Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:285–286
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ لَمّا ذُكِرَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؛ هُدًى لِلْمُتَّصِفِينَ بِما فُصِّلَ هُناكَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِهِ؛ وبِما أُنْزِلَ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ وأنَّهم حائِزُونَ لِأُثْرَتَيِ الهُدى؛ والفَلاحِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهم بِخُصُوصِهِمْ؛ ولا تَصْرِيحٍ بِتَحَقُّقِ اتِّصافِهِمْ بِها؛ إذْ لَيْسَ فِيما يُذَكَرُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ حُكْمٌ بِالفِعْلِ؛ وعُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ؛ مِنَ المُجاهِرِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ثُمَّ شُرِحَ في تَضاعِيفِها مِن فُنُونِ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ والحِكَمِ؛ وأخْبارِ سَوالِفِ الأُمَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ شَرْحَهُ؛ عُيِّنَ في خاتِمَتِها المُتَّصِفُونَ بِها؛ وحُكِمَ بِاتِّصافِهِمْ بِها؛ عَلى طَرِيقِ الشَّهادَةِ لَهُمْ؛ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَمالِ الإيمانِ؛ وحُسْنِ الطّاعَةِ. وذِكْرُهُ ﷺ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ مَعَ ذِكْرِهِ هُناكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ لِما أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ ألّا يُخاطَبَ بِها المَشْهُودُ لَهُ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِبَيانِ فَوْزِهِمْ بِمَطالِبِهِمُ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الدَّعَواتِ الآتِيَةِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ لا سِيَّما بَعْدَما نُصَّ عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِهِ ﷺ صاحِبَ كِتابٍ مَجِيدٍ؛ وشَرْعٍ جَدِيدٍ؛ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾؛ ومَزِيدُ تَوْضِيحٍ لِانْدِراجِهِ في الرُّسُلِ المُؤْمَنِ بِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُرادُ بِـ "ما أُنْزِلَ إلَيْهِ": ما يَعُمُّ كُلَّهُ؛ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ؛ فَفِيهِ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِ ﷺ؛ وتَعْيِينٌ لِعُنْوانِهِ؛ أيْ: آمَنَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ؛ ﴿مِن رَبِّهِ﴾؛ إيمانًا تَفْصِيلِيًّا؛ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والقَصَصِ؛ والمَواعِظِ؛ وأحْوالِ الرُّسُلِ؛ والكُتُبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُنْزَلٌ مِنهُ (تَعالى)؛ وأمّا الإيمانُ بِحَقِّيَّةِ أحْكامِهِ؛ وصِدْقِ أخْبارِهِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَمِن فُرُوعِ الإيمانِ بِهِ؛ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ وفي هَذا الإجْمالِ إجْلالٌ لِمَحَلِّهِ ﷺ؛ وإشْعارٌ بِأنَّ تَعَلُّقَ إيمانِهِ بِتَفاصِيلِ ما أنْزِلَ إلَيْهِ؛ وإحاطَتَهُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى (p-274)عَلَيْهِ؛ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ أصْلًا؛ وكَذا في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَشْرِيفٌ لَهُ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إنْزالَهُ إلَيْهِ تَرْبِيَةٌ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الفَرِيقُ؛ المَعْرُوفُونَ بِهَذا الِاسْمِ؛ فاللّامُ عَهْدِيَّةٌ؛ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِإفْضائِها إلى خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الجَدْوى؛ وهو مُبْتَدَأُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿آمَنَ﴾: خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ والرّابِطُ بَيْنَهُما الضَّمِيرُ الَّذِي نابَ مَنابَهُ التَّنْوِينُ؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في "آمَنَ"؛ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهُمْ؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ؛ كَما اعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾؛ وتَغْيِيرُ سَبْكِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَمّا قَبْلَهُ لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ بِما بَيْنَ إيمانِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ؛ والعِيانِ؛ وبَيْنَ إيمانِهِمُ النّاشِئِ عَنِ الحُجَّةِ؛ والبُرْهانِ؛ مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ؛ والِاخْتِلافِ الجَلِيِّ؛ كَأنَّهُما مُخْتَلِفانِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى في هَيْئَةِ التَّرْكِيبِ؛ الدّالِّ عَلَيْهِما؛ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِما في الحُكْمِ بِإيمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الوَجْهِ الآتِي؛ مِن نَوْعِ خَفاءٍ مُحْوِجٍ إلى التَّقْوِيَةِ؛ والتَّأْكِيدِ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم آمَنَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ؛ والمَعْبُودِيَّةِ؛ ﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾؛ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ لَهُ (تَعالى)؛ مِن شَأْنِهِمُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُ (تَعالى) وبَيْنَ الرُّسُلِ؛ بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإلْقاءِ الوَحْيِ؛ فَإنَّ مَدارَ الإيمانِ بِهِمْ لَيْسَ مِن خُصُوصِيّاتِ ذَواتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بَلْ هو مِن إضافَتِهِمْ إلَيْهِ (تَعالى) مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّرْتِيبُ في النَّظْمِ؛ ﴿وَكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: مِن حَيْثُ مَجِيئِهِما مِن عِنْدِهِ (تَعالى) لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى ما شُرِعَ لَهم مِنَ الدِّينِ؛ بِالأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ؛ بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ مُنْزَلٌ مِنهُ (تَعالى) إلى رَسُولٍ مُعَيَّنٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسْبَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾؛ الآيَةِ.. ولا عَلى أنَّ مَناطَ الإيمانِ خُصُوصِيَّةُ ذَلِكَ الكِتابِ؛ أوْ ذَلِكَ الرَّسُولِ؛ بَلْ عَلى أنَّ الإيمان بالكُلِّ مُنْدَرِجٌ في الإيمان بالكِتابِ المُنْزَلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ ومُسْتَنِدٌ إلَيْهِ؛ لِما تُلِيَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ ولا عَلى أنَّ أحْكامَ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وشَرائِعَها باقِيَةٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ ولا عَلى أنَّ الباقِيَ مِنها مُعْتَبَرٌ بِالإضافَةِ إلَيْها؛ بَلْ عَلى أنَّ أحْكامَ كُلِّ واحِدٍ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً؛ إلى وُرُودِ كِتابٍ آخَرَ ناسِخٍ لَهُ؛ وأنَّ ما لَمْ يَنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ هَذا الكِتابِ المَصُونِ عَنِ النَّسْخِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ؛ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾؛ لِانْدِراجِهِ في الإيمانِ بِكُتُبِهِ؛ وقُرِئَ: "وَكِتابِهِ"؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القرآن؛ أوْ جِنْسُ الكِتابِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾؛ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ أنَّهُ شائِعٌ في أفْرادِ الجِنْسِ؛ والجَمْعَ في جُمُوعِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: "الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ"؛ وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾؛ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ إيذانًا بِكِفايَتِهِ في الإيمانِ الإجْمالِيِّ؛ المُتَحَقِّقِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُؤْمِنِينَ؛ مِن غَيْرِ نَفْيٍ لِزِيادَةٍ؛ ضَرُورَةَ اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ؛ وتَفاوُتِ إيمانِهِمْ بِالأُمُورِ المَذْكُورَةِ في مَراتِبِ التَّفْصِيلِ؛ تَفاوُتًا فاحِشًا؛ فَإنَّ الإجْمالَ في الحِكايَةِ لا يُوجِبُ الإجْمالَ في المَحْكِيِّ؛ كَيْفَ لا.. وقَدْ أُجْمِلَ في حِكايَةِ إيمانِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ؛ مَعَ بَداهَةِ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِتَفاصِيلِ ما فِيهِ مِنَ الجَلائِلِ؛ والدَّقائِقِ؟! ثُمَّ إنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ (p-275)حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا يُوقَفُ عَلَيْها إلّا مِن جِهَةِ العَلِيمِ الخَبِيرِ؛ كانَ الإيمانُ بِها مِصْداقًا لِما ذُكِرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ مِنَ الإيمان بالغَيْبِ؛ وأمّا الإيمانُ بِكُتُبِهِ (تَعالى) فَإشارَةٌ إلى ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ هَذا هو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ والحَقِيقُ بِمِقْدارِهِ الجَلِيلِ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ مَعْطُوفًا عَلى "الرَّسُولُ"؛ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ؛ والضَّمِيرُ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ راجِعٌ إلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: آمَنَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ؛ ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: كُلُّ واحِدٍ مِن "الرَّسُولِ"؛ و"المُؤْمِنِينَ"؛ آمَنَ بِاللَّهِ.. إلَخْ.. خَلا أنَّهُ قُدِّمَ المُؤْمَنُ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ؛ وإيذانًا بِأصالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الإيمانِ بِهِ؛ ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن كَمالِ إجْلالِ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وتَفْخِيمِ إيمانِهِ؛ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ كُلٌّ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ الذّاتُ؛ ومِن حَيْثُ التَّعَلُّقُ بِالتَّفاصِيلِ؛ اسْتَحالَ إسْنادُهُما إلى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وضاعَ التَّكْرِيرُ؛ وإنْ حُمِلا عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِ آحادِ الأُمَّةِ؛ كانَ ذَلِكَ حَطًّا لِرُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأمّا حَمْلُهُما عَلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبا إلَيْهِ مِنَ الآحادِ؛ ذاتًا؛ وتَعَلُّقًا؛ بِأنْ يُحْمَلا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى الإيمانِ العِيانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ التَّفاصِيلِ؛ وبِالنِّسْبَةِ إلى آحادِ الأُمَّةِ عَلى الإيمانِ المُكْتَسَبِ؛ مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ اللّائِقِ بِحالِهِمْ في الإجْمالِ؛ والتَّفْصِيلِ؛ فاعْتِسافٌ بَيِّنٌ؛ يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى؛ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "آمَنَ"؛ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "كُلٌّ"؛ أيْ: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهم بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ مِنهُمْ؛ ونَكْفُرَ بِآخَرِينَ؛ بَلْ نُؤْمِنُ بِصِحَّةِ رِسالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ قَيَّدُوا بِهِ إيمانَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ؛ وتَخْطِئَةً لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ حَيْثُ أجْمَعُوا عَلى الكُفْرِ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ واسْتَقَلَّتِ اليَهُودُ بِالكُفْرِ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا؛ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُمُ الأصْلِيَّ إبْرازُ إيمانِهِمْ بِما كَفَرُوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لا لِإظْهارِ مُوافَقَتِهِمْ لَهم فِيما آمَنُوا بِهِ؛ وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ آحادُ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَ: لا أُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ؛ وهو يُرِيدُ بِهِ إظْهارَ إيمانِهِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ؛ وتَصْدِيقِهِ في دَعْواها. وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الكُتُبِ لِاسْتِلْزامِ المَذْكُورِ إيّاهُ؛ وإنَّما لَمْ يُعْكَسْ مَعَ تَحَقُّقِ التَّلازُمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِما أنَّ الأصْلَ في تَفْرِيقِ المُفَرِّقِينَ هو الرُّسُلُ؛ وكُفْرُهم بِالكُتُبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِمْ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "كُلٌّ"؛ وقُرِئَ: "لا يُفَرِّقُونَ"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾؛ فالجُمْلَةُ نَفْسُها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ؛ وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كُلٌّ"؛ كَما قِيلَ في القَوْلِ المُقَدَّرِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ الكُلِّيَّةِ بَعْدَ النَّفْيِ؛ دُونَ العَكْسِ؛ إذِ المُرادُ شُمُولُ النَّفْيِ؛ لا نَفْيُ الشُّمُولِ؛ والكَلامُ في هَمْزَةِ "أحَدٍ"؛ وفي دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ؛ قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ صَرِيحًا عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ مَن عَداهُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رُسُلِهِ؛ وإيثارُ إظْهارِ الرُّسُلِ عَلى الإضْمارِ الواقِعِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ إمّا لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ؛ أوْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ؛ أوْ لِلْإيماءِ إلى عُنْوانِهِ؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ؛ مِن حَيْثُ الرِّسالَةُ؛ دُونَ سائِرِ الحَيْثِيّاتِ الخاصَّةِ.
﴿وَقالُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "آمَنَ"؛ وصِيغَةُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ جانِبِ المَعْنى؛ وهو حِكايَةٌ لِامْتِثالِهِمْ بِالأوامِرِ؛ إثْرَ حِكايَةِ (p-276)إيمانِهِمْ؛ ﴿سَمِعْنا﴾؛ أيْ: فَهِمْنا ما جاءَنا مِنَ الحَقِّ؛ وتَيَقَّنّا بِصِحَّتِهِ؛ ﴿وَأطَعْنا﴾؛ ما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ وقِيلَ: سَمِعْنا؛ أجَبْنا دَعْوَتَكَ؛ وأطَعْنا أمْرَكَ؛ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾؛ أيْ: اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ؛ أوْ: نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذُنُوبَنا المُتَقَدِّمَةَ؛ أوْ ما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُراعاةِ حُقُوقِكَ؛ وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ؛ لِما أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ؛ والقَبُولِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ؛ والجُؤارِ؛ ﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾؛ أيْ: الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ؛ والبَعْثِ؛ لا إلى غَيْرِكَ؛ وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ؛ لِما أنَّ الرُّجُوعَ لِلْحِسابِ؛ والجَزاءِ؛ .
2:286Page 49
لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦
Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ (تَعالى) بِحُسْنِ الطّاعَةِ؛ إظْهارًا لِما لَهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ؛ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ؛ والرَّحْمَةِ ابْتِداءً؛ لا بَعْدَ السُّؤالِ؛ كَما سَيَجِيءُ؛ هَذا.. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ الآيَةُ.. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأتَوْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ؛ فَقالُوا: أيْ رَسُولَ اللَّهِ.. كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةُ؛ والصَّوْمُ؛ والحَجُّ؛ والجِهادُ؛ وقَدْ أُنْزِلَ إلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ؛ ولا نُطِيقُها؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا؛ وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا؛ وأطَعْنا؛ غُفْرانَكَ رَبَّنا؛ وإلَيْكَ المَصِيرُ"؛ فَقَرَأها القَوْمُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾»؛ فَمَسْؤُولُهُمُ الغُفْرانُ؛ المُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾؛ تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِمْ؛ بِبَيانِ أنَّ المُرادَ بِما في أنْفُسِهِمْ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ خاصَّةً؛ لا ما يَعُمُّ الخَواطِرَ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ الِاحْتِرازُ عَنْها؛ و"التَّكْلِيفُ": إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ؛ ومَشَقَّةٌ؛ و"الوُسْعُ": ما يَسَعُ الإنْسانَ؛ ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ أيْ: سُنَّتُهُ (تَعالى) أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُها؛ ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها؛ دُونَ مَدى الطّاقَةِ؛ والمَجْهُودِ؛ فَضْلًا مِنهُ (تَعالى)؛ ورَحْمَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾؛ وقُرِئَ: "وَسْعَها"؛ بِالفَتْحِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ؛ لا عَلى امْتِناعِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾: لِلتَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ؛ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها؛ بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ؛ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ؛ والتَّيْسِيرِ؛ تَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً؛ وأنَّها تَعُودُ إلَيْها؛ لا إلى غَيْرِها؛ ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالُ بِهِ مَضَرَّةً تَحِيقُ بِها؛ لا بِغَيْرِها؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ؛ واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ؛ أيْ: لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ؛ والَّذِي كُلِّفَتْ فِعْلَهُ؛ لا لِغَيْرِها؛ اسْتِقْلالًا؛ أوِ اشْتِراكًا؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ كَلِمَةِ "ما" لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ مَكْسُوبِها؛ وعَلَيْها - لا عَلى غَيْرِها؛ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - عِقابُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ؛ الَّذِي كُلِّفَتْ تَرْكَهُ؛ وإيرادُ (p-277)الِاكْتِسابِ في جانِبِ الشَّرِّ لِما فِيهِ مِنَ اعْتِمالٍ ناشِئٍ مِنَ اعْتِناءِ النَّفْسِ بِتَحْصِيلِ الشَّرِّ؛ وسَعْيِها في طَلَبِهِ.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنا بِما صَدَرَ عَنّا مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى النِّسْيانِ؛ أوِ الخَطَإ؛ مِن تَفْرِيطٍ؛ وقِلَّةِ مُبالاةٍ؛ ونَحْوِهِما؛ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ؛ أوْ بِأنْفُسِهِما؛ مِن حَيْثُ تَرَتُّبِهِما عَلى ما ذُكِرَ؛ أوْ مُطْلَقًا؛ إذْ لا امْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما؛ عَقْلًا؛ فَإنَّ المَعاصِيَ كالسُّمُومِ؛ فَكَما أنَّ تَناوُلَها - ولَوْ سَهْوًا؛ أوْ خَطَأً - مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ؛ فَتَعاطِي المَعاصِي أيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ؛ ووَعْدُهُ (تَعالى) بِعَدَمِهِ لا يُوجِبُ اسْتِحالَةَ وُقُوعِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ فَضْلِهِ (تَعالى) ورَحْمَتِهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ؛ والنِّسْيانُ"؛» وقَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا نَسُوا شَيْئًا عُجِّلَتْ لَهُمُ العُقُوبَةُ؛ فَدُعاؤُهم بَعْدَ العِلْمِ بِتَحَقُّقِ المَوْعُودِ لِلِاسْتِدامَةِ؛ والِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ في ذَلِكَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَوْسِيطُ النِّداءِ بَيْنَهُما لِإبْرازِ مَزِيدِ الضَّراعَةِ؛ و"الإصْرُ": العِبْءُ الثَّقِيلُ؛ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ؛ أيْ: يَحْبِسُهُ مَكانَهُ؛ والمُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ؛ وقِيلَ: "الإصْرُ": الذَّنْبُ الَّذِي لا تَوْبَةَ لَهُ؛ فالمَعْنى: اعْصِمْنا مِنَ اقْتِرافِهِ؛ وقُرِئَ: "آصارًا"؛ وقُرِئَ: "وَلا تُحَمِّلْ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا؛ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ "إصْرًا"؛ أيْ: إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلْتَهُ عَلى مَن قَبْلَنا؛ وهو ما كُلِّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ؛ مِن بَخْعٍ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ؛ وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ؛ وخَمْسِينَ صَلاةً في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ وصَرْفِ رُبُعِ المالِ لِلزَّكاةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّشْدِيداتِ؛ فَإنَّهم كانُوا إذا أتَوْا بِخَطِيئَةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعامِ بَعْضُ ما كانَ حَلالًا لَهُمْ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ وقَدْ عَصَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ؛ وأنْزَلَ في شَأْنِهِمْ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقالَ ﷺ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ؛ السَّمْحَةِ"؛» وعَنِ العُقُوباتِ الَّتِي عُوقِبَ بِها الأوَّلُونَ؛ مِنَ المَسْخِ؛ والخَسْفِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَ ﷺ: « "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَسْفُ؛ والمَسْخُ؛ والغَرَقُ".»
﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ واسْتِعْفاءٌ عَنِ العُقُوباتِ؛ الَّتِي لا تُطاقُ؛ بَعْدَ الِاسْتِعْفاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْها التَّفْرِيطُ فِيهِ؛ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ الَّتِي لا يَكادُ مَن كُلِّفَها يَخْلُو عَنِ التَّفْرِيطِ فِيها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُكَلِّفْنا تِلْكَ التَّكالِيفَ؛ ولا تُعاقِبْنا بِتَفْرِيطِنا في المُحافَظَةِ عَلَيْها؛ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِ العُقُوباتِ بِالتَّحْمِيلِ؛ بِاعْتِبارِ ما يُؤَدِّي إلَيْها؛ وقِيلَ: هو تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ؛ وتَصْوِيرٌ لِلْإصْرِ بِصُورَةِ ما لا يُسْتَطاعُ؛ مُبالَغَةً؛ وقِيلَ: هو اسْتِعْفاءٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِما لا تَفِي بِهِ الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ حَقِيقَةً؛ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى جَوازِهِ عَقْلًا؛ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصُ عَنْهُ؛ والتَّشْدِيدُ هَهُنا لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ ﴿واعْفُ عَنّا﴾؛ أيْ: آثارَ ذُنُوبِنا؛ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾؛ واسْتُرْ عُيُوبَنا؛ ولا تَفْضَحْنا عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ؛ ﴿وارْحَمْنا﴾؛ وتَعَطَّفْ بِنا؛ وتَفَضَّلْ عَلَيْنا؛ وتَقْدِيمُ طَلَبِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى طَلَبِ الرَّحْمَةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ سابِقَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾؛ سَيِّدُنا؛ ونَحْنُ عَبِيدُكَ؛ أوْ: ناصِرُنا؛ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِنا؛ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ؛ ومَن يَتَوَلّى أمْرَهُ؛ عَلى الأعْداءِ؛ والمُرادُ بِهِ عامَّةُ الكَفَرَةِ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ؛ والجِهادَ في سَبِيلِهِ (تَعالى)؛ حَسْبَما أمَرَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ غايَةُ مَطالِبِهِمْ؛ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا دَعا (p-278)بِهَذِهِ الدَّعَواتِ؛ قِيلَ لَهُ - عِنْدَ كُلِّ دَعْوَةٍ -: "قَدْ فَعَلْتُ"؛» وعَنْهُ ﷺ: « "أنْزَلَ اللَّهُ آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؛ كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ؛ مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ"؛» وعَنْهُ ﷺ: « "مَن قَرَأ آيَتَيْنِ مِن سُورَةِ "البَقَرَةِ" كَفَتاهُ"؛» وهو حُجَّةٌ عَلى مَنِ اسْتَكْرَهَ أنْ يَقُولَ: سُورَةُ "البَقَرَةِ"؛ وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ؛ كَما «قالَ ﷺ: "السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ فُسْطاطُ القرآن؛ فَتَعَلَّمُوها؛ فَإنَّ تَعَلُّمَها بَرَكَةٌ؛ وتَرْكَها حَسْرَةٌ؛ ولَنْ تَسْتَطِيعَها البَطَلَةُ"؛ قِيلَ: وما البَطَلَةُ؟ قالَ ﷺ: "السحرةُ"»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences