Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:57–73
(p-271)﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ، والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: عُلُوُّ الرُّتْبَةِ بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: السَّماءُ السّادِسَةُ أوِ الرّابِعَةُ. رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ وغَيْرِهِ في سَبَبِ رَفْعِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سُئِلَ ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ، فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنِّي قَدْ مَشَيْتُ فِيها يَوْمًا، وقَدْ أصابَنِي مِنها ما أصابَنِي فَكَيْفَ مَن يَحْمِلُها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في يَوْمٍ واحِدٍ؟! اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها وحَرِّها، فَلَمّا أصْبَحَ المَلِكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ. فَقالَ: يا رَبِّ، ما الَّذِي قَضَيْتَ فِيهِ؟ قالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حَمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ. قالَ: يا رَبِّ، اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَهُ خُلَّةً. فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَرَفَعَهُ إلى السَّماءِ.
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ بِعُلُوِّ رُتَبِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ صِفَتُهُ، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ الجارِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ "مِن" فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ أعَمُّ مِنَ الأنْبِياءِ، وأخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ أيْ: ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا مَعَهُ خُصُوصًا، وهم مَن عَدا إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ الباقُونَ.
﴿وَإسْرائِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ. وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ أيْ: ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ، واجْتَبَيْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ هو المَوْصُولُ وهَذا اسْتِئْنافًا مَسُوقًا لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإخْباتِهِمْ لَهُ مَعَ حالِهِمْ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ، وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وسُجَّدًا وبُكِيًّا حالانِ مِن ضَمِيرِ خَرُّوا، أيْ: ساجِدِينَ باكِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «اتْلُوا القرآن، وابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا»، والبُكِيُّ جَمْعُ باكٍ، كالسُّجَّدِ جَمْعُ ساجِدٍ. وأصْلُهُ بُكُويٌ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وحُرِّكَتِ الكافُ بِالكَسْرِ المُجانِسِ لِلْياءِ. وقُرِئَ: (يُتْلى) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ: (بِكِيًّا) بِكَسْرِ الباءِ لِلْإتْباعِ. قالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَ السّاجِدُ في سَجْدَتِهِ بِما يَلِيقُ بِآيَتِها فَهَهُنا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المَهْدِيِّينَ السّاجِدِينَ لَكَ، الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِكَ. وفي آيَةِ الإسْراءِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وفي آيَةِ التَّنْزِيلِ السَّجْدَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِن أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ.
19:59Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
(p-272)﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يُقالُ لِعَقِبِ الخَيْرِ: خَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ، ولِعَقِبِ شَرٍّ: خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، أيْ: فَعَقَبَهُمْ، وجاءَ بِعَدْهَمْ عَقِبَ سُوءٍ.
﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقُرِئَ: (الصَّلَواتِ) أيْ: تَرَكُوها، أوْ أخَّرُوها عَنْ وقْتِها.
﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، واسْتِحْلالِ نِكاحِ الأُخْتِ مِنَ الأبِ، والِانْهِماكِ في فُنُونِ المَعاصِي. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم مِن بَنى المَشِيدَ، ورَكِبَ المَنظُورَ، ولَبِسَ المَشْهُورَ.
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أيْ: شَرًّا. فَإنَّ كُلَّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ غَيٌّ، وكُلَّ خَيْرٍ رَشادٌ. كَقَوْلِهِ"
؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
وَعَنِ الضَّحّاكِ: جَزاءَ غَيٍّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ أيْ: جَزاءَ أثامٍ، أوْ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: غَيٌّ وادٍ في جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ مِنهُ أوْدِيَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى:
19:60Page 309
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في حَقِّ الكَفَرَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، أيْ: فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِمُوجِبِ الوَعْدِ المَحْتُومِ، وقُرِئَ: (يُدْخَلُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَنْقَصُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، أوْ لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُمُ السّابِقَ لا يَضُرُّهم ولا يُنْقِصُ أُجُورَهم.
19:61Page 309
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةَ، بَدَلَ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هِيَ، أوْ "تِلْكَ جَنّاتٌ" ... إلَخْ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "الَّتِي وعَدَ" ... إلَخْ. وقُرِئَ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) نَصْبًا ورَفْعًا، و "عَدْنٌ" عَلَمٌ لِمَعْنى العَدْنِ وهُوَ: الإقامَةُ. كَما أنَّ فَيْنَةَ وسَحَرَ وأمْسِ فِيمَن لَمْ يَصْرِفْها أعْلامٌ لِمَعانِي الفَيْنَةِ، وهي السّاعَةُ الَّتِي أنْتَ فِيها والسحر والأمْسِ، فَجَرى لِذَلِكَ مَجْرى العَدْنِ، أوْ هو عِلْمُ الأرْضِ الجَنَّةُ خاصَّةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ساغَ إبْدالُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ بِلا وصْفٍ عِنْدَ غَيْرِ البَصْرِيِّينَ، ولا وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ وجَعْلُهُ بَدَلًا مِنهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ المَوْصُولَ في حُكْمِ المُشْتَقِّ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ البَدَلَ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ وعْدَها وإنْجازَهُ لِكَمالِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى. و "الباءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ المُضْمَرِ العائِدِ إلى الجَنّاتِ، أوْ مِن عِبادِهِ، أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ، أيْ: غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ، أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها، وإنَّما آمَنُوا بِها بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو سَبَبٌ لِلْوَعْدِ، أيْ: وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.
﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ﴾ أيْ: مَوْعُودُهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَنّاتُ المَوْعُودَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَمّا كانَتْ هي مَثابَةً يُرْجَعُ إلَيْها قِيلَ: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أيْ: يَأْتِيهِ مَن وُعِدَ لَهُ لا مَحالَةَ بِغَيْرِ خُلْفٍ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: مَأْتِيًّا، أيْ: مَفْعُولًا مُنْجَزًا مَن أتى إلَيْهِ إحْسانًا، أيْ: فَعَلَهُ.
19:62Page 309
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
﴿لا يَسْمَعُونَ (p-273)فِيها لَغْوًا﴾ أيْ: فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّغْوَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ في هَذِهِ الدّارِ ما أمْكَنَ.
﴿إلا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ يَسْمَعُونَ تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ تَسْلِيمَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، أوْ مُتَّصِلٌ بِطَرِيقِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أيْ: لا يَسْمَعُونَ لَغْوًا ما إلّا سَلامًا فَحَيْثُ اسْتَحالَ كَوْنُ السَّلامِ لَغْوًا اسْتَحالَ سَماعُهم لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أوْ عَلى أنَّ مَعْناهُ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، وهم أغْنِياءُ عَنْهُ مِن بابِ اللَّغْوِ ظاهِرًا، وإنَّما فائِدَتُهُ الإكْرامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وارِدٌ عَلى عادَةِ المُتَنَعِّمِينَ في هَذِهِ الدّارِ، وقِيلَ: المُرادُ دَوامُ رِزْقِهِمْ ودُرُورُهُ، وإلّا فَلَيْسَ فِيها بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ.
19:63Page 309
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ جِيءَ بِهِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الجَنَّةِ، وتَعْيِينِ أهْلِها فَإنَّ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها، وعُلُوِّ رُتْبَتِها.
﴿الَّتِي نُورِثُ﴾ أيْ: نُورِثُها.
﴿مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا﴾ أيْ: نُبْقِيها عَلَيْهِمْ بِتَقْواهُمْ، ونُمَتِّعُهم بِها. كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ مُوَرِّثِهِ، ونُمَتِّعُهُ بِهِ. والوِراثَةُ أقْوى ما يُسْتَعْمَلُ في التَّمَلُّكِ والِاسْتِحْقاقِ مِنَ الألْفاظِ مِن حَيْثُ إنَّها لا تُعْقَبُ بِفَسْخٍ، ولا اسْتِرْجاعٍ، ولا إبْطالٍ. وقِيلَ: يُوَرَّثُ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ، لَوْ آمَنُوا وأطاعُوا زِيادَةً في كَرامَتِهِمْ، وقُرِئَ: (نُوَرِّثُ) بِالتَّشْدِيدِ.
19:64Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِ جِبْرِيلَ حِينَ اسْتَبْطَأهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ. فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ؟ ورَجا أنْ يُوحى إلَيْهِ فِيهِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، أوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً. وقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ. ثُمَّ نَزَلَ بِبَيانِ ذَلِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، وسُورَةَ الضُّحى. والتَّنْزِيلُ: النُّزُولُ عَلى مَهْلٍ؛ لِأنَّهُ مُطاوِعٌ لِلتَّنْزِيلِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ النُّزُولِ كَما يُطْلَقُ التَّنْزِيلُ عَلى الإنْزالِ، والمَعْنى: وما نَتَنَزَّلُ وقْتًا غِبَّ وقْتٍ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وقُرِئَ: (وَما يَتَنَزَّلُ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ.
﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأماكِنِ والأزْمِنَةِ، ولا يُنْتَقَلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ولا نَتَنَزَّلُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ إلّا بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: تارِكًا لَكَ. يَعْنِي أنَّ عَدَمَ النُّزُولِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ لِتَرْكِهِ تَعالى لَكَ، وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ كَما زَعَمَتِ الكَفَرَةُ، وفى إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُعْرِبِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَشْرِيفِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: أوَّلُ الآيَةِ حِكايَةُ قَوْلِ المُتَّقِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مُخاطِبًا بَعْضُهم بَعْضًا بِطَرِيقِ التَّبَجُّحِ والِابْتِهاجِ. والمَعْنى: وما نَتَنَزَّلُ الجَنَّةَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ، وهو مالِكُ الأُمُورِ كُلِّها سالِفِها، ومُتَرَقِّيها، وحاضِرِها. فَما وجَدْناهُ وما نَجِدُهُ مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: وما كانَ ناسِيًا لِأعْمالِ العامِلِينَ، وما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى:
19:65Page 310
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ تَعالى، (p-274)فَإنَّ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَحُومَ حَوْلَ ساحَةِ سُبُحاتِهِ الغَفْلَةُ والنِّسْيانُ؟ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِن مُوجِبِ الأمْرَيْنِ عَلى ما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ تَعالى رَبَّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وقِيلَ: مِن كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ تارِكٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ غَيْرَ ناسٍ لِأعْمالِ العامِلِينَ. والمَعْنى: فَحِينَ عَرَفْتَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الربوبية الكامِلَةِ فاعْبُدْهُ .. إلَخْ. فَإنَّ إيجابَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى كَذَلِكَ لِعِبادَتِهِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ حِينَ عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى لا يَنْساكَ، أوْ يَنْسى أعْمالَ العامِلِينَ كائِنًا مَن كانَ، فَأقْبِلْ عَلى عِبادَتِهِ، واصْطَبِرْ عَلى مَشاقِّها، ولا تَحْزَنْ بِإبْطاءِ الوَحْيِ، وهُزُؤِ الكَفَرَةِ، فَإنَّهُ يُراقِبُكَ، ويُراعِيكَ، ويَلْطُفُ بِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَعْدِيَةُ الِاصْطِبارِ بِاللّامِ لا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الثَّباتِ لِلْعِبادَةِ فِيما تُورِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَشاقِّ، كَقَوْلِكَ لِلْمُبارِزِ: اصْطَبِرْ لِقَرْنِكَ، أيِ: اثْبُتْ لَهُ فِيما يُورِدُ عَلَيْكَ مِن شَدائِدِهِ.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ السَّمِيُّ: هو الشَّرِيكُ في الِاسْمِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِهِ هَهُنا الشَّرِيكُ في اسْمٍ خاصٍّ قَدْ عَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِذَلِكَ، وهو "رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما" والمُرادُ بِإنْكارِ العِلْمِ ونَفْيِهِ، إنْكارُ المَعْلُومِ ونَفْيُهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما أفادَهُ الفاءُ مِن عِلِّيَّةِ رُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ لِوُجُوبِ عِبادَتِهِ، بَلْ لِوُجُوبِ تَخْصِيصِها بِهِ تَعالى بِبَيانِ اسْتِقْلالِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وانْتِفاءِ إطْلاقِهِ عَلى الغَيْرِ بِالكُلِّيَّةِ حَقًّا، أوْ باطِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هو الشَّرِيكُ في الِاسْمِ الجَلِيلِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مَعَ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ لَمْ يُسَمُّوا الصَّنَمَ بِالجَلالَةِ أصْلًا، وقِيلَ: هو الشَّرِيكُ في اسْمِ الإلَهِ، والمُرادُ بِالتَّسْمِيَةِ التَّسْمِيَةُ عَلى الحَقِّ. فالمَعْنى هَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا يُسَمّى بِالِاسْتِحْقاقِ إلَهًا، وأمّا التَّسْمِيَةُ عَلى الباطِلِ فَهي كَلا تَسْمِيَةٍ. فَتَقْرِيرُ الجُمْلَةِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ بِاعْتِبارِ ما في الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فَتَدَبَّرْ.
19:66Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ المُرادُ بِهِ إمّا الجِنْسُ بِأسْرِهِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلى الكُلِّ لِوُجُودِ القَوْلِ فِيما بَيْنَهم. وإنْ لَمْ يَقُلْهُ الجَمِيعُ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهم. وإمّا البَعْضُ المَعْهُودُ مِنهم وهو الكَفَرَةُ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَإنَّهُ أخَذَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّها، وقالَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ ما نَمُوتُ، ونَصِيرُ إلى هَذِهِ الحالِ، أيْ: يَقُولُ بِطَرِيقِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: ﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ أيْ: أُبْعَثُ مِنَ الأرْضِ، أوْ مِن حالِ المَوْتِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وإيلاؤُهُ حَرْفَ الإنْكارِ لِما أنَّ المُنْكَرَ كَوْنُ ما بَعْدَ المَوْتِ وقْتَ الحَياةِ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أُخْرِجَ لا بِهِ فَإنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهي هَهُنا مُخْلَصَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الحالِ كَما خَلَصَتِ الهَمْزَةُ واللّامُ لِلتَّعْوِيضِ في يا أللَّهُ، فَساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وقُرِئَ: (إذا ما مِتُّ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى الخَبَرِ.
19:67Page 310
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَّفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مَن شُئُونِ التَّكْوِينِ المُنْحِيَةِ بِالقَلْعِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ، أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والواوُ (p-275)لِعَطْفِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَقُولُ، أيْ: أيَقُولُ ذَلِكَ، ولا يَذْكُرُ.
﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الحالَةِ الَّتِي هو فِيها، وهي حالَةُ بَقائِهِ.
﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ شَيْئًا أصْلًا فَحَيْثُ خَلَقْناهُ وهو في تِلْكَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لِلْخَلْقِ بِالكُلِّيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ مِنَ الوُقُوعِ فَلَأنْ نَبْعَثَهُ بِجَمْعِ المَوادِّ المُتَفَرِّقَةِ، وإيجادِ مِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ الأعْراضِ أوْلى وأظْهَرَ فَما لَهُ لا يَذْكُرُهُ فَيَقَعُ فِيما يَقَعُ فِيهِ مِنَ النَّكِيرِ، وقُرِئَ: (يَذَّكَّرُ) و (يَتَذَكَّرُ) عَلى الأصْلِ.
19:68Page 310
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
﴿فَوَرَبِّكَ﴾ إقْسامُهُ بِاسْمِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَحْقِيقِ الأمْرِ بِالإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ، وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ ﷺ، ورَفْعِ مَنزِلَتِهِ.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أيْ: لَنَجْمَعَنَّ القائِلِينَ بِالسَّوْقِ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ ما أخْرَجْناهم مِنَ الأرْضِ أحْياءً، فَفِيهِ إثْباتٌ لِلْبَعْثِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
﴿والشَّياطِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. رُوِيَ أنَّ الكَفَرَةَ يُحْشَرُونَ مَعَ قُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي كانَتْ تُغْوِيهِمْ كُلٌّ مِنهم مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، وهَذا وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ لَكِنْ ساغَ نِسْبَتُهُ إلى الجِنْسِ بِاعْتِبارِ أنَّهم لَمّا حُشِرُوا، وفِيهِمُ الكَفَرَةُ مَقْرُونِينَ بِالشَّياطِينِ فَقَدْ حُشِرُوا مَعَهم جَمِيعًا، كَما ساغَ نِسْبَةُ القَوْلِ المَحْكِيِّ إلَيْهِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ بَعْضَ أفْرادِهِ.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ لِيَرى السُّعَداءُ ما نَجّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، فَيَزْدادُوا غِبْطَةً وسُرُورًا، ويَنالَ الأشْقِياءُ ما ادَّخَرُوا لِمَعادِهِمْ عُدَّةً، ويَزْدادُوا غَيْظًا مِن رُجُوعِ السُّعَداءِ عَنْهم إلى دارِ الثَّوابِ، وشَماتَتِهِمْ بِهِمْ. والجِثِيُّ جَمْعِ جاثٍ مِن جَثا إذا قَعَدَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، وأصْلُهُ "جِثُووٌ" بِواوَيْنِ فاسْتُثْقِلَ اجْتِماعُهُما بَعْدَ ضَمَّتَيْنِ فَكُسِرَتِ الثّاءُ لِلتَّخْفِيفِ، فانْقَلَبَتِ الواوُ الأُولى ياءً لِسُكُونِها، وانْكِسارِ ما قَبْلَها، فاجْتَمَعَتْ واوٌ وياءٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ الأُولى، وكُسِرَتِ الجِيمُ إتْباعًا لِما بَعْدَها. وقُرِئَ: بِضَمِّها، ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ، أيْ: لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جاثِينَ عَلى رُكَبِهِمْ لِما يَدْهَمُهم مِن هَوْلِ المَطْلَعِ، أوْ لِأنَّهُ مِن تَوابِعِ التَّواقُفِ لِلْحِسابِ قَبْلَ التَّواصُلِ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ أهْلَ المَوْقِفِ جاثُونَ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ عَلى ما هو المُعْتادُ في مَواقِفِ التَّقاوُلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الكَفَرَةَ، فَلَعَلَّهم يُساقُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى شاطِئِ جَهَنَّمَ جُثاةً إهانَةً بِهِمْ، أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ القِيامِ لِما اعْتَراهم مِنَ الشِّدَّةِ.
19:69Page 310
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ شاعَتْ دِينًا مِنَ الأدْيانِ.
﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أيْ: مَن كانَ مِنهم أعْصى وأعْتى، فَنَطْرَحُهم فِيها، وفي ذِكْرِ الأشَدِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ بَعْضٍ مِن أهْلِ العِصْيانِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الإنْسانِ بِالكَفَرَةِ، فالمَعْنى: إنّا نُمَيِّزُ مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِنهم أعَصاهم فَأعْصاهُمْ، وأعْتاهم فَأعْتاهم فَنَطْرَحُهم في النّارِ عَلى التَّرْتِيبِ، أوْ نُدْخِلُ كُلًّا مِنهم طَبَقَتَها اللّائِقَةَ بِهِ. و "أيُّهُمْ" مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُبْنى كَسائِرِ المَوْصُولاتِ، لَكِنَّهُ أُعْرِبَ حَمْلًا عَلى كُلٍّ وبَعْضٍ لِلُزُومِ الإضافَةِ. وإذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِهِ زادَ نَقْصُهُ، فَعادَ إلى حَقِّهِ، ومَنصُوبُ المَحَلِّ بِنَنْزِعَنَّ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: مَنصُوبًا، ومَرْفُوعٌ عِنْدَ غَيْرِهِ بِالِابْتِداءِ (p-276)عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامِيٌّ وخَبَرُهُ أشَدُّ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِينَ يُقالُ لَهم "أيُّهم أشَدُّ"، أوْ مُعَلِّقٌ عَنْها لَنَنْزِعَنَّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ اللّازِمِ لِلْعِلْمِ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والفِعْلُ واقِعٌ عَلى كُلِّ شِيعَةٍ عَلى زِيادَةِ مِن، أوْ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ و "عَلى" لِلْبَيانِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّ سائِلًا قالَ: عَلى مَن عَتَوْا؟ فَقِيلَ: عَلى الرَّحْمَنِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلَ، وكَذا الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
19:70Page 310
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ أيْ: هم أوْلى بِصِلِّيِها، أوْ صِلِيِّهِمْ أوْلى بِالنّارِ، وهُمُ المُنْتَزَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ وبِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ، فَإنَّ عَذابَهم مُضاعَفٌ لِضَلالِهِمْ، وإضْلالِهِمْ. والصِّلِيُّ كالعِتِيِّ صِيغَةً، وإعْلالًا وقُرِئَ: بِضَمِّ الصّادِ.
19:71Page 310
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١
And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.
﴿وَإنْ مِنكُمْ﴾ التِفاتٌ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنّاسِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى المَذْكُورِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ: (وَإنْ مِنهُمْ) أيْ: ما مِنكم أيُّها الإنْسانُ.
﴿إلا وارِدُها﴾ أيْ: واصِلُها وحاضِرٌ دُونَها يَمُرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، وهي خامِدَةٌ وتَهارُّ بِغَيْرِهِمْ. وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: قَدْ ورَدْتُمُوها وهي خامِدَةٌ.» وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فالمُرادُ بِهِ الإبْعادُ عَنْ عَذابِها. وقِيلَ: وُرُودُها الجَوازُ عَلى الصِّراطِ المَمْدُودِ عَلَيْها.
﴿كانَ﴾ أيْ: وُرُودُهم إيّاها.
﴿عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: أمْرًا مَحْتُومًا أوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ذاتِهِ، وقَضى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ البَتَّةَ، وقِيلَ: أقْسَمَ عَلَيْهِ.
19:72Page 310
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢
Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن حالِ الجُثُوِّ عَلى الرُّكَبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَلَفَ، فَيُساقُونَ إلى الجَنَّةِ، وقُرِئَ: (نُنْجِي) بِالتَّخْفِيفِ، و (يُنْجِي) و (يُنْجى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ: (ثَمَّةَ) نُنَجِّي بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُناكَ نُنْجِيهِمْ.
﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فِيها جِثِيًّا﴾ مُنْهارًا بِهِمْ، كَما كانُوا. قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها، وأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الفَجَرَةَ بَعْدَ تَجاثِيهِمْ حَوْلَها، ويُلْقى الفَجَرَةُ فِيها عَلى هَيْآتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:
19:73Page 310
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ ... الآيَةَ إلى آخِرِها. حِكايَةٌ لِما قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ حالِهِمْ، ووَخامَةَ مَآلِهِمْ، أيْ: وإذا تُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ.
﴿آياتُنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ النّاطِقَةُ بِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وسُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ، مُبَيَّناتِ المَعانِي بِنَفْسِها، أوْ بِبَيانِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ بَيِّناتِ الإعْجازِ. حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن آياتِنا.
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالُوا. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قالُوا ما قالُوا، كافِرِينَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ رادِّينَ لَهُ، أوْ قالَ الَّذِينَ مَرَدُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ، ومَرَنُوا عَلى العُتُوِّ والعِنادِ، وهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ (p-277)الفَجَرَةُ. و "اللّامُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ. كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ . وقِيلَ: لامُ الأجَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: قالُوا لِأجْلِهِمْ، وفي حَقِّهِمْ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهم لَيْسَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ . أيِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. كَأنَّهم قالُوا أيُّنا ﴿خَيْرٌ﴾ نَحْنُ أوْ أنْتُمْ ﴿مَقامًا﴾ ؟ أيْ: مَكانًا. وقُرِئَ: بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعَ إقامَةٍ ومَنزِلٍ.
﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ: مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا. يُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهُمْ، ويَدْهُنُونَها، ويَتَطَيَّبُونَ، ويَتَزَيَّنُونَ بِالزَّيْنِ الفاخِرِ، ثُمَّ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّ خَيْرِيَّتَهم حالًا، وأحْسَنِيَّتَهم مَنالًا مِمّا لا يَقْبَلُ الإنْكارَ، وأنَّ ذَلِكَ لِكَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وزُلْفاهم عِنْدَهُ إذْ هو العِيارُ عَلى الفَضْلِ، والنُّقْصانِ، والرِّفْعَةِ، والضَّعَةِ. وأنَّ مِن ضَرُورَتِهِ هَوانَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَعالى لِقُصُورِ حَظِّهِمُ العاجِلِ، وما هَذا القِياسُ العَقِيمُ، والرَّأْيُ السَّقِيمُ إلّا لِكَوْنِهِمْ جَهَلَةً لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences