Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:109–110
18:109Page 304
قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩
Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."
﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ﴾ أيْ: جِنْسُ البَحْرِ ﴿مِدادًا﴾ وهو ما تُمِدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ لِتَحْرِيرِ كَلِماتِ عِلْمِهِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ المُحَذِّرَةِ مِنَ الإشْراكِ.
﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ مَعَ كَثْرَتِهِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ لِتَناهِيهِ.
﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ﴾ وقُرِئَ: بِالياءِ، والمَعْنى: مِن غَيْرِ أنْ تَنْفَدَ ﴿كَلِماتُ رَبِّي﴾ . لِعَدَمِ تَناهِيها فَلا دَلالَةَ لِلْكَلامِ عَلى نَفادِها بَعْدَ نَفادِ البَحْرِ. وفي إضافَةِ الكَلِماتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ، وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ البَحْرِ، والكَلِماتِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
﴿وَلَوْ جِئْنا﴾ كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ، مَعَ زِيادَةِ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ. و "الواوُ" لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُسْتَأْنِفَةِ المُقابِلَةِ لَها المَحْذُوفَةِ لِدَلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، أيْ: لَنَفِدَ البَحْرُ مِن غَيْرِ نَفادِ كَلِماتِهِ تَعالى لَوْ لَمْ نَجِيءْ بِمِثْلِهِ مِدادًا، ولَوْ جِئْنا بِقُدْرَتِنا الباهِرَةِ.
﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ عَوْنًا، وزِيادَةً؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ المُتَناهِيَيْنِ مُتَناهٍ بَلْ مَجْمُوعُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِنَ الأجْسامِ لا يَكُونُ إلّا مُتَناهِيًا. لِقِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى تَناهِي الأبْعادِ، وقُرِئَ: (مِدادًا) جَمْعِ مُدَّةٍ، وهي ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ، وقُرِئَ: (مِدادًا).
18:110Page 304
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠
Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."
﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَ ما بَيَّنْتَ لَهم شَأْنَ كَلِماتِهِ تَعالى، ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا أدَّعِي الإحاطَةَ بِكَلِماتِهِ التّامَّةِ.
﴿يُوحى إلَيَّ﴾ مِن تِلْكَ الكَلِماتِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، ولا في سائِرِ أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ وإنَّما تَمَيَّزْتُ عَنْكم بِذَلِكَ.
﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاءُ تَوَقُّعُ وصُولِ الخَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ، والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى: كَرامَتُهُ. وإدْخالُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ الِاسْتِمْرارُ، والِاسْتِدامَةُ عَلى رَجاءِ اللِّقاءِ، أيْ: فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى رَجاءِ كَرامَتِهِ تَعالى.
﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الطِّلْبَةِ العَزِيزَةِ ﴿عَمَلا صالِحًا﴾ في نَفْسِهِ لائِقًا بِذَلِكَ المَرْجُوِّ، كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ إشْراكًا جَلِيًّا، كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، ولِقائِهِ. ولا إشْراكًا خَفِيًّا، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرِّياءِ، ومَن يَطْلُبُ بِهِ أجْرًا، وإيثارُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العُنْوانِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، ووُجُوبِ الِامْتِثالِ فِعْلًا وتَرْكًا. رُوِيَ «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَأعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي. فَقالَ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ.»
(p-252)فَنَزَلَتْ تَصْدِيقًا لَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ: لَكَ أجْرانِ أجْرُ السِّرِّ وأجْرُ العَلانِيَةِ، وذَلِكَ إذا قَصَدَ أنْ يُقْتَدى بِهِ. وعَنْهُ ﷺ: " «اتَّقُوا الشِّرْكَ الأصْغَرَ. قِيلَ: وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ؟ قالَ: الرِّياءُ» ". عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ مِن آخِرِها كانَتْ لَهُ نُورًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ومَن قَرَأها كُلَّها كانَتْ لَهُ نُورًا مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ،» وعَنْهُ ﷺ «مَن قَرَأ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ ... إلَخْ. كانَ لَهُ مَضْجَعُهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَقُومَ، وإنْ كانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ مِن مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتّى يَسْتَيْقِظَ» ". الحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ العِظامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences