Abu as-Su'udAl‑Kahf · 18:47–60

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:47–60

18:47Page 299

وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧

And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.

﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ: اذْكُرْ حِينَ نَقْلَعُها مِن أماكِنِها، ونُسَيِّرُها في الجَوِّ عَلى هَيْئاتِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أوْ نُسَيِّرُ أجْزاءَها بَعْدَ أنْ نَجْعَلَها هَباءً مُنْبَثًّا، والمُرادُ بِتَذْكِيرِهِ: تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ مِمّا فِيهِ مِنَ الدَّواهِي، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ويَوْمَ القِيامَةِ. وقُرِئَ: (تُسَيَّرُ) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الإسْنادِ إلى الفاعِلِ لِتَعَيُّنِهِ، وقُرِئَ: (تَسِيرُ) ﴿وَتَرى الأرْضَ﴾ أيْ: جَمِيعَ جَوانِبِها. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيا. وقُرِئَ: (تُرى) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿بارِزَةً﴾ أمّا بُرُوزُ ما تَحْتَ الجِبالِ فَظاهِرٌ، وأمّا ما عاداهُ فَكانَتِ الجِبالُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِ قَبْلَ ذَلِكَ، فالآنَ أضْحى قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا.

﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ أوْبٍ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي بَعْدَ "نُسَيِّرُ" "وَتَرى" لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الحَشْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُنْكِرُونَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الجَزاءِ، وكَذا الكَلامُ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مَنفِيًّا، ومُوجَبًا، وقِيلَ: هو لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ لِيُعايِنُوا تِلْكَ الأهْوالَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ.

﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ أيْ: لَمْ نَتْرُكْ ﴿مِنهم أحَدًا﴾ يُقالُ غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ الَّذِي هو تَرْكُ الوَفاءِ، والغَدِيرُ الَّذِي هو ماءٌ يَتْرُكُهُ السَّيْلُ في الأرْضِ الغائِرَةِ، وقُرِئَ: بِالياءِ، وبِالفَوْقانِيَّةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ .

18:48Page 299

وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨

And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ جُنْدٍ عُرِضُوا عَلى السُّلْطانِ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ بِما يَأْمُرُ. وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية، والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ ما لا يَخْفى.

﴿صَفًّا﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ ولا مُخْتَلِطِينَ، فَلا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوَحْدَةِ الصَّفِّ وتَعَدُّدِهِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا.

﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ عُرِضُوا، أيْ: مَقُولًا لَهُمْ، أوْ وقُلْنا لَهم. وأمّا كَوْنُهُ عامِلًا في "يَوْمَ نُسَيِّرُ" كَما قِيلَ، فَبَعِيدٌ مِن جَزالَةِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، كَيْفَ لا؟ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو المَقْصُودُ بِالأصالَةِ دُونَ سائِرِ القَوارِعِ مَعَ أنَّهُ خاصُّ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ مِنَ العَرْضِ والحَشْرِ دُونَ تَسْيِيرِ الجِبالِ، وبُرُوزِ الأرْضِ ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ . نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ جِئْتُمُونا، أيْ: كائِنِينَ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، أوْ ما مَعَكم شَيْءٌ مِمّا تَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأنْصارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ .

﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، كِلاهُما لِلتَّوْبِيخِ (p-227)والتَّقْرِيعِ، أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنَّهُ لَنْ نَجْعَلَ لَكم أبَدًا وقْتًا نُنْجِزُ فِيهِ ما وعَدْناهُ مِنَ البَعْثِ، وما يَتْبَعُهُ. و "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ فُصِلَ بِحَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَها وبَيْنَ خَبَرِها لِكَوْنِهِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُتَصَرِّفَةً غَيْرَ دُعاءٍ، والظَّرْفُ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ وهو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والأوَّلُ هو مَوْعِدًا، أوْ حالٌ مِن مَوْعِدٍ، أوْ هو بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ.

18:49Page 299

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.

﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ عَطْفٌ عَلى عُرِضُوا داخِلٌ تَحْتِ الأُمُورِ الهائِلَةِ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها بِتَذْكِيرِ وقْتِها أُورِدَ فِيهِ ما أُورِدَ في أمْثالِهِ مِن صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى التَّقَرُّرِ أيْضًا، أيْ: وُضِعَ صَحائِفُ الأعْمالِ، وإيثارُ الإفْرادِ لِلِاكْتِفاءِ بِالجِنْسِ، والمُرادُ بِوَضْعِها: إمّا وضْعُها في أيْدِي أصْحابِها يَمِينًا وشِمالًا، وإمّا في المِيزانِ.

﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ ﴿مِمّا فِيهِ﴾ مِنَ الجَرائِمِ والذُّنُوبِ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا.

﴿يا ويْلَتَنا﴾ مُنادِينَ لِهَلَكَتِهِمُ الَّتِي هَلَكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ مُسْتَدْعِينَ لَها لِيَهْلِكُوا، ولا يَرَوْا هَوْلَ ما لاقَوْهُ، أيْ: يا ويْلَتَنا احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ.

﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ أيْ: حَواها. وضَبَطَها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مِنَ التَّعَجُّبِ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُهُ حَتّى يُتَعَجَّبَ مِنهُ. فَقِيلَ: لا يُغادِرُ سَيِّئَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها.

﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ السَّيِّئاتِ أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا.

﴿حاضِرًا﴾ مَسْطُورًا عَتِيدًا ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ فَيَكْتُبُ ما لَمْ يُعْمَلْ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَّقِ فَيَكُونُ إظْهارًا لِمَعْدِلَةِ القَلَمِ الأزَلِيِّ.

18:50Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ سُجُودَ تَحِيَّةٍ، وتَكْرِيمٍ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ ﴿فَسَجَدُوا﴾ جَمِيعًا امْتِثالًا بِالأمْرِ.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ بَلْ أبى واسْتَكْبَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما يُفِيدُهُ اسْتِثْناءُ اللَّعِينِ مِنَ السّاجِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ. فَقِيلَ: كانَ أصْلُهُ جِنِّيًّا.

﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ، أوْ صارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَما أبى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنافِيَةِ لِلْفِسْقِ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلَهُ، والمُرادُ بِتَذْكِيرِ قِصَّتِهِ تَجْدِيدُ النَّكِيرِ عَلى المُتَكَبِّرِينَ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ، وأمْوالِهِمُ، المُسْتَنْكِفِينَ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ فُقُراءِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِن صَنِيعِ إبْلِيسَ، وأنَّهم في ذَلِكَ تابِعُونَ لِتَسْوِيلِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: أعَقِيبَ عِلْمِكم بِصُدُورِ تِلْكَ القَبائِحِ عَنْهُ تَتَّخِذُونَهُ.

﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: أوْلادَهُ وأتْباعَهُ جُعِلُوا ذُرِّيَّتَهُ مَجازًا. قالَ قَتادَةُ: يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آدَمَ، وقِيلَ: يُدْخِلُ ذَنَبَهُ في دُبُرِهِ فَيَبِيضُ فَتَنْفَلِقُ البَيْضَةُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الشَّياطِينِ.

﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ فَتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم (p-228)بَدَلَ طاعَتِي.

﴿وَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءَكُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ وإنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ القُبُولِ والوُلُوعِ، وتَقَيُّدُ الِاتِّخاذِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِهِ، فَإنَّ مَضْمُونَها مانِعٌ مِن وُقُوعِ الِاتِّخاذِ، ومُنافٍ لَهُ قَطْعًا.

﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

﴿بَدَلا﴾ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ وضْعِ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ السُّخْطِ، والإشارَةِ إلى أنَّ ما فَعَلُوهُ ظُلْمٌ قَبِيحٌ ما لا يَخْفى.

18:51Page 299

۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ مِن خَباثَةِ المَحْتِدِ والفِسْقِ والعَداوَةِ، أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.

﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَقْتُهُما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، ﴿وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ هَذا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ حِذارًا مِن تَفْكِيكَ الضَّمِيرَيْنِ، ومُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأنْفُسِ. ولَكَ أنْ تُرْجِعَ الضَّمِيرَ الثّانِيَ إلى الظّالِمِينَ، وتَلْتَزِمَ التَّفْكِيكَ بِناءً عَلى قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ، فَإنَّ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ خَلْقَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهم هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إنْكارُ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِناءً عَلى أنَّ أدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ حُضُورُ الوَلِيِّ خَلْقَ المُتَوَلّى، وحَيْثُ لا حُضُورَ لا مُصَحِّحَ لِلتَّوَلِّي قَطْعًا. وأمّا نَفْيُ إشْهادِ بَعْضِ الشَّياطِينِ خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم فَلَيْسَ مِن مَدارِيَّةِ الإنْكارِ المَذْكُورِ في شَيْءٍ، عَلى أنَّ إشْهادَ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ إنْ كانَ مُصَحِّحًا لِتَوَلِّي الشّاهِدِ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى كَمالِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ لَهُ مُدْخَلًا في خَلْقِ المَشْهُودِ في الجُمْلَةِ، فَهو مُخِلٌّ بِتَوَلِّي المَشْهُودِ بِناءً عَلى قُصُورِهِ عَمَّنْ شَهِدَ خَلْقَهُ، فَلا يَكُونُ نَفْيُ الإشْهادِ المَذْكُورِ مُتَمَحِّضًا في نَفْيِ الكَمالِ المُصَحِّحِ لِلتَّوَلِّي عَنِ الكُلِّ، والمَناطِ لِلْإنْكارِ المَذْكُورِ.

﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ﴾ أيْ: مُتَّخِذَهم. وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ المُظْهَرَ ذَمًّا لَهُمْ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ، وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ.

﴿عَضُدًا﴾ أعْوانًا في شَأْنِ الخَلْقِ، أوْ في شَأْنٍ مِن شُئُونِي حَتّى يُتَوَهَّمَ شِرْكَتُهم في التَّوَلِّي بِناءً عَلى الشَّرِكَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الربوبية، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإيذانٌ بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ، وسَخافَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ هَذا الأمْرَ الجَلِيَّ الَّذِي لا يَكادُ يُشْتَبَهُ عَلى البُلْهِ، والصِّبْيانِ فَيَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وإيثارُ نَفْيِ الإشْهادِ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ، ونَفْيِ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قدرته تعالى، تابِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ فِيهِمْ، وأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الشُّهُودِ والمَعُونَةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ إحْضارٍ واتِّخاذٍ. وإنَّما قُصارى ما يُتَوَهَّمُ في شَأْنِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ المَبْلَغَ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكَدْ ذَلِكَ يَكُونُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ، وما أطْلَعْتُهم عَلى أسْرارِ التَّكْوِينِ، وما خَصَصْتُهم بِفَضائِلَ لا يَحْوِيها غَيْرُهم حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً لِلنّاسِ، فَيُؤْمِنُوا بِإيمانِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ فَلا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمُ لِلدِّينِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ بِالمُضِلِّينَ. ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: ما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، ووَصْفُهم بِالإضْلالِ (p-229)لِتَعْلِيلِ نَفْيِ الِاتِّخاذِ. وقُرِئَ: (مُتَّخِذًا) المُضِلِّينَ عَلى الأصْلِ. وقُرِئَ: (عُضْدًا) بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، وبِفَتْحٍ وسُكُونٍ بِالتَّخْفِيفِ، وبِضَمَّتَيْنِ بِالإتْباعِ، وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عاضِدٍ كَرَصَدٍ وراصِدٍ.

18:52Page 299

وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْكافِرِينَ تَوْبِيخًا وتَعْجِيزًا. وقُرِئَ: بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شُفَعاؤُكم لِيَشْفَعُوا لَكُمْ، والمُرادُ بِهِمْ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعالى، وقِيلَ: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أيْ: نادَوْهم لِلْإغاثَةِ، وفِيهِ بَيانٌ لِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِإعانَتِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الشَّفاعَةِ إذْ مَعْلُومٌ أنْ لا طَرِيقَ إلى المُدافَعَةِ.

﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يُغِيثُوهم إذْ لا إمْكانَ لِذَلِكَ. وفي إيرادِهِ مَعَ ظُهُورِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم في الحَماقِهِ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَهُ إلّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ.

﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ ﴿مَوْبِقًا﴾ اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِن وبَقَ وُبُوقًا كَوَثَبَ وُثُوبًا، أوْ وبِقَ وبَقًا كَفَرِحَ فَرَحًا. إذا هَلَكَ أيْ: مَهْلِكًا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، وهو النّارُ. أوْ عَداوَةً هي في الشِّدَّةِ نَفْسُ الهَلاكِ، كَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. وقِيلَ: البَيْنُ الوَصْلُ، أيْ: وجَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ المَلائِكَةَ، وعُزَيْرًا، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَرْيَمَ. وبِالمَوْبِقِ البَرْزَخَ البَعِيدَ، أيْ: جَعَلْنا بَيْنَهم أمَدًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ الأشْواطُ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ وهم في أعْلى الجِنانِ.

18:53Page 299

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣

And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.

﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ وُضِعَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرَ تَصْرِيحًا بِإجْرامِهِمْ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ.

﴿فَظَنُّوا﴾ أيْ: فَأيْقَنُوا ﴿أنَّهم مُواقِعُوها﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها، أوْ ظَنُّوا إذْ رَأوْها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ أنَّهم مُواقِعُوها السّاعَةَ.

﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ انْصِرافًا، أوْ مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ.

18:54Page 300

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤

And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: كَرَرْنا وأوْرَدْنا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّظْمِ.

﴿فِي هَذا القرآن لِلنّاسِ﴾ لِمَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ.

﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن جُمْلَتِهِ ما مَرَّ مِن مَثَلِ الرَّجُلَيْنِ، ومَثَلِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَعانِي البَدِيعَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ، والحُسْنِ، واسْتِجْلابِ النَّفْسِ كالمَثَلِ لِيَتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا.

﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وهو هَهُنا شِدَّةُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، والمُماراةِ مِنَ الجَدْلِ الَّذِي هو الفَتْلُ. والمُجادَلَةُ المُلاواةُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُجادِلَيْنِ يَلْتَوِي عَلى صاحِبِهِ. وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: أنَّ جَدَلَهُ أكْثَرُ مِن جَدَلِ كُلِّ مُجادِلٍ.

18:55Page 300

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥

And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهم.

﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى، ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الإشْراكِ.

﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: القرآن العَظِيمُ الهادِي إلى الإيمانِ بِما فِيهِ مِن فُنُونِ المَعانِي المُوجِبَةِ لَهُ.

﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ (p-230)الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُجادَلَتُهم لِلْحَقِّ بِالباطِلِ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّتِهِمْ، أوْ إلّا انْتِظارُ إتْيانِها، أوْ إلّا تَقْدِيرُهُ فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وسُنَّتُهُمُ الِاسْتِئْصالُ.

﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ.

﴿قُبُلا﴾ أيْ: أنْواعًا. جَمْعُ قَبِيلٍ، أوْ عِيانًا كَما في قِراءَةِ (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقُرِئَ: بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ: مُسْتَقْبَلًا. يُقالُ: لَقِيتُهُ قُبُلًا وقَبَلًا وقِبَلًا. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ "العَذابُ". والمَعْنى: أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القرآن الكَرِيمُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْإيمانِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذِهِ الحِكْمَةِ القَوِيَّةِ لَما امْتَنَعَ النّاسُ مِنَ الإيمانِ، وإنْ كانُوا مَجْبُولِينَ عَلى الجَدَلِ المُفْرِطِ.

18:56Page 300

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.

﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمَمِ مُلْتَبِسِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ لِلْكَفَرَةِ والعُصاةِ بِالعِقابِ.

﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، والسُّؤالِ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ونَحْوِها تَعَنُّتًا ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾، أيْ: بِالجِدالِ ﴿الحَقَّ﴾ أيْ: يُزِيلُوهُ عَنْ مَرْكَزِهِ، ويُبْطِلُوهُ مِن إدْحاضِ القَدَمِ، وهو إزْلاقُها. وهو قَوْلُهم لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " ما أنْتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَة "، ونَحْوُهُما.

﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.

﴿وَما أُنْذِرُوا﴾ أيْ: أُنْذِرُوهُ مِنَ القَوارِعِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمُ العِقابَ والعَذابَ، أوْ إنْذارُهم.

﴿هُزُوًا﴾ اسْتِهْزاءً. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الزّايِ، وهو ما يُسْتَهْزَأُ بِهِ.

18:57Page 300

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ وهو القرآن العَظِيمُ.

﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ ولَمْ يَتَدَبَّرْها، ولَمْ يَتَذَكَّرْ بِها. وهَذا السَّبْكُ وإنْ كانَ مَدْلُولُهُ الوَضْعِيُّ نَفْيَ الأظْلَمِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ في الظُّلْمِ، إلّا أنَّ مَفْهُومَهُ العُرْفِيَّ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وبِناءُ الأظْلَمِيَّةِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ القرآن، لِلْإشْعارِ بِأنَّ ظُلْمَ مَن يُجادِلُ فِيهِ، ويَتَّخِذُهُ هُزُوًا خارِجٌ عَنِ الحَدِّ.

﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، ولَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَتِها.

﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً كَثِيرَةً. جَمْعُ كِنانٍ، وهو تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ.

﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ.

﴿وَفِي آذانِهِمْ﴾ أيْ: جَعَلْنا فِيها ﴿وَقْرًا﴾ ثِقَلًا يَمْنَعُهم مِنِ اسْتِماعِهِ.

﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: فَلَنْ يَكُونَ مِنهُمُ اهْتِداءٌ البَتَّةَ مُدَّةَ التَّكْلِيفِ، وإذَنْ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ، وجَوابٌ عَنْ سُؤالِ النَّبِيِّ ﷺ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَمالِ عِنايَتِهِ بِإسْلامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ ﷺ: ما لِي لا أدْعُوهُمْ، فَقِيلَ: إنْ تَدَعْهم ... إلَخْ. وجَمْعُ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ في هَذِهِ المَواضِعِ الخَمْسَةِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَهُ في المَواطِنِ الخَمْسَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ.

18:58Page 300

وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨

And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.

(p-231)﴿وَرَبُّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الغَفُورُ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيِ: المَوْصُوفُ بِها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وإيرادُ المَغْفِرَةِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ دُونَ الحُرْمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَةِ الذُّنُوبِ، ولِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ المَضارِّ. وهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى تَرْكِ ما لا يَتَناهى مِنَ العَذابِ، وأمّا "الرَّحْمَةُ" فَهي فِعْلٌ وإيجادٌ، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلّا ما يَتَناهى. وتَقْدِيمُ الوَصْفِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ إذِ المَقامُ مَقامَ بَيانِ تَأخُّرِ العُقُوبَةِ عَنْهم بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ أيْ: لَوْ يُرِيدُ مُؤاخَذَتَهم ﴿بِما كَسَبُوا﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِن مُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ.

﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِيجابِ أعْمالِهِمْ لِذَلِكَ، وإثارُ المُؤاخَذَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ بِسُرْعَةٍ عَلى التَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ ونَحْوِهِما، لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْيَ المُسْتَفادَ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ السُّرْعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تالِيها. وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ، لِإفادَةِ أنَّ انْتِفاءَ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إرادَةِ المُؤاخَذَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفاءِ الفِعْلِ فِيما مَضى، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ اسْمُ زَمانٍ هو يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهم لَيْسُوا بِمُؤاخَذِينَ بَغْتَةً ﴿لَنْ يَجِدُوا﴾ البَتَّةَ ﴿مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ مَنجًى، أوْ مَلْجَأً. يُقالُ: وألَ أيْ: نَجا. ووَألَ إلَيْهِ أيْ: لَجَأ إلَيْهِ.

18:59Page 300

وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.

﴿وَتِلْكَ القُرى﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِها، وهي مُبْتَدَأٌ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: وأهْلُ تِلْكَ القُرى خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾، أوْ مَفْعُولُ مُضْمَرٍ مُفَسَّرٌ بِهِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ: وقْتَ ظُلْمِهِمْ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ، وتَرْكُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعْمِيمِ الظُّلْمِ، أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لِما فَعَلُوا الظُّلْمَ، ولَمّا: إمّا حَرْفٌ، كَما قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ. وإمّا ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ لِلتَّعْلِيلِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الوَقْتَ المُعَيَّنَ الَّذِي عَمِلُوا فِيهِ الظُّلْمَ بَلْ زَمانٌ مُمْتَدٌّ مِنِ ابْتِداءِ الظُّلْمِ إلى آخِرِهِ.

﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أيْ: عَيَّنّا لِهَلاكِهِمْ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا لا مَحِيدَ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وهَذا اسْتِشْهادٌ عَلى ما فُعِلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ لِيَتَنَبَّهُوا لِذَلِكَ، ولا يَغْتَرُّوا بِتَأخُّرِ العَذابِ، وقُرِئَ: بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ، أيْ: إهْلاكُهم. وبِفَتْحِهِما.

18:60Page 300

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠

And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."

﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِفَتاهُ﴾ وهو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ فَتاهَ إذْ كانَ يَخْدُمُهُ ويَتْبَعُهُ، وقِيلَ: كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ، ويُسَمّى التِّلْمِيذُ فَتًى، وإنْ كانَ شَيْخًا. ولَعَلَّ المُرادَ بِتَذْكِيرِهِ عَقِيبَ بَيانِ أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَوْعِدًا تَذْكِيرُ ما في القِصَّةِ مِن مَوْعِدِ المُلاقاةِ مَعَ ما فِيها مِن سائِرِ المَنافِعِ الجَلِيلَةِ.

﴿لا أبْرَحُ﴾ مَن بَرِحَ النّاقِصِ كَزالَ يَزالُ، أيْ: لا أزالُ أسِيرُ. فَحُذِفَ الخَبَرُ اعْتِمادًا عَلى (p-232)قَرِينَةِ الحالِ، إذْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلى السَّفَرِ، واتِّكالًا عَلى ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى أبْلُغَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ غايَةٌ تَسْتَدْعِي ذا غايَةٍ يُؤَدِّي إلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حاصِلًا حَتّى أبْلُغَ، فَيُحْذَفُ المُضافُ، ويُقامُ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ فَيَنْقَلِبُ الضَّمِيرُ البارِزُ المَجْرُورُ المَحَلِّ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًّا، والفِعْلُ مِن صِيغَةِ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن بَرِحَ التّامِّ كَزالَ يَزُولُ، أيْ: لا أُفارِقُ ما أنا بِصَدَدِهِ حَتّى أبْلَغَ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . هو مُلْتَقى بَحْرِ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ: طَنْجَةُ، وقِيلَ: هُما الكَرُّ والرَّسُّ بِأرْمِينِيَّةَ، وقِيلَ: أفْرِيقِيَّةُ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ المِيمِ كَمَشْرِقٍ.

﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا أتَيَقَّنُ مَعَهُ فَواتَ المَطْلَبِ، والحُقُبُ: الدَّهْرُ. أوْ ثَمانُونَ سَنَةً، وكانَ مَنشَأُ هَذِهِ العَزِيمَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ظَهَرَ عَلى مِصْرَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، واسْتَقَرُّوا بِها بَعْدَ هَلاكِ القِبْطِ أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُذَكِّرَ قَوْمَهُ النِّعْمَةَ، فَقامَ فِيهِمْ خَطِيبًا بِخُطْبَةٍ بَدِيعَةٍ رَقَّتْ بِها القُلُوبُ، وذَرَفَتِ العُيُونُ. فَقالُوا لَهُ: مَن أعْلَمُ النّاسِ. قالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأوْحى إلَيْهِ بَلْ أعْلَمُ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، وهو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ في أيّامِ أفْرِيذُونَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ الأكْبَرِ، وبَقِيَ إلى أيّامِ مُوسى، وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي. قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ الهَوى. قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى، أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. فَقالَ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. قالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ. قالَ: أيْنَ أطْلُبُهُ؟ قالَ: عَلى ساحِلِ البَحْرِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ. قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ لِي بِهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском