Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:171–179
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ؛ وارِدَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها؛ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ؛ وفِيها مُضافٌ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ "مَثَلُ" عَلَيْهِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ؛ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما أثْبَتَ لَهم مِنَ الحُكْمِ؛ والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ذَلِكَ القائِلِ؛ وحالِهِ الحَقِيقَةِ لِغَرابَتِها بِأنْ تُسَمّى "مَثَلًا"؛ وتَسِيرَ في الآفاقِ فِيما ذُكِرَ مِن دَعْوَتِهِ إيّاهم إلى اتِّباعِ الحَقِّ؛ وعَدَمِ رَفْعِهِمْ إلَيْهِ رَأْسًا؛ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ؛ وإخْلادِهِمْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ؛ وعَدَمِ فَهْمِهِمْ مِن جِهَةِ الدّاعِي إلى الدُّعاءِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُلْقُوا أذْهانَهم إلى ما يُلْقى عَلَيْهِمْ؛ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ مِنَ البَهائِمِ؛ فَإنَّها لا تَسْمَعُ إلّا صَوْتَ الرّاعِي؛ وهَتْفَهُ بِها؛ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِكَلامِهِ أصْلًا؛ وقِيلَ: إنَّما حُذِفَ المُضافُ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي لِدَلالَةِ كَلِمَةِ "ما" عَلَيْهِ؛ فَإنَّها عِبارَةٌ عَنْهُ؛ مُشْعِرَةٌ مَعَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِما هو مَدارُ التَّمْثِيلِ؛ أيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما ذُكِرَ مِنَ انْهِماكِهِمْ فِيما هم فِيهِ؛ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ فِيما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ كَمَثَلِ بِهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ بِها؛ وهي لا تَسْمَعُ مِنهُ إلّا جَرْسَ النَّغْمَةِ؛ ودَوِيَّ الصَّوْتِ؛ وقِيلَ: المُرادُ تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها؛ بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ؛ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ؛ وقِيلَ: تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ؛ وهو تَصْوِيتُهُ عَلى البَهائِمِ؛ وهَذا غَنِيٌّ عَنِ الإضْمارِ؛ لَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ فَإنَّ الأصْنامَ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ حُسْنَ التَّمْثِيلِ فِيما تَشابَهَ أفْرادُ الطَّرَفَيْنِ؛ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: هم صُمٌّ.. إلَخْ..
﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾؛ شَيْئًا؛ لِأنَّ طَرِيقَ التَّعَقُّلِ هو التَّدَبُّرُ في مَبادِي الأُمُورِ المَعْقُولَةِ؛ والتَّأمُّلُ في تَرْتِيبِها؛ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِاسْتِماعِ آياتِ اللَّهِ؛ ومُشاهَدَةِ حُجَجِهِ الواضِحَةِ؛ والمُفاوَضَةِ مَعَ مَن يُؤْخَذُ مِنهُ العُلُومُ؛ فَإذا كانُوا صُمًّا؛ بُكْمًا؛ عُمْيًا؛ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابُ التَّعَقُّلِ؛ وطُرُقُ الفَهْمِ بِالكُلِّيَّةِ.
2:172Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ؛ ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾؛ الَّذِي رَزَقَكُمُوها؛ والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ فَإنَّ عِبادَتَهُ (تَعالى) لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ لَهُ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنِّي والإنْسُ والجِنُّ في نَبَإٍ عَظِيمٍ؛ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي؛ وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي)".»(p-191)
2:173Page 26
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾؛ أيْ: أكْلَها؛ والِانْتِفاعَ بِها؛ وهي الَّتِي ماتَتْ عَلى غَيْرِ ذَكاةٍ؛ والسَّمَكُ؛ والجَرادُ خارِجانِ عَنْها بِالعُرْفِ؛ أوِ اسْتِثْناءِ الشَّرْعِ؛ وخَرَجَ الطِّحالُ مِنَ الدَّمِ؛ ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾؛ إنَّما خُصَّ لَحْمُهُ؛ (مَعَ أنَّ سائِرَ أجْزائِهِ أيْضًا في حُكْمِهِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ؛ وسائِرُ أجْزائِهِ بِمَنزِلَةِ التّابِعِ لَهُ؛ ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: رُفِعَ بِهِ الصَّوْتُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِلصَّنَمِ؛ والإهْلالُ أصْلُهُ: رُؤْيَةُ الهِلالِ؛ لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَها سُمِّيَ ذَلِكَ "إهْلالًا"؛ ثُمَّ قِيلَ: لِرَفْعِ الصَّوْتِ؛ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾؛ بِالِاسْتِئْثارِ عَلى مُضْطَرِّ آخَرَ؛ ﴿وَلا عادٍ﴾؛ سَدَّ الرَّمَقِ والجَوْعَةِ؛ وقِيلَ: غَيْرَ باغٍ عَلى الوالِي؛ وعادٍ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ وعَلى هَذا لا يُباحُ لِلْعاصِي بِالسَّفَرِ؛ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ وقَوْلُ أحْمَدَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ في تَناوُلِهِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ لِما فُعِلَ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ بِالرُّخْصَةِ؛ إنْ قِيلَ: كَلِمَةُ "إنَّما" تُفِيدُ قَصْرَ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ؛ وكَمْ مِن حَرامٍ لَمْ يُذْكَرْ! قُلْنا: المُرادُ قَصْرُ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ؛ لا مُطْلَقًا؛ أوْ قَصْرُ حُرْمَتِهِ عَلى حالَةِ الِاخْتِيارِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءَ ما لَمْ تُضْطَرُّوا إلَيْها.
2:174Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾؛ المُشْتَمِلِ عَلى فُنُونِ الأحْكامِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ المُحَلَّلاتِ؛ والمُحَرَّماتِ؛ حَسْبَما ذُكِرَ آنِفًا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ؛ حِينَ كَتَمُوا نَعْتَ النَّبِيِّ - ﷺ"؛ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ عِوَضًا حَقِيرًا؛ وقَدْ مَرَّ سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ الَّذِي هو وسِيلَةٌ في عُقُودِ المُعاوَضَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الشَّنِيعَيْنِ؛ المُمَيِّزَيْنِ لَهم عَمَّنْ عَداهُمْ؛ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ الجاعِلَيْنِ إيّاهم بِحَيْثُ كَأنَّهم حُضّارٌ؛ شاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ أوْ: اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ؛ والخَبَرُ "ما يَأْكُلُونَ.. إلَخْ.."؛ ومَعْنى أكْلِهِمُ النّارَ أنَّهم يَأْكُلُونَ في الحالِ ما يَسْتَتْبِعُ النّارَ ويَسْتَلْزِمُها؛ فَكَأنَّهُ عَيْنُ النّارِ؛ وأكْلُهُ أكْلُها؛ كَقَوْلِهِ:
؎ أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكَ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
أوْ: يَأْكُلُونَ في المَآلِ يَوْمَ القِيامَةِ عَيْنَ النّارِ؛ عُقُوبَةً عَلى أكْلِهِمُ الرِّشا في الدُّنْيا؛ و"فِي بُطُونِهِمْ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَأْكُلُونَ"؛ وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الأكْلِ؛ وتَقْرِيرُهُ بِبَيانِ مَقَرِّ المَأْكُولِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ مَلْءُ بُطُونِهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "أكَلَ في بَطْنِهِ؛ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ"؛ ومِنهُ: "كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا"؛ فَلا بُدَّ مِنَ الِالتِجاءِ إلى تَعْلِيقِهِ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن "النّارَ"؛ مَعَ تَقْدِيمِهِ عَلى حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ؛ وإلّا فَتَعْلِيقُهُ بِـ "يَأْكُلُونَ" يُؤَدِّي إلى قَصْرِ ما يَأْكُلُونَهُ إلى الشَّبَعِ عَلى النّارِ؛ والمَقْصُودُ قَصْرُ ما يَأْكُلُونَهُ مُطْلَقًا عَلَيْها؛ (p-192)﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: عِبارَةٌ عَنْ غَضَبِهِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ؛ وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ ما أُتِيحَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ؛ والزُّلْفى؛﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾: يُثْنِي عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ مَعَ ما ذُكِرَ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ.
2:175Page 26
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِنَظِيرِهِ؛ بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ خاصَّةً؛ لا مَعَ ما يَتْلُوهُ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ؛ إذْ لا دَخْلَ لَها في الحُكْمِ الَّذِي يُرادُ إثْباتُهُ هَهُنا؛ فَإنَّ المَقْصُودَ تَصْوِيرُ ما باشَرُوهُ مِنَ المُعامَلَةِ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ تَنْفِرُ مِنها الطِّباعُ؛ ولا يَتَعاطاها عاقِلٌ أصْلًا؛ بِبَيانِ حَقِيقَةِ ما نَبَذُوهُ؛ وإظْهارِ كُنْهِ ما أخَذُوهُ؛ وإبْداءِ فَظاعَةِ تَبِعاتِهِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ المَوْصُولُ؛ أيْ: أُولَئِكَ المُشْتَرُونَ بِكِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ثَمَنًا قَلِيلًا؛ لَيْسُوا بِمُشْتَرِينَ لِلثَّمَنِ؛ وإنْ قَلَّ؛ بَلْ هُمْ: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا؛ ﴿الضَّلالَةَ﴾؛ الَّتِي لَيْسَتْ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُشْتَرى قَطْعًا؛ ﴿بِالهُدى﴾؛ الَّذِي لَيْسَ مِن قَبِيلِ ما يُبْذَلُ بِمُقابَلَةِ شَيْءٍ؛ وإنْ جَلَّ؛ ﴿والعَذابَ﴾؛ أيْ: اشْتَرَوْا؛ بِالنَّظَرِ إلى الآخِرَةِ؛ العَذابَ؛ الَّذِي لا يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مِمّا يُشْتَرى؛ ﴿بِالمَغْفِرَةِ﴾؛ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ؛ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾؛ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمُ الهائِلَةِ؛ الَّتِي هي مُلابَسَتُهم بِما يُوجِبُ النّارَ إيجابًا قَطْعِيًّا؛ كَأنَّهُ عَيْنُها؛ و"ما" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نَكِرَةٌ تامَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِمَعْنى التَّعَجُّبِ؛ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ؛ وتَخَصُّصُها كَتَخَصُّصِ "شَرٌّ" فِي: "شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ"؛ خَبَرُها ما بَعْدَها؛ أيْ: شَيْءٌ ما عَظِيمٌ جَعَلَهم صابِرِينَ عَلى النّارِ؛ وعِنْدَ الفَرّاءِ: اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ وما بَعْدَها خَبَرُها؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى النّارِ؟! وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ؛ وقِيلَ: مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ؛ أوْ شَيْءٌ أصْبَرَهم عَلى النّارِ؛ أمْرٌ عَجِيبٌ؛ فَظِيعٌ.
2:176Page 26
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
﴿ذَلِكَ﴾؛ العَذابُ؛ ﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ؛ فَلا جَرَمَ يَكُونُ مَن يَرْفُضُهُ بِالتَّكْذِيبِ؛ والكِتْمانِ؛ ويَرْكَبُ مَتْنَ الجَهْلِ؛ والغَوايَةِ مُبْتَلًى بِمِثْلِ هَذا مِن أفانِينِ العَذابِ؛ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾؛ أيْ في جِنْسِ الكِتابِ الإلَهِيِّ؛ بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وكَفَرُوا بِبَعْضِها؛ أوْ في التَّوْراةِ؛ بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ آياتِها؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ كالآياتِ المُغَيَّرَةِ؛ المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْرِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ونُعُوتِهِ الكَرِيمَةِ؛ فَمَعْنى الِاخْتِلافِ: التَّخَلُّفُ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ؛ أوْ الِاخْتِلافُ في تَأْوِيلِها؛ أوْ في القرآن؛ بِأنْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سِحْرٌ؛ وبَعْضُهُمْ: إنَّهُ شِعْرٌ؛ وبَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ كَما حُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ؛ ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾؛ عَنِ الحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ مُسْتَوْجِبٍ لِأشَدِّ العَذابِ.
2:177Page 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾؛ (p-193)البِرُّ: اسْمٌ جامِعٌ لِمَراضِي الخِصالِ؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ فَإنَّهم كانُوا أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ؛ حِينَ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ؛ وكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي خَيْرِيَّةَ التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِ مِنَ القُطْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ المَشْرِقِ عَلى المَغْرِبِ؛ مَعَ تَأخُّرِ زَمانِ المِلَّةِ النَّصْرانِيَّةِ؛ إمّا لِرِعايَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّرْتِيبِ المُتَفَرِّعِ عَلى تَرْتِيبِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ؛ وإمّا لِأنَّ تَوَجُّهَ اليَهُودِ إلى المَغْرِبِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مَغْرِبًا؛ بَلْ لِكَوْنِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ واقِعًا في جانِبِ الغَرْبِ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ البِرَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى تَيْنِكَ الجِهَتَيْنِ؛ عَلى أنَّ "البِرَّ" خَبَرُ "لَيْسَ"؛ مُقَدَّمًا عَلى اسْمِها؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنِّي وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ
وَقَوْلِهِ:
؎ ألَيْسَ عَظِيمًا أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلَيْنا في الخُطُوبِ مَقُولُ
وَإنَّما أُخِّرَ ذَلِكَ لِما أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المُحَلّى بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الضَّمِيرَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصَفُ؛ ولا يُوصَفُ بِهِ؛ والأعْرَفُ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ؛ ولِأنَّ في الِاسْمِ طُولًا؛ فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ المَعْهُودُ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وقُرِئَ بِرَفْعِ "البِرَّ"؛ عَلى أنَّهُ اسْمُها؛ وهو أقْوى؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدَّعِي أنَّ البِرَّ هَذا؛ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُوافِقًا لِدَعْواهُمْ؛ وما ذَلِكَ إلّا بِكَوْنِ "البِرَّ" اسْمًا؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ جَعْلُهُ مُخْبَرًا عَنْهُ في الِاسْتِدْراكِ؛ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ وهو تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ الباطِلِ؛ وتَفْصِيلٌ لِخِصالِ البِرِّ؛ مِمّا لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ؛ وما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها؛ أيْ: ولَكِنَّ البِرَّ المَعْهُودَ؛ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُهْتَمَّ بِشَأْنِهِ؛ ويُجَدَّ في تَحْصِيلِهِ؛ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ؛ وحْدَهُ؛ إيمانًا بَرِيئًا مِن شائِبَةِ الإشْراكِ؛ لا كَإيمانِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُشْرِكِينَ؛ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ وقَوْلِهِمْ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: عَلى ما هو عَلَيْهِ؛ لا كَما يَزْعُمُونَ؛ مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً؛ وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ؛ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الصَّحِيحِ؛ لَمْ يَكُنْ إيمانًا؛ وفي تَعْلِيقِ "البِرَّ" بِهِما مِن أوَّلِ الأمْرِ عُقَيْبَ نَفْيِهِ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى المَشْرِقِ؛ والمَغْرِبِ؛ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ البِرَّ هو التَّوَجُّهُ إلى المَبْدَإ؛ والمَعادِ؛ اللَّذَيْنِ هُما المَشْرِقُ والمَغْرِبُ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿والمَلائِكَةِ﴾؛ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ؛ وبِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ؛ مُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ (تَعالى) وبَيْنَ أنْبِيائِهِ؛ بِإلْقاءِ الوَحْيِ؛ وإنْزالِ الكُتُبِ؛ ﴿والكِتابِ﴾؛ أيْ: بِجِنْسِ الكِتابِ؛ الَّذِي مِن أفْرادِهِ الفُرْقانُ؛ الَّذِي نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ نُعُوتَ النَّبِيِّ ﷺ؛ واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ثَمَنًا قَلِيلًا؛ ﴿والنَّبِيِّينَ﴾؛ جَمِيعًا؛ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ؛ ووَجْهُ تَوْسِيطِ الكِتابِ بَيْنَ حَمَلَةِ الوَحْيِ؛ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ؛ واضِحٌ؛ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ .
﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾؛ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "آتى"؛ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِـ "المالَ"؛ أيْ: آتاهُ كائِنًا عَلى حُبِّ المالِ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ -: "أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ"؛ وقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ؛ تَأْمُلُ العَيْشَ؛ وتَخْشى الفَقْرَ؛ ولا تُمْهِلَ؛ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا؛ ولِفُلانٍ كَذا"؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِـ "اللَّهِ" (تَعالى)؛ أيْ: آتاهُ كائِنًا عَلى مَحَبَّتِهِ (تَعالى)؛ لا عَلى قَصْدِ الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ فَفِيهِ نَوْعُ تَعْرِيضٍ لِباذِلِي الرِّشى؛ وآخِذِيها؛ لِتَغْيِيرِ التَّوْراةِ؛ وقِيلَ: لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: كائِنًا عَلى حُبِّ الإيتاءِ؛ ﴿ذَوِي القُرْبى﴾؛ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "آتى"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الثّانِي؛ أعْنِي "المالَ"؛ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ أوْ لِأنَّ في الثّانِي؛ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ طُولًا؛ لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ (p-194)فِي الكَلامِ؛ وهو الَّذِي اقْتَضى تَقْدِيمَ الحالِ أيْضًا؛ وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي؛ ﴿واليَتامى﴾؛ أيْ: المَحاوِيجَ مِنهُمْ؛ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ؛ وتَقْدِيمُ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِمْ لِما أنَّ إيتاءَهم صَدَقَةٌ؛ وصِلَةٌ؛ ﴿والمَساكِينَ﴾: جَمْعُ "مِسْكِينٌ"؛ وهو الدّائِمُ السُّكُونِ لِما أنَّ الخَلَّةَ أسْكَنَتْهُ؛ بِحَيْثُ لا حَراكَ بِهِ؛ أوْ دائِمُ السُّكُونِ إلى النّاسِ؛ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: المُسافِرَ؛ سُمِّيَ بِهِ لِمُلازَمَتِهِ إيّاهُ؛ كَما سُمِّيَ القاطِعُ "ابْنَ الطَّرِيقِ"؛ وقِيلَ: الضَّيْفَ؛ ﴿والسّائِلِينَ﴾؛ الَّذِينَ ألْجَأتْهُمُ الحاجَةُ؛ والضَّرُورَةُ إلى السُّؤالِ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "أعْطُوا السّائِلَ؛ ولَوْ عَلى فَرَسٍ"؛» ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾؛ أيْ: وضْعَهُ في فَكِّ الرِّقابِ؛ بِمُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ؛ حَتّى يَفُكُّوا رِقابَهُمْ؛ وقِيلَ: في فَكِّ الأُسارى؛ وقِيلَ: في ابْتِياعِ الرِّقابِ وإعْتاقِها؛ وأيًّا ما كانَ فالعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِلْمالِكِيَّةِ؛ كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ قَرارِ مِلْكِهِمْ فِيما أُوتُوا؛ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ أوْ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ رَأْسًا؛ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ؛ وإمّا لِلْإشْعارِ بِرُسُوخِهِمْ في الِاسْتِحْقاقِ؛ والحاجَةِ؛ لِما أنَّ "فِي" لِلظَّرْفِيَّةِ؛ المُنْبِئَةِ عَنْ مَحَلِّيَّتِهِمْ لِما يُؤْتى؛ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: المَفْرُوضَةَ مِنها؛ ﴿وَآتى الزَّكاةَ﴾؛ أيْ: المَفْرُوضَةَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَرَّ مِن إيتاءِ المالِ التَّنَفُّلُ بِالصَّدَقاتِ؛ قُدِّمَ عَلى الفَرِيضَةِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ؛ أوِ المُرادُ بِهِما المَفْرُوضَةُ؛ والأوَّلُ لِبَيانِ المَصارِفِ؛ والثّانِي لِبَيانِ وُجُوبِ الأداءِ؛ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "مَن آمَنَ"؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: "وَمَن أوْفَوْا بِعَهْدِهِمْ"؛ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ اسْتِمْرارِ الوَفاءِ؛ والمُرادُ بِالعَهْدِ ما لا يُحَرِّمُ حَلالًا؛ ولا يُحَلِّلُ حَرامًا؛ مِنَ العُهُودِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذا عاهَدُوا﴾؛ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ؛ ﴿والصّابِرِينَ﴾: نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ غُيِّرَ سَبْكُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ؛ ومَزِيَّتِهِ؛ وهو في الحَقِيقَةِ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا ذُكِرَتْ صِفاتٌ لِلْمَدْحِ؛ أوْ لِلذَّمِّ؛ فَخُولِفَ في بَعْضِها الإعْرابُ؛ فَقَدْ خُولِفَ لِلِافْتِنانِ؛ ويُسَمّى ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأنَّ تَغْيِيرَ المَأْلُوفِ يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ تَرْغِيبٍ في اسْتِماعِ المَذْكُورِ؛ ومَزِيدِ اهْتِمامٍ بِشَأْنِهِ؛ كَما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ؛ وقَدْ قُرِئَ: "والصّابِرُونَ"؛ كَما قُرِئَ: "والمُوفِينَ"؛ ﴿فِي البَأْساءِ﴾؛ أيْ: في الفَقْرِ؛ والشِّدَّةِ؛ ﴿والضَّرّاءِ﴾؛ أيْ: المَرَضِ؛ والزَّمانَةِ؛ ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾؛ أيْ: وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ؛ في مَواطِنِ الحَرْبِ؛ وزِيادَةُ الحِينِ لِلْإشْعارِ بِوُقُوعِهِ أحْيانًا؛ وسُرْعَةِ انْقِضائِهِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالنُّعُوتِ الجَمِيلَةِ المَعْدُودَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ؛ وسُمُوِّ رُتْبَتِهِمْ؛ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾؛ أيْ: في الدِّينِ؛ واتِّباعِ الحَقِّ؛ وتَحَرِّي البِرِّ؛ حَيْثُ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الأحْوالُ؛ ولَمْ تُزَلْزِلْهُمُ الأهْوالُ؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾؛ عَنِ الكُفْرِ؛ وسائِرِ الرَّذائِلِ؛ وتَكْرِيرُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَنْوِيهِ شَأْنِهِمْ؛ وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى انْحِصارِ التَّقْوى فِيهِمْ؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ كَما تَرى؛ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ بِرُمَّتِها؛ تَصْرِيحًا؛ أوْ تَلْوِيحًا؛ لِما أنَّها مَعَ تَكَثُّرِ فُنُونِها؛ وتَشَعُّبِ شُجُونِها؛ مُنْحَصِرَةٌ في خِلالٍ ثَلاثٍ: صِحَّةِ الِاعْتِقادِ؛ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ العِبادِ؛ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ؛ وقَدْ أُشِيرَ إلى الأُولى بِالإيمانِ؛ بِما فُصِّلَ؛ وإلى الثّانِيَةِ بِإيتاءِ المالِ؛ وإلى الثّالِثَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ.. إلَخْ.. ولِذَلِكَ وُصِفَ الحائِزُونَ لَها بِالصِّدْقِ؛ نَظَرًا إلى إيمانِهِمْ؛ واعْتِقادِهِمْ؛ وبِالتَّقْوى اعْتِبارًا بِمُعاشَرَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ؛ ومُعامَلَتِهِمْ مَعَ الحَقِّ؛ وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ ﷺ: "مَن (p-195)عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ".
2:178Page 27
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨
O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ عَلى وجْهِ التَّلافِي؛ لِما فَرَطَ مِنَ المُخِلِّينَ بِما ذُكِرَ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ وقَواعِدِهِ؛ الَّتِي عَلَيْها بُنِيَ أساسُ المَعاشِ؛ والمَعادِ؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ أيْ: فُرِضَ؛ وأُلْزِمَ؛ عِنْدَ مُطالَبَةِ صاحِبِ الحَقِّ؛ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ قُدْرَةُ الوَلِيِّ عَلى العَفْوِ؛ فَإنَّ الوُجُوبَ إنَّما اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُكّامِ؛ أوِ القاتِلِينَ؛ ﴿القِصاصُ في القَتْلى﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: « "إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْها"؛» أيْ: بِسَبَبِ رَبْطِها إيّاها؛ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾؛ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ؛ وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ؛ فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ؛ والذَّكَرَ بِالأُنْثى؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ؛ فَأمَرَهم أنْ يَتَباوَؤُوا؛ ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْضًا؛ لِأنَّ اعْتِبارَ المَفْهُومِ؛ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ وجْهٌ سِوى اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِالمَنطُوقِ؛ وقَدْ رَأيْتَ الوَجْهَ هَهُنا؛ وإنَّما يَتَمَسَّكُ في ذَلِكَ هو ومالِكٌ - رَحِمَهُما اللَّهُ - بِما رَوى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ؛ فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً؛ ولَمْ يَقُدَّهُ؛» وبِما رُوِيَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: « "مِنَ السُّنَّةِ ألّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ؛ ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ"؛» وبِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ؛ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ؛ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ؛ وبِالقِياسِ عَلى الأطْرافِ؛ وعِنْدَنا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ فَإنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَنا إذا قُصَّتْ عَلَيْنا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى نَسْخِها فالعَمَلُ بِها واجِبٌ؛ عَلى أنَّها شَرِيعَةٌ لَنا؛ ولِأنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُساواةَ في العِصْمَةِ؛ وهي بِالدِّينِ؛ أوْ بِالدّارِ؛ وهُما سِيّانِ فِيهِما؛ وقُرِئَ: "كَتَبَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ ونَصْبِ "القِصاصُ"؛ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ؛ لِأنَّ "عَفا" لازِمٌ؛ وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ بِمَنزِلَةِ كُلِّهِ؛ في إسْقاطِ القِصاصِ؛ وهو الواقِعُ أيْضًا في العادَةِ؛ إذْ كَثِيرًا ما يَقَعُ العَفْوُ مِن بَعْضِ الأوْلِياءِ؛ فَهو شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ؛ وقِيلَ: مَعْنى "عُفِيَ": تَرَكَ؛ و"شَيْءٌ": مَفْعُولٌ بِهِ؛ وهو ضَعِيفٌ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ "عَفّاهُ" بِمَعْنى: "تَرَكَهُ"؛ بَلْ "أعْفاهُ"؛ وحُمِلَ العَفْوُ عَلى المَحْوِ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ دِيارٌ عَفاها جَوْرُ كُلِّ مُعانِدِ ∗∗∗
وَقَوْلِهِ:
؎ عَفاها كُلُّ حَنانٍ ∗∗∗ كَثِيرِ الوَبْلِ هَطّالِ
فَيَكُونُ المَعْنى: فَمَن مُحِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ؛ صَرْفٌ لِلْعِبارَةِ المُتَداوَلَةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَنْ مَعْناها المَشْهُورِ؛ المَعْهُودِ؛ إلى ما لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِيهِما؛ وفي اسْتِعْمالِ النّاسِ؛ فَإنَّهم لا يَسْتَعْمِلُونَ العَفْوَ؛ في بابِ الجِناياتِ؛ إلّا فِيما ذُكِرَ مِن قَبْلُ؛ و"عَفا" يُعَدّى بِـ "عْنَ"؛ إلى الجانِي؛ والذَّنْبِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾؛ وقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾؛ فَإذا تَعَدّى إلى الذَّنْبِ قِيلَ: عَفَوْتُ لِفُلانٍ عَمّا جَنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنايَتِهِ مِن جِهَةِ أخِيهِ؛ يَعْنِي: ولِيَّ الدَّمِ؛ وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأُخُوَّةِ الثّابِتَةِ بَيْنَهُما؛ بِحُكْمِ كَوْنِهِما مِن بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرِّقَّةِ؛ والعَطْفِ عَلَيْهِ؛ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فالأمْرُ: اتِّباعٌ؛ أوْ: فَلْيَكُنِ اتِّباعٌ؛ والمُرادُ (p-196)وَصِيَّةُ العافِي بِالمُسامَحَةِ؛ ومُطالَبَةِ الدِّيَةِ بِالمَعْرُوفِ؛ مِن غَيْرِ تَعَسُّفٍ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾: حَثٌّ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ عَلى أنْ يُؤَدِّيَها بِإحْسانٍ؛ مِن غَيْرِ مُماطَلَةٍ؛ وبَخْسٍ.
﴿ذَلِكَ﴾: أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ؛ ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ؛ والنَّفْعِ؛ وقِيلَ: كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحْدَهُ؛ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ العَفْوُ؛ والدِّيَةُ؛ وعَلى النَّصارى العَفْوُ عَلى الإطْلاقِ؛ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ القِصاصُ والدِّيَةُ؛ وخُيِّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بَيْنَ الثَّلاثِ؛ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ؛ وتَنْزِيلًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ المَنازِلِ؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ؛ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ؛ أوْ قَتَلَ القاتِلَ؛ بَعْدَ العَفْوِ؛ أوْ أخْذِ الدِّيَةِ؛ ﴿فَلَهُ﴾؛ بِاعْتِدائِهِ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ إمّا في الدُّنْيا؛ فَبِالِاقْتِصاصِ بِما قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وإمّا في الآخِرَةِ؛ فَبِالنّارِ.
2:179Page 27
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾: بَيانٌ لِمَحاسِنِ الحُكْمِ المَذْكُورِ؛ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ؛ لا تُنالُ غايَتُهُ؛ حَيْثُ جُعِلَ الشَّيْءُ مَحَلًّا لِضِدِّهِ؛ وعُرِّفَ القِصاصُ ونُكِّرَ الحَياةُ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ نَوْعًا مِنَ الحَياةِ عَظِيمًا؛ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَرْدَعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ؛ فَيَتَسَبَّبُ لِحَياةِ نَفْسَيْنِ؛ ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ؛ والجَماعَةَ بِالواحِدِ؛ فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهُمْ؛ فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلِمَ الباقُونَ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ؛ وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إضْمارٌ؛ وعَلى الثّانِي تَخْصِيصٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَياةِ هي الأُخْرَوِيَّةُ؛ فَإنَّ القاتِلَ إذا اقْتُصَّ مِنهُ في الدُّنْيا؛ لَمْ يُؤاخَذْ بِهِ في الآخِرَةِ؛ والظَّرْفانِ إمّا خَبَرانِ لِـ "حَياةٌ"؛ أوْ أحَدُهُما خَبَرٌ؛ والآخَرُ صِلَةٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ؛ وقُرِئَ: "فِي القَصَصِ"؛ أيْ: فِيما قُصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ حَياةٌ؛ أوْ: في القرآن حَياةٌ لِلْقُلُوبِ؛ ﴿يا أُولِي الألباب﴾؛ أيْ: ذَوِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوْبِ الأوْهامِ؛ خُوطِبُوا بِذَلِكَ بَعْدَما خُوطِبُوا بِعُنْوانِ الإيمانِ؛ تَنْشِيطًا لَهم إلى التَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: تَقُونَ أنْفُسَكم مِنَ المُساهَلَةِ في أمْرِهِ؛ والإهْمالِ في المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ والحُكْمِ بِهِ؛ والإذْعانِ لَهُ؛ أوْ في القِصاصِ؛ فَتَكُفُّوا عَنِ القَتْلِ المُؤَدِّي إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences