Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:180–188
2:180Page 27
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠
Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: حَضَرَ أسْبابُهُ؛ وظَهَرَ أماراتُهُ؛ أوْ دَنا نَفْسُهُ مِنَ الحُضُورِ؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ؛ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها؛ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أيْ: مالًا؛ وقِيلَ: مالًا كَثِيرًا؛ لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ؛ ولَهُ سَبْعُمائَةِ دِرْهَمٍ؛ فَمَنَعَهُ؛ وقالَ: "قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ؛ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ"؛ وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ رَجُلًا أرادَ الوَصِيَّةَ؛ ولَهُ عِيالٌ؛ وأرْبَعُمائَةِ دِينارٍ؛ فَقالَتْ: "ما أرى فِيهِ فَضْلًا"؛ وأرادَ آخَرُ أنْ يُوصِيَ؛ فَسَألَتْهُ: "كَمْ مالُكَ؟"؛ فَقالَ: ثَلاثَةَ آلافِ دِرْهَمٍ؛ قالَتْ: "كَمْ عِيالُكَ؟"؛ قالَ: أرْبَعَةٌ؛ قالَتْ: "إنَّما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ؛ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ؛ ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾: مَرْفُوعٌ بِـ "كُتِبَ"؛ أُخِّرَ عَمّا بَيْنَهُما لِما مَرَّ مِرارًا؛ وإيثارُ تَذْكِيرِ الفِعْلِ؛ مَعَ جَوازِ تَأْنِيثِهِ أيْضًا؛ لِلْفَصْلِ؛ أوْ عَلى تَأْوِيلِ: "أنْ يُوصِيَ"؛ أوْ: "الإيصاءُ"؛ ولِذَلِكَ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾؛ و"إذا": ظَرْفٌ مَحْضٌ؛ والعامِلُ فِيهِ "كُتِبَ"؛ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ (p-197)
صُدُورُ الكَتْبِ عَنْهُ (تَعالى)؛ بَلْ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِهِمْ تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا؛ مُسْتَتْبِعًا لِوُجُوبِ الأداءِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ؛ وكَلِمَةُ الإيجابِ؛ ولا مَساغَ لِجَعْلِ العامِلِ هو الوَصِيَّةَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ "لِلْوالِدَيْنِ"؛ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ بِإضْمارِ الفاءِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗
وَرُدَّ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَمِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ؛ ومَعْنى "كُتِبَ": فُرِضَ؛ وكانَ هَذا الحُكْمُ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ"؛» فَإنَّهُ؛ وإنْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ؛ لَكِنْ حَيْثُ تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ انْتَظَمَ في سِلْكِ المُتَواتِرِ؛ في صَلاحِيَتِهِ لِلنَّسْخِ عِنْدَ أئِمَّتِنا؛ عَلى أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ النّاسِخَ حَقِيقَةً هي آيَةُ المَوارِيثِ؛ وإنَّما الحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِجِهَةِ نَسْخِها؛ بِبَيانِ أنَّهُ (تَعالى) كانَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكم أنْ تُؤَدُّوا إلى الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ حُقُوقَهُمْ؛ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ مِن غَيْرِ تَبْيِينٍ لِمَراتِبِ اسْتِحْقاقِهِمْ؛ ولا تَعْيِينٍ لِمَقادِيرِ أنْصِبائِهِمْ؛ بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى آرائِكُمْ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ؛ فالآنَ قَدْ رَفَعَ ذَلِكَ الحُكْمَ عَنْكُمْ؛ لِتَبْيِينِ طَبَقاتِ اسْتِحْقاقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ وتَعْيِينِ مَقادِيرِ حُقُوقِهِمْ بِالذّاتِ؛ وأعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ مِنهم حَقَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ؛ بِحُكْمِ القَرابَةِ؛ مِن غَيْرِ نَقْصٍ ولا زِيادَةٍ؛ ولَمْ يَدَعْ ثَمَّةَ شَيْئًا فِيهِ مُدْخَلٌ لِرَأْيِكم أصْلًا؛ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِـ "لا" النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ؛ وتَصْدِيرُها بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ؛ إذا تَحَقَّقْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ ما قِيلَ مِن أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُهُ؛ بَلْ تُحَقِّقُهُ؛ وتُؤَكِّدُهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا؛ والحَدِيثُ مِنَ الآحادِ؛ وتَلَقِّي الأُمَّةِ إيّاهُ بِالقَبُولِ لا يُلْحِقُهُ بِالمُتَواتِرِ؛ ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنْهُ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضَرِ لَهُمْ؛ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ وكَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأنْصِبائِهِمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ بَيانًا لِلْأنْصِباءِ فُهِمَ مِنها بِتَنْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ المُرادَ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْصى بِنَفْسِهِ تِلْكَ الوَصِيَّةَ؛ ولَمْ يُفَوِّضْها إلَيْكُمْ؛ فَقامَ المِيراثُ مَقامَ الوَصِيَّةِ؛ فَكانَ هَذا مَعْنى النَّسْخِ؛ لا أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى رَفْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ فَإنَّ مَدْلُولَ آيَةِ الوَصِيَّةِ حَيْثُ كانَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى آراءِ المُكَلَّفِينَ عَلى الإطْلاقِ؛ وتَسَنّى الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِأداءِ ما أدّى إلَيْهِ آراؤُهم بِالمَعْرُوفِ؛ فَتَكُونُ آيَةُ المَوارِيثِ - النّاطِقَةُ بِمَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وتَفاصِيلِ مَقادِيرِ الحُقُوقِ؛ القاطِعَةُ بِامْتِناعِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ - ناسِخَةً لَها؛ رافِعَةً لِحُكْمِها؛ مِمّا لا يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾: مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
2:181Page 27
فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١
Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾؛ أيْ: غَيَّرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ؛ والشُّهُودِ؛ ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما وصَلَ إلَيْهِ؛ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ؛ ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾؛ أيْ: إثْمُ الإيصاءِ المُغَيِّرِ؛ أوْ إثْمُ التَّبْدِيلِ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾؛ لِأنَّهم خانُوا؛ وخالَفُوا حُكْمَ الشَّرْعِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى "مَن" لِتَأْكِيدِ الإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأُولى؛ وإيثارُ الجَمْعِ لِلْإشْعارِ بِتَعْدادِ المُبَدِّلِينَ أنْواعًا؛ أوْ كَثْرَتِهِمْ أفْرادًا؛ والإيذانِ بِشُمُولِ الإثْمِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ.(p-198)
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾؛ أيْ: تَوَقَّعَ؛ وعَلِمَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "أخافُ أنْ يُرْسِلَ السَّماءُ"؛ وقُرِئَ: "مِن مُوَصٍّ"؛ ﴿جَنَفًا﴾؛ أيْ: مَيْلًا بِالخَطَإ في الوَصِيَّةِ؛ ﴿أوْ إثْمًا﴾؛ أيْ: تَعَمُّدًا لِلْجَنَفِ؛ ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى مِنهاجِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: في هَذا التَّبْدِيلِ؛ لِأنَّهُ تَبْدِيلُ باطِلٍ إلى حَقٍّ؛ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ؛ وذِكْرُ المَغْفِرَةِ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ؛ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ. والصِّيامُ؛ والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ عَمّا تَنْزِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ﴾؛ الآيَةُ.. وقِيلَ: هو الإمْساكُ عَنِ الشَّيْءِ مُطْلَقًا؛ ومِنهُ: "صامَتِ الرِّيحُ"؛ إذا أمْسَكَتْ عَنِ الهُبُوبِ؛ و"الفَرَسُ"؛ إذا أمْسَكَتْ عَنِ العَدْوِ؛ قالَ:
؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلِكُ اللُّجُما
وَفِي الشَّرِيعَةِ: هو الإمْساكُ نَهارًا؛ مَعَ النِّيَّةِ؛ عَنِ المُفْطِراتِ المَعْهُودَةِ؛ الَّتِي هي مُعْظَمُ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ؛ ﴿كَما كُتِبَ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ المُؤَكِّدِ؛ أيْ: كِتابًا كائِنًا كَما كُتِبَ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الكَتْبَ مُشَبَّهًا بِما كُتِبَ؛ فَـ "ما" عَلى الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مِن لَفْظِ الصِّيامِ: أيْ: صَوْمًا مُماثِلًا لِلصَّوْمِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَكُمْ؛ فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "الصِّيامُ"؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِما كُتِبَ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والأُمَمِ؛ مِن لَدُنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ؛ وتَرْغِيبٌ فِيهِ؛ وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ بِهِ؛ فَإنَّ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ عَمَلُهُ؛ والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ: إمّا المُماثَلَةُ في أصْلِ الوُجُوبِ؛ وإمّا في الوَقْتِ؛ والمِقْدارِ؛ كَما يُرْوى أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ كانَ مَكْتُوبًا عَلى اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ أمّا اليَهُودُ فَقَدْ تَرَكَتْهُ؛ وصامَتْ يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ يَوْمُ غَرَقِ فِرْعَوْنَ؛ وكَذَبُوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ كانَ يَوْمَ عاشُوراءَ؛ وأمّا النَّصارى فَإنَّهم صامُوا رَمَضانَ؛ حَتّى صادَفُوا حَرًّا شَدِيدًا؛ فاجْتَمَعَتْ آراءُ عُلَمائِهِمْ عَلى تَعْيِينِ فَصْلٍ واحِدٍ؛ بَيْنَ الصَّيْفِ والشِّتاءِ؛ فَجَعَلُوهُ في الرَّبِيعِ؛ وزادُوا عَلَيْهِ عَشْرَةَ أيّامٍ؛ كَفّارَةً لِما صَنَعُوا؛ فَصارَ أرْبَعِينَ؛ ثُمَّ مَرِضَ مَلِكُهُمْ؛ أوْ وقَعَ فِيهِمْ مَوْتانِ؛ فَزادُوا عَشْرَةَ أيّامٍ؛ فَصارَ خَمْسِينَ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: المَعاصِيَ؛ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلَيْها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ"؛» أوْ: تَتَّقُونَ الإخْلالَ بِأدائِهِ لِأصالَتِهِ؛ أوْ: تَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى رُتْبَةِ التَّقْوى.
2:184Page 28
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾: مُوَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ؛ أوْ: قَلائِلَ؛ فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ يُعَدُّ عَدًّا؛ والكَثِيرَ يُهالُ هَيْلًا؛ والمُرادُ بِها: إمّا رَمَضانُ؛ أوْ ما وجَبَ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ بِهِ؛ مِن صَوْمِ عاشُوراءَ؛ وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ؛ وانْتِصابُهُ (p-199)لَيْسَ بِـ "الصِّيامُ"؛ كَما قِيلَ؛ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ؛ بَلْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ هو عَلَيْهِ؛ أعْنِي: "صُومُوا"؛ إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ اتِّساعًا؛ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُتِبَ﴾؛ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ وفِيهِ أنَّ الأيّامَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لَهُ؛ بَلْ لِلْمَكْتُوبِ؛ فَلا يَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ؛ ولا المَفْعُولِيَّةُ المُتَفَرِّعَةُ عَلَيْها اتِّساعًا؛ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾؛ أيْ: مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ؛ أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ وفِيهِ تَلْوِيحٌ؛ ورَمْزٌ إلى أنَّ مَن سافَرَ في أثْناءِ اليَوْمِ لَمْ يُفْطِرْ؛ ﴿فَعِدَّةٌ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ؛ والسَّفَرِ؛ ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾؛ إنْ أفْطَرَ؛ فَحُذِفَ الشَّرْطُ؛ والمُضافُ؛ ثِقَةً بِالظُّهُورِ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: "فَلْيَصُمْ عِدَّةً"؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الوُجُوبِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الظّاهِرِيَّةُ؛ وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ أيْ: وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ؛ وإنْ أفْطَرُوا؛ ﴿فِدْيَةٌ﴾؛ أيْ: إعْطاءُ فِدْيَةٍ؛ وهِيَ: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾؛ وهو نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ أهْلِ العِراقِ؛ ومُدٌّ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ؛ وكانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ لِما أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ؛ وما كانُوا مُتَعَوِّدِينَ لَهُ؛ فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ؛ فَرُخِّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ؛ وقُرِئَ "يُطَوَّقُونَهُ"؛ أيْ: يُكَلَّفُونَهُ؛ أوْ يُقَلَّدُونَهُ؛ و"يُتَطَوَّقُونَهُ"؛ و"يُطَّوَّقُونَهُ"؛ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ؛ و"يُطَيَّقُونَهُ"؛ و"يُطَّيَّقُونَهُ"؛ بِمَعْنى "يَتَطَيَّقُونَهُ"؛ وأصْلُهُما: "يُطَيْوَقُونَهُ"؛ و"يُتَطَيْوَقُونَهُ"؛ مِن "فَعْيَلَ"؛ و"تَفَعْيَلَ"؛ مِن "الطَّوْقُ"؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ؛ بَعْدَ قَلْبِها ياءً؛ كَقَوْلِهِمْ: "تَدَيَّرَ المَكانُ وما بِها دَيّارُ"؛ وفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما نَحْوَ مَعْنى يُطِيقُونَهُ؛ والثّانِي يُكَلَّفُونَهُ؛ أوْ يُتَكَلَّفُونَهُ؛ عَلى جُهْدٍ مِنهُمْ؛ وعُسْرٍ؛ وهُمُ الشُّيُوخُ؛ والعَجائِزُ؛ وحُكْمُ هَؤُلاءِ الإفْطارُ؛ والفِدْيَةُ؛ وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مَعْنى "يُطِيقُونَهُ"؛ أيْ: يَصُومُونَهُ جُهْدَهُمْ؛ وطاقَتَهُمْ؛ ومَبْلَغَ وُسْعِهِمْ؛ ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ فَزادَ في الفِدْيَةِ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: التَّطَوُّعُ؛ أوْ: الخَيْرُ الَّذِي تَطَوَّعَهُ؛ ﴿خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا﴾؛ أيُّها المُطِيقُونَ؛ أوِ المُطَوَّقُونَ؛ وتَحْمِلُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ وتَجْهَدُوا طاقَتَكُمْ؛ أوِ المُرَخَّصُونَ في الإفْطارِ؛ مِنَ المَرْضى؛ والمُسافِرِينَ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ مِنَ الفِدْيَةِ؛ أوْ مِن تَطَوُّعِ الخَيْرِ؛ أوْ مِنهُما؛ أوْ مِنَ التَّأْخِيرِ إلى أيّامٍ أُخَرَ؛ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْهَزِّ؛ والتَّنْشِيطِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما في صَوْمِكُمْ؛ مَعَ تَحَقُّقِ المُبِيحِ لِلْإفْطارِ؛ مِنَ الفَضِيلَةِ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِظُهُورِهِ؛ أيْ: اخْتَرْتُمُوهُ؛ أوْ: سارَعْتُمْ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ والتَّدْبِيرِ؛ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.
2:185Page 28
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥
The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ سَيَأْتِي خَبَرُهُ؛ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضانَ؛ أوْ بَدَلٌ مِن "الصِّيامُ"؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى إضْمارِ "صُومُوا"؛ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "تَصُومُوا"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "أيّامًا مَعْدُوداتٍ"؛ و"رَمَضانُ": مَصْدَرُ "رَمِضَ"؛ أيْ: احْتَرَقَ؛ مِن "الرَّمْضاءُ"؛ فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَّهْرُ؛ وجُعِلَ عَلَمًا؛ ومُنِعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ؛ والألِفِ والنُّونِ؛ كَما قِيلَ: "ابْنُ دَأْيَةَ"؛ لِلْغُرابِ؛ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿مَن صامَ رَمَضانَ...﴾ الحَدِيثَ.. وارِدٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِلْأمْنِ مِنَ الِالتِباسِ؛ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِنَ الجُوعِ؛ والعَطَشِ؛ أوْ لِارْتِماضِ الذُّنُوبِ في الصِّيامِ فِيهِ؛ أوْ لِوُقُوعِهِ في أيّامِ رَمْضِ الحَرِّ عِنْدَ (p-200)نَقْلِ أسْماءِ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ؛ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾: خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وصِفَةٌ لِـ "شَهْرُ رَمَضانَ"؛ عَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ؛ ومَعْنى إنْزالِهِ فِيهِ أنَّهُ ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ؛ وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ أوْ: أُنْزِلُ فِيهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الرَّبّانِيَّةُ؛ أوْ: أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القرآن؛ وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ؛ وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ؛ والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشَرَةَ مِنهُ؛ والقرآن لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ"؛» ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾: حالانِ مِن "القرآن"؛ أيْ: أُنْزِلَ حالَ كَوْنِهِ هِدايَةً لِلنّاسِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ (وَغَيْرِهِ؛ وآياتٍ واضِحَةً؛ مُرْشِدَةً إلى الحَقِّ؛ فارِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ؛ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أيْ: حَضَرَ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ؛ والمُبالَغَةِ في البَيانِ؛ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ؛ والتَّرْتِيبِ؛ أوْ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ؛ أوْ زائِدَةٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "شَهْرُ رَمَضانَ" مُبْتَدَأً؛ والمَوْصُولُ صِفَةً لَهُ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لَهُ؛ وقِيلَ: هي جَزائِيَّةٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كُتِبَ عَلَيْكم الصِّيامُ في ذَلِكَ الشَّهْرِ؛ فَمَن حَضَرَ فِيهِ؛ ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾؛ أيْ: فَلْيَصُمْ فِيهِ؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ؛ اتِّساعًا؛ وقِيلَ: مَن شَهِدَ مِنكم هِلالَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "شَهِدْتُ الجُمُعَةَ"؛ أيْ: صَلاتَها؛ فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُخَصِّصًا لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ.
﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا﴾؛ وإنْ كانَ مُقِيمًا؛ حاضِرًا فِيهِ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ وإنْ كانَ صَحِيحًا؛ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ أيّامٍ أُخَرَ؛ لِأنَّ المَرِيضَ؛ والمُسافِرَ؛ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّهْرَ؛ ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِذَلِكَ؛ أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ؛ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ؛ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ بِهَذا التَّرْخِيصِ؛ ﴿بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾؛ لِغايَةِ رَأْفَتِهِ؛ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ؛ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: عِلَلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ؛ أيْ: ولِهَذِهِ الأُمُورِ شُرِعَ ما مَرَّ؛ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ؛ وأمْرِ المُرَخَّصِ لَهم بِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أُفْطِرَ فِيهِ؛ ومِنَ التَّرْخِيصِ في إباحَةِ الفِطْرِ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾: عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ؛ و: ﴿لِتُكَبِّرُوا﴾: عِلَّةُ ما عَلِمَهُ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ؛ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: عِلَّةُ التَّرْخِيصِ؛ والتَّيْسِيرِ؛ وتَعْدِيَةُ فِعْلِ التَّكْبِيرِ بِـ "عَلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْدِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حامِدِينَ عَلى ما هَداكُمْ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ مِثْلَ: "لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ أوْ: "لِتَعْلَمُوا ما تَعْمَلُونَ؛ ولِتُكْمِلُوا.. إلَخْ.."؛ ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى "اليُسْرَ"؛ أيْ: "يُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا.. إلَخْ.."؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾؛ إلَخْ.. والمَعْنى: بِالتَّكْبِيرِ تَعْظِيمُهُ (تَعالى)؛ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: تَكْبِيرُ يَوْمِ العِيدِ؛ وقِيلَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ؛ و"ما" تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ؛ والمَوْصُولَةَ؛ أيْ: عَلى هِدايَتِهِ إيّاكُمْ؛ أوْ عَلى الَّذِي هَداكم إلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "وَلِتُكَمِّلُوا"؛ بِالتَّشْدِيدِ.
2:186Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾: في تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ما لا يَخْفى مِن تَشْرِيفِهِ؛ ورَفْعِ مَحَلِّهِ؛ ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾؛ أيْ: فَقُلْ لَهُمْ: إنِّي قَرِيبٌ؛ وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بِأفْعالِ العِبادِ؛ وأقْوالِهِمْ؛ واطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِهِمْ؛ بِحالٍ مِن قُرْبِ مَكانِهِ؛ رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ؛ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَنَزَلَتْ.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾؛ (p-201)تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ؛ وتَحْقِيقٌ لَهُ؛ ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ؛ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ؛ ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾: أمْرٌ بِالثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾؛ راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ؛ أيْ: الحَقَّ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها؛ ولَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِصَوْمِ الشَّهْرِ؛ ومُراعاةِ العِدَّةِ؛ وحَثَّهم عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ؛ عَقَبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ (تَعالى) خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ؛ سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ؛ مُجِيبٌ لِدُعائِهِمْ؛ مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ؛ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وحَثًّا عَلَيْهِ؛ .
2:187Page 29
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ أحْكامِ الصِّيامِ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾؛ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا أمْسَوْا حَلَّ لَهُمُ الأكْلُ؛ والشُّرْبُ؛ والجِماعُ؛ إلى أنْ يُصَلُّوا العِشاءَ الأخِيرَةَ؛ أوْ يَرْقُدُوا؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - باشَرَ بَعْدَ العِشاءِ؛ فَنَدِمَ؛ وأتى النَّبِيَّ ﷺ؛ واعْتَذَرَ إلَيْهِ؛ فَقامَ رِجالٌ فاعْتَرَفُوا بِما صَنَعُوا بَعْدَ العِشاءِ؛ فَنَزَلَتْ. ولَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُ مِنها صائِمًا؛ والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن رَفَثٍ؛ وهو الإفْصاحُ بِما يَجِبُ أنْ يُكَنّى عَنْهُ؛ وعُدِّيَ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ؛ والإنْهاءِ؛ وإيثارُهُ هَهُنا لِاسْتِقْباحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ خِيانَةً؛ وقُرِئَ: "الرُّفُوثُ"؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا؛ مِنَ التَّشْوِيقِ؛ فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةٌ إلَيْهِ؛ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها وقْتَ وُرُودِهِ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾: اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ الإحْلالِ؛ وهو صُعُوبَةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ؛ مَعَ شِدَّةِ المُخالَطَةِ؛ وكَثْرَةِ المُلابَسَةِ بِهِنَّ؛ وجُعِلَ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلِ؛ والمَرْأةِ؛ لِباسًا لِلْآخَرِ لِاعْتِناقِهِما؛ واشْتِمالِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ بِاللَّيْلِ؛ قالَ:
؎ إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا
أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَسْتُرُ حالَ صاحِبِهِ؛ ويَمْنَعُهُ مِنَ الفُجُورِ؛ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾: اسْتِئْنافٌ آخَرُ؛ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ مِنَ السَّبَبِ. والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ؛ كَـ "الِاكْتِسابُ"؛ مِن "الكَسْبُ"؛ ومَعْنى "تَخْتانُونَ": تَظْلِمُونَها؛ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ؛ وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ؛ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "عَلِمَ"؛ أيْ: تابَ عَلَيْكم لَمّا تُبْتُمْ مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: مَحا أثَرَهُ عَنْكُمْ؛ ﴿فالآنَ﴾؛ لَمّا نُسِخَ التَّحْرِيمُ؛ ﴿باشِرُوهُنَّ﴾: المُباشَرَةُ: إلْزاقُ البَشْرَةِ بِالبَشْرَةِ؛ كُنِّيَ بِها عَنِ الجِماعِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُها؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ الكِتابِ لِلسُّنَّةِ؛ ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: واطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ؛ وقَرَّرَهُ في اللَّوْحِ؛ مِنَ الوَلَدِ؛ وفِيهِ أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الوَلَدَ؛ فَإنَّهُ الحِكْمَةُ في خَلْقِ الشَّهْوَةِ؛ وشَرْعِ النِّكاحِ؛ لا قَضاءُ الشَّهْوَةِ؛ وقِيلَ: فِيهِ نَهْيٌ عَنِ العَزْلِ؛ وقِيلَ: عَنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ؛ والتَّقْدِيرُ: وابْتَغُوا المَحَلَّ الَّذِي كَتَبَ (p-202)
اللَّهُ (تَعالى) لَكُمْ؛ ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾: شَبَّهَ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ؛ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَلَسِ اللَّيْلِ؛ بِخَيْطَيْنِ؛ أبْيَضَ؛ وأسْوَدَ؛ واكْتُفِيَ بِبَيانِ الخَيْطِ الأبْيَضِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾؛ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ؛ وبِذَلِكَ خَرَجا عَنْ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّمْثِيلِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ ما يَبْدُو بَعْضُ الفَجْرِ؛ وما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ؛ ولَمْ يَنْزِلْ "مِنَ الفَجْرِ"؛ فَعَمَدَ رِجالٌ إلى خَيْطَيْنِ؛ أبْيَضَ؛ وأسْوَدَ؛ وطَفِقُوا يَأْكُلُونَ؛ ويَشْرَبُونَ؛ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهُمْ؛ فَنَزَلَتْ؛ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ؛ وتَأْخِيرُ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ؛ أوِ اكْتُفِي أوَّلًا بِاشْتِهارِهِما في ذَلِكَ؛ ثُمَّ صُرِّحَ بِالبَيانِ؛ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ؛ وفي تَجْوِيزِ المُباشَرَةِ إلى الصُّبْحِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلَيْهِ؛ وصِحَّةِ صَوْمِ مَن أصْبَحَ جُنُبًا؛ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾: بَيانٌ لِآخِرِ وقْتِهِ؛ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾؛ أيْ: مُعْتَكِفُونَ فِيها؛ والمُرادُ بِالمُباشَرَةِ: الجِماعُ؛ وعَنْ قَتادَةَ: "كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ؛ فَيَخْرُجُ إلى امْرَأتِهِ؛ فَيُباشِرُها؛ ثُمَّ يَرْجِعُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ"؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ يَكُونُ في المَسْجِدِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ وأنَّ الوَطْءَ فِيهِ حَرامٌ؛ ومُفْسِدٌ لَهُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ؛ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الأحْكامُ المَذْكُورَةُ حُدُودٌ وضَعَها اللَّهُ (تَعالى) لِعِبادِهِ؛ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾؛ فَضْلًا عَنْ تَجاوُزِها. نَهْيٌ أنْ يُقْرَبَ الحَدُّ الحاجِزُ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ تَخَطِّيها؛ كَما قالَ ﷺ: « "إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى؛ وحِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ؛ فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ"؛» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِحُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) مَحارِمُهُ؛ ومَناهِيهِ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ البَلِيغِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ﴾؛ الدّالَّةَ عَلى الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها؛ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ مُخالَفَةَ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ.
2:188Page 29
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾: نَهْيٌ عَنْ أكْلِ بَعْضِهِمْ أمْوالَ بَعْضٍ؛ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ أمْوالِ أنْفُسِهِمْ في نَهارِ رَمَضانَ؛ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ و"بَيْنَ": نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ الحالِيَّةِ؛ مِن "أمْوالَكُمْ"؛ ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾: عَطْفٌ عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ؛ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ "أنْ"؛ والإدْلاءُ: الإلْقاءُ؛ أيْ: ولا تُلْقُوا حُكُومَتَها إلى الحُكّامِ؛ ﴿لِتَأْكُلُوا﴾؛ بِالتَّحاكُمِ إلَيْهِمْ؛ ﴿فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾؛ بِما يُوجِبُ إثْمًا؛ كَشَهادَةِ الزُّورِ؛ واليَمِينِ الفاجِرَةِ؛ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ؛ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّكم مُبْطِلُونَ؛ فَإنَّ ارْتِكابَ المَعاصِي؛ مَعَ العِلْمِ بِها؛ أقْبَحُ؛ رُوِيَ أنَّ عَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ ادَّعى عَلى امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ قِطْعَةَ أرْضٍ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ القَيْسِ؛ فَهَمَّ بِهِ؛ فَقَرَأ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ الآيَةَ؛ فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ؛ فَسَلَّمَ الأرْضَ إلى عَبْدانَ؛ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ خَصْمانِ؛ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ؛ ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ؛ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ؛ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْضِي لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ"؛ فَبَكَيا؛ فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: حَقِّي لِصاحِبِي؛ (p-203)فَقالَ: "اذْهَبا فَتَوَخَّيا؛ ثُمَّ اسْتَهِما؛ ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences