Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:121–126
2:121Page 19
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾؛ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾؛ بِمُراعاةِ لَفْظِهِ عَنِ التَّحْرِيفِ؛ وبِالتَّدَبُّرِ في مَعانِيهِ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ؛ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ؛ أوْ خَبَرٌ؛ وما بَعْدَهُ مُقَرِّرٌ لَهُ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِإيتاءِ الكِتابِ؛ وتِلاوَتِهِ؛ كَما هو حَقُّهُ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِكِتابِهِمْ؛ دُونَ المُحَرِّفِينَ؛ فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُجامِعُ الكُفْرَ بِبَعْضٍ مِنهُ؛ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ بِالتَّحْرِيفِ؛ والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ؛ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾؛ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.
2:122Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ومِن جُمْلَتِها التَّوْراةُ؛ وذِكْرُ النِّعْمَةِ إنَّما (p-154)يَكُونُ بِشُكْرِها؛ وشُكْرُها الإيمانُ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ومِن جُمْلَتِهِ نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِها الإيمانُ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾؛ أُفْرِدَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِها مُنْدَرِجَةً تَحْتَ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ؛ لِإنافَتِها فِيما بَيْنَ فُنُونِ النِّعَمِ.
2:123Page 19
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
﴿واتَّقُوا﴾؛ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا؛ ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي﴾؛ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ﴿نَفْسٌ﴾؛ مِنَ النُّفُوسِ؛ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾؛ أُخْرى؛؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ مِنَ الأشْياءِ؛ أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾؛ أيْ: فِدْيَةٌ؛ ﴿وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ وتَخْصِيصُهم بِتَكْرِيرِ التَّذْكِيرِ؛ وإعادَةِ التَّحْذِيرِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ؛ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ؛ لِما أنَّ نِعَمَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ أعْظَمُ؛ وكُفْرُهم بِها أشَدُّ وأقْبَحُ.
2:124Page 19
۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾: شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنَّ ما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ أهْواءٌ زائِغَةٌ؛ وأنَّ ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِرْيَةٌ بِلا مِرْيَةٍ؛ بِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْ إبْراهِيمَ؛ وأبْنائِهِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِنَ الأقاوِيلِ؛ والأفاعِيلِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ وبُطْلانِ الشِّرْكِ؛ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وبِكَوْنِهِ ذَلِكَ النَّبِيَّ الَّذِي اسْتَدْعاهُ إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بِقَوْلِهِما: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾؛ الآيَةِ.. فَـ "إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ؛ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ ابْتِلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِيَتَذَكَّرُوا بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ الوازِعَةِ عَنِ الشِّرْكِ؛ فَيَقْبَلُوا الحَقَّ؛ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الباطِلِ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ؛ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ في أثْناءِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ؛ أيْ: وإذِ ابْتَلاهُ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وقِيلَ: بِما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): قالَ؛ إلَخْ.. والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "اذْكُرُوا"؛ خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِيَتَأمَّلُوا فِيما يُحْكى عَمَّنْ يَنْتَمُونَ إلى مَلَّتِهِ مِن إبْراهِيمَ؛ وأبْنائِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ فَيَقْتَدُوا بِهِمْ؛ ويَسِيرُوا سِيرَتَهم. والِابْتِلاءُ؛ في الأصْلِ: الِاخْتِبارُ؛ أيْ: تَطَلُّبُ الخِبْرَةِ بِحالِ المُخْتَبَرِ؛ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ غالِبًا فِعْلُهُ؛ أوْ تَرْكُهُ؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلى عَواقِبِ الأُمُورِ؛ وأمّا مِنَ العَلِيمِ الخَبِيرِ فَلا يَكُونُ إلّا مَجازًا؛ مِن تَمْكِينِهِ لِلْعَبْدِ مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ؛ قَبْلَ أنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا هو مِن مَبادِيهِ العادِيَّةِ؛ كَمَن يَخْتَبِرُ عَبْدَهُ لِيَتَعَرَّفَ حالَهُ مِنَ الكِياسَةِ؛ فَيَأْمُرُهُ بِما يَلِيقُ بِحالِهِ مِن مَصالِحِهِ. و"إبْراهِيمَ": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ قالَ السُّهَيْلِيُّ: كَثِيرًا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ؛ أوِ التَّقارُبُ بَيْنَ (p-155)السُّرْيانِيِّ؛ والعَرَبِيِّ؛ ألا يُرى أنَّ "إبْراهِيمَ" تَفْسِيرُهُ: أبٌ راحِمٌ؛ ولِذَلِكَ جُعِلَ هو وزَوْجَتُهُ سارَةُ كافِلَيْنِ لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا؛ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ عَلى ما رَوى البُخارِيُّ؛ في حَدِيثِ الرُّؤْيا؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في الرَّوْضَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ.» وهو مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِإضافَةِ فاعِلِهِ إلى ضَمِيرِهِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية تَشْرِيفٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ تَرْبِيَةٌ لَهُ؛ وتَرْشِيحٌ لِأمْرٍ خَطِيرٍ؛ والمَعْنى: عامَلَهُ - سُبْحانَهُ - مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ؛ حَيْثُ كَلَّفَهُ أوامِرَ ونَواهِيَ يَظْهَرُ بِحُسْنِ قِيامِهِ بِحُقُوقِها قدرته عَلى الخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الإمامَةِ العُظْمى؛ وتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ. وهَذِهِ المُعامَلَةُ وتَذْكِيرُها لِلنّاسِ لِإرْشادِهِمْ إلى طَرِيقِ إتْقانِ الأُمُورِ؛ بِبِنائِها عَلى التَّجْرِبَةِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ بِعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلى تِلْكَ القاعِدَةِ الرَّصِينَةِ؛ واقِعَةٌ بَعْدَ ظُهُورِ اسْتِحْقاقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنُّبُوَّةِ العامَّةِ؛ كَيْفَ لا.. وهي الَّتِي أُجِيبَ بِها دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَما سَيَأْتِي؛ واخْتُلِفَ في الكَلِماتِ؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هي المَذْكُورَةُ بَعْدَها؛ ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ الفاءُ في "فَأتَمَّهُنَّ"؛ ثُمَّ الِاسْتِئْنافُ؛ وقالَ طاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هي عَشْرُ خِصالٍ؛ كانَتْ فَرْضًا في شَرْعِهِ؛ وهُنَّ سُنَّةٌ في شَرْعِنا: خَمْسٌ في الرَّأْسِ: المَضْمَضَةُ؛ والِاسْتِنْشاقُ؛ وفَرْقُ الرَّأْسِ؛ وقَصُّ الشّارِبِ؛ والسِّواكُ؛ وخَمْسٌ في البَدَنِ: الخِتانُ؛ وحَلْقُ العانَةِ؛ ونَتْفُ الإبِطِ؛ وتَقْلِيمُ الأظْفارِ؛ والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ. وفي الخَبَرِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن قَصَّ الشّارِبَ؛ وأوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ؛ وأوَّلُ مَن قَلَّمَ الأظْفارَ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يُبْتَلَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ؛ فَأقامَهُ كُلَّهُ؛ إلّا إبْراهِيمَ؛ ابْتَلاهُ اللَّهُ (تَعالى) بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ؛ عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ "بَراءَةَ": ﴿التّائِبُونَ﴾؛ إلَخْ.. وعَشْرٌ في "الأحْزابِ": ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾؛ إلَخْ.. وعَشْرٌ في "المُؤْمِنُونَ": و"سَألَ سائِلٌ"؛ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وقِيلَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِسَبْعَةِ أشْياءَ؛ بِالشَّمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُّجُومِ؛ والِاخْتِتانِ عَلى الكِبَرِ؛ والنّارِ؛ وذَبْحِ الوَلَدِ؛ والهِجْرَةِ؛ فَوَفّى بِالكُلِّ؛ وقِيلَ: هُنَّ مُحاجَّتُهُ قَوْمَهُ؛ والصَّلاةُ؛ والزَّكاةُ؛ والصَّوْمُ؛ والضِّيافَةُ؛ والصَّبْرُ عَلَيْها؛ وقِيلَ: هي مَناسِكُ؛ كالطَّوافِ؛ والسَّعْيِ؛ والرَّمْيِ؛ والإحْرامِ؛ والتَّعْرِيفِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ وقِيلَ: هي قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .. الآياتُ؛ ثُمَّ قِيلَ: إنَّما وقَعَ هَذا الِابْتِلاءُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ وهو الظّاهِرُ؛ وقِيلَ: بَعْدَها؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سابِقَةَ الوَحْيِ؛ وأُجِيبَ بِأنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ لا يَسْتَلْزِمُ البِعْثَةَ إلى الخَلْقِ؛ وقُرِئَ بِرَفْعِ "إبْراهِيمَ"؛ ونَصْبِ "رَبُّهُ"؛ أيْ: دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُّعاءِ؛ فِعْلَ المُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ إلَيْهِنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾؛ أيْ: قامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ؛ وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَّأْدِيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ وتَوانٍ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾؛ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ: فَأعْطاهُ اللَّهُ (تَعالى) ما سَألَهُ مِن غَيْرِ نَقْصٍ؛ ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ فَسَّرَ الكَلِماتِ بِما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾ .. الآياتِ.. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: قالَ: عَلى تَقْدِيرِ انْتِصابِ "إذْ" بِمُضْمَرٍ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ؛ نَشَأ مِنَ الكَلامِ؛ فَإنَّ الِابْتِلاءَ تَمْهِيدٌ لِأمْرٍ مُعَظَّمٍ؛ وظُهُورُ فَضِيلَةِ المُبْتَلى مِن دَواعِي الإحْسانِ إلَيْهِ؛ فَبَعْدَ حِكايَتِهِما تَتَرَقَّبُ النَّفْسُ إلى ما وقَعَ بَعْدَهُما؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾؛ أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ابْتَلى﴾؛ عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَ الكَلِماتِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ أثَرُهُ؛ مِنَ الإمامَةِ؛ وتَطْهِيرِ البَيْتِ؛ ورَفْعِ قَواعِدِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وعَلى تَقْدِيرِ انْتِصابِ "إذْ" بِـ "قالَ"؛ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ والواوُ في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى "قالَ"؛ أيْ: "وَقالَ ابْتَلى".. إلَخْ.. والجَعْلُ: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أحَدُ مَفْعُولَيْهِ الضَّمِيرُ؛ والثّانِي: "إمامًا"؛ واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى المُضارِعِ؛ وأوْكَدُ مِنهُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ جاعِلٌ (p-156)
لَهُ البَتَّةَ؛ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ؛ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ؛ و"لِلنّاسِ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاعِلُكَ"؛ أيْ: لِأجْلِ النّاسِ؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "إمامًا"؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ والإمامُ: اسْمٌ لِمَن يُؤْتَمُّ بِهِ؛ وكُلُّ نَبِيٍّ إمامٌ لِأُمَّتِهِ؛ وإمامَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عامَّةٌ؛ مُؤَبَّدَةٌ؛ إذْ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلّا كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ؛ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِ.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾: عَطْفٌ عَلى الكافِ؛ و"مِن": تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "جاعِلُ"؛ أيْ: وجاعِلُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي؟ كَما تَقُولُ: وزَيْدًا؟ لِمَن يَقُولُ: "سَأُكْرِمُكَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: واجْعَلْ فَرِيقًا مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا؛ وتَخْصِيصُ البَعْضِ بِذَلِكَ لِبَداهَةِ اسْتِحالَةِ إمامَةِ الكُلِّ؛ وإنْ كانُوا عَلى الحَقِّ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وماذا يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِي؟ والذُّرِّيَّةُ: نَسْلُ الرَّجُلِ؛ "فُعُولَةٌ" مِن "ذَرَوْتُ"؛ أوْ "ذَرَيْتُ"؛ والأصْلُ: "ذُرُووَةٌ"؛ أوْ: "ذُرِّوْيَةٌ"؛ فاجْتَمَعَ في الأُولى واوانِ؛ زائِدَةٌ؛ وأصْلِيَّةٌ؛ فَقُلِبَتِ الأصْلِيَّةُ ياءً؛ فَصارَتْ كالثّانِيَةِ؛ فاجْتَمَعَتْ واوٌ وياءٌ؛ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ؛ فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً؛ وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ؛ فَصارَتْ "ذَرِّيَّةً"؛ أوْ "فُعَيْلَةٌ"؛ مِنهُما؛ والأصْلُ في الأُولى "ذُرَيْوَةٌ"؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِما سَبَقَ؛ مِنَ اجْتِماعِهِما؛ وسَبْقِ إحْداهُما بِالسُّكُونِ؛ فَصارَتْ "ذُرِّيْيَةٌ" كالثّانِيَةِ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في مِثْلِها؛ فَصارَتْ "ذُرِّيَّةٌ" أوْ "فِعِّيلَةٌ" مِن "الذَّرْءُ"؛ بِمَعْنى "الخَلْقُ"؛ والأصْلُ "ذِرِّيئَةٌ"؛ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً؛ كَهَمْزَةِ "خَطِيئَةٌ"؛ ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءُ الزّائِدَةُ في المُبْدَلَةِ؛ أوْ "فِعِّيْلَةٌ"؛ مِن "الذَّرُّ"؛ بِمَعْنى "التَّفْرِيقُ"؛ والأصْلُ: "ذِرِّيرَةٌ"؛ قَلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً لِتَوالِي الأمْثالِ؛ كَما في "تَسَرِّي"؛ و"تَقَضِّي"؛ و"تَظَنِّي"؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ؛ كَما مَرَّ؛ أوْ "فَعُولَةٌ" مِنهُ؛ والأصْلُ: "ذَرُورَةٌ"؛ فَقُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً؛ فَجاءَ الإدْغامُ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الذّالِ؛ وهي لُغَةٌ فِيها؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ المَدَنِيُّ؛ بِالفَتْحِ؛ وهي أيْضًا لُغَةٌ فِيها.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾: لَيْسَ هَذا رَدًّا لِدَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَلْ إجابَةٌ خَفِيَّةٌ لَها؛ وعِدَةٌ إجْمالِيَّةٌ مِنهُ (تَعالى) بِتَشْرِيفِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَيْلِ عَهْدِ الإمامَةِ؛ حَسْبَما وقَعَ في اسْتِدْعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهم بِوَصْفٍ مُمَيِّزٍ لَهم عَنْ جَمِيعِ مَن عَداهُمْ؛ فَإنَّ التَّنْصِيصَ عَلى حِرْمانِ الظّالِمِينَ مِنهُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ التَّمْيِيزِ؛ إذْ لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يَنالُ كُلَّ مَن لَيْسَ بِظالِمٍ مِنهُمْ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ ذَلِكَ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ ولَعَلَّ إيثارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى تَعْيِينِ الجامِعِينَ لِمَبادِئِ الإمامَةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ إجْمالًا؛ أوْ تَفْصِيلًا؛ وإرْسالِ الباقِينَ؛ لِئَلّا يَنْتَظِمَ المُقْتَدُونَ بِالأئِمَّةِ مِنَ الأُمَّةِ في سِلْكِ المَحْرُومِينَ؛ وفي تَفْصِيلِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الإطْنابِ ما لا يَخْفى؛ مَعَ ما في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن تَخْيِيبِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ النُّبُوَّةَ؛ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِن نَيْلِها؛ وإنَّما أُوثِرَ النَّيْلُ عَلى الجَعْلِ إيماءً إلى أنَّ إمامَةَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَإسْماعِيلَ؛ وإسْحاقَ؛ ويَعْقُوبَ؛ ويُوسُفَ؛ ومُوسى؛ وهارُونَ؛ وداوُدَ؛ وسُلَيْمانَ؛ وأيُّوبَ؛ ويُونُسَ؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ وعِيسى؛ وسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ - ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيرًا -؛ لَيْسَتْ بِجَعْلٍ مُسْتَقِلٍّ؛ بَلْ هي حاصِلَةٌ في ضِمْنِ إمامَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنالُ كُلًّا مِنهم في وقْتٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "الظّالِمُونَ"؛ عَلى أنَّ "عَهْدِي" مَفْعُولٌ قُدِّمَ عَلى الفاعِلِ اهْتِمامًا؛ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِنَ الكَبائِرِ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ وعَدَمِ صَلاحِيَةِ الظّالِمِ لِلْإمامَةِ.
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾: أيْ: الكَعْبَةَ المُعَظَّمَةَ؛ غَلَبَ عَلَيْها غَلَبَةَ النَّجْمِ عَلى الثُّرَيّا؛ مَعْطُوفٌ (p-157)عَلى "إذِ ابْتَلى"؛ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ فِيهِ؛ أوْ مُضْمَرٌ مُسْتَقِلٌّ؛ مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ الأوَّلِ؛ والجَعْلُ: إمّا بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثابَةً﴾؛ - أيْ: مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ الزُّوّارُ بَعْدَما تَفَرَّقُوا عَنْهُ؛ أوْ أمْثالُهُمْ؛ أوْ مَوْضِعَ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ واعْتِمارِهِ - مَفْعُولُهُ الثّانِي؛ وإمّا بِمَعْنى "الإبْداعُ"؛ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ واللّامُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلنّاسِ﴾؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً لِـ "مَثابَةً"؛ أيْ: كائِنَةً لِلنّاسِ؛ أوْ بِجَعْلِنا؛ أيْ: جَعَلْناهُ لِأجْلِ النّاسِ؛ وقُرِئَ: "مَثاباتٍ"؛ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الثّائِبِينَ؛ ﴿وَأمْنًا﴾؛ أيْ: آمِنًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ عَلى إيقاعِ المَصْدَرِ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: ذا أمْنٍ؛ أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ أيْ: آمِنًا مَن حَجَّهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ؛ مِن حَيْثُ أنَّ الحَجَّ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ؛ أوْ: مَن دَخَلَهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالعُقُوبَةِ؛ وإنْ كانَ جانِيًا؛ حَتّى يَخْرُجَ؛ عَلى ما هو رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ؛ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ الأمْنُ بِالقِياسِ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ كائِنًا ما كانَ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ أمْنُ النّاسِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وقَدِ اعْتِيدَ فِيهِ أمْنُ الصَّيْدِ؛ حَتّى إنَّ الكَلْبَ كانَ يَهُمُّ بِالصَّيْدِ خارِجَ الحَرَمِ فَيَفِرُّ مِنهُ؛ وهو يَتْبَعُهُ؛ فَإذا دَخَلَ الصَّيْدُ الحَرَمَ لَمْ يَتْبَعْهُ الكَلْبُ.
﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ عَلى إرادَةِ قَوْلٍ؛ هو عَطْفٌ عَلى "جَعَلْنا"؛ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: "وَقُلْنا"؛ أوْ: "قائِلِينَ لَهُمُ اتَّخِذُوا.."؛ إلَخْ.. وقِيلَ: هو بِنَفْسِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "ثُوبُوا إلَيْهِ؛ واتَّخِذُوا.."؛ إلَخْ.. وقِيلَ: عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في "إذْ"؛ وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ والخِطابُ عَلى الوُجُوهِ الأخِيرَةِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولِأُمَّتِهِ؛ والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ والأمْرُ - صَرِيحًا كانَ؛ أوْ مَفْهُومًا مِنَ الحِكايَةِ - لِلِاسْتِحْبابِ؛ و"مِن": تَبْعِيضِيَّةٌ؛ والمَقامُ: اسْمُ مَكانٍ؛ وهو الحَجَرُ الَّذِي عَلَيْهِ أثَرُ قَدَمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والمَوْضِعُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَ قامَ ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ؛ أوْ حِينَ رَفَعَ قَواعِدَ البَيْتِ؛ وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ؛ والمُرادُ بِالمُصَلّى: إمّا مَوْضِعُ الصَّلاةِ؛ أوْ مَوْضِعُ الدُّعاءِ؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقالَ: "هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ"؛ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ"؛ فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ؛ لِما رَوى جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ؛ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ؛ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ وقَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ ولِلشّافِعِيِّ في وُجُوبِهِما قَوْلانِ؛ وقِيلَ: مَقامُ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ؛ وقِيلَ: مَواقِفُ الحَجِّ: عَرَفَةُ؛ والمُزْدَلِفَةُ؛ والجِمارُ؛ واتِّخاذُها مُصَلًّى: أنْ يُدْعى فِيها ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "واتَّخَذُوا"؛ عَلى صِيغَةِ الماضِي؛ عَطْفًا عَلى "جَعَلْنا"؛ أيْ: "واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ لِاهْتِمامِهِ بِهِ؛ وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ؛ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها".
﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُما أمْرًا مُؤَكَّدًا؛ ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾؛ بِأنْ طَهِّراهُ؛ عَلى أنَّ "أنْ" المَصْدَرِيَّةَ حُذِفَ عَنْها الجارُّ حَذْفًا مُطَّرِدًا؛ لِجَوازِ كَوْنِ صِلَتِها أمْرًا ونَهْيًا؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾؛ لِأنَّ مَدارَ جَوازِ كَوْنِها فِعْلًا إنَّما هو دَلالَتُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ وهي مُتَحَقِّقَةٌ فِيهِما؛ ووُجُوبُ كَوْنِها خَبَرِيَّةً في صِلَةِ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ؛ وهي لا يُوصَفُ بِها إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً؛ وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ سَواءً؛ ساغَ وُقُوعُ الأمْرِ والنَّهْيِ صِلَةً؛ حَسَبَ وُقُوعِ الفِعْلِ؛ فَيَتَجَرَّدُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ؛ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ؛ والِاسْتِقْبالِ؛ أوْ أيْ: طَهِّراهُ؛ عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِتَضْمِينِ العَهْدِ مَعْنى القَوْلِ؛ وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ؛ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالتَّطْهِيرِ هَهُنا إلَيْهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لا يُنافِي ما في سُورَةِ "الحَجِّ"؛ مِن تَخْصِيصِهِ بِإبْراهِيمَ (p-158)
- عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ واقِعٌ قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾؛ وكانَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ بِمَعْزِلٍ مِن مَثابَةِ الخِطابِ؛ وظاهِرٌ أنَّ هَذا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الأمْرِ والنَّهْيِ. وتَمامُ البِناءِ بِمُباشَرَتِهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهُ إثْرَ حِكايَةِ جَعْلِهِ مَثابَةً لِلنّاسِ.. إلَخْ.. والمُرادُ تَطْهِيرُهُ مِنَ الأوْثانِ؛ والأنْجاسِ؛ وطَوافِ الجُنُبِ؛ والحائِضِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ ﴿لِلطّائِفِينَ﴾؛ حَوْلَهُ؛ ﴿والعاكِفِينَ﴾؛ المُجاوِرِينَ؛ المُقِيمِينَ عِنْدَهُ؛ أوِ المُعْتَكِفِينَ؛ أوِ القائِمِينَ في الصَّلاةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ﴾؛ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جَمْعُ "راكِعٌ"؛ و"ساجِدٌ"؛ أيْ: لِلطّائِفِينَ؛ والمُصَلِّينَ؛ لِأنَّ القِيامَ؛ والرُّكُوعَ؛ والسُّجُودَ؛ مِن هَيْئاتِ المُصَلِّي؛ ولِتَقارُبِ الأخِيرَيْنِ ذاتًا وزَمانًا تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَ مَوْصُوفَيْهِما؛ أوْ: "أخْلِصاهُ لِهَؤُلاءِ؛ لِئَلّا يَغْشاهُ غَيْرُهُمْ"؛ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُلابَسَةَ غَيْرِهِمْ بِهِ؛ وإنْ كانَتْ مَعَ مُقارَنَةِ أمْرٍ مُباحٍ؛ مِن قَبِيلِ تَلْوِيثِهِ وتَدْنِيسِهِ.
2:126Page 19
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذْ جَعَلْنا﴾؛ إلَخْ.. إمّا بِالذّاتِ؛ أوْ بِعامِلِهِ المُضْمَرِ؛ كَما مَرَّ؛ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾؛ ذا أمْنٍ؛ كَـ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾؛ أوْ: آمِنًا أهْلُهُ؛ كَـ "لَيْلَةُ نائِمٍ"؛ أيْ: اجْعَلْ هَذا الوادِيَ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ ما قَدِمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَّةَ؛ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ هُناكَ؛ وعادَ مُتَوَجِّهًا إلى الشّامِ؛ تَبِعَتْهُ هاجَرُ تَقُولُ: إلى مَن تَكِلُنا في هَذا البَلْقَعِ؟ وهو لا يَرُدُّ عَلَيْهِما جَوابًا؛ حَتّى قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنا؛ فَرَضِيَتْ؛ ومَضى؛ حَتّى إذا اسْتَوى عَلى ثَنِيَّةِ كَداءَ أقْبَلَ عَلى الوادِي فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾؛ الآيَةَ.. وتَعْرِيفُ البَلَدِ؛ مَعَ جَعْلِهِ صِفَةً لِـ "هَذا"؛ في سُورَةِ "إبْراهِيمَ"؛ إنْ حُمِلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ؛ لِما أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ أوَّلًا كِلا الأمْرَيْنِ: البَلَدِيَّةَ؛ والأمْنَ؛ فاسْتُجِيبَ لَهُ في أحَدِهِما؛ وتَأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ؛ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ؛ ثُمَّ كَرَّرَ السُّؤالَ حَسْبَما هو المُعْتادُ في الدُّعاءِ والِابْتِهالِ؛ أوْ كانَ المَسْؤُولُ أوَّلًا البَلَدِيَّةَ؛ ومُجَرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسُّكْنى؛ كَما في سائِرِ البِلادِ؛ وقَدْ أُجِيبَ إلى ذَلِكَ؛ وثانِيًا الأمْنَ المَعْهُودَ؛ أوْ كانَ هو المَسْؤُولَ أوَّلًا أيْضًا؛ وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ؛ لَكِنَّ السُّؤالَ الثّانِيَ لِاسْتِدامَتِهِ. والِاقْتِصارُ عَلى سُؤالِهِ مَعَ جَعْلِ البَلَدِ صِفَةً لِهَذا؛ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ؛ أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ؛ بِخِلافِ الأمْنِ؛ وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ؛ وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ - كَما هو المُتَبادَرُ - فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ؛ وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ هَهُنا؛ واقْتُصِرَ هُناكَ عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ؛ اكْتِفاءً عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ البَلَدِيَّةِ بِحِكايَةِ سُؤالِ جَعْلِ أفْئِدَةِ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِ؛ كَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ هُناكَ؛ بِإذْنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾؛ مِن أنْواعِها؛ بِأنْ تَجْعَلَ بِقُرْبٍ مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ؛ أوْ يُجْبى إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ؛ وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما؛ حَتّى إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ؛ والصَّيْفِيَّةُ؛ والخَرِيفِيَّةُ؛ في يَوْمٍ واحِدٍ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ؛ فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ؛ رَفَعَها اللَّهُ (تَعالى) فَوَضَعَها حَيْثُ وضَعَها؛ رِزْقًا لِلْحَرَمِ؛ وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ (تَعالى) نَقَلَ قَرْيَةً مِن (p-159)
قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: بَدَلٌ مِن "أهْلَهُ"؛ بَدَلَ البَعْضِ؛ خَصَّهم بِالدُّعاءِ؛ إظْهارًا لِشَرَفِ الإيمانِ؛ وإبانَةً لِخَطَرِهِ؛ واهْتِمامًا بِشَأْنِ أهْلِهِ؛ ومُراعاةً لِحُسْنِ الأدَبِ؛ وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِقَوْمِهِ في الإيمانِ؛ وزَجْرٌ عَنِ الكُفْرِ؛ كَما أنَّ في حِكايَتِهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا لِقُرَيْشٍ؛ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾: عَطْفٌ عَلى مَفْعُولِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ارْزُقْ مَن آمَنَ؛ ومَن كَفَرَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؛ أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى) ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ خَبَرُهُ؛ أيْ: "فَأنا أُمَتِّعُهُ"؛ وإنَّما دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالشَّرْطِ. والكُفْرُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمْتِيعِ المُطْلَقِ - لَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَقْلِيلِهِ؛ وكَوْنِهِ مَوْصُولًا بِعَذابِ النّارِ؛ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "مَن آمَنَ"؛ عَطَفَ تَلْقِينٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ: وارْزُقْ مَن كَفَرَ؛ فَإنَّهُ أيْضًا مُجابٌ؛ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ؛ فَنَبَّهَهُ (تَعالى) عَلى أنَّهُ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ؛ شامِلَةٌ لِلْبَرِّ؛ والفاجِرِ؛ بِخِلافِ الإمامَةِ الحاصِلَةِ بِالخَواصِّ؛ وقُرِئَ: "فَأُمْتِعُهُ"؛ مِن "أمْتَعَ"؛ وقُرِئَ: "فَنُمَتِّعُهُ؛ ﴿قَلِيلا﴾: تَمْتِيعًا قَلِيلًا؛ أوْ زَمانًا قَلِيلًا؛ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾؛ أيْ: ألُزُّهُ إلَيْهِ لَزَّ المُضْطَرِّ لِكُفْرِهِ؛ وتَضْيِيعِهِ ما مَتَّعَهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ؛ وقُرِئَ: "ثُمَّ نَضْطَرُّهُ"؛ عَلى وفْقِ قِراءَةِ: "فَنُمَتِّعُهُ"؛ وقُرِئَ: "فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا ثُمَّ اضْطَرَّهُ"؛ بِلَفْظِ الأمْرِ فِيهِما؛ عَلى أنَّهُما مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وفي "قالَ" ضَمِيرُهُ؛ وإنَّما فَصَلَهُ عَمّا قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ دُعاءً عَلى الكَفَرَةِ؛ وتَغْيِيرُ سَبْكِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِاضْطِرارِهِمْ إلى عَذابِ النّارِ؛ وأمّا رِزْقُ مَن آمَنَ فَإنَّما هو عَلى طَرِيقَةِ التَّفْضِيلِ؛ والإحْسانِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ حَرْفَ المُضارَعَةِ؛ و"أطَّرُّهُ"؛ بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ؛ وهي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ؛ فَإنَّ حُرُوفَ "ضُمَّ شُفْرٌ" يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها؛ بِلا عَكْسٍ؛ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾؛ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ المَصِيرُ النّارُ؛ أوْ عَذابُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences