Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:33–56
19:33Page 307
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣
And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."
﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ كَما هو عَلى يَحْيى عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ، والتَّعْرِيضِ بِاللَّعْنِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنَّ إثْباتَ جِنْسِ السَّلامِ لِنَفْسِهِ تَعْرِيضٌ بِإثْباتِ ضِدِّهِ لِأضْدادِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى.
19:34Page 307
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤
That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وامْتِيازِهِ بِتِلْكَ المَناقِبِ الحَمِيدَةِ عَنْ غَيْرِهِ، ونُزُولِهِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، لا ما يَصِفُهُ النَّصارى، وهو تَكْذِيبٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ، حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ.
﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ... إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو قَوْلُ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، والإضافَةُ لِلْبَيانِ، والضَّمِيرُ لِلْكَلامِ السّابِقِ أوْ لِتَمامِ القِصَّةِ، وقِيلَ: صِفَةُ عِيسى، أوْ بَدَلُهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. (p-265)وَمَعْناهُ: كَلِمَةُ اللَّهِ. وقُرِئَ: (قالَ الحَقُّ) و (قَوْلَ الحَقِّ). فَإنَّ القَوْلَ والقالَ في مَعْنى واحِدٍ.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: يَشُكُّونَ أوْ يَتَنازَعُونَ. فَيَقُولُ اليَهُودُ: ساحِرٌ، والنَّصارى: ابْنُ اللَّهِ، وقُرِئَ: بِتاءِ الخِطابِ.
19:35Page 307
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
﴿ما كانَ لِلَّهِ﴾ أيْ: ما صَحَّ، وما اسْتَقامَ لَهُ تَعالى.
﴿أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ تَكْذِيبٌ لِلنَّصارى، وتَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَمّا بَهَتُوهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ شَأْنَهُ تَعالى إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ أنَّ يُعَلِّقَ بِهِ إرادَتَهُ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ، فَمْنْ هَذا شَأْنُهُ، كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟! وقُرِئَ: (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلى الجَوابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
19:36Page 307
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
﴿وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إني عَبْدُ اللَّهِ" داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ، وقَدْ قُرِئَ: بِغَيْرِ واوٍ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: ولِأنَّهُ تَعالى رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الصَّلاةِ.
﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّوْحِيدِ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبِلَها تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِجَعْلِهِمْ ما يُوجِبُ الِاتِّفاقَ مُنْشَأً لِلِاخْتِلافِ، فَإنَّ ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِها نُصُوصًا قاطِعَةً في كَوْنِهِ عَبْدَهُ تَعالى ورَسُولَهُ، قَدِ اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى بِالتَّفْرِيطِ والإفْراطِ، أوْ فَرَّقَ النَّصارى، فَقالَتِ النُّسْطُورِيَّةُ: هو ابْنُ اللَّهِ. وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ صَعَدَ إلى السَّماءِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقالَتِ المَلْكانِيَّةُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ونَبِيُّهُ.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهْمُ المُخْتَلِفُونَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِكُفْرِهِمْ جَمِيعًا، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ، والحِسابِ، والجَزاءِ: وهو يَوْمُ القِيامَةِ. أوْ مِن وقْتِ شُهُودِهِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وهو أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وألْسِنَتُهُمْ، وآذانُهُمْ، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، وسائِرُ آرابِهِمْ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ. أوْ مِن وقْتِ الشَّهادَةِ، أوْ مِن مَكانِها. وقِيلَ: هو ما شَهِدُوا بِهِ في حَقِّ عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ تَعَجُّبٌ مِن حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومَعْناهُ أنَّ أسْماعَهم وأبْصارِهِمْ.
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنها بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا عُمْيًا، أوْ تَهْدِيدٌ بِما سَيَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِأنْ يُسْمِعَهم ويُبْصِرَهم مَواعِيدَ ذَلِكَ اليَوْمَ، وما يَحِيقُ بِهِمْ فِيهِ. والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ في مَوْقِعِ الرَّفْعِ، وعَلى الثّانِي في حَيِّزِ النَّصْبِ.
﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا (p-266)﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا تُدْرَكُ غايَتُهُ حَيْثُ أغْفَلُوا الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ بِالكُلِّيَّةِ، ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ.
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُ النّاسُ قاطِبَةً، أمّا المُسِيءُ فَعَلى إساءَتِهِ، وأمّا المُحْسِنُ فَعَلى قِلَّةِ إحْسانِهِ.
﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ، وتَصادَرُ الفَرِيقانِ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: "حِينَ يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَذْبَحُ، والفَرِيقانِ يَنْظُرُونَ فَيُنادِي المُنادِي: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. ويا أهْلَ النّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحٍ، وأهْلُ النّارِ غَمًّا إلى غَمٍّ» ". و "إذْ" بَدَلٌ مِن "يَوْمَ الحَسْرَةِ"، أوْ ظَرْفٌ "لِلْحَسْرَةِ" فَإنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ يَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَكَيْفَ بِالظَّرْفِ؟ ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ.
﴿وَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهْما جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" أيْ: مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ. وهم في تِينِكَ الحالَتَيْنِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن مَفْعُولِ أنْذِرْهُمْ، أيْ: أنْذِرْهم غافِلِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ. فَيَكُونُ حالًا مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى التَّعْلِيلِ.
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ لا يُبْقى لِأحَدٍ غَيْرِنا عَلَيْها وعَلَيْهِمْ مُلْكٌ ولا مَلِكَ، أوْ نَتَوَفّى الأرْضَ ومَن عَلَيْها بِالإفْناءِ والإهْلاكِ تُوَفِّيَ الوارِثُ لِإرْثِهِ.
﴿وَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِنا اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا.
19:41Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
﴿واذْكُرْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْذِرْهم.
﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: في السُّورَةِ، أوْ في القرآن.
﴿إبْراهِيمَ﴾ أيِ: اتْلُ عَلى النّاسِ قِصَّتَهُ، وبَلِّغْها إيّاهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ فَإنَّهم يَنْتَمُونَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَساهم بِاسْتِماعِ قِصَّتِهِ يُقْلِعُونَ عَمّا هم في مِنَ القَبائِحِ.
﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ مُلازِمًا لِلصِّدْقِ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ، أوْ كَثِيرَ التَّصْدِيقِ لِكَثْرَةِ ما صَدَقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللَّهِ تَعالى، وآياتِهِ، وكُتُبِهُ، ورُسُلِهُ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلٍ مُوجَبِ الأمْرِ، فَإنَّ وصْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مِن دَواعِي ذِكْرِهِ.
﴿نَبِيًّا﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَكانَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ مُخَصِّصٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهِ تَعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ ... الآيَةُ. أيْ: كانَ جامِعًا بَيْنَ الصِّدِّيقِيَّةِ والنُّبُوَّةِ، ولَعَلَّ هَذا التَّرْتِيبَ لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ تَخْصِيصِ الصِّدِّيقِيَّةِ بِالنُّبُوَّةِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ صِدِّيقٌ.
19:42Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بَـ"كانَ"، أوْ بِـ"نَبِيًّا، وتَعْلِيقُ الذَّكَرِ بِالأوْقاتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرٌ ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا، أيْ: كانَ جامِعًا بَيْنَ الأثَرَتَيْنِ حِينَ قالَ: ﴿لأبِيهِ﴾ آزَرَ مُتَلَطِّفًا في الدَّعْوَةِ مُسْتَمِيلًا لَهُ.
﴿يا أبَتِ﴾ أيْ: يا أبِي. فَإنَّ التّاءَ عِوَضٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ، وقَدْ قِيلَ: يا أبَتا، لِكَوْنِ الألْفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ.
﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ ثَناءَكَ عَلَيْهِ عِنْدَ عِبادَتِكَ لَهُ، وجُؤارَكَ إلَيْهِ.
﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ خُضُوعَكَ، وخُشُوعَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، والمُبْصَراتِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ (p-267)ما ذَكَرَ دُخُولًا أوْلِيًا.
﴿وَلا يُغْنِي﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُغْنِيَ.
﴿عَنْكَ شَيْئًا﴾ في جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعٍ ضُرٍّ. ولَقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ أحْسَنَ مِنهاجٍ، وأقْوَمَ سَبِيلٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ أبْدَعَ احْتِجاجٍ بِحُسْنِ أدَبٍ وخُلُقٍ جَمِيلٍ، لِئَلّا يَرْكَبَ مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، ولا يَنْكُبَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ مَحَجَّةِ الرَّشادِ، حَيْثُ طَلَبَ مِنهُ عِلَّةَ عِبادَتِهِ لِما يَسْتَخِفُّ بِهِ عَقْلُ كُلِّ عاقِلٍ مِن عالَمٍ وجاهِلٍ، ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ، مَعَ أنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ، والإنْعامُ العامُّ الخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِي المُمِيتِ المُثِيبِ المُعاقَبِ. ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُ لِداعِيَةٍ صَحِيحَةٍ، وغَرَضٍ صَحِيحٍ، والشَّيْءُ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا قادِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، مُطِيقًا بِإيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، لَوْ كانَ مُمْكِنًا لاسْتَنْكَفَ العَقْلُ السَّلِيمُ عَنْ عِبادَتِهِ، وإنْ كانَ أشْرَفَ الخَلائِقِ لِما يَراهُ مِثْلَهُ في الحاجَةِ، والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ القاهِرَةِ الواجِبَةِ. فَما ظَنُّكَ بِجَمادٍ مَصْنُوعٍ مَن حَجَرٍ، أوْ شَجَرٍ لَيْسَ لَهُ مِن أوْصافِ الإحْياءِ عَيْنٌ، ولا أثَرٌ؟ ثُمَّ دَعاهُ إلى أنْ يَتْبَعَهُ لِيُهْدِيَهُ إلى الحَقِّ المُبِينِ لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوظًا مِنَ العِلْمِ الإلَهِيِّ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ السَّوِيِّ مُصَدِّرًا لِدَعْوَتِهِ بِما مَرَّ مِنَ الِاسْتِمالَةِ والِاسْتِعْطافِ حَيْثُ قالَ:
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولَمْ يَسِمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ، وإنْ كانَ في أقْصاهُ، ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ. بَلْ أبْرَزَ نَفْسَهَ في صُورَةِ رَفِيقٍ لَهُ، أعْرَفُ بِأحْوالِ ما سَلَكاهُ مِنَ الطَّرِيقِ. فاسْتَمالَهُ بِرِفْقٍ حَيْثُ قالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا مُوَصِلًا إلى أسْنى المَطالِبِ مُنْجِيًا عَنِ الضَّلالِ المُؤَدِّي إلى مُهاوِي الرَّدى، والمَعاطِبِ. ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ يَسْتَنْكِرُها كُلُّ عاقِلٍ بِبَيانِ أنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ مُسْتَجْلِبٌ لِضَرَرٍ عَظِيمٍ، فَإنَّهُ في الحَقِيقَةِ عِبادَةُ الشَّيْطانِ لِما أنَّهُ الآمِرُ بِهِ فَقالَ:
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ فَإنَّ عِبادَتَكَ لِلْأصْنامِ عِبادَةٌ لَهُ إذْ هو الَّذِي يُسَوِّ لِهالِكَ، ويُغْرِيكَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانٍ أنَّهُ مُسْتَعْصٍ عَلى رَبِّكَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكَ بِفُنُونِ النِّعَمَ، ولا رَيْبَ أنَّ المُطِيعَ لِلْعاصِي عاصٍ، وكُلُ مَن هو عاصٍ حَقِيقٌ بِأنْ يَسْتَرِدَّ مِنهُ النِّعَمَ، ويَنْتَقِمَ مِنهُ. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والِاقْتِصادِ عَلى ذِكْرِ عِصْيانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ جِناياتِهِ؛ لِأنَّهُ مَلاكُها، أوْ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ مُعاداتِهِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ. فَتَذْكِيرُهُ داعٍ لِأبِيهِ إلى الِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِ وطاعَتِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ عِصْيانِهِ. وقَوْلُهُ:
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ تَحْذِيرٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الشَّيْطانِ، وهو ابْتِلاؤُهُ بِما ابْتُلِيَ بِهِ مَعْبُودُهُ مِنَ العَذابِ الفَظِيعِ، وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمِرٍ وقَعَ صِفَةً لِلْعَذابِ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وإظْهارُ "الرَّحْمَنِ" لِلْإشْعارِ بِأنَّ وصْفَ الرَّحْمانِيَّةِ لا يَدْفَعُ حُلُولَ العَذابِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: قَرِينًا لَهُ في اللَّعْنِ المُخَلَّدِ. وذِكْرُ الخَوْفِ لِلْمُجامَلَةِ، (p-268)وَإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ.
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مَن صَدَرَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أبُوهُ عِنْدَما سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ النَّصائِحَ الواجِبَةَ القَبُولِ؟ فَقِيلَ: قالَ: مُصِرًّا عَلى عِنادِهِ.
﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ: أمُعْرِضٌ، ومُنْصَرِفٌ أنْتَ عَنْها؟ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الرَّغْبَةِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ الرَّغْبَةَ عَنْها مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ فَضْلًا عَنْ تَرْغِيبِ الغَيْرِ عَنْها، وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ تَهْدِيدٌ، وتَحْذِيرٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، أيْ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها، لِأرْجُمُنَّكَ بِالحِجارَةِ. وقِيلَ: بِاللِّسانِ.
﴿واهْجُرْنِي﴾ أيْ: فاحْذَرْنِي واتْرُكْنِي.
﴿مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا، أوْ مَلِيًّا بِالذَّهابِ مُطِيقًا بِهِ.
19:47Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ تَوْدِيعٌ، ومُتارَكَةٌ عَلى طَرِيقَةِ مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أيْ: لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ، ولا أشافِهُكَ بِما يُؤْذِيكَ، ولَكِنْ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أيْ: أسْتَدْعِيهِ أنْ يَغْفِرَ لَكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلتَّوْبَةِ، ويَهْدِيَكَ إلى الإيمانِ. كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ . والِاسْتِغْفارُ بِهَذا المَعْنى لِلْكافِرِ قَبْلَ تَبَيُّنٍ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ، وإنَّما المَحْظُورُ اسْتِدْعاءُ المَغْفِرَةِ لَهُ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ مِمّا لا مَساغَ لَهُ عَقْلًا ولا نَقْلًا، وأمّا الِاسْتِغْفارُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ فَلا تَأْباهُ قَضِيَّةُ العَقْلِ، وإنَّما الَّذِي يَمْنَعُهُ السَّمْعُ ألّا يُرى إلى «أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ: لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ...الآيَةُ» . والِاشْتِباهُ في أنَّ هَذا الوَعْدَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِن قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ ... الآيَةُ. إنَّما كانَ قَبْلَ انْقِطاعِ رَجائِهِ عَنْ إيمانِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ كَمًّا مَرَّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. واسْتِثْناؤُهُ عَمّا يُؤْتَسى بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ لا يَقْدَحُ في جَوازِهِ لَكِنْ لا لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ، أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ كَما قِيلَ. لَمّا أنَّ النَّهْيَ إنَّما ورَدَ في شَأْنِ الِاسْتِغْفارِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأمْرِ، وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَلَمْ يَتَناوَلْهُ النَّهْيُ أصْلًا، وأنَّ الوَعْدَ بِالمَحْظُورِ لا يَرْفَعُ خَطَرَهُ، بَلْ لِأنَّ المُرادَ بِما يُؤْتَسى بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لِوُرُودِ الوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ . فاسْتِثْناؤُهُ عَنْ ذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ اسْتِدْعاءِ الإيمانِ لِلْكافِرِ المَرْجُوِّ إيمانُهُ لا سِيَّما وقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ عِنْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ، وأمّا عَدَمُ جَوازِهِ قَبْلَ تَبَيُّنِ الأمْرِ فَلا دِلالَةَ لِلِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وتَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ إلى العِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لا إلى نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ: "واغْفِرْ لِأبِي" ... الآيَةَ. لِأنَّها كانَتْ هي الحامِلَةُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِ. وتَخْصِيصُ تِلْكَ العِدَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما وقَعَ هَهُنا لِوُرُودِها عَلى نَهْجِ التَّأْكِيدِ القَسَمَيَّ، وأمّا جَعْلُ الِاسْتِغْفارِ دائِرَةً عَلَيْها، وتَرْتِيبُ التَّبَرُّؤِ عَلى تَبَيُّنِ الأمْرِ فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ: بَلِيغًا في البِرِّ. والإلْطافُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ.
19:48Page 308
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
(p-269)﴿وَأعْتَزِلُكُمْ﴾ أيْ: أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ.
﴿وَما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجِرَةِ بِدِينِي حَيْثُ لَمَّ تُؤَثِّرْ فِيكم نَصائِحِي ﴿وَأدْعُو رَبِّي﴾ أعْبُدُهُ وحْدَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ دُعاؤُهُ المَذْكُورُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ اسْتِدْعاءُ الوَلَدِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقائِهِمْ في عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِعَسى مِن إظْهارِ التَّواضُعِ، ومُراعاةِ حَسَنِ الأدَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ مِن أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لا بِطْرِيقَ الوُجُوبِ، وأنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ، وذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِالعَلِيمِ الخَبِيرِ ما لا يَخْفى.
19:49Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجِرَةِ إلى الشّامِ ﴿وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ بَدَلَ مَن فارَقَهم مِن أقْرِبائِهِ الكَفَرَةِ، لَكِنْ لا عَقِيبَ المُهاجِرَةِ فَإنَّ المَشْهُورَ أنَّ المَوْهُوبَ حِينَئِذٍ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ إثْرَ دُعائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَعَلَّ تَرْتِيبَ هِبَتِهُما عَلى اعْتِزالِهِ هَهُنا لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أعْطاها اللَّهُ تَعالى إيّاهُ بِمُقابَلَةِ مَنِ اعْتَزَلَهم مِنَ الأهْلِ والأقْرِباءِ، فَإنَّها شَجَرَتا الأنْبِياءُ، لَهُما أوْلادٌ وأحْفادٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ، وذُو عَدَدٍ كَثِيرٍ، هَذا، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما قَصَدَ الشّامَ أتى أوَّلًا حَرّانَ، وتَزَوَّجَ بِسارَّةَ ووَلَدَتْ لَهُ إسْحاقَ، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ. والأوَّلُ هو الأقْرَبُ الأظْهَرُ.
﴿وَكُلا﴾ أيْ: كُلُ واحِدٍ مِنهُما أوْ مِنهُمْ، وهو مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ، أيْ: كُلٌ واحِدٌ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.
19:50Page 308
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ هي النُّبُوَّةُ. وذِكْرُها بَعْدَ ذِكْرِ جَعْلِهِمْ نَبِيًّا لِلْإيذانِ بِأنَّها مِن بابِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: هي المالُ والأوْلادُ، ما بُسِطَ لَهم مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو الكِتابُ. والأظْهَرُ أنَّها عامَّةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ ودُنْيَوِيٍّ أُوتُوهُ مِمّا لَمَّ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ.
﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يَفْتَخِرُ بِهِمُ النّاسُ، ويُثْنُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ والمُرادُ بِاللِّسانِ: ما يُوجَدُ بِهِ الكَلامُ. ولِسانُ العَرَبِ لُغَتُهم. وإضافَتِهِ إلى الصِّدْقِ، ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءٌ بِما يُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَحامِدَهم لا تَخْفى عَلى تَباعُدِ الأعْصارِ، وتَبَدُّلِ الدُّوَلِ، وتَحَوُّلِ المِلَلِ والنِّحَلِ.
19:51Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى﴾ قُدِّمَ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ إسْماعِيلَ لِئَلّا يَنْفَصِلَ عَنْ ذِكْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ مُوَحِّدًا أخْلَصَ عِبادَتَهُ عَنِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، أوْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ تَعالى، وأخْلَصَ نَفْسَهُ عَمّا سِواهُ. وقُرِئَ: (مُخْلَصًا) عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهُ.
﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الخَلْقِ فَأنْبَأهم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ رَسُولًا مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ وأعْلى.
19:52Page 309
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
(p-270)﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الطُّورُ: جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، و "الأيْمَنُ" صِفَةٌ لِلْجانِبِ، أيْ: نادَيْناهُ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى مِنَ اليَمِينِ، وهي الَّتِي تَلِي يَمِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن جانِبِهِ المَيْمُونِ مِنَ اليُمْنِ. ومَعْنى نِدائِهِ مِنهُ أنَّهُ لَهُ الكَلامُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ.
﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ مُثِّلَ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِ مَن قَرَّبَهُ المَلِكُ لِمُناجاتِهِ، واصْطَفاهُ لِمُصاحَبَتِهِ. ونَجِيًّا، أيْ: مُناجِيًا حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في نادَيْناهُ، أوْ قَرَّبْناهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعًا لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُفِعَ فَوْقَ السَّمَواتِ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ.
19:53Page 309
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ: مِن أجْلِ رَحْمَتِنا، ورَأْفَتِنا لَهُ، أوْ بَعْضِ رَحْمَتِنا.
﴿أخاهُ﴾ أيْ: مُعاضَدَةَ أخِيهِ، ومُؤازَرَتَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ لا نَفْسُهُ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ لَوَهَبْنا، وعَلى الثّانِي بَدَلُ قَوْلِهِ تَعالى:﴿هارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مِنهُ.
19:54Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ فُصِلَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِكَمال شُهْرَتِهِ بِهِ، وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَوَفّى ﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ فَإنَّ أوْلادَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ.
19:55Page 309
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ اشْتِغالًا بِالأهَمِّ. وهو أنْ يُقْبِلَ الرَّجُلُ بِالتَّكْمِيلِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن هو أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ وقَصْدًا إلى تَكْمِيلِ الكُلِّ بِتَكْمِيلِهِمْ، لِأنَّهم قُدْوَةٌ يُؤْتَسى بِهِمْ، وقِيلَ: أهْلُهُ أُمَّتُهُ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ آباءُ الأُمَمِ ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن خِصالِهِ الحَمِيدَةِ.
19:56Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ وهو سِبْطُ شِيثَ وجَدُّ أبِي نُوحٍ، فَإنَّهُ نُوحُ بْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْحَ بْنِ أخْنُوخَ. وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّرْسِ يَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، فَلُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ دِراسَتِهِ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنَّهُ أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، ونَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ.
﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ مُلازِمًا لِلصِّدْقِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.
﴿نَبِيًّا﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِكانَ مُخَصَّصٌ لِلْأوَّلِ إذْ لَيْسَ كُلُّ صِدِّيقٍ نَبِيًّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences