Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:248–253
2:248Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."
(p-241)﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾: تَوْسِيطُهُ فِيما بَيْنَ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اتِّصالِ أحَدِهِما بِالآخَرِ؛ وتَخَلُّلِ كَلامٍ مِن جِهَةِ المُخاطَبِينَ مُتَفَرِّعٌ عَلى السّابِقِ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِلّاحِقِ؛ كَأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهُ (تَعالى) اصْطَفى طالُوتَ؛ ومَلَّكَهُ عَلَيْهِمْ؛ رُوِيَ أنَّهم قالُوا: ما آيَةُ مُلْكِهِ؟ فَقالَ: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾؛ أيْ: الصُّنْدُوقُ؛ وهو "فَعْلُوتٌ" مِن "التَّوْبُ"؛ الَّذِي هو الرُّجُوعُ؛ لِما أنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ؛ وتاؤُهُ مَزِيدَةٌ لِغَيْرِ التَّأْنِيثِ؛ كَـ "مَلَكُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ والمَشْهُورُ أنْ يُوقَفَ عَلى تائِهِ مِن غَيْرِ أنْ تُقْلَبَ هاءً؛ ومِنهم مَن يَقْلِبُها إيّاها؛ والمُرادُ بِهِ: "صُنْدُوقُ التَّوْراةِ"؛ وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ وفاةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ سُخْطًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لَمّا عَصَوْا؛ واعْتَدَوْا؛ فَلَمّا طَلَبَ القَوْمُ مِن نَبِيِّهِمْ آيَةً تَدُلُّ عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ قالَ لَهُمْ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ مِنَ السَّماءِ؛ والمَلائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ؛ فَأتاهم كَما وصَفَ؛ والقَوْمُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ حَتّى نَزَلَ عِنْدَ طالُوتَ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وقالَ أرْبابُ الأخْبارِ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أنْزَلَ عَلى آدَمَ تابُوتًا فِيهِ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِن أوْلادِهِ؛ وكانَ مِن عُودِ الشَّمْشادِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ؛ في ذِراعَيْنِ؛ فَكانَ عِنْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إلى أنْ تُوُفِّيَ؛ فَتَوارَثَهُ أوْلادُهُ؛ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ إلى أنْ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ بَقِيَ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ إلى أنْ وصَلَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَضَعُ فِيهِ التَّوْراةَ؛ وكانَ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ؛ فَكانَتْ تَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكانَ عِنْدَهُ؛ إلى أنْ تُوُفِّيَ؛ ثُمَّ تَداوَلَتْهُ أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَحاكَمُوا إلَيْهِ؛ فَيُكَلِّمُهُمْ؛ ويَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ وكانُوا إذا حَضَرُوا القِتالَ يُقَدِّمُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ ويَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ؛ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ فَوْقَ العَسْكَرِ؛ ثُمَّ يُقاتِلُونَ العَدُوَّ؛ فَإذا سَمِعُوا مِنَ التّابُوتِ صَيْحَةً اسْتَيْقَنُوا النَّصْرَ؛ فَلَمّا عَصَوْا؛ وأفْسَدُوا سَلَّطَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ؛ فَغَلَبُوهم عَلى التّابُوتِ؛ وسَلَبُوهُ؛ وجَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ؛ والغائِطِ؛ فَلَمّا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يُمَلِّكَ طالُوتَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ البَلاءَ؛ حَتّى إنَّ كُلَّ مَن بالَ عِنْدَهُ ابْتُلِيَ بِالبَواسِيرِ؛ وهَلَكَتْ مِن بِلادِهِمْ خَمْسُ مَدائِنَ؛ فَعَلِمَ الكُفّارُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْتِهانَتِهِمْ بِالتّابُوتِ؛ فَأخْرَجُوهُ؛ وجَعَلُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ؛ فَأقْبَلَ الثَّوْرانِ يَسِيرانِ؛ وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ؛ يَسُوقُونَهُما حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ؛ فَلَمّا سَألُوا نَبِيَّهُمُ البَيِّنَةَ عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنَّكم تَجِدُونَ التّابُوتَ في دارِهِ؛ فَلَمّا وجَدُوهُ عِنْدَهُ أيْقَنُوا بِمُلْكِهِ.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكُمْ؛ وطُمَأْنِينَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّكُمْ؛ أوْ: في التّابُوتِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ؛ وهو التَّوْراةُ؛ المُودَعَةُ فِيهِ؛ بِناءً عَلى ما مَرَّ مِن أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ؛ فَتَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ: السَّكِينَةُ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ؛ مِن زَبَرْجَدٍ؛ أوْ ياقُوتٍ؛ لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ؛ كَرَأْسِ الهِرِّ؛ وذَنَبِهِ؛ وجَناحانِ؛ فَتَئِنُّ؛ فَيُزَفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ؛ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ؛ فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا؛ وسَكَنُوا؛ ونَزَلَ النَّصْرُ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "كانَ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ؛ وفِيها رِيحٌ هَفّافَةٌ"؛ ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾: (p-242)هِيَ رُضاضُ الألْواحِ؛ وعَصا مُوسى؛ وثِيابُهُ؛ وشَيْءٌ مِنَ التَّوْراةِ؛ وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ بَعْدَ وفاةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلُهُما: أبْناؤُهُما؛ أوْ: أنْفُسُهُما؛ والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما؛ أوْ: أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾: حالٌ مِنَ التّابُوتِ؛ أيْ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ إتْيانُهُ حالَ كَوْنِهِ مَحْمُولًا لِلْمَلائِكَةِ؛ وقَدْ مَرَّ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ حَمْلَ المَلائِكَةِ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ عِبارَةٌ عَنْ سَوْقِهِمْ لِلثَّوْرَيْنِ الحامِلَيْنِ لَهُ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ التّابُوتِ؛ فَهو مِن تَمامِ كَلامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ؛ أوْ إلى نَقْلِ القِصَّةِ؛ وحِكايَتِها؛ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ جِيءَ بِهِ قَبْلَ تَمامِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ؛ وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ عَظِيمَةً؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ دالَّةً عَلى مُلْكِ طالُوتَ؛ أوْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ حَيْثُ أخْبَرَ بِهَذِهِ التَّفاصِيلِ؛ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِنَ البَشَرِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْكُمْ؛ أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ؛ و"إنْ": شَرْطِيَّةٌ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ؛ وقِيلَ: هي بِمَعْنى "إذْ".
2:249Page 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾: أيْ: انْفَصَلَ بِهِمْ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ والأصْلُ: "فَصَلَ نَفْسَهُ"؛ ولَمّا اتَّحَدَ فاعِلُهُ؛ ومَفْعُولُهُ؛ شاعَ اسْتِعْمالُهُ مَحْذُوفَ المَفْعُولِ؛ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ القاصِرِ؛ كَـ "انْفَصَلَ"؛ وقِيلَ: "فَصَلَ؛ فُصُولًا"؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ؛ مُمْتازًا مِنَ المُتَعَدِّي بِمَصْدَرِهِ؛ كَـ "وَقَفَ؛ وُقُوفًا"؛ و"وَقَفَهُ؛ وقْفًا"؛ وكَـ "صَدَّ؛ صُدُودًا"؛ و"صَدَّهُ؛ صَدًّا"؛ و"رَجَعَ؛ رُجُوعًا"؛ و"رَجَعَهُ؛ رَجْعًا"؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "طالُوتُ"؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِمْ؛ ومُصاحِبًا لَهُمْ؛ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: "لا يَخْرُجْ مَعِي رَجُلٌ بَنى بِناءً لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ؛ ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ؛ ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها؛ ولا أبْتَغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ؛ الفارِغَ؛ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا؛ وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا؛ وسَلَكُوا مَفازَةً؛ فَسَألُوا أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ (تَعالى) لَهم نَهْرًا؛ فَبَعْدَما ظَهَرَ لَهُ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ (تَعالى) مِن جِهَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ؛ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِنُبُوَّتِهِ؛ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾؛ بِفَتْحِ الهاءِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾؛ أيْ: ابْتَدَأ شُرْبَهُ مِنَ النَّهْرِ؛ بِأنْ كَرَعَ؛ لِأنَّهُ الشُّرْبُ مِنهُ حَقِيقَةً؛ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أيْ: مِن جُمْلَتِي؛ وأشْياعِي المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي؛ ومُتَّحِدٍ مَعِي؛ مِن قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ مِنِّي"؛ كَأنَّهُ بَعْضُهُ؛ لِكَمالِ اخْتِلاطِهِما؛ ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾؛ أيْ: لَمْ يَذُقْهُ؛ مِن "طَعِمَ الشَّيْءَ"؛ إذا ذاقَهُ؛ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا؛ أوْ غَيْرَهُما؛ قالَ:
؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
؛ أيْ: نَوْمًا؛ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِها؛ ومَعْناهُ: الرُّخْصَةُ في اغْتِرافِ الغُرْفَةِ بِاليَدِ؛ دُونَ الكُرُوعِ؛ و"الغُرْفَةُ": ما يُغْرَفُ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ؛ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اغْتَرَفَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "غُرْفَةً"؛ أيْ: غُرْفَةً كائِنَةً بِيَدِهِ؛ يُرْوى أنَّ الغُرْفَةَ كانَتْ (p-243)تَكْفِي الرَّجُلَ لِشُرْبِهِ؛ وإداوَتِهِ؛ ودَوابِّهِ؛ وأمّا الَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ فَقَدِ اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ؛ وغَلَبَهُمُ العَطَشُ؛ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فابْتُلُوا بِهِ؛ فَشَرِبُوا مِنهُ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾؛ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ فِيما سَلَفَ؛ بِالِاسْتِثْناءِ مِنَ التَّوَلِّي؛ وقُرِئَ: "إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ"؛ مَيْلًا إلى جانِبِ المَعْنى؛ وضَرْبًا عَنْ عُدْوَةِ اللَّفْظِ جانِبًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾؛ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: "فَلَمْ يُطِيعُوهُ"؛ فَحُقَّ أنْ يَرِدَ المُسْتَثْنى مَرْفُوعًا؛ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎ وعَضَّ زَمانٌ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
فَإنَّ قَوْلَهُ "لَمْ يَدَعْ"؛ في حُكْمِ "لَمْ يَبْقَ"؛ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾؛ أيْ: النَّهْرَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: طالُوتُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُؤَكَّدِ بِالمُنْفَصِلِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاوَزَ"؛ لا بِـ "آمَنُوا"؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مِنَ المَوْصُولِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "فَلَمّا جاوَزَهُ والحالُ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كائِنُونَ مَعَهُ؛ وهم أُولَئِكَ القَلِيلُ"؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن عَداهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: بَعْضُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِبَعْضٍ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾؛ أيْ: بِمُحارَبَتِهِمْ؛ ومُقاوَمَتِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَنا غَلَبَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِما شاهَدُوا مِنهم مِنَ الكَثْرَةِ؛ والشِّدَّةِ؛ قِيلَ: كانُوا مِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ شاكِي السِّلاحِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُخاطِبُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾؛ قِيلَ: أيْ: الخُلَّصُ مِنهُمْ؛ الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ لِقاءَ اللَّهِ (تَعالى) بِالبَعْثِ؛ ويَتَوَقَّعُونَ ثَوابَهُ؛ وإفْرادُهم بِذَلِكَ الوَصْفِ لا يُنافِي إيمانَ الباقِينَ؛ فَإنَّ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ في التَّيَقُّنِ؛ والتَّوَقُّعِ مُتَفاوِتَةٌ؛ أوْ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يُسْتَشْهَدُونَ عَمّا قَرِيبٍ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ (تَعالى)؛ وقِيلَ: المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً؛ والضَّمِيرُ في "قالُوا" لِلْمُنْخَذِلِينَ عَنْهُمْ؛ كَأنَّهم قالُوهُ اعْتِذارًا عَنِ التَّخَلُّفِ؛ والنَّهْرُ بَيْنَهُما؛ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾؛ أيْ: فِرْقَةٍ؛ وجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ؛ مِن "فَأوْتُ رَأْسَهُ"؛ إذا شَقَقْتُها؛ أوْ مِن "فاءَ إلَيْهِ"؛ إذا رَجَعَ؛ فَوَزْنُها عَلى الأوَّلِ "فِعَةٌ"؛ وعَلى الثّانِي "فِلَةٌ"؛ ﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾؛ و"كَمْ"؛ خَبَرِيَّةً كانَتْ أوِ اسْتِفْهامِيَّةً؛ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ؛ وهي في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ؛ خَبَرُها "غَلَبَتْ"؛ أيْ: كَثِيرٌ مِنَ الفِئاتِ القَلِيلَةِ غَلَبَتِ الفِئاتِ الكَثِيرَةَ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِحُكْمِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ فَإنَّ دَوَرانَ كافَّةِ الأُمُورِ عَلى مَشِيئَتِهِ (تَعالى)؛ فَلا يُذَلُّ مَن نَصَرَهُ؛ وإنْ قَلَّ عَدَدُهُ؛ ولا يُعَزُّ مَن خَذَلَهُ؛ وإنْ كَثُرَ أسْبابُهُ؛ وعَدَدُهُ؛ وقَدْ رُوعِيَ في الجَوابِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ "أطاقَتْ بِفِئَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ حَسْبَما وقَعَ في كَلامِ أصْحابِهِمْ؛ مُبالَغَةً في رَدِّ مَقالَتِهِمْ؛ وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ؛ وهَذا كَما تَرى جَوابٌ ناشِئٌ مِن كَمالِ ثِقَتِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَوْفِيقِهِ؛ ولا دَخْلَ في ذَلِكَ لِظَنِّ لِقاءِ اللَّهِ (تَعالى) بِالبَعْثِ؛ لا سِيَّما بِالِاسْتِشْهادِ؛ فَإنَّ العِلْمَ بِهِ رُبَّما يُورِثُ اليَأْسَ مِنَ الغَلَبَةِ؛ ولا لِتَوَقُّعِ ثَوابِهِ (تَعالى)؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَدارًا لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ؛ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ وصْفًا مُلائِمًا لَهُ؛ فَلَعَلَّ المُرادَ بِلِقائِهِ (تَعالى) لِقاءُ نَصْرِهِ؛ وتَأْيِيدِهِ؛ عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً؛ كَما عُبِّرَ عَنْ مُقارَنَةِ نَصْرِهِ (تَعالى) بِمُقارَنَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾؛ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ؛ وتَوْفِيقِهِ حَتْمًا؛ وحَمْلُها عَلى المَعِيَّةِ بِالإثابَةِ؛ كَما فُعِلَ؛ يَأْباهُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ تَتْمِيمًا لِجَوابِهِمْ؛ وتَأْكِيدًا لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ؛ تَشْجِيعًا لِأصْحابِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لَهم عَلى الصَّبْرِ المُؤَدِّي إلى الغَلَبَةِ؛ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِما ذُكِرَ مِنَ المَعِيَّةِ بِالإثابَةِ قَطْعًا؛ وكَذا الحالُ إذا جُعِلَ ذَلِكَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِكَلامِهِمْ؛ والمَعْنى: "قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ؛ أوْ يَعْلَمُونَ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ؛ أوْ مِن جِهَةِ التّابُوتِ؛ والسِّكِّينَةِ؛ أنَّهم مُلاقُو نَصْرِ اللَّهِ العَزِيزِ: كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى)! فَنَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُ جالُوتَ؛ وجُنُودَهُ"؛ وإيرادُ خَبَرِ "أنَّ" اسْمًا؛ مَعَ أنَّ اللِّقاءَ (p-244)مُسْتَقْبَلٌ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَرُّرِهِ؛ وتَحَقُّقِهِ.
2:250Page 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
﴿وَلَمّا بَرَزُوا﴾: أيْ: ظَهَرَ طالُوتُ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وصارُوا إلى بِرازٍ مِنَ الأرْضِ؛ في مَوْطِنِ الحَرْبَ؛ ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾؛ وشاهَدُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ؛ والعُدَدِ؛ وأيْقَنُوا أنَّهم غَيْرُ مُطِيقِينَ بِهِمْ عادَةً؛ قالُوا؛ أيْ: جَمِيعًا عِنْدَ تَقَوِّي قُلُوبِ الفَرِيقُ الأوَّلِ مِنهم بِقَوْلِ الفَرِيقِ الثّانِي؛ مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ مُسْتَعِينِينَ بِهِ: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ عَلى مُقاساةِ شَدائِدِ الحَرْبِ؛ واقْتِحامِ مَوارِدِها الصَّعْبَةِ؛ الضَّيِّقَةِ؛ وفي التَّوَسُّلِ بِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ؛ وإيثارِ الإفْراغِ؛ المُعْرِبِ عَنِ الكَثْرَةِ؛ وتَنْكِيرِ الصَّبْرِ؛ المُفْصِحِ عَنِ التَّفْخِيمِ؛ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى؛ ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾؛ في مَداحِضِ القِتالِ؛ ومَزالِّ النِّزالِ. وثَباتُ القَدَمِ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ القُوَّةِ؛ والرُّسُوخِ؛ عِنْدَ المُقارَعَةِ؛ وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ وقْتَ المُقاوَمَةِ؛ لا مُجَرَّدِ التَّقَرُّرِ في حَيِّزٍ واحِدٍ؛ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ بِقَهْرِهِمْ؛ وهَزِمِهِمْ. ووَضْعُ "الكافِرِينَ" في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى "جالُوتَ وجُنُودِهِ"؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ؛ ولَقَدْ راعَوْا في الدُّعاءِ تَرْتِيبًا بَدِيعًا؛ حَيْثُ قَدَّمُوا سُؤالَ إفْراغِ الصَّبْرِ؛ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ؛ ثُمَّ سُؤالَ تَثْبِيتِ القَدَمِ؛ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ سُؤالَ النَّصْرِ؛ الَّذِي هو الغايَةُ القُصْوى.
2:251Page 41
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾؛ أيْ: كَسَرُوهم بِلا مُكْثٍ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ بِنَصْرِهِ؛ وتَأْيِيدِهِ؛ إجابَةً لِدُعائِهِمْ؛ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ إلَخْ.. لِلْمُحافَظَةِ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: "غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ"؛ ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾؛ كانَ "إيشى"؛ أبُو داوُدَ؛ في عَسْكَرِ طالُوتَ؛ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سابِعَهُمْ؛ وكانَ صَغِيرًا؛ يَرْعى الغَنَمَ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ؛ فَجاءَ؛ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ؛ قالَ لَهُ كُلٌّ مِنها: احْمِلْنا؛ فَإنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ؛ قِيلَ: لَمّا أبْطَأ عَلى أبِيهِ خَبَرُ إخْوَتِهِ في المَصافِّ؛ أرْسَلَ داوُدُ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ؛ فَأتاهم وهم في القِراعِ؛ وقَدْ بَرَزَ جالُوتُ بِنَفْسِهِ إلى البِرازِ؛ ولا يَكادُ يُبارِزُهُ أحَدٌ؛ وكانَ ظِلُّهُ مِيلًا؛ فَقالَ داوُدُ لِإخْوَتِهِ: أما فِيكم مَن يَخْرُجُ إلى هَذا الأقْلَفِ؟ فَزَجَرُوهُ؛ فَنَحا ناحِيَةً أُخْرى؛ لَيْسَ فِيها إخْوَتُهُ؛ وقَدْ مَرَّ بِهِ طالُوتُ وهو يُحَرِّضُ النّاسَ عَلى القِتالِ؛ فَقالَ لَهُ داوُدُ: ما تَصْنَعُونَ بِمَن يَقْتُلُ هَذا الأقْلَفَ؟ قالَ طالُوتُ: أُنْكِحُهُ بِنْتِي؛ وأُعْطِيهِ شَطْرَ مَمْلَكَتِي؛ فَبَرَزَ لَهُ داوُدُ؛ فَرَماهُ بِما مَعَهُ مِنَ الأحْجارِ؛ بِالمِقْلاعِ؛ فَأصابَهُ في صَدْرِهِ؛ فَنَفَذَ الأحْجارُ مِنهُ؛ وقَتَلَتْ بَعْدَهُ ناسًا كَثِيرًا؛ وقِيلَ: إنَّما كَلَّمَتْهُ الأحْجارُ عِنْدَ بُرُوزِهِ لِجالُوتَ؛ في المَعْرَكَةِ؛ فَأنْجَزَ لَهُ طالُوتُ ما وعَدَهُ؛ وقِيلَ: إنَّهُ حَسَدَهُ؛ وأخْرَجَهُ مِن مَمْلَكَتِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَهُ؛ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ إلى أنْ قُتِلَ؛ ومُلِّكَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأُعْطِيَ النُّبُوَّةَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ أيْ: مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ في مَشارِقِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ومَغارِبِها؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ؛ ولَمْ يَجْتَمِعْ في بَنِي إسْرائِيلَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ قَبْلَهُ؛ إلّا لَهُ؛ بَلْ كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ؛ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ (p-245)آخَرَ؛ وما اجْتَمَعُوا قَبْلَهُ عَلى مَلِكٍ قَطُّ؛ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِمّا يَشاءُ اللَّهُ (تَعالى) تَعْلِيمَهُ إيّاهُ؛ لا مِمّا يَشاءُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ كَما قِيلَ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ (تَعالى) إيّاهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ؛ ولا يَقَعُ في أُمْنِيَّةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كالسَّرْدِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ؛ ومَنطِقِ الطَّيْرِ؛ والدَّوابِّ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ؛ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾؛ الَّذِينَ يُباشِرُونَ الشَّرَّ والفَسادَ؛ ﴿بِبَعْضٍ﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ بِرَدِّهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ القَتْلِ؛ كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وقُرِئَ: "دِفاعُ اللَّهِ"؛ عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾؛ وبَطَلَتْ مَنافِعُها؛ وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والنَّسْلِ؛ وسائِرِ ما يَعْمُرُ الأرْضَ؛ ويُصْلِحُها؛ وقِيلَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِعَيْثِهِمْ؛ وقَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ؛ أوْ: لَوْ لَمْ يَدْفَعْهم بِالمُسْلِمِينَ لَعَمَّ الكُفْرُ؛ ونَزَلَتِ السَّخْطَةُ؛ فاسْتُؤْصِلَ أهْلُ الأرْضِ قاطِبَةً؛ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾؛ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾؛ كافَّةً؛ وهَذا إشارَةٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ؛ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضِ المُقَدَّمِ؛ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ التّالِي؛ خَلا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ ما يَسْتَتْبِعُهُ؛ ويَسْتَوْجِبُهُ؛ أعْنِي كَوْنَهُ (تَعالى) ذا فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ؛ إيذانًا بِأنَّهُ (تَعالى) مُتَفَضِّلٌ في ذَلِكَ الدَّفْعِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وأنَّ فَضْلَهُ (تَعالى) غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ؛ بَلْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ فَضْلِهِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهُ (تَعالى) يَدْفَعُ فَسادَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ فَلا تَفْسَدُ الأرْضُ؛ وتَنْتَظِمُ بِهِ مَصالِحُ العالَمِ؛ وتَنْصَلِحُ أحْوالُ الأُمَمِ.
2:252Page 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.
﴿تِلْكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ؛ وخَبَرِ طالُوتَ؛ عَلى التَّفْصِيلِ المَرْقُومِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ؛ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾؛ المُنْزَلَةُ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ؛ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ؛ وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "نَتْلُوها"؛ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِاليَقِينِ؛ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وأرْبابِ التَّوارِيخِ؛ لِما يَجِدُونَها مُوافِقَةً لِما في كُتُبِهِمْ؛ أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ والصِّدْقِ؛ ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى الأُمَمِ؛ لِتَبْلِيغِ رِسالاتِنا؛ وإجْراءِ أوامِرِنا؛ وأحْكامِنا عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ هَذِهِ المُعامَلَةَ لا تَجْرِي بَيْنَنا وبَيْنَ غَيْرِهِمْ؛ فَهي شَهادَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِرِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ ما يَسْتَوْجِبُها؛ والتَّأْكِيدُ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ الجاحِدِينَ بِها.
2:253Page 42
۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣
Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾: اسْتِئْنافٌ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن (p-246)أفاضِلِ الرُّسُلِ؛ العِظامِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ والإشارَةُ إلى الجَماعَةِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فاللّامُ في المَآلِ لِلِاسْتِغْراقِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ؛ وقِيلَ: إلى الَّذِينَ ثَبَتَ عِلْمُهُ ﷺ بِهِمْ؛ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾؛ في مَراتِبِ الكَمالِ؛ بِأنْ خَصَصْناهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا؛ بِمَآثِرَ جَلِيلَةٍ؛ خَلا عَنْها غَيْرُهُ؛ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾: تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا؛ أيْ: فَضَّلَهُ بِأنْ كَلَّمَهُ (تَعالى) بِغَيْرِ سَفِيرٍ؛ وهو مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ كَلَّمَهُ (تَعالى) لَيْلَةَ الخِيَرَةِ؛ وفي الطُّورِ؛ وقُرِئَ: "كَلَّمَ اللَّهَ"؛ بِالنَّصْبِ؛ وقُرِئَ: "كالَمَ اللَّهَ"؛ مِن "المُكالَمَةُ"؛ فَإنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ (تَعالى)؛ كَما أنَّهُ (تَعالى) كَلَّمَهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ: "كَلِيمُ اللَّهِ"؛ بِمَعْنى "مُكالِمُهُ"؛ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والرَّمْزِ إلى ما بَيْنَ التَّكْلِيمِ؛ والرَّفْعِ؛ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ؛ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ مِنَ التَّفاوُتِ؛ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ؛ المُتَفاوِتِينَ في مَعارِجِ الفَضْلِ بِدَرَجاتٍ قاصِيَةٍ؛ ومَراتِبَ نائِيَةٍ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ؛ والظّاهِرُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ بَعْضِهِمْ؛ فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ؛ والحُجَجِ الجَمَّةِ؛ والمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ؛ والآياتِ المُتَعاقِبَةِ بِتَعاقُبِ الدُّهُورِ؛ والفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ؛ والعَمَلِيَّةِ؛ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ. والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ؛ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ؛ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ خَصَّهُ (تَعالى) بِكَرامَةِ الخُلَّةِ؛ وقِيلَ: إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَيْثُ رَفَعَهُ مَكانًا عَلِيًّا؛ وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ الآياتِ الباهِرَةَ؛ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ؛ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ؛ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمَغِيباتِ؛ أوْ: الإنْجِيلَ؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وهي رُوحُ عِيسى؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدُسِ لِلْكَرامَةِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ والأرْحامُ الطَّوامِثُ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما مَرَّ؛ وإفْرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّفْرِيطِ؛ والإفْراطِ؛ والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَفاوِتَةُ الأقْدارِ؛ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ولَكِنْ بِقاطِعٍ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: جاؤُوا مِن بَعْدِ الرُّسُلِ؛ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ ما اقْتَتَلُوا؛ بِأنْ جَعَلَهم مُتَّفِقِينَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ المُتَّفِقَةِ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ؛ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ؛ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ولَوْ شاءَ هُدى النّاسِ جَمِيعًا ما اقْتَتَلَ.. إلَخْ.. ولَيْسَ بِذاكَ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾؛ مِن جِهَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ ﴿البَيِّناتِ﴾؛ المُعْجِزاتُ الواضِحَةُ؛ والآياتُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ الحَقِّ؛ المُوجِبَةِ لِاتِّباعِهِمُ؛ الزّاجِرَةُ عَنِ الإعْراضِ عَنْ سَنَنِهِمُ؛ المُؤَدِّي إلى الِاقْتِتالِ؛ فَـ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اقْتَتَلَ"؛ ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾: اسْتِدْراكٌ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ؛ أُشِيرَ بِهِ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ؛ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضِ مُقَدَّمِها؛ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ تالِيها؛ إلّا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ مَوْضِعَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ مِن قِبَلِهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ (تَعالى) ابْتِداءً؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا فاحِشًا؛ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾؛ بِما جاءَتْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ مِنَ البَيِّناتِ؛ وعَمِلُوا بِهِ؛ ﴿وَمِنهم مَن كَفَرَ﴾؛ بِذَلِكَ كُفْرًا لا ارْعِواءَ لَهُ عَنْهُ؛ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ (p-247)عَدَمَ مَشِيئَتِهِ (تَعالى) لِعَدَمِ اقْتِتالِهِمْ؛ فاقْتَتَلُوا بِمُوجِبِ اقْتِضاءِ أحْوالِهِمْ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ؛ والشِّقاقِ؛ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِلِاقْتِتالِ؛ بِحَسَبِ العادَةِ؛ ﴿ما اقْتَتَلُوا﴾؛ وما نَبَضَ مِنهم عِرْقُ التَّطاوُلِ؛ والتَّعادِي؛ لِما أنَّ الكُلَّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ (تَعالى)؛ فالتَّكْرِيرُ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ؛ كَما ظُنَّ؛ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَهم ذَلِكَ لَيْسَ مُوجِبًا لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ (تَعالى) لِعَدَمِ اقْتِتالِهِمْ؛ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن وضْعِهِ في الِاسْتِدْراكِ مَوْضِعَهُ؛ بَلْ هو - سُبْحانَهُ - مُخْتارٌ في ذَلِكَ؛ حَتّى لَوْ شاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ ما اقْتَتَلُوا؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ؛ والعَدَمِيَّةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَدَمُ مَشِيئَتِهِ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ؛ فَإنَّ التَّرْكَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ الأفْعالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؛ حَسْبَما يُرِيدُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ؛ أوْ يَمْنَعَهُ مِنهُ مانِعٌ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الحَوادِثَ تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا؛ إيمانًا كانَ أوْ كُفْرًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences