Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:135–142
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
﴿وَقالُوا﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ وهو إضْلالُهم لِغَيْرِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِإبْعادِهِمْ مِن مَقامِ المُخاطَبَةِ؛ والإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ لَيْسَ هَذا القَوْلُ مَقُولًا لِكُلِّهِمْ؛ أوْ لِأيِّ طائِفَةٍ كانَتْ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ؛ بَلْ هو مُوَزَّعٌ عَلَيْهِما عَلى وجْهٍ خاصٍّ؛ يَقْتَضِيهِ حالُهُما اقْتِضاءً مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا؛ والنَّصارى: كُونُوا نَصارى؛ فَفُعِلَ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ ما فُعِلَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ المَرامِ؛ ﴿تَهْتَدُوا﴾: جَوابٌ (p-166)
لِلْأمْرِ؛ أيْ: إنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ تَهْتَدُوا؛ قُلْ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ أيْ: قُلْ لَهم - عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ وبَيانِ ما هو الحَقُّ لَدَيْهِمْ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ -: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: لا نَكُونُ كَما تَقُولُونَ؛ بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بَلِ اتَّبِعُوا أنْتُمْ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ: كُونُوا أهْلَ مِلَّتِهِ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: بَلْ مِلَّتُنا؛ أوْ أمْرُنا؛ مِلَّتُهُ؛ أوْ: نَحْنُ مِلَّتُهُ؛ أيْ: أهْلُ مِلَّتِهِ؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ؛ وهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ كَما فِي: "رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً"؛ أوِ المُضافِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾؛ إلَخْ..
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: تَعْرِيضٌ بِهِمْ؛ وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
﴿قُولُوا﴾: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْدَ خِطابِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ؛ عَلى الإجْمالِ؛ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ؛ والإيمانِ؛ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ أيْ: قُولُوا لَهم - بِمُقابَلَةِ ما قالُوا؛ تَحْقِيقًا؛ وإرْشادًا ضِمْنِيًّا لَهم إلَيْهِ -:﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾؛ يَعْنِي القرآن؛ قُدِّمَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْها نُزُولًا؛ لِاخْتِصاصِهِ بِنا؛ وكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِها؛ ﴿وَما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾: الصُّحُفِ؛ وإنْ كانَتْ نازِلَةً إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّ مَن بَعْدَهُ - حَيْثُ كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِتَفاصِيلِها؛ داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها - جُعِلَتْ مُنْزَلَةً إلَيْهِمْ؛ كَما جُعِلَ القرآن مُنْزَلًا إلَيْنا. والأسْباطُ: جَمْعُ "سِبْطٌ"؛ وهو الحافِدُ؛ والمُرادُ بِهِمْ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ أبْناؤُهُ الِاثْنا عَشَرَ؛ وذَرارِيهِمْ؛ فَإنَّهم حَفَدَةُ إبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِيهِما؛ حَسْبَما فُصِّلَ في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وإيرادُ الإيتاءِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾؛ أيْ: جُمْلَةُ المَذْكُورِينَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ؛ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ؛ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ كَدَأْبِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وإنَّما اعْتُبِرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ؛ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيما أُوتُوهُ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهم بِالتَّصْدِيقِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ما أُوتُوهُ. وهَمْزَةُ "أحَدٍ": إمّا أصْلِيَّةٌ؛ فَهو اسْمٌ؛ مَوْضُوعٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ؛ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والمُثَنّى؛ والمَجْمُوعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلَيْهِ؛ كَما في مِثْلِ: "المالُ بَيْنَ النّاسِ"؛ ومِنهُ ما في قَوْلِهِ ﷺ: « "ما أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ غَيْرِكُمْ"؛» حَيْثُ وُصِفَ بِالجَمْعِ؛ وإمّا مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ؛ فَهو بِمَعْنى "واحِدٍ"؛ وعُمُومُهُ لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ النَّفْيِ؛ وصِحَّةُ دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفٍ قَدْ حُذِفَ لِظُهُورِهِ؛ أيْ: "بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ غَيْرِهِ"؛ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ؛ وبَيْنِي؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ صَرِيحًا عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ مَن عَداهُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "آمَنّا". وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ مُخْلِصُونَ لَهُ؛ ومُذْعِنُونَ؛ حالٌ أُخْرى مِنهُ؛ أوْ عَطْفٌ عَلى "آمَنّا".
2:137Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
(p-167)﴿فَإنْ آمَنُوا﴾: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ ما تَقَدَّمَ مِن إيمانِ المُخاطَبِينَ عَلى الوَجْهِ المُحَرَّرِ مَظِنَّةٌ لِإيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ لِما أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو مَقْبُولٌ عِنْدَهُمْ؛ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما آمَنتُمْ بِهِ"؛ وقِراءَةُ أُبَيٍّ: "بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى أنَّ المُؤْمَنَ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ بِمُرُورِهِ آنِفًا؛ أوْ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُجْرًى مُجْرى اللّازِمِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا بِما مَرَّ مُفَصَّلًا؛ أوْ فَإنْ فَعَلُوا الإيمانَ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكُمْ؛ وأنْ تَكُونَ الأُولى زائِدَةً؛ والثّانِيَةُ صِلَةً لِـ "آمَنتُمْ"؛ و"ما": مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا؛ وأنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا مُلْتَبِسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ؛ أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُلْتَبِسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُلْتَبِسًا بِهِ مِنَ الإذْعانِ؛ والإخْلاصِ؛ وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما وُجِدَ فِيهِمْ وصَدَرَ عَنْهم مِنَ الشَّهادَةِ؛ والإذْعانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِثْلُ ما لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لا عَيْنُهُ؛ بِخِلافِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدُ؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ إلى الحَقِّ؛ وأصابُوهُ؛ كَما اهْتَدَيْتُمْ؛ وحَصَلَ بَيْنَكم الِاتِّحادُ؛ والِاتِّفاقُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا؛ فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطَّرِيقِ؛ فَيَأْباهُ أنَّ مَقامَ تَعْيِينِ طَرِيقِ الحَقِّ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ؛ لا يُلائِمُ تَجْوِيزَ أنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ وراءَهُ؛ ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ بِأنْ أخَلُّوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ كَأنْ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ كَما هو دِينُهُمْ؛ ودَيْدَنُهُمْ؛ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾؛ المُشاقَّةُ؛ والشِّقاقُ: مِن "الشَّقُّ"؛ كَـ "المُخالَفَةُ"؛ و"الخِلافُ"؛ مِن "الخُلْفِ"؛ و"المُعاداةُ"؛ و"العَداءُ"؛ مِن "العُدْوَةُ"؛ أيْ: "الجانِبُ"؛ فَإنَّ أحَدَ المُخالِفَيْنِ يُعْرِضُ عَنِ الآخَرِ؛ صُورَةً؛ أوْ مَعْنًى؛ ويُوَلِّيهِ خَلْفَهُ؛ ويَأْخُذُ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ؛ وعُدْوَةٍ غَيْرِ عُدْوَتِهِ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: هم مُسْتَقِرُّونَ في خِلافٍ عَظِيمٍ؛ بَعِيدٍ مِنَ الحَقِّ؛ وهَذا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ احْتِمالِ الوِفاقِ؛ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ ما آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ والجُمْلَةُ إمّا جَوابُ الشَّرْطِ؛ كَما هِيَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ؛ كَجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى؛ وإنَّما أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ؛ واسْتِقْرارِهِمْ في ذَلِكَ؛ وإمّا بِتَأْوِيلِ "فاعْلَمُوا أنَّما هم في شِقاقٍ؛ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾؛ إلَخْ.. مِن بابِ التَّعْجِيزِ؛ والتَّبْكِيتِ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾؛ والمَعْنى: فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُماثِلًا لَهُ في الصِّحَّةِ؛ والسَّدادِ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا؛ وإذْ لا إمْكانَ لَهُ؛ فَلا إمْكانَ لِاهْتِدائِهِمْ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِحَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ؛ ولَمّا دَلَّ تَنْكِيرُ الشِّقاقِ عَلى امْتِناعِ الوِفاقِ؛ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى الجِدالِ؛ والقِتالِ؛ لا مَحالَةَ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَفْرِيحِ المُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ النَّصْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وضَمانِ التَّأْيِيدِ؛ والإعْزازِ؛ وعَبَّرَ بِالسِّينِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ البَتَّةَ؛ فَقِيلَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: سَيَكْفِيكَ شِقاقَهُمْ؛ فَإنَّ الكِفايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ؛ بَلْ بِالأفْعالِ؛ وقَدْ أنْجَزَ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ الكَرِيمَ؛ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وسَبْيِهِمْ؛ وإجْلاءِ بَنِي (p-168)النَّضِيرِ. وتَلْوِينُ الخِطابِ بِتَجْرِيدِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ مَعَ أنَّ ذَلِكَ كِفايَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْكُلِّ؛ لِما أنَّهُ الأصْلُ؛ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ القِيامَ بِأُمُورِ الحُرُوبِ؛ وتَحَمُّلَ المُؤَنِ والمَشاقِّ؛ ومُقاساةَ الشَّدائِدِ؛ في مُناهَضَةِ الأعْداءِ؛ مِن وظائِفِ الرُّؤَساءِ؛ فَنِعْمَتُهُ (تَعالى) في الكِفايَةِ؛ والنَّصْرِ؛ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتَمُّ وأكْمَلُ؛ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾: تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ؛ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ (تَعالى) يَسْمَعُ ما تَدْعُونَ بِهِ؛ ويَعْلَمُ ما في نِيَّتِكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ فَيَسْتَجِيبُ لَكَ؛ ويُوصِّلُكَ إلى مُرادِكَ. أوْ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: يَسْمَعُ ما يَنْطِقُونَ بِهِ؛ ويَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ في قُلُوبِهِمْ؛ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ؛ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الوَعْدِ السّابِقِ؛ فَإنَّ وعِيدَ الكَفَرَةِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: "الصِّبْغَةُ": مِن "الصَّبْغُ"؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ مِن "الجُلُوسُ"؛ وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ؛ عَبَّرَ بِها عَنِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوَضارِ الكُفْرِ؛ وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ؛ ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ؛ كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ؛ وقِيلَ: لِلْمُشارَكَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ؛ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لَهُمْ؛ وبِهِ يَحِقُّ نَصْرانِيَّتُهُمْ؛ وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ مَعَ اسْتِنادِهِ فِيما سَلَفَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا يَسْتَقِلُّ العَبْدُ بِتَحْصِيلِها؛ فَهي إذَنْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿آمَنّا﴾؛ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ "قُولُوا"؛ مُنْتَصِبٌ عَنْهُ انْتِصابَ وعْدِ اللَّهِ عَمّا تَقَدَّمَهُ؛ لِكَوْنِهِ بِمَثابَةِ فِعْلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً؛ وقِيلَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَهُما الشَّرْطِيَّتانِ؛ وما بَعْدَهُما اعْتِناءً بِبَيانِ أنَّهُ الإيمانُ الحَقُّ؛ وبِهِ الِاهْتِداءُ؛ ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ أوْ خَبَرٌ؛ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿صِبْغَةَ﴾: نُصِبَ عَلى تَمْيِيزِ "مَن أحْسَنُ"؛ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ؛ والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ فالتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ؛ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما؛ أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ عَلى مَعْنى أنَّها أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ؛ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾؛ إلَخْ.. وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ الحَقِيقِيِّ؛ والفَرَضِيِّ؛ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ (تَعالى) حُسْنٌ في الجُمْلَةِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ"؛ مِن مَعْنى التَّبَجُّحِ؛ والِابْتِهاجِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ؛ الَّذِي أوْلانا تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ؛ ﴿عابِدُونَ﴾؛ شُكْرًا لَها؛ ولِسائِرِ نِعَمِهِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ؛ ورِعايَةِ الفَواصِلِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "آمَنّا"؛ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِدَوامِ العِبادَةِ؛ أوْ عَلى فِعْلِ الإغْراءِ؛ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وقُولُوا: نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ حِينَئِذٍ يُجْرى مُجْرى التَّعْلِيلِ؛ لِلْإغْراءِ.
2:139Page 21
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾: تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُقَيْبَ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ الأمْرِ الوارِدِ بِالخِطابِ العامِّ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقُرِئَ بِإدْغامِ النُّونِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا؟ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: في دِينِهِ؛ وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ هو اليَهُودِيَّةُ؛ (p-169)
والنَّصْرانِيَّةُ؛ وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ والِاهْتِداءَ؛ عَلَيْهِما؛ وتَقُولُونَ - تارَةً -: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ وتارَةً: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ .
﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ (تَعالى) رَبُّنا؛ أيْ: مالِكُ أمْرِنا؛ وأمْرِكُمْ؟ ﴿وَلَنا أعْمالُنا﴾؛ الحَسَنَةُ؛ المُوافِقَةُ لِأمْرِهِ؛ ﴿وَلَكم أعْمالُكُمْ﴾؛ السَّيِّئَةُ؛ المُخالِفَةُ لِحُكْمِهِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ في تِلْكَ الأعْمالِ؛ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ؛ فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ؛ وادِّعاءُ حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والطَّمَعُ في دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ؛ ودَعْوَةُ النّاسِ إلَيْهِ؟
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
وَكَلِمَةُ "أمْ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾: إمّا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أتُحاجُّونَنا﴾؛ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الأمْرِ عَلى مَعْنى: أيَّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ: إقامَةَ الحُجَّةِ؛ وتَنْوِيرَ البُرْهانِ عَلى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والحالُ ما ذُكِرَ؛ أمِ التَّشَبُّثَ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ؛ والِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ؛ وتَقُولُونَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ فَنَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ؛ والمُرادُ إنْكارُ كِلا الأمْرَيْنِ؛ والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِما؛ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةُ دالَّةٌ عَلى الإضْرابِ؛ والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى المُحاجَّةِ؛ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وقُرِئَ: "أمْ يَقُولُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا غَيْرَ؛ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ؛ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ تَوْبِيخًا لَهُمْ؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ كَما قِيلَ هَذا؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أتُحاجُّونَنا في شَأْنِ اللَّهِ؛ واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ؟ لِما رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كَلُّهم مِنّا؛ فَلَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا؛ فَنَزَلَتْ. ومَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾: أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ (تَعالى) بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا؛ كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ؛ كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحُونَهُ؛ إفْحامًا؛ وتَبْكِيتًا؛ فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) عَلى مَن يَشاءُ؛ فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ؛ وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ؛ والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ؛ فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا؛ رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ (تَعالى) في إعْطائِها؛ فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ؛ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ؛ أيْ: لا أنْتُمْ؛ فَمَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِياقِهِ؛ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "أمْ" مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ؛ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ؛ لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ والسَّيِّئَةِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ؛ والسُّوءِ؛ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ؛ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ؛ ومُخالَفَتِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ؛ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبَ؟ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾: إعادَةُ الأمْرِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ؛ وتَشْدِيدِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ؛ بَلْ بَيْنَهُما كَلامٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما سَبَقَ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِما لَحِقَ؛ قَدْ ضُرِبَ عَنْهُ الذِّكْرُ صَفْحًا؛ لِظُهُورِهِ؛ وهو تَصْرِيحُهم بِما وُبِّخُوا عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾؛ فَإنَّ تَكْرِيرَ "قالَ" في المَوْضِعَيْنِ؛ وتَوْسِيطَهُ بَيْنَ قَوْلَيْ قائِلٍ واحِدٍ؛ (p-170)لِلْإيذانِ بِأنَّ بَيْنَهُما كَلامًا لِصاحِبِهِ مُتَعَلِّقًا بِالأوَّلِ؛ والثّانِي؛ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ والِاسْتِتْباعِ؛ كَما حُرِّرَ في مَحَلِّهِ؛ أيْ: كَذَّبَهم في ذَلِكَ؛ وبَكَّتَهم قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ وقَدْ نَفى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كِلا الأمْرَيْنِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾؛ وهَؤُلاءِ المَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعُهُ في الدِّينِ وِفاقًا؛ فَكَيْفَ تَقُولُونَ ما تَقُولُونَ؟ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا تَصِفُونَ.
﴿وَمَن أظْلَمُ﴾: إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ؛ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾؛ ثابِتَةً؛ ﴿عِنْدَهُ﴾؛ كائِنَةً؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ وهي شَهادَتُهُ (تَعالى) لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَنِيفِيَّةِ؛ والبَراءَةِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ؛ والنَّصْرانِيَّةِ؛ حَسْبَما تُلِيَ آنِفًا؛ فَـ "عِنْدَهُ": صِفَةٌ لِـ "شَهادَةً"؛ وكَذا "مِنَ اللَّهِ"؛ جِيءَ بِهِما لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ؛ وتَأْكِيدِهِ؛ فَإنَّ ثُبُوتَ الشَّهادَةِ عِنْدَهُ؛ وكَوْنَها مِن جَنابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن أقْوى الدَّواعِي إلى إقامَتِها؛ وأشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ كِتْمانِها؛ وتَقْدِيمُ الأوَّلِ؛ مَعَ أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ؛ لِمُراعاةِ طَرِيقَةِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ؛ وأثْبَتُوا نَقِيضَها بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَعْلِيقُ الأظْلَمِيَّةِ بِمُطْلَقِ الكِتْمانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَرْتَبَةَ مَن يَرُدُّها ويَشْهَدُ بِخِلافِها في الظُّلْمِ؛ خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ أوْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنّا لَوْ كَتَمْناها؛ فالمُرادُ بِكَتْمِها عَدَمُ إقامَتِها في مَقامِ المُحاجَّةِ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى نَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وفي إطْلاقِ الشَّهادَةِ؛ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها ما ذُكِرَ مِنَ الشَّهادَةِ المَعْنِيَّةِ؛ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلنَّبِيِّ ﷺ في التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ مِن فُنُونِ السَّيِّئاتِ؛ فَيَدْخُلُ فِيها كِتْمانُهم لِشَهادَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وافْتِراؤُهم عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: هو مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ فَيُعاقِبُكم بِذَلِكَ أشَدَّ عِقابٍ؛ وقُرِئَ: "عَمّا يَعْمَلُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فالضَّمِيرُ إمّا لِـ "مَن كَتَمَ"؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ وإمّا لِأهْلِ الكِتابِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِوَصْفِهِمْ بِغايَةِ الظُّلْمِ؛ وتَهْدِيدِهِمْ بِالوَعِيدِ.
2:141Page 21
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ؛ والِاتِّكالِ عَلى أعْمالِهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ السّابِقُ لَهُمْ؛ وهَذا لَنا؛ تَحْذِيرًا عَنْ الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ الأُولى: الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وبِالثّانِيَةِ: أسْلافُ اليَهُودِ.
2:142Page 22
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾: أيْ: الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهُمْ؛ واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ؛ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ؛ والنَّظَرِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "ثَوْبٌ سَفِيهٌ"؛ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ؛ وقِيلَ: السَّفِيهُ: البَهّاتُ؛ الكَذّابُ؛ المُتَعَمِّدُ خِلافَ ما يَعْلَمُ؛ وقِيلَ: الظَّلُومُ؛ الجَهُولُ؛ والمُرادُ بِالسُّفَهاءِ هُمُ اليَهُودُ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ قالُوهُ إنْكارًا لِلنَّسْخِ؛ وكَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ؛ حَيْثُ كانُوا يَأْنَسُونَ بِمُوافَقَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهم في القِبْلَةِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾؛ وإنَّما قالُوهُ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِهْزاءِ؛ والطَّعْنِ؛ لا لِاعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ القِبْلَةِ الأُولى؛ وبُطْلانَ الثّانِيَةِ؛ إذْ لَيْسَ (p-171)
كُلُّهم مِنَ اليَهُودِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ؛ ولَمْ يَقُولُوهُ كَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ إلى مَكَّةَ؛ بَلْ طَعْنًا في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ؛ ثُمَّ رَجَعَ؛ ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا؛ وقِيلَ: هُمُ القادِحُونَ في التَّحْوِيلِ مِنهم جَمِيعًا؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ؛ بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في فُنُونِ الفَسادِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمْ طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم لَما كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ مَزِيدُ فائِدَةٍ؛ وتَخْصِيصُ سُفَهائِهِمْ بِالذِّكْرِ لا يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الباقِينَ لِلتَّحْوِيلِ؛ وارْتِضاءَهم إيّاهُ؛ بَلْ عَدَمَ التَّفَوُّهِ بِالقَدْحِ مُطْلَقًا؛ أوْ بِالعِبارَةِ المَحْكِيَّةِ؛ ﴿ما ولاهُمْ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾؛ القِبْلَةُ: "فِعْلَةٌ" مِن "المُقابَلَةُ"؛ كَـ "الوِجْهَةُ"؛ مِن "المُواجَهَةُ"؛ وهي الحالُ الَّتِي يُقابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْها؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ لِلْحالَةِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الجُلُوسُ؛ يُقالُ: "لا قِبْلَةَ لَهُ؛ ولا دِبْرَةَ"؛ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أمْرِهِ؛ غَلَبَتْ عَلى الجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ في الصَّلاةِ؛ والمُرادُ بِها هَهُنا بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ؛ ووَصْفُها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ ومُراعاتِها؛ واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها؛ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ؛ فَإنَّ الِاخْتِصاصَ بِالشَّيْءِ؛ والِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ مِمّا يُنافِي الِانْصِرافَ عَنْهُ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِالقائِلِينَ اليَهُودُ فَمَدارُ الإنْكارِ كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها؛ وزَعْمُهم أنَّهُ خَطَأٌ؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ فَمَدارُهُ مُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ والقَدْحِ في أحْكامِهِ؛ وإظْهارِ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ والِانْصِرافِ عَنْها؛ واقِعٌ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ؛ لا لِكَراهَتِهِمْ الِانْصِرافَ عَنْها؛ أوِ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ. وتَعْلِيقُ الإنْكارِ بِما يُوَلِّيهِمْ عَنْها لا بِما يُوَجِّهُهم إلى غَيْرِها؛ مَعَ تَلازُمِهِما في الوُجُودِ؛ لِما أنَّ تَرْكَ الدِّينِ القَدِيمِ أبْعَدُ عِنْدَ العُقُولِ؛ وإنْكارَ سَبَبِهِ أدْخَلُ؛ لا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُنْكِرِينَ هُمُ اليَهُودُ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُنْكَرَ عِنْدَهم هو التَّحْوِيلُ عَنْ خُصُوصِيَّةِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ الَّذِي هو القِبْلَةُ الحَقَّةُ عِنْدَهُمْ؛ لا التَّوَجُّهُ إلى خُصُوصِيَّةِ قِبْلَةٍ أُخْرى؛ أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُنْكَرَ عِنْدَهم تَرْكُ القِبْلَةِ القَدِيمَةِ؛ عَلى وجْهِ الطَّعْنِ؛ والقَدْحِ؛ لا التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عِنْدَهُمْ؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ؛ كَيْفَ لا.. والمُنافِقُونَ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ؛ لا مَحالَةَ؟ والإخْبارُ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ حَيْثُ وقَعَ كَما أخْبَرَ؛ لِتَوْطِينِ النُّفُوسِ؛ وإعْدادِ ما يُبَكِّتُهُمْ؛ فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ عَلى النَّفْسِ أشَقُّ وأشَدُّ؛ والجَوابُ العَتِيدُ لِشَغَبِ الخَصْمِ الألَدِّ أرَدُّ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: "قُلْ.." إلَخْ.. أيْ: لِلَّهِ (تَعالى) ناحِيَتا الأرْضِ؛ أيْ: الجِهاتُ كُلُّها؛ مِلْكًا؛ ومُلْكًا؛ وتَصَرُّفًا؛ فَلا اخْتِصاصَ لِناحِيَةٍ مِنها لِذاتِها بِكَوْنِها قِبْلَةً دُونَ ما عَداها؛ بَلْ إنَّما هو بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ومَشِيئَتِهِ؛ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يَهْدِيَهُ؛ مَشِيئَةً تابِعَةً لِلْحِكَمِ الخَفِيَّةِ؛ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ مَوَصِّلٍ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ وقَدْ هَدانا إلى ذَلِكَ؛ حَيْثُ أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً؛ وإلى الكَعْبَةِ أُخْرى؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المُقارِنَةُ لِحِكَمٍ أبِيَّةٍ؛ ومَصالِحَ خَفِيَّةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences