Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:232–237
2:232Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢
And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.
﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: بَيانٌ لِحُكْمِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ حَقِيقَةً؛ بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ المُشارَفَةِ إلَيْهِ؛ والعَضْلُ: الحَبْسُ؛ والتَّضْيِيقُ؛ ومِنهُ: "عَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ"؛ إذا نَشِبَ بَيْضُها ولَمْ يَخْرُجْ؛ والمُرادُ: المَنعُ؛ والخِطابُ إمّا لِلْأوْلِياءِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ "جُمَلَ" أنْ تَرْجِعَ إلى زَوْجِها الأوَّلِ بِالنِّكاحِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ حِينَ عَضَلَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ؛ وإسْنادُ التَّطْلِيقِ إلَيْهِمْ لِتَسَبُّبِهِمْ فِيهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصَدِّيهِمْ لِلْعَضْلِ؛ ولَعَلَّ التَّعَرُّضَ لِبُلُوغِ الأجَلِ؛ مَعَ جَوازِ التَّزَوُّجِ بِالزَّوْجِ الأوَّلِ قَبْلَهُ أيْضًا؛ لِوُقُوعِ العَضْلِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ؛ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها؛ وإلّا لَما احْتِيجَ إلى نَهْيِ الأوْلِياءِ عَنِ العَضْلِ؛ لِما أنَّ النَّهْيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُنَّ؛ فَإنَّهُنَّ - وإنْ قَدَرْنَ عَلى تَزْوِيجِ أنْفُسِهِنَّ - لَكِنَّهُنَّ يَحْتَرِزْنَ عَنْ ذَلِكَ مَخافَةَ اللَّوْمِ؛ والقَطِيعَةِ؛ وإمّا لِلْأزْواجِ؛ حَيْثُ كانُوا يَعْضُلُونَ مُطَلَّقاتِهِمْ؛ ولا يَدَعُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ؛ ظُلْمًا وقَسْرًا؛ لِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ وإمّا لِلنّاسِ كافَّةً؛ فَإنَّ إسْنادَ ما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم إلى الجَمِيعِ شائِعٌ؛ مُسْتَفِيضٌ؛ والمَعْنى: إذا وُجِدَ فِيكم طَلاقٌ فَلا يَقَعْ فِيما بَيْنَكم عَضْلٌ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ الأوْلِياءِ؛ أوْ مِن جِهَةِ الأزْواجِ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ العَضْلِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنهُ؛ وإيذانٌ بِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ؛ وهم ساكِتُونَ عَنْهُ؛ بِمَنزِلَةِ صُدُورِهِ عَنِ الكُلِّ في اسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ؛ وسَرايَةِ الغائِلَةِ؛ ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾؛ أيْ: مِن أنْ يَنْكِحْنَ؛ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ والفَرّاءِ؛ والجَرُّ؛ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ؛ وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَعْضُلُوهُنَّ"؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ النِّكاحِ بِعِبارَتِهِنَّ؛ ﴿أزْواجَهُنَّ﴾؛ إنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُطَلِّقُونَ؛ فالزَّوْجِيَّةُ إمّا بِاعْتِبارِ ما كانَ؛ وإمّا بِاعْتِبارِ ما يَكُونُ؛ وإلّا فَبِالِاعْتِبارِ الأخِيرِ؛ ﴿إذا تَراضَوْا﴾: ظَرْفٌ لِـ "لا تَعْضُلُوا"؛ وصِيغَةُ التَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى النِّساءِ؛ والتَّقْيِيدُ بِهِ لِأنَّهُ المُعْتادُ؛ لا لِتَجْوِيزِ المَنعِ؛ قَبْلَ تَمامِ التَّراضِي؛ وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ "أنْ يَنْكِحْنَ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظَرْفٌ لِلتَّراضِي؛ مُفِيدٌ لِرُسُوخِهِ؛ واسْتِحْكامِهِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ الجَمِيلِ عِنْدَ الشَّرْعِ؛ المُسْتَحْسَنِ عِنْدَ النّاسِ؛ والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ "تَراضَوْا"؛ أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ؛ وإمّا بِـ "تَراضَوْا"؛ أيْ: يَتَراضَوْا بِما يَحْسُنُ في الدِّينِ؛ والمُرُوءَةِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ كُفُؤٍ؛ أوْ بِما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ؛ لَيْسَ مِن بابِ العَضْلِ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ؛ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ كَما فِيما بَعْدَهُ؛ والتَّوْحِيدُ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ وإمّا بِتَأْوِيلِ القَبِيلِ؛ والفَرِيقِ؛ وإمّا لِأنَّ الكافَ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ؛ والفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ؛ والمُنْقَضِي؛ دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ؛ أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المُشارِ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ؛ ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ فَيُسارِعُ إلى الِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ إجْلالًا لَهُ؛ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): (p-230)﴿مِنكُمْ﴾: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ "كانَ"؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ عَمَلَها في الظُّرُوفِ؛ وشِبْهِها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ "يُؤْمِنُ"؛ أيْ: كائِنًا مِنكُمْ؛ ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الِاتِّعاظُ بِهِ؛ والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ؛ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾؛ أيْ: أنْمى؛ وأنْفَعُ؛ ﴿وَأطْهَرُ﴾؛ مِن أدْناسِ الآثامِ؛ وأوْضارِ الذُّنُوبِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾؛ ما فِيهِ مِنَ الزَّكاءِ؛ والطُّهْرِ؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ ذَلِكَ؛ أوْ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أُمُورِكم مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بَيَّنَهُ هَهُنا؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَها؛ فَدَعُوا رَأْيَكُمْ؛ وامْتَثِلُوا بِأمْرِهِ (تَعالى)؛ ونَهْيِهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ.
2:233Page 37
۞ وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٢٣٣
Mothers may nurse [i.e., breastfeed] their children two complete years for whoever wishes to complete the nursing [period]. Upon the father is their [i.e., the mothers'] provision and their clothing according to what is acceptable. No person is charged with more than his capacity. No mother should be harmed through her child, and no father through his child. And upon the [father's] heir is [a duty] like that [of the father]. And if they both desire weaning through mutual consent from both of them and consultation, there is no blame upon either of them. And if you wish to have your children nursed by a substitute, there is no blame upon you as long as you give payment according to what is acceptable. And fear Allāh and know that Allāh is Seeing of what you do.
﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأوْلادِهِنَّ خُصُوصًا؛ واشْتِراكًا؛ وهو أمْرٌ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الخَبَرِ؛ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ؛ ومَعْناهُ: النَّدْبُ؛ أوِ الوُجُوبُ؛ إنْ خُصَّ بِمادَّةِ عَدَمِ قَبُولِ الصَّبِيِّ ثَدْيَ الغَيْرِ؛ أوْ فِقْدانِ الظِّئْرِ؛ أوْ عَجْزِ الوالِدِ عَنْ الِاسْتِئْجارِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِهَزِّ عَطْفِهِنَّ نَحْوَ أوْلادِهِنَّ؛ والحُكْمُ عامٌّ لِلْمُطَلَّقاتِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ وقِيلَ: خاصٌّ بِهِنَّ؛ إذِ الكَلامُ فِيهِنَّ؛ ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾؛ التَّأْكِيدُ بِصِفَةِ الكَمالِ لِبَيانِ أنَّ التَّقْدِيرَ تَحْقِيقِيٌّ؛ لا تَقْرِيبِيٌّ؛ مَبْنِيٌّ عَلى المُسامَحَةِ المُعْتادَةِ؛ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾: بَيانٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُكْمُ؛ أيْ: ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ النَّقْصِ؛ وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُرْضِعْنَ"؛ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ؛ كالنَّفَقَةِ؛ والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ؛ كَما يُقالُ: "أرْضَعَتْ فُلانَةُ لِفُلانٍ ولَدَهُ"؛ ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾؛ أيْ: الوالِدِ؛ فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ؛ ويُنْسَبُ إلَيْهِ؛ وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلْإشارَةِ إلى المَعْنى المُقْتَضِي لِوُجُوبِ الإرْضاعِ؛ ومُؤْنَةِ المُرْضِعَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾؛ أُجْرَةً لَهُنَّ؛ واخْتُلِفَ في اسْتِئْجارِ الأُمِّ؛ وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا؛ ما دامَتْ في النِّكاحِ؛ أوِ العِدَّةِ؛ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ حَسْبَما يَراهُ الحاكِمُ؛ ويَفِي بِهِ وُسْعَهُ؛ ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾: تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤَنِ بِالمَعْرُوفِ؛ أوْ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ؛ وهو نَصٌّ عَلى أنَّهُ (تَعالى) لا يُكَلِّفُ العَبْدَ ما لا يُطِيقُهُ؛ وذَلِكَ لا يُنافِي إمْكانَهُ.
﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: تَفْصِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ؛ أيْ: لا يُكَلِّفْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لا يُطِيقُهُ؛ ولا يُضارَّهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ؛ وقُرِئَ: "لا تُضارُّ" بِالرَّفْعِ؛ بَدَلًا مِن "تُكَلَّفُ"؛ وأصْلُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ: "لا تُضارِرْ"؛ بِالكَسْرِ؛ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ وبِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "تَضُرَّ"؛ والباءُ مِن صِلَتِهِ؛ أيْ: لا يَضُرَّ الوالِدانِ بِالوَلَدِ؛ فَيُفَرَّطَ في تَعَهُّدِهِ؛ ويُقَصَّرَ فِيما يَنْبَغِي لَهُ؛ وقُرِئَ: "لا تُضارْ"؛ بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ؛ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ؛ وبِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ؛ عَلى أنَّهُ مِن "ضارَهُ؛ يَضِيرُهُ"؛ وإضافَةُ الوَلَدِ إلى كُلٍّ مِنهُما لِاسْتِعْطافِهِما إلَيْهِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَتَّفِقا عَلى اسْتِصْلاحِهِ؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يَضُرّا بِهِ؛ أوْ يَتَضارّا بِسَبَبِهِ؛ ﴿وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: (p-231)عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾؛ إلَخْ.. وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ؛ أوْ تَفْسِيرٌ مُعْتَرِضٌ؛ والمُرادُ بِهِ وارِثُ الصَّبِيِّ؛ مِمَّنْ كانَ ذا رَحِمٍ؛ مَحْرَمٍ مِنهُ؛ وقِيلَ: عَصَباتُهُ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "هُوَ وارِثُ الأبِ"؛ وهو الصَّبِيُّ؛ أيْ تُمْأنُ المُرْضِعَةُ مِن مالِهِ عِنْدَ مَوْتِ الأبِ؛ ولا نِزاعَ فِيهِ؛ وإنَّما الكَلامُ فِيما إذا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مالٌ؛ وقِيلَ: الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ؛ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا"؛» وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وجَبَ عَلى الأبِ؛ مِنَ الرِّزْقِ؛ والكِسْوَةِ؛ ﴿فَإنْ أرادا﴾؛ أيِ الوالِدانِ؛ ﴿فِصالا﴾؛ أيْ: فِطامًا عَنِ الرَّضاعِ؛ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ؛ والتَّنْكِيرُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ فِصالٌ غَيْرُ مُعْتادٍ؛ ﴿عَنْ تَراضٍ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ أيْ: صادِرًا عَنْ تَراضٍ؛ ﴿مِنهُما﴾؛ أيْ: مِنَ الوالِدَيْنِ؛ لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ؛ لِاحْتِمالِ إقْدامِهِ عَلى ما يَضُرُّ بِالوَلَدِ؛ بِأنْ تَمَلَّ المَرْأةُ الإرْضاعَ؛ ويَبْخَلَ الأبُ بِإعْطاءِ الأُجْرَةِ؛ ﴿وَتَشاوُرٍ﴾؛ في شَأْنِ الوَلَدِ؛ وتَفَحُّصٍ عَنْ أحْوالِهِ؛ وإجْماعٍ مِنهُما عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِلْفِطامِ. و"التَّشاوُرُ": مِن "المَشُورَةُ"؛ وهي اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ؛ مِن "شُرْتَ العَسَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ في ذَلِكَ؛ لِما أنَّ تَراضِيَهُما إنَّما يَكُونُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ رَأْيِهِما؛ أوِ اجْتِهادِهِما عَلى أنَّ صَلاحَ الوَلَدِ في الفِطامِ؛ وقَلَّما يَتَّفِقانِ عَلى الخَطَإ؛ ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ﴾: بَيانٌ لِحُكْمِ عَدَمِ اتِّفاقِهِما عَلى الفِطامِ؛ والِالتِفاتُ إلى خِطابِ الآباءِ لِهَزِّهِمْ إلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ؛ ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾؛ بِحَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ اسْتِغْناءً عَنْهُ؛ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ؛ يُقالُ: "أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَّبِيَّ"؛ و"اسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ"؛ وقِيلَ: إنَّما يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ؛ يُقالُ: "اسْتَرْضَعْتُ المَرْأةَ لِلصَّبِيِّ"؛ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ؛ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ أيْضًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا كالُوهُمْ﴾؛ أيْ: كالُوا لَهُمْ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في الِاسْتِرْضاعِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِلْوَلَدِ؛ ويَمْنَعَ الأُمَّ مِنَ الإرْضاعِ؛ ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾؛ أيْ: إلى المَراضِعِ؛ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾؛ أيْ: ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ وقُرِئَ: "ما أتَيْتُمْ"؛ مِن "أتى إلَيْهِ إحْسانًا"؛ إذا فَعَلَهُ؛ وقُرِئَ: "ما أُوتِيتُمْ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ وفِيهِ مَزِيدُ بَعْثٍ لَهم إلى التَّسْلِيمِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَلَّمْتُمْ"؛ أيْ: بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ؛ المُسْتَحْسَنِ؛ شَرْعًا؛ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ ولَيْسَ التَّسْلِيمُ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ؛ والجَوازِ؛ بَلْ هو نَدْبٌ إلى ما هُو الألْيَقُ؛ والأوْلى؛ فَإنَّ المَراضِعَ إذا أُعْطِينَ ما قُدِّرَ لَهُنَّ ناجِزًا؛ يَدًا بِيَدٍ؛ كانَ ذَلِكَ أدْخَلَ في اسْتِصْلاحِ شُئُونِ الأطْفالِ؛ ﴿؛ واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في شَأْنِ مُراعاةِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؛ والتَّهْدِيدِ؛ ما لا يَخْفى.
2:234Page 38
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤
And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.1 And Allāh is [fully] Aware of what you do.
﴿والَّذِينَ﴾: عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: وأزْواجُ الَّذِينَ؛ ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: تُقْبَضُ أرْواحُهم بِالمَوْتِ؛ فَإنَّ "التَّوَفِّي" هُوَ: "القَبْضُ"؛ يُقالُ: "تَوَفَّيْتُ مالِي مِن فُلانٍ"؛ و"اسْتَوْفَيْتُهُ مِنهُ"؛ أيْ: أخَذْتُهُ؛ وقَبَضْتُهُ؛ والخِطابُ لِكافَّةِ النّاسِ؛ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ؛ ﴿وَيَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ أوْ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ في الخَبَرِ؛ (p-232)أيْ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ"؛ أيْ: "مَنَوانِ مِنهُ"؛ وقُرِئَ: "يَتَوَفَّوْنَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ؛ وتَأْنِيثُ العَشْرِ بِاعْتِبارِ اللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ والأيّامِ؛ ولِذَلِكَ تَراهم لا يَكادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ أصْلًا؛ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: "صُمْتُ عَشْرًا"؛ ومِنَ البَيِّنِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾؛ ثُمَّ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾؛ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الجَنِينَ إذا كانَ ذَكَرًا يَتَحَرَّكُ غالِبًا لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ؛ وإنْ كانَ أُنْثى يَتَحَرَّكُ لِأرْبَعَةٍ؛ فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ؛ وزِيدَ عَلَيْهِ العَشْرُ اسْتِظْهارًا؛ إذْ رُبَّما تَضْعُفُ الحَرَكَةُ؛ فَلا يُحَسُّ بِها؛ وعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَساوِي المُسْلِمَةِ؛ والكِتابِيَّةِ؛ والحُرَّةِ؛ والأمَةِ؛ في هَذا الحُكْمِ؛ ولَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى التَّنْصِيفَ في الأمَةِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ﴾؛ خَصَّ الحامِلَ مِنهُ؛ وعَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّها تَعْتَدُّ بِأبْعَدِ الأجَلَيْنِ احْتِياطًا؛ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ أيْ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيُّها الحُكّامُ؛ والمُسْلِمُونَ جَمِيعًا؛ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾؛ مِنَ التَّزَيُّنِ؛ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ؛ وسائِرِ ما حُرِّمَ عَلى المُعْتَدَّةِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكُفُّوهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ وإلّا فَعَلَيْهِمُ الجُناحُ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ فَلا تَعْمَلُوا خِلافَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
2:235Page 38
وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥
There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾: خِطابٌ لِلْكُلِّ؛ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾: "التَّعْرِيضُ"؛ و"التَّلْوِيحُ": إبْهامُ المَقْصُودِ؛ بِما لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً؛ ولا مَجازًا؛ كَقَوْلِ السّائِلِ: "جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ"؛ وأصْلُهُ إمالَةُ الكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى عُرْضٍ مِنهُ؛ أيْ: جانِبٍ؛ والكِنايَةُ هي الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ؛ ورَوادِفِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "طَوِيلُ النِّجادِ"؛ لِلطَّوِيلِ؛ و"كَثِيرُ الرَّمادِ"؛ لِلْمِضْيافِ؛ ﴿مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾؛ "الخِطْبَةُ"؛ بِالكَسْرِ؛ كَـ "القِعْدَةُ"؛ و"الجِلْسَةُ"؛ ما يَفْعَلُهُ الخاطِبُ مِنَ الطَّلَبِ؛ والِاسْتِلْطافِ بِالقَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ فَقِيلَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِن "الخَطْبُ"؛ أيْ: الشَّأْنُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ؛ لِما أنَّها شَأْنٌ مِنَ الشُّؤُونِ؛ ونَوْعٌ مِنَ الخُطُوبِ؛ وقِيلَ: مِن "الخِطابُ"؛ لِأنَّها نَوْعُ مُخاطَبَةٍ؛ تَجْرِي بَيْنَ جانِبِ الرَّجُلِ؛ وجانِبِ المَرْأةِ؛ والمُرادُ بِالنِّساءِ: المُعْتَدّاتُ لِلْوَفاةِ؛ والتَّعْرِيضُ لِخِطْبَتِهِنَّ أنْ يَقُولَ لَها: "إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ"؛ أوْ "صالِحَةٌ"؛ أوْ "نافِعَةٌ"؛ و"مِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ"؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ مِمّا يُوهِمُ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَها؛ حَتّى تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ رَغِبَتْ فِيهِ؛ ولا يُصَرِّحْ بِالنِّكاحِ؛ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: أضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكُمْ؛ فَلَمْ تَذْكُرُوهُ تَصْرِيحًا؛ ولا تَعْرِيضًا؛ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ؛ وعَنْ إظْهارِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ؛ وفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ لَهم عَلى قِلَّةِ التَّثَبُّتِ؛ ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: اسْتِدْراكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ "سَتَذْكُرُونَهُنَّ"؛ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ؛ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ نِكاحًا؛ بَلِ اكْتَفُوا بِما رُخِّصَ لَكم مِنَ التَّعْرِيضِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ النِّكاحِ بِالسِّرِّ لِأنَّ مُسَبِّبَهُ - الَّذِي هو الوَطْءُ - مِمّا يُسَرُّ بِهِ؛ وإيثارُهُ عَلى اسْمِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُسَرَّ بِهِ؛ ويُكْتَمَ؛ وحَمْلُهُ عَلى الوَطْءِ رُبَّما يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في المَحْظُورِ؛ الَّذِي هو التَّصْرِيحُ بِالنِّكاحِ؛ وقِيلَ: انْتِصابُ "سِرًّا" عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ في السِّرِّ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ (p-233)المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ؛ وفِيهِ ما فِيهِ؛ ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؛ أيْ: لا تَواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً ما؛ إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً؛ غَيْرَ مُنْكَرَةٍ شَرْعًا؛ وهي ما يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ؛ والتَّلْوِيحِ؛ أوْ: إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ؛ أوْ: لا تُواعِدُوهُنَّ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِأنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ مِن "سِرًّا"؛ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأدائِهِ إلى جَعْلِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾؛ مِن "عَزَمَ الأمْرَ"؛ إذا قَصَدَهُ قَصْدًا جازِمًا؛ وحَقِيقَتُهُ: القَطْعُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: « "لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ"؛» ورُوِيَ: « "لِمَن لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيامَ"؛» والنَّهْيُ عَنْهُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ مُباشَرَةِ عَقْدِ النِّكاحِ؛ أيْ: لا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِّكاحِ؛ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ أيْ: العِدَّةُ المَكْتُوبَةُ؛ المَفْرُوضَةُ؛ آخِرَها؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ؛ أيْ: لا تُبْرِمُوها؛ ولا تُلْزِمُوها؛ ولا تُقْدِمُوا عَلَيْها؛ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ؛ لا عَنْ قَصْدِهِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾؛ مِن ذَواتِ الصُّدُورِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَزْمُ عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾؛ بِالِاجْتِنابِ عَنِ العَزْمِ ابْتِداءً؛ أوْ إقْلاعًا عَنْهُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ يَغْفِرُ لِمَن يُقْلِعُ عَنْ عَزْمِهِ؛ خَشْيَةً مِنهُ (تَعالى)؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ فَلا تَسْتَدِلُّوا بِتَأْخِيرِها عَلى أنَّ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ العَزْمِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
2:236Page 38
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦
There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ؛ وهو الأظْهَرُ؛ وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ إذْ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ؛ وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ النَّهْيَ عَنِ الطَّلاقِ؛ فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا؛ فَنُفِيَ ذَلِكَ؛ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أيْ: ما لَمْ تُجامِعُوهُنَّ؛ وقُرِئَ: "تُماسُّوهُنَّ"؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ في جَمِيعِ المَواقِعِ؛ أيْ: مُدَّةَ عَدَمِ مَساسِكم إيّاهُنَّ؛ عَلى أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ ظَرْفِيَّةٌ؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّها شَرْطِيَّةٌ؛ بِمَعْنى "إنْ"؛ فَيَكُونُ مِن بابِ اعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ؛ فَيَكُونُ الثّانِي قَيْدًا لِلْأوَّلِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "إنْ تَأْتِنِي إنْ تُحْسِنْ إلَيَّ أُكْرِمْكَ"؛ أيْ: إنْ تَأْتِنِي مُحْسِنًا إلَيَّ؛ والمَعْنى: إنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ غَيْرَ ماسِّينَ لَهُنَّ؛ وهَذا المَعْنى أقْعَدُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِما أنَّ "ما" الظَّرْفِيَّةَ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُها فِيما إذا كانَ المَظْرُوفُ أمْرًا مُمْتَدًّا؛ مُنْطَبِقًا عَلى ما أُضِيفَ إلَيْها مِنَ المُدَّةِ؛ أوِ الزَّمانِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ ولا يَخْفى أنَّ التَّطْلِيقَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِنَفْيِ الجُناحِ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ المَسِيسِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ فالوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ الحالُ مَكانَ الزَّمانِ؛ والمُدَّةِ؛ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: إلّا أنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ؛ أوْ: حَتّى تَفْرِضُوا لَهُنَّ عِنْدَ العَقْدِ مَهْرًا؛ عَلى أنَّ "فَرِيضَةً": "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ صِيغَةً؛ وإعْرابًا؛ والمَعْنى أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا؛ إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ؛ عَلى كُلِّ حالٍ؛ إلّا في حالِ تَسْمِيَةِ المَهْرِ؛ فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى. وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ؛ نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ وأمّا إذا كانَ بَعْدَ المِساسِ فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى؛ وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ وقِيلَ: كَلِمَةُ "أوْ" عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى (p-234)ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ؛ عَلى مَعْنى: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ؛ ولا فَرْضُ مَهْرٍ؛ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ؛ ومَتِّعُوهُنَّ؛ والحِكْمَةُ في إيجابِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ؛ وهِيَ: دِرْعٌ؛ ومِلْحَفَةٌ؛ وخِمارٌ؛ عَلى حَسَبِ الحالِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ أيْ: ما يَلِيقُ بِحالِ كُلٍّ مِنهُما؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الدّالِ؛ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ المُتْعَةِ؛ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ؛ إيسارًا؛ وإقْتارًا؛ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "مَتِّعُوهُنَّ"؛ بِحَذْفِ الرّابِطِ؛ أيْ: عَلى المُوسِعِ مِنكم.. إلَخْ.. أوْ عَلى جَعْلِ الألِفِ واللّامِ عِوَضًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم.. إلَخْ.. وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَهْرُ مِثْلِها أقَلَّ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ أقَلَّ فَلَها الأقَلُّ مِن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ ومِنَ المُتْعَةِ؛ ولا يَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ ﴿مَتاعًا﴾؛ أيْ: تَمْتِيعًا؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِالوَجْهِ الَّذِي تَسْتَحْسِنُهُ الشَّرِيعَةُ؛ والمُرُوءَةُ؛ ﴿حَقًّا﴾؛ صِفَةٌ لِـ "مَتاعًا"؛ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا؛ ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ؛ أوْ إلى المُطَلَّقاتِ؛ بِالتَّمْتِيعِ بِالمَعْرُوفِ؛ وإنَّما سُمُّوا "مُحْسِنِينَ" اعْتِبارًا لِلْمُشارَكَةِ؛ وتَرْغِيبًا؛ وتَحْرِيضًا.
2:237Page 38
وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧
And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.
﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾؛ قَبْلَ ذَلِكَ؛ ﴿فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ المَسِيسِ؛ حالَ كَوْنِكم مُسَمِّينَ لَهُنَّ فِيما سَبَقَ؛ أيْ: عِنْدَ النِّكاحِ مَهْرًا؛ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ "طَلَّقْتُمُوهُنَّ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ لِتَحْقِيقِ الرّابِطِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما؛ ونَفْسُ الفَرْضِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ؛ أوْ لِلْمَفْعُولِ؛ وإنْ لَمْ يُقارَنْ حالَةَ التَّطْلِيقِ؛ لَكِنَّ اتِّصافَ المُطَلِّقِ بِالفارِضِيَّةِ فِيما سَبَقَ مِمّا لا رَيْبَ في مُقارَنَتِهِ لَها؛ وكَذا الحالُ في اتِّصافِ المُطَلَّقَةِ بِكَوْنِها مَفْرُوضًا لَها فِيما سَبَقَ؛
﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾: أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ؛ أوْ: فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ؛ وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنفِيَّ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ إنَّما هو تَبِعَةُ المَهْرِ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: فَأدُّوا نِصْفَ ما فَرَضْتُمْ؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ حُكْمِ التَّسْمِيَةِ؛ مَعَ أنَّها الأصْلُ في العَقْدِ؛ والأكْثَرُ في الوُقُوعِ؛ لِما أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ؛ وكانَتْ مُفَوَّضَةً؛ فَطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بِها؛ فَتَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ لَهُ ﷺ عِنْدَ إظْهارِ أنْ لا شَيْءَ لَهُ -: « "مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ"؛» ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ المَفْرُوضِ مُعَيَّنًا في كُلِّ حالٍ؛ إلّا حالَ عَفْوِهِنَّ؛ فَإنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ وظاهِرُ الصِّيغَةِ في نَفْسِها يَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ؛ والتَّأْنِيثَ؛ وإنَّما الفارِقُ في الِاعْتِبارِ؛ والتَّحْقِيقِ؛ فَإنَّ الواوَ في الأُولى ضَمِيرٌ؛ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ؛ وفي الثّانِيَةِ لامُ الفِعْلِ؛ والنُّونُ ضَمِيرٌ؛ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِذَلِكَ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ تَأْثِيرَهُ فِيما عُطِفَ عَلى مَحَلِّهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ بِالنَّصْبِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الواوِ؛ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ أيْ: يَتْرُكُ الزَّوْجُ؛ المالِكُ لِعَقْدِهِ؛ وحَلِّهِ؛ ما يَعُودُ إلَيْهِ مِن نِصْفِ المَهْرِ؛ الَّذِي ساقَهُ إلَيْها كامِلًا؛ عَلى ما هو المُعْتادُ؛ تَكَرُّمًا؛ فَإنَّ تَرْكَ حَقِّهِ عَلَيْها عَفْوٌ بِلا شُبْهَةٍ؛ أوْ سُمِّيَ ذَلِكَ عَفْوًا في صُورَةِ عَدَمِ السَّوْقِ؛ (p-235)مُشاكَلَةً؛ أوْ تَغْلِيبًا لِحالِ السَّوْقِ؛ عَلى حالِ عَدَمِهِ؛ فَمَرْجِعُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ إلى مَنعِ الزِّيادَةِ في المُسْتَثْنى مِنهُ؛ كَما أنَّهُ في الصُّورَةِ الأُولى إلى مَنعِ النُّقْصانِ فِيهِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ هَذا القَدْرُ زِيادَةً؛ ولا نُقْصانَ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَهُنَّ القَدْرُ المَذْكُورُ؛ بَلْ يَنْتَفِي ذَلِكَ؛ أوْ يَنْحَطُّ؛ أوْ في حالِ عَفْوِ الزَّوْجِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُنَّ الزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ؛ هَذا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ؛ وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ في صُورَةِ عَفْوِ الزَّوْجِ لا يُتَصَوَّرُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ؛ هَذا عِنْدَنا؛ وفي القَوْلِ القَدِيمِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ المُرادَ عَفْوُ الوَلِيِّ؛ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ؛ وهو ظاهِرُ المَأْخَذِ؛ خَلا أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾؛ إلى آخِرِهِ.. فَإنَّ إسْقاطَ حَقِّ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْوى؛ وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً؛ وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وأكْمَلَ لَها الصَّداقَ؛ وقالَ: "أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ"؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَتْرُكُوا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ كالشَّيْءِ المَنسِيِّ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ؛ والخِطابِ في الفِعْلَيْنِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا؛ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَلا يَكادُ يُضَيِّعُ ما عَمِلْتُمْ مِنَ التَّفَضُّلِ؛ والإحْسانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences