Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:12–18
18:12Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: أيْقَظْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الثَّقِيلَةِ الشَّبِيهَةِ بِالمَوْتِ.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وأيًّا ما كانَ فَهو غايَةٌ لِلْبَعْثِ، لَكِنْ لا يُجْعَلُ العِلْمُ مَجازًا مِنَ الإظْهارِ والتَّمْيِيزِ، أوْ بِحَمْلِهِ عَلى ما يَصِحُّ وُقُوعُهُ غايَةً لِلْبَعْثِ الحادِثِ مِنَ العِلْمِ الحالِيِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونَظائِرِهِما الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيها العِلْمُ بِتَحَقُّقِ مُتَعَلِّقِهِ قَطْعًا، فَإنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحَزُّبُ النّاسِ إلى مُتَّبِعٍ ومُنْقَلِبٍ، وكَذا مُداوَلَةُ الأيّامِ بَيْنَ النّاسِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحَزُّبُهم إلى الثّابِتِ عَلى الإيمانِ، والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وتَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ العِلْمُ الحالِيُّ، والإظْهارُ والتَّمْيِيزُ. وأمّا بَعْثُ هَؤُلاءِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَفَرُّقُهم إلى المُحْصِي وغَيْرِهِ، حَتّى يَتَعَلَّقَ بِهِما العِلْمُ، أوِ الإظْهارُ. والتَّمْيِيزُ ويَتَسَنّى نَظْمُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في سَلْكِ الغايَةِ، وإنَّما الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُهم إلى مُقَدِّرٍ تَقْدِيرًا غَيْرَ مُصِيبٍ، ومُفَوِّضٍ إلى العِلْمِ الرَّبّانِيِّ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما مِنَ الإحْصاءِ في شَيْءٍ، بَلْ يُحْمَلُ النَّظْمِ الكَرِيمُ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى جَعْلِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ مَجازًا، بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِبارِ صُدُورُ الفِعْلِ المُخْتَبَرِ بِهِ عَنِ المُخْتَبَرِ قَطْعًا بَلْ قَدْ يَكُونُ لِإظْهارِ عَجْزِهِ عَنْهُ عَلى سُنَنِ التَّكالِيفِ التَّعْجِيزِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهو المُرادُ هَهُنا. فالمَعْنى: بَعَثْناهم لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم.
﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بِالتَّقْدِيرِ والتَّفْوِيضِ كَما سَيَأْتِي.
﴿أحْصى﴾ أيْ: أضْبَطُ ﴿لِما لَبِثُوا﴾ أيْ: لِلُبْثِهِمْ ﴿أمَدًا﴾ أيْ: غايَةً فَيَظْهَرُ لَهم عَجْزُهُمْ، ويُفَوِّضُوا ذَلِكَ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ، ولِيَتَعَرَّفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مِن حِفْظِ أبْدانِهِمْ وأدْيانِهِمْ، فَيَزْدادُوا يَقِينًا بِكَمالِ قدرته وعِلْمِهِ، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ. ويَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا لِمُؤْمِنِي زَمانِهِمْ، وآيَةً بَيِّنَةً لِكُفّارِهِمْ، وقَدِ اقْتَصَرَ هَهُنا مِن تِلْكَ الغاياتِ الجَلِيلَةِ عَلى ذِكْرِ مَبْدَئِها الصّادِرِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ. وفِيما سَيَأْتِي عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّساؤُلِ المُؤَدِّي إلَيْها، وهَذا أوْلى مِن تَصْوِيرِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُقالَ: بَعَثْناهم بَعْثَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ ... إلَخْ. حَسْبَما وقَعَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا" عَلى أحَدِ الوُجُوهِ حَيْثُ حُمِلَ عَلى مَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ مَنِ الثّابِتُ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِ الثّابِتِ، إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنهُ اسْتِلْزامُ الإرادَةِ لِتَحَقُّقِ المُرادِ، فَيَعُودُ المَحْذُورُ فَيُصارُ إلى جَعْلِ إرادَةِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ فاخْتَبِرْ واخْتَرْ. هَذا وقَدْ قُرِئَ: (لِيُعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الإعْلامِ، عَلى أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِـ "أيُّ" في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي فَقَطْ إنْ جُعِلَ العِلْمُ عِرْفانِيًّا. أوْ في مَوْقِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ جُعِلَ يَقِينِيًّا، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ النّاسَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى ... إلَخْ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ، والآخِرَ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا المَدِينَةَ مَلِكًا (p-208)بَعْدَ مَلِكٍ، وقِيلَ: كِلاهُما مِن غَيْرِهِمْ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، فَإنَّ "اللّامَ" لِلْعَهْدِ ولا عَهْدَ لِغَيْرِهِمْ و "الأمَدُ" بِمَعْنى المَدى كالغايَةِ في قَوْلِهِمُ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وانْتِهاءُ الغايَةِ، وهو مَفْعُولٌ لِأحْصى، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَيْسَ مَعْنى إحْصاءِ تِلْكَ المَدَّةِ ضَبْطَها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُتَّصِلَةُ الذّاتِيَّةُ، فَإنَّهُ لا يُسَمّى إحْصاءً بَلْ ضَبْطَها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُفَصَّلَةُ العارِضَةُ لَها بِاعْتِبارِ قِسْمَتِها إلى السِّنِينَ، وبُلُوغِها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إلى مَراتِبِ الأعْدادِ عَلى ما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ كَوْنُ تِلْكَ المُدَّةِ عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ السِّنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ "الأمَدِ" مَعْناهُ الوَضْعِيُّ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: لِزَمانِ لُبْثِهِمْ، وبِدُونِهِ أيْضًا. فَإنَّ اللُّبْثَ عِبارَةٌ عَنِ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ المُنْطَبِقِ عَلى الزَّمانِ المَذْكُورِ، فَبِاعْتِبارِ الِامْتِدادِ العارِضِ لَهُ بِسَبَبِهِ يَكُونُ لَهُ أمَدٌ لا مَحالَةَ لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ما يَقَعُ غايَةً ومُنْتَهًى لِذَلِكَ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُتَّصِلَةِ العارِضَةِ لَهُ بِسَبَبِ انْطِباقِهِ عَلى الزَّمانِ المُمْتَدِّ بِالذّاتِ، وهو آنُ انْبِعاثِهِمْ مِن نَوْمِهِمْ، فَإنَّ مَعْرِفَتَهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ، ولا تُسَمّى إحْصاءً كَما مَرَّ، بَلْ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُفَصَّلَةِ مُعارَضَةٌ لَهُ بِسَبَبِ عُرُوضِها لِزَمانِهِ المُنْطَبِقِ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ انْقِسامِهِ إلى السِّنِينَ، ووُصُولِهِ إلى مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، كَما حُقِّقَ في الصُّورَةِ الأُولى. والفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ أنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الإحْصاءُ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ نَفْسُ المُدَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى السِّنِينَ فَهو مَجْمُوعُ ثَلَثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، وفي الصُّورَةِ الأخِيرَةِ مُنْتَهى تِلْكَ المُدَّةِ المُنْقَسِمَةِ إلَيْها، أعْنِي: السَّنَةَ التّاسِعَةَ بَعْدَ الثَّلَثِمِائَةٍ، وتَعَلُّقُ الإحْصاءِ بِالأمَدِ بِالمَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِهِ بِالمَعْنى الثّانِي فَبِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لِما تَحْتَهُ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، واشْتِمالِهِ عَلَيْها. هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: "لِما لَبِثُوا" مَصْدَرِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ، أيْ: لِلَّذِي لَبِثُوا فِيهِ مِنَ الزَّمانِ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ فِيما قَبْلُ بِسِنِينَ عَدَدًا، فالأمَدُ بِمَعْناهُ الوَضْعِيِّ عَلى ما تَحَقَّقْتَهُ. وقِيلَ: "اللّامُ: مَزِيدَةٌ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، و "أمَدًا" نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ أحْصى اسْمُ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ المُوافِقُ لِما وقَعَ في سائِرِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، نَحْوِ﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾، ﴿أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ولِأنَّ كَوْنَهُ فِعْلًا ماضِيًا يُشْعِرُ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثِ، لا بِالإحْصاءِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وادِّعاءُ أنَّ مَجِيءَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ المَزِيدَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ قِياسِيٍّ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِياسٌ مُطْلَقًا. وعِنْدَ ابْنِ عُصْفُورٍ فِيما لَيْسَتْ هَمْزَتُهُ لِلنَّقْلِ. ولا رَيْبَ في أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. وامْتِناعُ عَمَلِهِ إنَّما هو في غَيْرِ التَّمْيِيزِ مِنَ المَعْمُولاتِ، وأمّا أنَّ التَّمْيِيزَ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا في المَعْنى فَلِمانِعٍ أنْ يَمْنَعَهُ بِصِحَّةِ أنْ يُقالَ: أيُّهم أحْفَظُ لِهَذا الشِّعْرِ وزْنًا أوْ تَقْطِيعًا، أوْ يُقالَ: إنَّ العامِلَ في أمَدًا فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ: يُحْصِي لِما لَبِثُوا أمَدًا كَما في قَوْلِهِ:
؎ وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا
وَحَدِيثُ الوُقُوعِ في المَحْذُورِ بِلا فائِدَةٍ مَدْفُوعٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن فائِدَةِ المُوافِقَةِ لِلنَّظائِرِ فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِسافِ، والخَلَلِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ؛ لِأنَّ مُؤَدّاهُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ إظْهارَ أفْضَلِ الحِزْبَيْنِ، وتَمْيِيزَهُ عَنِ الأدْنى مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإحْصاءِ فِيهِما. ومِنَ البَيِّنِ أنْ لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا، وأنَّ المَقْصُودَ بِالِاخْتِبارِ إظْهارُ عَجْزِ الكُلِّ عَنْهُ رَأْسًا، فَهو فِعْلٌ ماضٍ قَطْعًا، وتَوَّهُمُ إيذانِهِ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ صِيغَةَ الماضِي بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
(p-209)﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ أوى الفِتْيَةُ ... إلَخْ. أيْ: نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِتَفاصِيلِ أخْبارِهِمْ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ اشْتِقاقِهِ في مَطْلَعِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿نَبَأهُمْ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ.
﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ نَقُصُّ، أوْ مِن نَبَأهم. أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: نَقُصُّ قَصَصًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، أوْ نَقُصُّهُ مُلْتَبِسِينَ بِهِ، أوْ نَقُصُّ نَبَأهم مُلْتَبِسًا بِهِ، أوْ نَبَأهُمُ المُلْتَبِسَ بِهِ. ونَبَأهم حَسْبَما ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ قَدْ مَرَجَ أهْلُ الإنْجِيلِ، وعَظُمَتْ فِيهِمُ الخَطايا، وطَغَتْ مُلُوكُهُمْ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، وذَبَحُوا لِلطَّواغِيتِ. وكانَ مِمَّنْ بالَغَ في ذَلِكَ، وعَتا عُتُوًّا كَبِيرًا دِقْيانُوسُ فَإنَّهُ غَلا فِيهِ غُلُوًّا شَدِيدًا، فَجاسَ خِلالَ الدِّيارِ والبِلادِ بِالعَيْثِ والفَسادِ، وقَتَلَ مَن خالَفَهُ مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَتْبَعُ النّاسَ فَيُخَيِّرُهم بَيْنَ القَتْلِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، فَمَن رَغِبَ في الحَياةِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ يَصْنَعُ ما يَصْنَعُ. ومَن آثَرَ عَلَيْها الحَياةَ الأبَدِيَّةَ قَتَلَهُ، وقَطَعَ آرابَهُ، وعَلَّقَها في سُورِ المَدِينَةِ وأبْوابِها، فَلَمّا رَأى الفِتْيَةُ ذَلِكَ، وكانُوا عُظَماءَ أهْلِ مَدِينَتِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا مِن خَواصِّ المَلِكِ قامُوا، فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ والدُّعاءِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أعْوانُ الجَبّارِ، فَأحْضَرُوهم بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَهم ما قالَ، وخَيَّرَهم بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ عِبادَةِ الأوْثانِ، فَقالُوا: إنَّ لَنا إلَهًا مَلَأ السَّمَواتِ والأرْضَ عَظَمَتُهُ وجَبَرُوتُهُ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ أحَدًا، ولَنْ نُقِرَّ لِما تَدْعُونا إلَيْهِ أبَدًا، فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ، فَأمَرَ بِنَزْعِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الثِّيابِ الفاخِرِ، وأخْرَجَهم مِن عِنْدِهِ، وخَرَجَ هو إلى مَدِينَةِ "نِينَوى" لِبَعْضِ شَأْنِهِ، وأمْهَلَهم إلى رُجُوعِهِ لِيَتَأمَّلُوا في أمْرِهِمْ فَإنْ تَبِعُوهُ وإلّا فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِسائِرِ المُسْلِمِينَ، فَأزْمَعَتِ الفِتْيَةُ عَلى الفِرارِ بِالدِّينِ، والِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ الحَصِينِ. فَأخَذَ كُلٌّ مِنهم مِن بَيْتِ أبِيهِ شَيْئًا، فَتَصَدَّقُوا بِبَعْضِهِ، وتَزَوَّدُوا بِالباقِي، فَأوَوْا إلى الكَهْفِ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ فِيهِ آناءَ اللَّيْلِ، وأطْرافَ النَّهارِ، ويَبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالأنِينِ، والجُؤارِ، وفَوَّضُوا أمْرَ نَفَقَتِهِمْ إلى يَمْلِيخا، فَكانَ إذا أصْبَحَ يَضَعُ عَنْهُ ثِيابَهُ الحِسانَ، ويَلْبَسُ لِباسَ المَساكِينِ، ويَدْخُلُ المَدِينَةَ، ويَشْتَرِي ما يُهِمُّهُمْ، ويَتَحَسَّسُ ما فِيها مِنَ الأخْبارِ، ويَعُودُ إلى أصْحابِهِ، فَلَبِثُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ قَدِمَ الجَبّارُ إلى المَدِينَةِ فَطَلَبَهُمْ، وأحْضَرَ آباءَهُمْ، فاعْتَذَرُوا بِأنَّهم عَصَوْهُمْ، ونَهَبُوا أمْوالَهُمْ، وبَذَرُوها في الأسْواقِ، وفَرُّوا إلى الجَبَلِ، فَلَمّا رَأى يَمْلِيخا ما رَأى مِنَ الشَّرِّ رَجَعَ إلى أصْحابِهِ، وهو يَبْكِي، ومَعَهُ قَلِيلٌ مِنَ الزّادِ فَأخْبَرَهم بِما شَهِدَهُ مِنَ الهَوْلِ فَفَزِعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، ثُمَّ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ في أمْرِهِمْ. فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ، فَنامُوا ونَفَقَتُهم عِنْدَ رُءُوسِهِمْ. فَخَرَجَ دِقْيانُوسُ في طَلَبِهِمْ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ فَوَجَدُوهم قَدْ دَخَلُوا الكَهْفَ، فَأمَرَ بِإخْراجِهِمْ فَلَمْ يُطِقْ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَهُ، فَلَمّا ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ألَيْسَ لَوْ كُنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ، ودَعْهم يَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا، ولْيَكُنْ كَهْفُهم قَبْرًا لَهم. فَفَعَلَ، ثُمَّ كانَ مِن شَأْنِهِمْ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُمْ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ تَحْقِيقِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ مِن قِبَلِ المُخاطَبِ، والفِتْيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِلْفَتى، كالصِّبْيَةِ لِلصَّبِيِّ.
﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أُوثِرَ (p-210)الِالتِفاتُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ وصْفِ الربوبية لِإيمانِهِمْ، ولِمُراعاةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ حَسْبَما سَيُحْكى عَنْهم.
﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ بِأنْ ثَبَّتْناهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وأظْهَرْنا لَهم مَكْنُوناتِ مَحاسِنِهِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى ما عَلَيْهِ سَبْكُ النَّظْمِ سِباقًا وسِياقًا مِنَ التَّكَلُّمِ.
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها حَتّى اقْتَحَمُوا مَضايِقَ الصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الأهْلِ، والأوْطانِ، والنَّعِيمِ، والإخْوانِ، واجْتَرَءُوا عَلى الصَّدْعِ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، وحَذارٍ، والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ.
﴿إذْ قامُوا﴾ مَنصُوبٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْتِصابُهم لِإظْهارِ شِعارِ الدِّينِ، قالَ مُجاهِدٌ: خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ أكْبُرُهم: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَقالُوا: نَحْنُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ضَمَّنُوا دَعْواهم ما يُحَقِّقُ فَحْواها، ويَقْضِي بِمُقْتَضاها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُما تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما، أيِ: اقْتِضاءً. وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِهِ حِينَ عاتَبَهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: هَؤُلاءِ ... إلَخْ. مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ صادِرًا عَنْهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن عِنْدِهِ ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ لَنْ نَعْبُدَ أبَدًا ﴿مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: "رَبًّا" لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ لا بِطْرِيقَ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ.
﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ. أيْ: تَجاوُزٍ عَنِ الحَدِّ، أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ عَلى أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وحَيْثُ كانَتِ العِبادَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْقَوْلِ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ قِيلَ: لَقَدْ قُلْنا. و "إذًا" جَوابٌ وجَزاءٌ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِهِ إلَهًا، واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا خارِجًا عَنْ حَدِّ العُقُولِ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ.
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
﴿هَؤُلاءِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم.
﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرُهُ، وفِيهِ مَعْنى الإنْكارِ.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ والتَّعْجِيزِ، أيْ: هَلّا يَأْتُونَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أُلُوهِيَّتِهِمْ، أوْ عَلى صِحَّةِ اتِّخاذِهِمْ لَها آلِهَةً ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى مُدَّعاهُمْ، وهو تَبْكِيتٌ لَهُمْ، وإلْقامُ حَجَرٍ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والمَعْنى أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ سَبْكُ النَّظْمِ عَلى إنْكارِ الأظْلَمِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ هُودٍ.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
(p-211)﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: فارَقْتُمُوهم في الِاعْتِقادِ، أوْ أرَدْتُمُ الِاعْتِزالَ الجُسْمانِيَّ.
﴿وَما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إذِ اعْتَزَلْتُمُوهم ومَعْبُودِيهِمْ إلّا اللَّهَ، أوْ وعِبادَتَهم إلّا عِبادَةَ اللَّهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ كَأهْلِ مَكَّةَ، ومُنْقَطِعٌ عَلى تَقْدِيرِ تَمَحُّضِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، ويَجُوزُ كَوْنُ "ما" نافِيَةً عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ إذْ وجَوابِهِ.
﴿فَأْوُوا﴾ أيِ: التَجِئُوا.
﴿إلى الكَهْفِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابٌ إذْ كَما تَقُولُ إذْ فَعَلْتَ فافْعَلْ كَذا، وقِيلَ: هو دَلِيلٌ عَلى جَوابِهِ، أيْ: إذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا فاعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالًا جُسْمانِيًّا، أوْ إذا أرَدْتُمُ اعْتِزالَهم فافْعَلُوا ذَلِكَ بِالِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾ يَبْسُطْ لَكُمْ، ويُوَسِّعْ عَلَيْكم.
﴿رَبُّكُمْ﴾ مالِكُ أمْرِكم ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ يُسَهِّلْ لَكم ﴿مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ الفِرارِ بِالدِّينِ ﴿مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ، وتَنْتَفِعُونَ بِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ الفاءِ مَصْدَرًا كالمَرْجِعِ، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" في المَوْضِعَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ، والتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
﴿وَتَرى الشَّمْسَ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِهِ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِظُهُورِ جَرَيانِهِمْ عَلى مُوجِبِ الأمْرِ بِهِ لِكَوْنِهِ صادِرًا عَنْ رَأْيٍ صائِبٍ، وتَعْوِيلًا عَلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ وما لَحِقَ مِن إضافَةِ الكَهْفِ إلَيْهِمْ، وكَوْنِهِمْ في فَجْوَةٍ مِنهُ. والخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الإخْبارَ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ تَحْقِيقًا بَلِ الإنْباءُ بِكَوْنِ الكَهْفِ بِحَيْثُ لَوْ رَأيْتَهُ تَرى الشَّمْسَ.
﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ أيْ: تَتَزاوَرُ، وتَتَنَحّى بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. وتَزَوَّرُ كَتَخَمَّرُ، وتَزْوارُّ كَتَخْمارُّ، وتَزْوَئِرُ وكُلُّها مِنَ الزَّوْرِ. وهُوَ: المَيْلُ.
﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الَّذِي أوَوْا إلَيْهِ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.
﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الكَهْفِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الدّاخِلِ إلى قَعْرِهِ، أيْ: جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ فَلا يَقَعُ عَلَيْهِمْ شُعاعُها، فَيُؤْذِيهِمْ ﴿وَإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ: تَراها عِنْدَ غُرُوبِها.
﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ: تَقْطَعُهم مِنَ القَطِيعَةِ والصَّرْمِ، ولا تَقْرَبُهم.
﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ شَمالِ الكَهْفِ، أيْ: جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَشْرِقَ، وكانَ ذَلِكَ بِتَصْرِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى مِنهاجِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا بَدِيعًا، أيْ: تَراها تَمِيلُ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا، ولا تَحُومُ حَوْلَهم مَعَ أنَّهم في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ مُعَرَّضٍ لِإصابَتِها لَوْلا أنْ صَرَفَتْها عَنْهم يَدُ التَّقْدِيرِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَزاوُرِ الشَّمْسِ، وقَرْضِها حالَتَيِ الطُّلُوعِ والغُرُوبِ (p-212)مَعَ كَوْنِهِمْ في مَوْقِعِ شُعاعِها.
﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته، وحَقِيَّةِ التَّوْحِيدِ، وكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَذا قَبْلَ أنْ سَدَّ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ. وقِيلَ: كانَ بابُ الكَهْفِ شِمالِيًّا مُسْتَقْبِلَ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ رَأْسُ مَشْرِقِ السَّرَطانِ ومَغْرِبِهِ، والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارَهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابِلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ، وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جَنْبَيْهِ، وتُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ، وتُعَدِّلُ هَواءَهُ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِي أجْسادَهُمْ، ويُبْلِي ثِيابَهم. ولَعَلَّ مَيْلَ البابِ إلى جانِبِ الغَرْبِ كانَ أكْثَرَ، ولِذَلِكَ أُوقِعَ التَّزاوُرُ عَلى كَهْفِهِمْ، والقَرْضُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَذَلِكَ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى إيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ هَذا شَأْنُهُ، وأمّا جَعْلُهُ إشارَةً إلى حِفْظِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهم في ذَلِكَ الكَهْفِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، أوْ إلى إطْلاعِهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ عَلى أخْبارِهِمْ فَلا يُساعِدُهُ إيرادُهُ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ.
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.
﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الَّذِي أصابَ الفَلاحَ، والمُرادُ: إمّا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةُ لَهم بِإصابَةِ المَطْلُوبِ، والإخْبارُ بِتَحْقِيقِ ما أمَّلُوهُ مِن نَشْرِ الرَّحْمَةِ، وتَهْيِئَةِ المَرافِقِ، أوِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ، ولَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاسْتِبْصارِ بِها.
﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أبَدًا، وإنْ بالَغْتَ في التَّتَبُّعِ والِاسْتِقْصاءِ.
﴿وَلِيًّا﴾ ناصِرًا.
﴿مُرْشِدًا﴾ يَهْدِيهِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الفَلاحِ لِاسْتِحالَةِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ لا أنَّكَ لا تَجِدُهُ مَعَ وُجُودِهِ أوْ إمْكانِهِ.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها أيْضًا. والخِطابُ فِيهِ كَما سَبَقَ.
﴿أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها. وهو اليَقْظانُ، ومَدارُ الحُسْبانِ انْفِتاحُ عُيُونِهِمْ عَلى هَيْئَةِ النّاظِرِ، وقِيلَ: كَثْرَةُ تَقَلُّبِهِمْ، ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَنُقَلِّبُهُمْ" ﴿وَهم رُقُودٌ﴾ أيْ: نِيامٌ وهو تَقْرِيرٌ لِما لَمْ يُذْكَرُ فِيما سَلَفَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ السّابِقِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى آذانِهِمْ ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رَقْدَتِهِمْ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: جِهَةً تَلِي أيْمانَهم.
﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةً تَلِي شَمائِلَهُمْ، كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما يَلِيها مِن أبْدانِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ لَمْ يُقَلَّبُوا لَأكَلَتْهُمُ الأرْضُ. قِيلَ لَهم تَقْلِيبَتانِ في السَّنَّةِ. وقِيلَ: تَقْلِيبَةٌ واحِدَةٌ يَوْمَ عاشُوراءَ. وقِيلَ: في كُلِّ تِسْعِ سِنِينَ. وقُرِئَ: (يُقَلِّبُهُمْ) عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، "وَتَقَلُّبَهُمْ" عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ، وتَحْسَبُهم أيْ: وتَرى تَقَلُّبَهم.
﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ قِيلَ: هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ، فَتَبِعَهُمْ، فَطَرَدُوهُ مِرارًا فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: لا تَخْشَوْا جانِبِي فَإنِّي أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ تَعالى فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكم. وقِيلَ: هو كَلْبُ راعٍ قَدْ تَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (كالَبُهُمْ) إذا الظّاهِرُ لُحُوقُهُ بِهِمْ. وقِيلَ: كَلْبُ صَيْدِ أحَدِهِمْ، أوْ زَرْعِهِ، أوْ غَنَمِهِ. واخْتُلِفَ في لَوْنِهِ فَقِيلَ: كانَ أنْمَرَ. وقِيلَ: أصْفَرَ. وقِيلَ: أصْهَبَ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَ اسْمُهُ قِطْمِيرٌ، وقِيلَ: رَيّانٌ. وقِيلَ: تَتُوهُ. وقِيلَ: قَطْمُورٌ، وقِيلَ: ثَوْرٌ. قالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِنَ الدَّوابِّ إلّا كَلْبُ أصْحابِ الكَهْفِ، وحِمارُ بَلْعَمَ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن جِنْسِ الكِلابِ بَلْ كانَ أسَدًا.
﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ولِذَلِكَ أُعْمِلَ اسْمُ الفاعِلِ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ، وهِشامٍ، وأبِي جَعْفَرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ، يَجُوزُ (p-213)إعْمالُهُ مُطْلَقًا. والذِّراعُ مِنَ المِرْفَقِ إلى رَأْسِ الأُصْبَعِ الوُسْطى.
﴿بِالوَصِيدِ﴾ أيْ: بِمَوْضِعِ البابِ مِنَ الكَهْفِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لَوْ عايَنْتَهم وشاهَدْتَهم. وأصْلُ الِاطِّلاعِ: الإشْرافُ عَلى الشَّيْءِ بِالمُعايَنَةِ، والمُشاهَدَةِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ.
﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ هَرَبًا مِمّا شاهَدْتَ مِنهُمْ، وهو إمّا نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى ما قَبْلَهُ إذِ التَّوْلِيَةُ، والفِرارُ مِن وادٍ واحِدٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ بِجَعْلِ المَصْدَرِ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: فارًّا أوْ بِجَعْلِ الفاعِلِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِها: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ، أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ الصَّدْرَ ويُرْعِبُهُ، وهو إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ تَمْيِيزٌ. ذَلِكَ لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الهَيْبَةِ، والهَيْئَةِ كانَتْ أعْيُنُهم مُفَتَّحَةً كالمُسْتَيْقِظِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ، وقِيلَ: لِطُولِ أظْفارِهِمْ، وشُعُورِهِمْ، ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِن ذَلِكَ عَدَمُ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا عَنْ ذِكْرِ التَّوْلِيَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في التَّرَتُّبِ عَلى الِاطِّلاعِ إذْ لَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ تَرَتُّبُ المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو هو عَلَيْهِ، ولِلْإشْعارِ بِعَدَمِ زَوالِ الرُّعْبِ بِالفِرارِ كَما هو المُعْتادُ. وعَنْ مُعاوِيَةَ: لَمّا غَزا الرُّومُ فَمَرَّ بِالكَهْفِ، قالَ: لَوْ كَشَفْتَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى مَن هو خَيْرٌ مِنكَ حَيْثُ قالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ... الآيَةَ. قالَ مُعاوِيَةُ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ عِلْمَهم فَبَعَثَ ناسًا، وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فانْظُرُوا، فَفَعَلُوا فَلَمّا دَخَلُوا الكَهْفَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فَأحْرَقَتْهم، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى التَّكْثِيرِ، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَعَ التَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences