Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:164–170

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:164–170

2:164Page 25

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤

Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ: في إبْداعِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِما مِنَ التَّعاجِيبِ؛ العِبَرُ؛ وبَدائِعُ صَنائِعَ؛ يَعْجِزُ عَنْ فَهْمِها عُقُولُ البَشَرِ؛ وجَمْعُ "السَّمَواتِ" لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّها طَبَقاتٌ مُتَخالِفَةُ الحَقائِقِ؛ دُونَ الأرْضِ؛ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: اعْتِقابِهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾؛ أوْ: اخْتِلافِ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما؛ ازْدِيادًا؛ وانْتِقاصًا؛ عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَأْنِيثُهُ إمّا بِتَأْوِيلِ السَّفِينَةِ؛ أوْ بِأنَّهُ جَمْعٌ؛ فَإنَّ ضَمَّةَ الجَمْعِ مُغايِرَةٌ لِضَمَّةِ الواحِدِ في التَّقْدِيرِ؛ إذِ الأُولى كَما في "حُمْرٌ"؛ والثّانِيَةُ كَما في "قُفْلٌ"؛ وقُرِئَ: بِضَمِّ اللّامِ؛ ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ؛ مِمّا يُحَمَلُ فِيها مِن أنْواعِ المَنافِعِ؛ أوْ بِنَفْعِهِمْ؛ ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ﴾: عَطْفٌ عَلى "الفُلْكِ"؛ وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها؛ مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا؛ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْصِيلٍ؛ وقِيلَ: المَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالبَحْرِ؛ وأحْوالِهِ؛ وتَخْصِيصُ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ؛ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ؛ ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ؛ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ؛ في غالِبِ الأمْرِ؛ و"مِن" الأُولى: ابْتِدائِيَّةٌ؛ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ وأيًّا ما كانَ فَتَأْخِيرُها لِما مَرَّ مِرارًا؛ مِنَ التَّشْوِيقِ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ: الفَلَكُ؛ أوِ السَّحابُ؛ أوْ جِهَةُ العُلُوِّ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ بِأنْواعِ النَّباتِ؛ والأزْهارِ؛ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ؛ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها؛ كَما يُوزَنُ بِهِ إيرادُ المَوْتِ في مُقابَلَةِ الإحْياءِ؛ ﴿وَبَثَّ فِيها﴾؛ أيْ: فَرَّقَ؛ ونَشَرَ؛ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾؛ مِنَ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "أنْزَلَ"؛ داخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الصِّلَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى) ﴿فَأحْيا﴾؛ إلَخْ.. مُتَّصِلٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ كانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْزَلَ في الأرْضِ مِن ماءٍ؛ وبَثَّ فِيها.. إلَخْ.. أوْ عَلى "أحْيا"؛ بِحَذْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ العائِدِ إلى المَوْصُولِ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرائِطُ المَعْهُودَةُ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ وإنَّ لِسانِي شَهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ

أيْ: عَلْقَمٌ عَلَيْهِ؛ وقَوْلِهِ:

؎ لَعَلَّ الَّذِي أصْعَدْتَنِي أنْ يَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدُرِ الخَيْرَ قادِرُهْ

عَلى مَعْنى: فَأحْيا بِالماءِ الأرْضَ؛ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ؛ فَإنَّهم يَنْمُونَ بِالخِصْبِ؛ ويَعِيشُونَ بِالحَيا؛ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾: عَطْفٌ عَلى "ما أنْزَلَ"؛ أيْ: تَقْلِيبِها مِن مَهَبٍّ إلى آخَرَ؛ أوْ مِن حالٍ إلى أُخْرى؛ وقُرِئَ عَلى الإفْرادِ؛ ﴿والسَّحابِ﴾: عَطْفٌ عَلى "تَصْرِيفِ"؛ أوْ "الرِّياحِ"؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واحِدُهُ "سَحابَةٌ"؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ؛ ﴿المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾: صِفَةٌ لِلسَّحابِ؛ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ؛ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَحابًا ثِقالا﴾؛ وتَسْخِيرُهُ: تَقْلِيبُهُ في الجَوِّ؛ بِواسِطَةِ الرِّياحِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ؛ وتَسْخِيرِ السَّحابِ؛ في الذِّكْرِ عَنْ جَرَيانِ الفُلْكِ؛ وإنْزالِ الماءِ؛ مَعَ انْعِكاسِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ؛ لِما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ؛ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في (p-185)كَوْنِها آيَةً؛ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ كَوْنُ المَجْمُوعِ المُتَرَتِّبِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ آيَةً واحِدَةً؛ ﴿لآياتٍ﴾: اسْمُ "إنَّ"؛ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ؛ كَمًّا وكَيْفًا؛ أيْ: آياتٍ عَظِيمَةً؛ كَثِيرَةً؛ دالَّةً عَلى القُدْرَةِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيها؛ ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعُيُونِ العُقُولِ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَهْلِ المُشْرِكِينَ؛ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةً تُصَدِّقُهُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ؛ وإلّا فَمَن تَأمَّلَ في تِلْكَ الآياتِ وجَدَ كُلًّا مِنها ناطِقَةً بِوُجُودِهِ (تَعالى)؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ وسائِرِ صِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ؛ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ واسْتُغْنِيَ بِها عَنْ سائِرِها؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ قَدْ وُجِدَ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ؛ دُونَ ما عَداهُ؛ مُسْتَتْبِعًا لِآثارٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وأحْكامٍ مَخْصُوصَةٍ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَقْتَضِيَ ذاتُهُ وُجُودَهُ؛ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ عَلى نَمَطٍ مُعَيَّنٍ؛ مُسْتَتْبِعٍ لِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ؛ فَإذَنْ.. لا بُدَّ لَهُ حَتْمًا مِن مُوجِدٍ؛ قادِرٍ؛ حَكِيمٍ؛ يُوجِدُهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ؛ وتَسْتَدْعِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ مُتَعالٍ عَنْ مُعارَضَةِ الغَيْرِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ آخَرُ؛ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لَزِمَ إمّا اجْتِماعُ المُؤَثِّرَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ؛ أوِ التَّمانُعُ المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ.

2:165Page 25

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥

And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ﴾: بَيانٌ لِكَمالِ رَكاكَةِ آراءِ المُشْرِكِينَ؛ إثْرَ تَقْرِيرِ وحْدانِيَّتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَحْرِيرِ الآياتِ الباهِرَةِ؛ المُلْجِئَةِ لِلْعُقَلاءِ إلى الِاعْتِرافِ بِها؛ الفائِضَةِ بِاسْتِحالَةِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ في صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَضْلًا عَنِ المُشارَكَةِ في صِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ والكَلامُ في إعْرابِهِ كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلَخْ.. و"مِن دُونِ اللَّهِ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَّخِذُ"؛ أيْ: مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ذَلِكَ الإلَهِ الواحِدِ؛ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ؛ وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ (تَعالى) بِالذّاتِ؛ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ ﴿أنْدادًا﴾؛ أيْ: أمْثالًا؛ وهم رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم فِيما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ لا سِيَّما في الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن وصْفِهِمْ بِالتَّبَرِّي مِنَ المُتَّبِعِينَ؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ؛ وإرْجاعُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إلَيْها؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾؛ مَبْنِيٌّ عَلى آرائِهِمُ الباطِلَةِ في شَأْنِها مِن وصْفِهِمْ بِما لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العُقَلاءُ؛ والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ؛ مِن "الحَبُّ"؛ اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ؛ ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ "الحُبُّ"؛ لِأنَّهُ أصابَها؛ ورَسَخَ فِيها؛ والفِعْلُ مِنها "حَبَّ"؛ عَلى حَدِّ "مَدَّ"؛ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ عَلى "أحَبَّ؛ حُبًّا؛ ومَحَبَّةً"؛ فَهو "مُحِبٌّ"؛ وذاكَ "مَحْبُوبٌ"؛ و"مُحَبٌّ" قَلِيلٌ؛ و"حابٌّ"؛ أقَلُّ مِنهُ؛ ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ في أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ؛ فَمَعْنى "يُحِبُّونَهُمْ": يُطِيعُونَهُمْ؛ ويُعَظِّمُونَهُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ إمّا صِفَةً لِـ "أنْدادًا"؛ أوْ حالًا مِن فاعِلِ "يَتَّخِذُ"؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مِن"؛ كَما أنَّ إفْرادَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ؛ أيْ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ السّابِقِ؛ ومِن قَضِيَّةِ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ كَوْنُهُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ والظّاهِرُ اتِّحادُ فاعِلِهِما؛ فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ (تَعالى) أيْضًا؛ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ؛ فالمَعْنى: يُحِبُّونَهم حُبًّا كائِنًا كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ (تَعالى)؛ أيْ: يُسَوُّونَ بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَهم في الطّاعَةِ؛ والتَّعْظِيمِ؛ وقِيلَ: فاعِلُ الحُبِّ المَذْكُورِ هم (p-186)المُؤْمِنُونَ؛ فالمَعْنى: حُبًّا كائِنًا كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لَهُ (تَعالى)؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما في أصْلِ الحُبِّ؛ لا في وصْفِهِ كَمًّا أوْ كَيْفًا؛ لِما سَيَأْتِي مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: كَما يُحَبُّ اللَّهُ (تَعالى)؛ ويُعَظَّمُ؛ وإنَّما اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُشابَهَةَ بَيْنَ مَحَبِّيَتِهِمْ لِأنْدادِهِمْ؛ وبَيْنَ مَحْبُوبِيَّتِهِ (تَعالى)؛ فالمَصِيرُ حِينَئِذٍ ما أسْلَفْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وتَفْخِيمِ المُضافِ؛ وإبانَةِ كَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ جِيءَ بِها تَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُها مِن بَيانِ رَخاوَةِ حُبِّهِمْ؛ وكَوْنِهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ؛ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: المُؤْمِنُونَ أشَدُّ حُبًّا لَهُ (تَعالى) مِنهم لِأنْدادِهِمْ؛ ومَآلُهُ أنَّ حُبَّ أُولَئِكَ لَهُ (تَعالى) أشَدُّ مِن حُبِّ هَؤُلاءِ لِأنْدادِهِمْ؛ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ الحُبِّ مَصْدَرًا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ما لا يَخْفى؛ وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ حُبَّهم لِلَّهِ (تَعالى) لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ انْقِطاعِهِ؛ وانْقِلابِهِ بُغْضًا؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حُبِّهِمْ لِأنْدادِهِمْ؛ لِكَوْنِهِ مَنُوطًا بِمَبانٍ فاسِدَةٍ؛ ومَبادٍ مَوْهُومَةٍ؛ يَزُولُ بِزَوالِها؛ قِيلَ: ولِذَلِكَ كانُوا يَعْدِلُونَ عَنْها عِنْدَ الشَّدائِدِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وكانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا أيّامًا؛ فَإذا وجَدُوا آخَرَ رَفَضُوهُ إلَيْهِ؛ وقَدْ أكَلَتْ باهِلَةُ إلَهَها عامَ المَجاعَةِ؛ وكانَ مِن "حَيْسٍ"؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ اعْتِبارُ اخْتِلالِ حُبِّهِمْ لَها في الدُّنْيا؛ ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ؛ بَلْ في انْقِطاعِهِ؛ في الآخِرَةِ؛ عِنْدَ ظُهُورِ حَقِيقَةِ الحالِ؛ ومُعايَنَةِ الأهْوالِ كَما سَيَأْتِي؛ بَلِ اعْتِبارُهُ مُخِلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ المُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ وغايَةِ عِظَمِ ما اقْتَرَفُوهُ. وإيثارُ الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ الحُبِّ؛ والإشْعارِ بِعِلَّتِهِ.

﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: بِاتِّخاذِ الأنْدادِ؛ ووَضْعِها مَوْضِعَ المَعْبُودِ؛ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾؛ المُعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أيْ: لَوْ عَلِمُوا إذا عايَنُوهُ؛ وإنَّما أُوثِرَ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِجَرَيانِها مُجْرى الماضِي في الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ في إخْبارِ عَلّامِ الغُيُوبِ؛ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "يَرى"؛ ﴿وَأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾: عَطْفٌ عَلَيْهِ؛ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ؛ وتَفْظِيعِ الأمْرِ؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ القُوَّةِ بِهِ (تَعالى) لا يُوجِبُ شِدَّةَ العَذابِ؛ لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ إمّا لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِكُنْهِهِ؛ وإمّا لِضِيقِ العِبارَةِ عَنْهُ؛ وإمّا لِإيجابِ ذِكْرِهِ ما لا يَسْتَطِيعُهُ المُعَبِّرُ؛ أوِ المُسْتَمِعُ مِنَ الضَّجَرِ؛ والتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ عَلِمُوا إذْ رَأوُا العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ؛ ولَمْ يُنْقِذْهم مِنهُ أحَدٌ مِن أنْدادِهِمْ؛ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا؛ ولا دَخْلَ لَأحَدٍ في شَيْءٍ أصْلًا؛ لَوَقَعُوا مِنَ الحَسْرَةِ؛ والنَّدَمِ؛ فِيما لا يَكادُ يُوصَفُ؛ وقُرِئَ: "وَلَوْ تَرى"؛ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ؛ فالجَوابُ حِينَئِذٍ: لَرَأيْتَ أمْرًا لا يُوصَفُ؛ مِنَ الهَوْلِ؛ والفَظاعَةِ؛ وقُرِئَ: "إذْ يُرَوْنَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ و"إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ"؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ وإضْمارِ القَوْلِ.

2:166Page 25

إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ يَرَوْنَ"؛ أيْ: إذْ تَبَرَّأ الرُّؤَساءُ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ مِنَ الأتْباعِ؛ بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ في الدُّنْيا؛ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ؛ وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ؛ كَقَوْلِ إبْلِيسَ: إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ؛ وقُرِئَ بِالعَكْسِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾؛ (p-187)حالِيَّةٌ؛ و"قَدْ" مُضْمَرَةٌ؛ وقِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ والضَّمِيرُ في "رَأوْا" لِلْمَوْصُوفِينَ جَمِيعًا؛ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾؛ والوُصُلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ؛ مِنَ التَّبَعِيَّةِ؛ والمَتْبُوعِيَّةِ؛ والِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الزّائِغَةِ؛ والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ؛ وأصْلُ "السَّبَبُ": الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ؛ ونَحْوُهُ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ وتَوْسِيطُ الحالِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ التَّبَرِّي؛ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُها عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.

2:167Page 25

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ؛ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾؛ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا؛ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾؛ هُناكَ؛ ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾؛ اليَوْمَ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ لا إلى شَيْءٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ مَعَ كَمالِ تَمَيُّزِهِ عَمّا عَداهُ؛ وانْتِظامِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ. والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ الإراءَ الفَظِيعَ؛ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: نَداماتٍ شَدِيدَةً؛ فَإنَّ الحَسْرَةَ شِدَّةُ النَّدَمِ؛ والكَمَدِ؛ وهي تَألُّمُ القَلْبِ؛ وانْحِسارُهُ عَمّا يُؤْلِمُهُ؛ واشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمْ: "بَعِيرٌ حَسِيرٌ"؛ أيْ: مُنْقَطِعُ القُوَّةِ؛ وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ "يُرِي"؛ إنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وإلّا فَهي حالٌ؛ والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهم تَنْقَلِبُ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَرَوْنَ إلّا حَسَراتٍ مَكانَ أعْمالِهِمْ؛ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ والأصْلُ: "وَما يَخْرُجُونَ"؛ والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ نَفْيِ الخُرُوجِ؛ والضَّمِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ هُمُ يَفْرُشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ∗∗∗ وأجْرَدَ سَبّاقٍ يَبُذُّ المَغالِيا

2:168Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: بَعْضِ ما فِيها مِن أصْنافِ المَأْكُولاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَرَّمْتُمُوهُ؛ افْتِراءً عَلى اللَّهِ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الحَرْثِ؛ والبَحائِرِ؛ والسَّوائِبِ؛ والوَصائِلِ؛ والحامِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَلالا﴾: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "كُلُوا"؛ عَلى أنَّ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿طَيِّبًا﴾؛ فَإنَّهُ صِفَةٌ لَهُ؛ ووَصْفُ الأكْلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتادٍ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ؛ والمَلابِسِ؛ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: لا تَقْتَدُوا بِها في اتِّباعِ الهَوى؛ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الخِطابَ لِلْكَفَرَةِ؛ كَيْفَ لا.. وتَحْرِيمُ الحَلالِ عَلى نَفْسِهِ تَزَهُّدًا لَيْسَ مِن بابِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ تَقَوُّلًا؛ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ ما في (p-188)سُورَةِ "المائِدَةِ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ الآيَةِ.. وقُرِئَ: "خُطْواتِ"؛ بِسُكُونِ الطّاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ "خُطْوَةٌ"؛ وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي؛ وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ؛ جُعِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الطّاءِ؛ كَأنَّها عَلى الواوِ؛ وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّها جَمْعُ "خَطْوَةٌ" وهي المَرَّةُ مِن "الخَطْوُ"؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ؛ وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوِلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ "وَلِيًّا"؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ .

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ؛ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ؛ وإفْسادِهِ؛ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ؛ والسُّوءُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ "ساءَهُ؛ يَسُوؤُهُ؛ سُوءًا؛ ومَساءَةً"؛ إذا أحْزَنَهُ؛ يُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي؛ سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ؛ أوْ أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها؛ والفَحْشاءُ أقْبَحُ أنْواعِها؛ وأعْظَمُها مَساءَةً؛ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى الفَحْشاءِ؛ أيْ: وبِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا؛ وذاكَ؛ ومَعْنى "ما لا تَعْلَمُونَ": ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِهِ؛ وتَعْلِيقُ أمْرِهِ بِتَقَوُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ لا بِتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ أنَّ حالَهم ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الأوَّلِ؛ مَعَ كَوْنِهِ في القُبْحِ والشَّناعَةِ دُونَ الثّانِي؛ تَحْذِيرٌ عَنِ الثّانِي؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ ألّا يَقُولَ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ الِاحْتِمالِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنُّهُ؛ فَمُسْتَنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شَرْعِيٍّ؛ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ؛ والظَّنُّ في طَرِيقِهِ.

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ؛ تَسْجِيلًا بِكَمالِ ضَلالِهِمْ؛ وإيذانًا بِإيجابِ تَعْدادِ ما ذُكِرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ لِصَرْفِ الخِطابِ عَنْهُمْ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى العُقَلاءِ؛ وتَفْصِيلِ مَساوِي أحْوالِهِمْ لَهُمْ؛ عَلى نَهْجِ المُباثَّةِ؛ أيْ: إذا قِيلَ لَهم - عَلى وجْهِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ -: اتَّبِعُوا كِتابَ اللَّهِ؛ الَّذِي أنْزَلَهُ؛ ﴿قالُوا﴾: لا نَتَّبِعُهُ؛ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ؛ إمّا عَلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "آباءَنا"؛ و"ألْفَيْنا" مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ. نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ؛ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القرآن؛ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ؛ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ؛ فَجَنَحُوا لِلتَّقْلِيدِ؛ والمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ اتِّخاذِ الأنْدادِ؛ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وإمّا باقٍ عَلى عُمُومِهِ؛ وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ؛ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: "بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛ لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا؛ وأعْلَمَ"؛ فَعَلى هَذا يَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) التَّوْراةَ؛ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ؛ وإظْهارًا لِبُطْلانِ آرائِهِمْ؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِقْباحِهِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ؛ لا (p-189)لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كالَّتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾؛ وكَلِمَةُ "لَوْ" في أمْثالِ هَذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الزَّمانِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ؛ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً؛ بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ بِالذّاتِ؛ أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ؛ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ؛ ثُبُوتُهُ؛ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوَّلِيَّةِ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ؛ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ؛ وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ في الخَبَرِ المُوجَبِ؛ والمَنفِيِّ؛ والأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ جَوادٌ؛ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا؛ وبَخِيلٌ؛ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا"؛ وقَوْلِكَ: "أحْسِنْ إلَيْهِ؛ ولَوْ أساءَ إلَيْكَ؛ ولا تُهِنْهُ؛ ولَوْ أهانَكَ"؛ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ؛ وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ؛ ناشِئٍ مِن وُرُودِ الإنْكارِ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ الأصْلَ في الكُلِّ واحِدٌ؛ إلّا أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها؛ وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو نَفْسُ مَدْلُولِهِ؛ وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ؛ أوْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وأنَّ ما في حَيِّزِ "لَوْ" باقٍ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ غالِبًا؛ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ؛ لِما أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" مُتَعَلِّقَةٌ فِيهِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَذْكُورُ؛ وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ مَدْلُولُهُ؛ لا مَدْلُولُ المَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مَدْلُولُهُ؛ وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالمَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ وأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنْكارُ مَدْلُولِهِ؛ بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِلْحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ وأمّا تَقْدِيرُ مُقارَنَتِهِ لِغَيْرِها فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ؛ وأنَّ ما في حَيِّزِ "لَوْ" لا يُقْصَدُ اسْتِبْعادُهُ في نَفْسِهِ؛ بَلْ يُقْصَدُ الإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الِاسْتِبْعادِ؛ مُعامَلَةً مَعَ المُخاطَبِينَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ؛ لِئَلّا يَلْبِسُوا مِنَ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى كَمالِ الجَهالَةِ؛ والضَّلالَةِ؛ جِلْدَ النَّمِرِ؛ فَيَرْكَبُوا مَتْنَ العِنادِ؛ ومُبالَغَةً في الإنْكارِ مِن جِهَةِ اتِّباعِهِمْ لِآبائِهِمْ؛ حَيْثُ كانَ مُنْكَرًا؛ مُسْتَقْبَحًا عِنْدَ احْتِمالِ كَوْنِ آبائِهِمْ؛ كَما ذُكِرَ؛ احْتِمالًا بَعِيدًا؛ فَلَأنْ يَكُونَ مُنْكَرًا عِنْدَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ أوْلى؛ والتَّقْدِيرُ: أيَتَّبِعُونَ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ؛ ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ؟ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ فالجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِن "آباؤُهُمْ"؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَتَّبِعُونَ دِينَ آبائِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غافِلِينَ؛ وجاهِلِينَ؛ ضالِّينَ؟ إنْكارًا لِما أفادَهُ كَلامُهم مِنَ الِاتِّباعِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ مِنَ الحالَتَيْنِ؛ غَيْرَ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحالَةِ الثّانِيَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وتَعْوِيلًا عَلى اقْتِضائِها لِلْحالَةِ الأُولى اقْتِضاءً بَيِّنًا؛ فَإنَّ اتِّباعَهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ؛ حَيْثُ تَحَقَّقَ مَعَ كَوْنِ آبائِهِمْ جاهِلِينَ؛ ضالِّينَ؛ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ كَوْنِهِمْ عاقِلِينَ؛ ومُهْتَدِينَ أوْلى؛ إنْ قُلْتَ: الإنْكارُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ الأوْلَوِيَّةَ في صُورَةِ النَّفْيِ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْيِ؛ ألا يُرى أنَّ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما ذُكِرَ مِن مِثالِ النَّفْيِ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها؛ أعْنِي عَدَمَ الغِنى؛ هو عَدَمُ الإعْطاءِ؛ لا نَفْسُهُ؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها؛ وهي حالَةُ كَوْنِ آبائِهِمْ عاقِلِينَ؛ ومُهْتَدِينَ؛ إنْكارَ الِاتِّباعِ؛ لا نَفْسَهُ؛ إذْ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "أيَتَّبِعُونَ.. إلَخْ.."؛ فَلِمَ اخْتَلَفَتِ الحالُ بَيْنَهُما؟ قُلْتُ: لِما أنَّ مَناطَ الأوْلَوِيَّةِ هو الحُكْمُ الَّذِي أُرِيدَ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وذَلِكَ (p-190)فِي مِثالِ النَّفْيِ؛ عَدَمُ الإعْطاءِ؛ المُسْتَفادُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المَذْكُورِ؛ وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهو نَفْسُ الِاتِّباعِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ؛ أعْنِي قَوْلَهُمْ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾؛ إلَخْ.. وأمّا الِاسْتِفْهامُ فَخارِجٌ عَنْهُ؛ وارِدٌ عَلَيْهِ لِإنْكارِ ما يُفِيدُهُ؛ واسْتِقْباحِ ما يَقْتَضِيهِ؛ لا أنَّهُ مِن تَمامِهِ؛ كَما في صُورَةِ النَّفْيِ؛ وكَذا الحالُ فِيما إذا كانَتِ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ ونَفْيِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ صَرِيحِ النَّفْيِ؛ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ المَعْنى يَدُورُ عَلى مَعْنى العَطْفِ في سائِرِ اللُّغاتِ أيْضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском