Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:263–271
2:263Page 44
۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣
Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أيْ: كَلامٌ جَمِيلٌ؛ تَقْبَلُهُ القُلُوبُ؛ ولا تُنْكِرُهُ؛ يُرَدُّ بِهِ السّائِلُ مِن غَيْرِ إعْطاءِ شَيْءٍ؛ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: سَتْرٌ لِما وقَعَ مِنَ السّائِلِ مِنَ الإلْحافِ في المَسْألَةِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ؛ وصَفْحٌ عَنْهُ؛ وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في الأوَّلِ لِاخْتِصاصِها بِالوَصْفِ؛ وفي الثّانِي بِالعَطْفِ؛ أوْ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ؛ أيْ: ومَغْفِرَةٌ كائِنَةٌ مِنَ المَسْؤُولِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: لِلسّائِلِ؛ ﴿مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ لِكَوْنِها مَشُوبَةً بِضَرَرِ ما يَتْبَعُها؛ وخُلُوصِ الأوَّلَيْنِ مِنَ الضَّرَرِ؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ تَرْكِ إتْباعِ المَنِّ والأذى؛ وتَفْسِيرُ المَغْفِرَةِ بِنَيْلِ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ؛ أوْ بِعَفْوِ السّائِلِ؛ بِناءً عَلى اعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَسْؤُولِ؛ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ في الصَّدَقَةِ المَوْصُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ في الجُمْلَةِ؛ مَعَ بُطْلانِها بِالمَرَّةِ؛ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾؛ لا يُحْوِجُ الفُقَراءَ إلى تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ المَنِّ؛ والأذى؛ ويَرْزُقُهم مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ لا يُعاجِلُ أصْحابَ المَنِّ؛ والأذى بِالعُقُوبَةِ؛ لا أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها بِسَبَبِهِما؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها؛ مُشْتَمِلٌ عَلى الوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ مُقَرِّرٌ لِاعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى السّائِلِ قَطْعًا.
2:264Page 44
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤
O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: (p-259)أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ؛ إثْرَ بَيانِ ما بَيَّنَ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ مُبالَغَةً في إيجابِ العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ؛ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾؛ أيْ: لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِواحِدٍ مِنهُما؛ ﴿كالَّذِي﴾: في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تُبْطِلُوها إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي؛ ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾؛ وإمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُبْطِلُوا"؛ أيْ: لا تُبْطِلُوها مُشابِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ؛ أيْ: الَّذِي يُبْطِلُ إنْفاقَهُ بِالرِّياءِ؛ وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ؛ عَلى ما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ وانْتِصابُ "رِئاءَ" إمّا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِـ "يُنْفِقُ"؛ أيْ: لِأجْلِ رِئائِهِمْ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ مُرائِيًا؛ والمُرادُ بِهِ المُنافِقُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ حَتّى يَرْجُوَ ثَوابًا؛ أوْ يَخْشى عِقابًا؛ ﴿فَمَثَلُهُ﴾؛ الفاءُ لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ أيْ: فَمَثَلُ المُرائِي في الإنْفاقِ؛ وحالَتِهِ العَجِيبَةِ؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾؛ أيْ: حَجَرٍ أمْلَسَ؛ ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يَسِيرُ مِنهُ؛ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾؛ أيْ: مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ؛ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾؛ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ أصْلًا؛ ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾؛ لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوا رِئاءً؛ ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا قَطْعًا؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾؛ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ؛ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ.. إلَخْ.. ومِن ضَرُورَةِ كَوْنِ مَثَلِهِمْ كَما ذُكِرَ كَوْنُ مَثَلِ مَن يُشْبِهُهُمْ؛ وهم أصْحابُ المَنِّ؛ والأذى؛ كَذَلِكَ؛ والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلْمَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾؛ لِما أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ؛ أوِ الجَمْعُ؛ أوِ الفَرِيقُ؛ كَما أنَّ الضَّمائِرَ الأرْبَعَةَ السّابِقَةَ لَهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ؛ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ إلى الخَيْرِ؛ والرَّشادِ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الرِّياءِ؛ والمَنِّ؛ والأذى؛ مِن خَصائِصِ الكُفّارِ؛ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَنِبُوها.
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾: أيْ: لِطَلَبِ رِضاهُ؛ ﴿وَتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: ولِتَثْبِيتِ بَعْضِ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ؛ فَـ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "هَزَّ مِن عِطْفِهِ"؛ و"حَرَّكَ مِن نَشاطِهِ"؛ فَإنَّ المالَ شَقِيقُ الرُّوحِ؛ فَمَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ (تَعالى) فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ؛ ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ فَقَدْ ثَبَّتَها كُلَّها؛ أوْ: وتَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ؛ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ؛ فَـ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ؛ مُخْلِصَةٌ فِيهِ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ"؛ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ؛ وحُبِّ المالِ؛ الَّذِي هو رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ؛ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾؛ "الرَّبْوَةُ" - بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ؛ وقَدْ قُرِئَتْ بِها -: المَكانُ المُرْتَفِعُ؛ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ في الزَّكاةِ كَمَثَلِ بُسْتانٍ كائِنٍ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ؛ مَأْمُونٍ مِن أنْ يَصْطَلِمَهُ البَرْدُ؛ لِلَطافَةِ هَوائِهِ بِهُبُوبِ الرِّياحِ المُلَطِّفَةِ لَهُ؛ فَإنَّ أشْجارَ الرُّبا تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا؛ وأزْكى ثَمَرًا؛ وأمّا الأراضِي المُنْخَفِضَةُ فَقَلَّما تَسْلَمُ ثِمارُها مِنَ البَرْدِ؛ لِكَثافَةِ هَوائِها بِرُكُودِ الرِّياحِ؛ وقُرِئَ: "كَمَثَلِ حَبَّةٍ"؛ ﴿أصابَها وابِلٌ﴾: مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ؛ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾؛ ثَمَرَتَها؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الكافِ؛ تَخْفِيفًا؛ ﴿ضِعْفَيْنِ﴾؛ أيْ: مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ (p-260)الوابِلِ؛ والمُرادُ بِالضِّعْفِ: المِثْلُ؛ وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالٍ؛ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن "أُكُلَها"؛ أيْ: مُضاعَفًا؛ ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾؛ أيْ: فَطَلٌّ يَكْفِيها؛ لِجَوْدَتِها؛ وكَرَمِ مَنبَتِها؛ ولَطافَةِ هَوائِها؛ وقِيلَ: فَيُصِيبُها طَلٌّ؛ وهو المَطَرُ الصَّغِيرُ القَطْرِ؛ وقِيلَ: فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ؛ والمَعْنى أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ لا تَضِيعُ بِحالٍ؛ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ ما يُقارِنُها مِنَ الأحْوالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ؛ والقَلِيلَةِ؛ وبَيْنَ الجَنَّةِ المَعْهُودَةِ؛ بِاعْتِبارِ ما أصابَها مِنَ المَطَرِ الكَثِيرِ؛ واليَسِيرِ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أُكُلَها؛ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُمْ؛ جَلَّتْ؛ أوْ قَلَّتْ؛ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ (تَعالى)؛ زاكِيَةٌ؛ زائِدَةٌ في زُلْفاهُمْ؛ وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ وهو تَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ؛ مَعَ تَحْذِيرٍ مِنَ الرِّياءِ ونَحْوِهِ.
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾: "الوُدُّ": حُبُّ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ؛ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَهُما؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ: "أأضْرِبُ أبِي؟"؛ لا لِإنْكارِ الواقِعِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "أتَضْرِبُ أباكَ؟"؛ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ لَيْسَ جَمِيعَ ما تَعَلَّقَ بِهِ الوُدُّ؛ بَلْ إنَّما هو إصابَةُ الإعْصارِ؛ وما يَتْبَعُها مِنَ الِاحْتِراقِ؛ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؛ وقُرِئَ: "جَنّاتٌ"؛ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾؛ أيْ: كائِنَةٌ مِنهُما؛ عَلى أنْ يَكُونَ الأصْلُ؛ والرُّكْنُ فِيها هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ الجامِعَيْنِ لِفُنُونِ المَنافِعِ؛ والباقِي مِنَ المُسْتَتْبِعاتِ؛ لا عَلى أنْ يَكُونَ فِيها غَيْرُهُما؛ كَما سَتَعْرِفُهُ؛ و"الجَنَّةُ": تُطْلَقُ عَلى الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ؛ المُتَكاثِفَةِ؛ قالَ زُهَيْرٌ:
؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُفَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
وَعَلى الأرْضِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ إذْ عَلى الثّانِي لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِها؛ وكَذا لا بُدَّ مِن جَعْلِ إسْنادِ الِاحْتِراقِ إلَيْها فِيما سَيَأْتِي مَجازِيًّا؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها صِفَةُ "جَنَّةٌ"؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾؛ كَذَلِكَ؛ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّها حالٌ مِنها؛ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ؛ ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾: الظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرٌ؛ والثّانِي حالٌ؛ والثّالِثُ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ قائِمَةٌ مَقامَهُ؛ أيْ: لَهُ رِزْقٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ.. إلَخْ.. ولَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ العُمُومَ؛ بَلْ إنَّما هو التَّكْثِيرُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾؛ أيْ: كِبَرُ السِّنِّ؛ الَّذِي هو مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَنافِعِها؛ ومَئِنَّةُ كَمالِ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِ أسْبابِ المَعاشِ؛ والواوُ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ؛ ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أصابَهُ"؛ أيْ: أصابَهُ الكِبَرُ والحالُ أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً صِغارًا؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَسْبِ؛ وتَرْتِيبِ مَبادِي المَعاشِ؛ وقُرِئَ: "ضِعافٌ"؛ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾؛ أيْ: رِيحٌ عاصِفَةٌ؛ تَسْتَدِيرُ في الأرْضِ؛ ثُمَّ تَنْعَكِسُ مِنها ساطِعَةً إلى السَّماءِ؛ عَلى هَيْئَةِ العَمُودِ؛ ﴿فِيهِ نارٌ﴾؛ شَدِيدَةٌ؛ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾: عَطْفٌ عَلى "فَأصابَها"؛ وهَذا كَما تَرى تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن يَعْمَلُ أعْمالَ البِرِّ والحَسَناتِ؛ ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها مِنَ القَوادِحِ؛ ثُمَّ يَجِدُها يَوْمَ القِيامَةِ؛ عِنْدَ كَمالِ حاجَتِهِ إلى ثَوابِها؛ هَباءً مَنثُورًا؛ في التَّحَسُّرِ؛ (p-261)والتَّأسُّفِ عَلَيْها؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: تَوْحِيدُ الكافِ؛ مَعَ كَوْنِ المُخاطَبِ جَمْعًا؛ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ مِرارًا؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ الجارِي في الظُّهُورِ مُجْرى الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ كَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها؛ وتَعْتَبِرُوا بِما فِيها مِنَ العِبَرِ؛ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾: بَيانٌ لِحالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ؛ إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ؛ وكَيْفِيَّتِهِ؛ أيْ: أنْفِقُوا مِن حَلالِ ما كَسَبْتُمْ؛ وجِيادِهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ .
﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾: أيْ: مِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الحُبُوبِ؛ والثِّمارِ؛ والمَعادِنِ؛ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾؛ بِفَتْحِ التّاءِ؛ أصْلُهُ: "وَلا تَتَيَمَّمُوا"؛ وقُرِئَ بِضَمِّها؛ وقُرِئَ: "وَلا تَأمَّمُوا"؛ والكُلُّ بِمَعْنى: "القَصْدُ"؛ أيْ: لا تَقْصِدُوا؛ ﴿الخَبِيثَ﴾؛ أيْ: الرَّدِيءَ؛ الخَسِيسَ؛ وهو كالطَّيِّبِ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ؛ الَّتِي لا تُذْكَرُ مَوْصُوفاتُها؛ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُنْفِقُونَ"؛ والضَّمِيرُ لِـ "الخَبِيثَ"؛ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تَيَمَّمُوا"؛ أيْ: لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ؛ قاصِرِينَ الإنْفاقَ عَلَيْهِ؛ أوْ مِن "الخَبِيثَ"؛ أيْ: مُخْتَصًّا بِهِ الإنْفاقُ؛ وأيًّا ما كانَ فالتَّخْصِيصُ لِتَوْبِيخِهِمْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن إنْفاقِ الخَبِيثِ خاصَّةً؛ لا لِتَسْوِيغِ إنْفاقِهِ مَعَ الطَّيِّبِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهم كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمْرِ؛ وشِرارِهِ؛ فَنُهُوا عَنْهُ؛ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "الخَبِيثَ"؛ والضَّمِيرُ لِلْمالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ بِحَسَبِ المَقامِ؛ أوْ لِلْمَوْصُولَيْنِ؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
؎ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أوْ لِلثّانِي؛ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ أكْثَرُ؛ و"تُنْفِقُونَ" حالٌ مِنَ الفاعِلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: ولا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ كائِنًا مِنَ المالِ؛ أوْ مِمّا كَسَبْتُمْ؛ وما أخْرَجْنا لَكُمْ؛ أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكُمْ؛ مُنْفِقِينَ إيّاهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾: حالٌ؛ عَلى كُلِّ حالٍ؛ مِن واوِ "تُنْفِقُونَ"؛ أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في مُعامَلاتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ أوْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: إلّا وقْتَ إغْماضِكم فِيهِ؛ أوْ: إلّا بِإغْماضِكم فِيهِ؛ وهو عِبارَةٌ عَنِ المُسامَحَةِ؛ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ؛ أوْ الِاسْتِعارَةِ؛ يُقالُ: "أغْمَضَ بَصَرَهُ"؛ إذا غَضَّهُ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ عَلى مَعْنى: "إلّا أنْ تُحْمَلُوا عَلى الإغْماضِ؛ وتُدْخَلُوا فِيهِ؛ أوْ تُوجَدُوا مُغْمَضِينَ"؛ وقُرِئَ: "تَغْمُضُوا"؛ و"تَغْمِضُوا"؛ بِضَمِّ المِيمِ؛ وكَسْرِها؛ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾؛ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ؛ فَقِيلَ - عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ؛ والتَّقْرِيعِ -: "مِنهُ تُنْفِقُونَ؛ والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ فِيهِ"؛ ومَآلُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمِنهُ تُنْفِقُونَ.. إلَخْ..
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾؛ عَنْ إنْفاقِكُمْ؛ وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِمَنفَعَتِكُمْ؛ وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ؛ مَعَ ظُهُورِ عِلْمِهِمْ بِهِ؛ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى ما يَصْنَعُونَ مِن إعْطاءِ الخَبِيثِ؛ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ (تَعالى)؛ فَإنَّ إعْطاءَ مِثْلِهِ إنَّما يَكُونُ عادَةً عِنْدَ اعْتِقادِ المُعْطِي أنَّ الآخِذَ مُحْتاجٌ إلى ما يُعْطِيهِ؛ بَلْ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ؛ ﴿حَمِيدٌ﴾؛ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ؛ عَلى نِعَمِهِ العِظامِ؛ وقِيلَ: حامِدٌ بِقَبُولِ الجَيِّدِ؛ والإثابَةِ عَلَيْهِ.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾: "الوَعْدُ": هو الإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ؛ مُتَرَتِّبًا (p-262)عَلى شَيْءٍ مِن زَمانٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ اسْتِعْمالَهُ في الخَيْرِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: يَعِدُكم في الإنْفاقِ الفَقْرَ؛ ويَقُولُ: إنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا؛ وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَعْدِ؛ مَعَ أنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يُضِفْ مَجِيءَ الفَقْرِ إلى جِهَتِهِ؛ لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِهِ في الإخْبارِ بِتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ؛ كَأنَّهُ نَزَّلَهُ في تَقَرُّرِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ أفْعالِهِ الواقِعَةِ بِحَسَبِ إرادَتِهِ؛ أوْ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ وعْدِهِ (تَعالى)؛ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الفاءِ؛ والسُّكُونِ؛ وبِضَمَّتَيْنِ؛ وبِفَتْحَتَيْنِ؛ ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾؛ أيْ: بِالخَصْلَةِ الفَحْشاءِ؛ أيْ: ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ؛ ومَنعِ الصَّدَقاتِ؛ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ "فاحِشًا"؛ قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
وَقِيلَ: بِالمَعاصِي والسَّيِّئاتِ؛ ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾؛ أيْ: في الإنْفاقِ؛ ﴿مَغْفِرَةً﴾؛ لِذُنُوبِكُمْ؛ والجارُّ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنهُ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "مَغْفِرَةً"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِفَخامَتِها؛ الَّتِي أفادَها تَنْكِيرُها؛ أيْ: مَغْفِرَةً أيَّ مَغْفِرَةٍ؛ مَغْفِرَةً كائِنَةً مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وَفَضْلا﴾: صِفَتُهُ مَحْذُوفَةٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾؛ ونَظائِرِهِ؛ أيْ: وفَضْلًا كائِنًا مِنهُ (تَعالى)؛ أيْ: خَلَفًا مِمّا أنْفَقْتُمْ؛ زائِدًا عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلشَّيْطانِ؛ وقِيلَ: ثَوابًا في الآخِرَةِ؛ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾؛ قُدْرَةً؛ وفَضْلًا؛ فَيُحَقِّقُ ما وعَدَكم بِهِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ مُبالِغٌ في العِلْمِ؛ فَيَعْلَمُ إنْفاقَكُمْ؛ فَلا يَكادُ يُضِيعُ أجْرَكُمْ؛ أوْ: يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ والفَضْلِ؛ فَلا احْتِمالَ لِلْخُلْفِ في الوَعْدِ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: الحِكْمَةُ: هي القرآن؛ والعِلْمُ؛ والفِقْهُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ؛ والعَمَلِ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّها مَعْرِفَةُ مَعانِي الأشْياءِ؛ وفَهْمُها؛ وقِيلَ: هي مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ؛ وقِيلَ: هي الإقْدامُ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ؛ الصّائِبَةِ؛ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها تُفَسَّرُ في القرآن بِأرْبَعَةِ أوْجُهٍ؛ فَتارَةً بِمَواعِظِ القرآن؛ وأُخْرى بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ؛ ومَرَّةً بِالعِلْمِ والفَهْمِ؛ وأُخْرى بِالنُّبُوَّةِ؛ ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِالمَقامِ ما يَنْتَظِمُ الأحْكامَ المُبَيَّنَةَ في تَضاعِيفِ الآياتِ الكَرِيمَةِ؛ مِن أحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ ومَعْنى إيتائِها: تَبْيِينُها؛ والتَّوْفِيقُ لِلْعِلْمِ؛ والعَمَلِ بِها؛ أيْ: يُبَيِّنُها ويُوَفِّقُ لِلْعِلْمِ؛ والعَمَلِ بِها؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ مِن عِبادِهِ أنْ يُؤْتِيَها إيّاهُ؛ بِمُوجِبِ سَعَةِ فَضْلِهِ؛ وإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ كَما آتاكم ما بَيَّنَهُ في ضِمْنِ الآيِ؛ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ؛ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ مَنافِعِكُمْ؛ فاغْتَنِمُوها؛ وسارِعُوا إلى العَمَلِ بِها؛ والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "يُؤْتِي"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي لِلْعِنايَةِ بِهِ؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾؛ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ أيْ: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ (تَعالى) الحِكْمَةَ؛ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها؛ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ خِيرَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ؛ ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾؛ أيْ: وما يَتَّعِظُ بِما أُوتِيَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ أوْ: وما يَتَفَكَّرُ فِيها؛ ﴿إلا أُولُو الألباب﴾؛ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ؛ والرُّكُونِ إلى مُشايَعَةِ الهَوى؛ وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى الأحْكامِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الإنْفاقِ ما لا يَخْفى؛ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
2:270Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
(p-263)﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ كُلِّيٍّ؛ شامِلٍ لِجَمِيعِ أفْرادِ النَّفَقاتِ؛ وما في حُكْمِها؛ إثْرَ بَيانِ حُكْمِ ما كانَ مِنها في سَبِيلِ اللَّهِ؛ و"ما" إمّا شَرْطِيَّةٌ؛ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ؛ أيْ: وما أنْفَقْتُمُوهُ مِن نَفَقَةٍ؛ أيْ: أيَّ نَفَقَةٍ كانَتْ؛ في حَقٍّ؛ أوْ باطِلٍ؛ في سِرٍّ؛ أوْ عَلانِيَةٍ؛ قَلِيلَةٍ؛ أوْ كَثِيرَةٍ؛ ﴿أوْ نَذَرْتُمْ﴾؛ "النَّذْرُ": عَقْدُ الضَّمِيرِ عَلى شَيْءٍ؛ والتِزامُهُ؛ وفِعْلُهُ؛ كَـ "ضَرْبٌ"؛ و"نَصْرٌ"؛ ﴿مِن نَذْرٍ﴾؛ أيَّ نَذْرٍ كانَ؛ في طاعَةٍ؛ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ بِشَرْطٍ؛ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ؛ مُتَعَلِّقٍ بِالمالِ؛ أوْ بِالأفْعالِ؛ كالصِّيامِ؛ والصَّلاةِ؛ ونَحْوِهِما؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ الفاءُ عَلى الأوَّلِ داخِلَةٌ عَلى الجَوابِ؛ وعَلى الثّانِي مَزِيدَةٌ في الخَبَرِ؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِ العِلْمِ؛ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ؛ بِناءً عَلى كَوْنِ العَطْفِ بِكَلِمَةِ "أوْ"؛ كَما في قَوْلِكَ: "زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو أكْرَمْتُهُ"؛ ولا يُقالُ: "أكْرَمْتُهُما"؛ ولِهَذا صِيرَ إلى التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ بَلْ يُعادُ الضَّمِيرُ تارَةً إلى المُقَدَّمِ؛ رِعايَةً لِلْأوَّلِيَّةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾؛ وأُخْرى إلى المُؤَخَّرِ؛ رِعايَةً لِلْقُرْبِ؛ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ وفي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ وحَمْلُ النَّظْمِ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ؛ ونَظائِرِهِ؛ أوْ عَلى حَذْفِ الأوَّلِ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ - كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِ:
؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَنَحْوِهِما؛ مِمّا عُطِفَ فِيهِ بِالواوِ الجامِعَةِ - تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ نَعَمْ.. يَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى "ما"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ "إنَّ" لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها؛ إفادَةً لِتَحْقِيقِ الجَزاءِ؛ أيْ: فَإنَّهُ (تَعالى) يُجازِيكم عَلَيْهِ البَتَّةَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ فَهو تَرْغِيبٌ؛ وتَرْهِيبٌ؛ ووَعْدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾؛ بِالإنْفاقِ؛ والنَّذْرِ في المَعاصِي؛ أوْ: بِمَنعِ الصَّدَقاتِ؛ وعَدَمِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ؛ أوْ: بِإنْفاقِ الخَبِيثِ؛ أوْ: بِالرِّياءِ؛ والمَنِّ؛ والأذى؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا يَنْتَظِمُهُ مَعْنى الظُّلْمِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُوضَعَ فِيهِ؛ ﴿مِن أنْصارٍ﴾؛ أيْ: أعْوانٍ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِقابِهِ؛ لا شَفاعَةً؛ ولا مُدافَعَةً؛ وإيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِمُقابَلَةِ الظّالِمِينَ؛ أيْ: وما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ مِنَ الأنْصارِ؛ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما فِيما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ مُفِيدٌ لِفَظاعَةِ حالِ مَن يَفْعَلُ ما يُفْعَلُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِتَحْصِيلِ الأعْوانِ؛ ورِعايَةِ الخِلّانِ.
2:271Page 46
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾: نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في الشَّرْطِيَّةِ؛ وبَيانٌ لَهُ؛ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما؛ أيْ: إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ؛ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها؛ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ رِياءٌ وسُمْعَةٌ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ عَلى الأصْلِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ؛ وهَذا في الصَّدَقاتِ المَفْرُوضَةِ؛ وأمّا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فالإخْفاءُ أفْضَلُ؛ وهي الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُخْفُوها﴾؛ أيْ: تُعْطُوها خُفْيَةً؛ ﴿وَتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾؛ ولَعَلَّ التَّصْرِيحَ بِإيتائِها الفُقَراءَ؛ مَعَ أنَّهُ واجِبٌ في الإبْداءِ أيْضًا؛ لِما أنَّ الإخْفاءَ مَظِنَّةُ الِالتِباسِ؛ والِاشْتِباهِ؛ فَإنَّ الغَنِيَّ رُبَّما يَدَّعِي الفَقْرَ؛ ويُقْدِمُ عَلى قَبُولِ الصَّدَقَةِ سِرًّا؛ ولا (p-264)يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ النّاسِ؛ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الإبْداءِ؛ وهَذا في التَّطَوُّعِ؛ ومَن لَمْ يُعَرِّفْ بِالمالِ؛ وأمّا في الواجِبِ فالأمْرُ بِالعَكْسِ؛ لِدَفْعِ التُّهْمَةِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا؛ وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا؛ ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: واللَّهُ يُكَفِّرُ؛ أوْ: الإخْفاءُ؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكُمْ؛ كَما سَتَرْتُمُوها؛ وقِيلَ: مَزِيدَةٌ؛ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ؛ وقُرِئَ بِالتّاءِ؛ مَرْفُوعًا؛ ومَجْزُومًا؛ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِـ "الصَّدَقاتِ"؛ وقُرِئَ بِالنُّونِ؛ مَرْفُوعًا؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ؛ أوْ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ؛ وقُرِئَ مَجْزُومًا؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ؛ وما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ مِنَ الإسْرارِ؛ والإعْلانِ؛ ﴿خَبِيرٌ﴾؛ فَهو تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences