضاعِيفِهِ، أيْ: ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ، واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و "مِن" بَيانِيَّةٌ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ اعْتِناءً، فَإنَّ كُلَّ القرآن كَذَلِكَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقرآن فَلا شَفاهُ اللَّهُ» ". أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنْ بَعْضَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنى أنّا نُنْزِلُ مِنهُ في كُلِّ نَوْبَةٍ ما تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ نُزُولَهُ حِينَئِذٍ فَيَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُوافَقَتِهِ لِأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ إلى نُزُولِهِ مَوْقِعَ الدَّواءِ الشّافِي المُصادِفِ لا بِأنَّهُ مِنَ المَرْضى المُحْتاجِينَ إلَيْهِ، بِحَسَبِ الحالِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ. فَكُلُّ بَعْضٍ مِنهُ مُتَّصِفٌ بِالشِّفاءِ لَكِنْ لا في كُلِّ حِينٍ بَلْ عِنْدَ تَنْزِيلِهِ، وتَحْقِيقُ التَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ الشِّفاءِ الجُسْمانِيِّ كَما في الفاتِحَةِ، وآياتِ الشِّفاءِ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ أيْ: يَزِيدُ القرآن كُلُّهُ، أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِهِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ شِفاءً مِنَ الأسْقامِ إلّا خَسارًا، أيْ: هَلاكًا بِكُفْرِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ لا نُقْصانًا كَما قِيلَ. فَإنَّ ما بِهِمْ مِن داءِ الكُفْرِ والضَّلالِ، حَقِيقٌ بِأنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِالهَلاكِ لا بِالنُّقْصانِ المُنْبِئِ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ مَبادِئِ الأسْقامِ فِيهِمْ، وزِيادَتِهِمْ في مَراتِبِ الهَلاكِ مِن حَيْثُ أنَّهم كُلَّما جَدَّدُوا الكُفْرَ، والتَّكْذِيبَ بِالآياتِ النّازِلَةِ تَدْرِيجِيًّا ازْدادُوا بِذَلِكَ هَلاكًا. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّبَهِ، والشُّكُوكِ المُعْتَرِيَةِ لَهم في أثْناءِ الِاهْتِداءِ، والِاسْتِرْشادِ بِمَنزِلَةِ الأمْراضِ، وما بِالكَفَرَةِ مِنَ الجَهْلِ والعِنادِ بِمَنزِلَةِ المَوْتِ والهَلاكِ. وإسْنادُ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ إلى القرآن مَعَ أنَّهم هُمُ المُزْدادُونَ في ذَلِكَ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، واعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِ حَيْثُ يَكُونُ مَدارًا لِلشِّفاءِ والهَلاكِ.

17:83Page 290

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣

And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.

﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِّحَّةِ والنِّعْمَةِ.

﴿أعْرَضَ﴾ عَنْ ذِكْرِنا فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ، ﴿وَنَأى﴾ تَباعَدَ عَنْ طاعَتِنا.

﴿بِجانِبِهِ﴾ النَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنِ الشَّيْءِ عِطْفَهُ، ويُولِيَهُ عُرْضَ وجْهِهِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ، أوْ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن دَيْدَنِ المُسْتَكْبِرِينَ.

﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ. وفي إسْنادِ المِساسِ إلى الشَّرِّ بَعْدَ إسْنادِ الإنْعامِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ إيذانٌ بِأنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ لَيْسَ كَذَلِكَ.

﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَوْحِنا، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ مِمَّنْ هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾، ونَظائِرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرِينَ مِنهُمْ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. وقُرِئَ: (ناءٍ) إمّا عَلى القَلْبِ كَما يُقالُ: راءٍ في رَأى، وإمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском