Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:31–33

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:31–33

2:31Page 6

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَعْدَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ؛ وتَفْسِيرًا لِإبْهامِهِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قالَ"؛ والِابْتِداءُ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ المَحْكِيَّةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَحْضَرٍ مِنهُ؛ وهو الأنْسَبُ بِوُقُوفِ المَلائِكَةِ عَلى أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً؛ فَقِيلَ ما قِيلَ؛ (p-84)كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وإيرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُرادِ بِالخَلِيفَةِ؛ ولِأنَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الخِلافَةِ لا يُلائِمُ مَقامَ تَمْهِيدِ مَبادِيها؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ والأقْرَبُ أنَّ وزْنَهُ "فاعِلُ" كَـ "شالِخُ"؛ و"عاذِرُ"؛ و"عابِرُ"؛ و"فالِغُ"؛ لا "أفْعَلُ"؛ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِ مِن "الأُدْمَةُ"؛ أوْ "الأدَمَةُ"؛ بِالفَتْحِ؛ بِمَعْنى الأُسْوَةِ؛ أوْ مِن "أدِيمُ الأرْضِ"؛ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن «أنَّهُ (تَعالى) قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ؛ سَهْلِها وحَزْنِها؛ فَخَلَقَ مِنها آدَمَ؛» ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ ألْوانُ ذُرِّيَّتِهِ. أوْ مِن "الأدْمُ"؛ و"الأدْمَةُ": بِمَعْنى "الأُلْفَةُ"؛ تَعَسُّفٌ؛ كاشْتِقاقِ "إدْرِيسُ" مِن "الدَّرْسُ"؛ و"يَعْقُوبُ" مِن "العَقْبُ"؛ و"إبْلِيسُ" مِن "الإبْلاسُ". والِاسْمُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ؛ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ؛ والصِّفاتِ؛ والأفْعالِ؛ واسْتِعْمالُهُ عُرْفًا في اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِمَعْنًى؛ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا؛ مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا؛ أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما؛ واصْطِلاحًا: في المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالزَّمانِ؛ والمُرادُ هَهُنا: إمّا الأوَّلُ؛ أوِ الثّانِي؛ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْأوَّلِ؛ إذِ العِلْمُ بِالألْفاظِ - مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المَعانِي - مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِها؛ والتَّعْلِيمُ - حَقِيقَةً - عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِلا تَخَلُّفِ عَنْهُ؛ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إضافَةِ المُعَلِّمِ؛ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِعْدادِ المُتَعَلِّمِ لِقَبُولِ الفَيْضِ؛ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَتِهِ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "الهُدى"؛ وهو السِّرُّ في إيثارِهِ عَلى الإعْلامِ والإنْباءِ؛ فَإنَّهُما إنَّما يَتَوَقَّفانِ عَلى سَماعِ الخَبَرِ؛ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ البَشَرُ؛ والمَلِكُ؛ وبِهِ يَظْهَرُ أحَقِّيَّتُهُ بِالخِلافَةِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِما أنَّ جِبِلَّتَهم غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِلْإحاطَةِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ الجُزْئِيّاتِ الجُسْمانِيَّةِ خُبْرًا؛ فَمَعْنى تَعْلِيمِهِ (تَعالى) إيّاهُ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ إذْ ذاكَ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِأسْماءِ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ؛ وأحْوالِها؛ وخَواصِّها اللّائِقَةِ بِكُلٍّ مِنها؛ أوْ يُلْقِيَ في رُوعِهِ تَفْصِيلًا أنَّ هَذا فَرَسٌ؛ وشَأْنُهُ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وذاكَ بَعِيرٌ؛ وحالُهُ ذَيْتُ وذَيْتُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ؛ فَيَتَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ قابِلِيَّتُهُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى فِطْرَتِهِ المُنْطَوِيَةِ عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ؛ وقُوًى مُتَخالِفَةٍ؛ وعَناصِرَ مُتَغايِرَةٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وقَتادَةُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: عَلَّمَهُ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ؛ حَتّى القَصْعَةَ؛ والقُصَيْعَةَ؛ وحَتّى الجَفْنَةَ؛ والمِحْلَبَ؛ وأنْحى مَنفَعَةَ كُلِّ شَيْءٍ إلى جِنْسِهِ. وقِيلَ: أسْماءَ ما كانَ؛ وما سَيَكُونُ؛ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾: خَلَقَهُ مِن أجْزاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقُوًى مُتَبايِنَةٍ؛ مُسْتَعِدًّا لِإدْراكِ أنْواعِ المُدْرَكاتِ مِنَ المَعْقُولاتِ؛ والمَحْسُوساتِ؛ والمُتَخَيَّلاتِ؛ والمَوْهُوماتِ؛ وألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ ذَواتِ الأشْياءِ؛ وأسْمائِها؛ وخَواصِّها؛ ومَعارِفِها؛ وأُصُولَ العِلْمِ؛ وقَوانِينَ الصِّناعاتِ؛ وتَفاصِيلَ آلاتِها؛ وكَيْفِيّاتِ اسْتِعْمالاتِها؛ فَيَكُونُ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: التَّعْلِيمُ عَلى ظاهِرِهِ؛ ولَكِنَّ هُناكَ جُمَلًا مَطْوِيَّةً؛ عُطِفَ عَلَيْها المَدْلُولُ المَذْكُورُ؛ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ؛ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ وعَلَّمَهُ؛ إلَخْ..

﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾: الضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالأسْماءِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وقُرِئَ: "عَرَضَهُنَّ"؛ و"عَرَضَها"؛ أيْ: عَرَضَ مُسَمَّياتِهِنَّ؛ أوْ مُسَمَّياتِها؛ في الحَدِيثِ أنَّهُ (تَعالى) عَرَضَهم أمْثالَ الذَّرِّ؛ ولَعَلَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن أفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ أُنْمُوذَجًا يُتَعَرَّفُ مِنهُ أحْوالُ البَقِيَّةِ؛ وأحْكامُها.

﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾: تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم مِن أمْرِ الخِلافَةِ؛ فَإنَّ التَّصَرُّفَ؛ والتَّدْبِيرَ؛ وإقامَةَ المَعْدَلَةِ بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ؛ ومَقادِيرِ الحُقُوقِ؛ مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ. والإنْباءُ: إخْبارٌ فِيهِ إعْلامٌ؛ ولِذَلِكَ يُجْرى مُجْرى كُلٍّ مِنهُما؛ والمُرادُ هَهُنا ما خَلا عَنْهُ. وإيثارُهُ (p-85)

عَلى الإخْبارِ لِلْإيذانِ بِرِفْعَةِ شَأْنِ الأسْماءِ؛ وعِظَمِ خَطَرِها؛ فَإنَّ النَّبَأ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ الخَطِيرِ؛ والأمْرِ العَظِيمِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: أيْ في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ مِمَّنِ اسْتَخْلَفْتُهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ مَقالُكم. والتَّصْدِيقُ - كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ - قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ هو الوُقُوفُ عَلى أسْماءِ ما في الأرْضِ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ في الأرْضِ مُفْسِدِينَ؛ سَفّاكِينَ لِلدِّماءِ؛ فَلَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ وإنْ أُوِّلَ بِأنْ يُقالَ: في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ مَن غالِبُ أمْرِهِ الإفْسادُ؛ وسَفْكُ الدِّماءِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِأمْرِهِمْ بِالإنْباءِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

2:32Page 6

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَئِذٍ؟ هَلْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ ما كُلِّفُوهُ؛ أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾: قِيلَ: هو عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ؛ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا؛ وقَدْ جاءَ غَيْرَ مُضافٍ عَلى الشُّذُوذِ؛ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِلتَّعْرِيفِ؛ والألِفِ والنُّونِ المَزِيدَتَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وَأمّا ما في قَوْلِهِ:

؎ سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗

فَقِيلَ: صَرَفَهُ لِلضَّرُورَةِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَـ "غُفْرانٌ"؛ لا اسْمُ مَصْدَرٍ؛ ومَعْناهُ - عَلى الأوَّلِ -: نُسَبِّحُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ الأقْدَسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خُلُوُّ أفْعالِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ وعَنَوْا بِذَلِكَ تَسْبِيحًا ناشِئًا عَنْ كَمالِ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ؛ والإيقانِ بِاشْتِمالِ اسْتِخْلافِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ؛ وعَلى الثّانِي: تَنَزَّهْتَ عَنْ ذَلِكَ تَنَزُّهًا ناشِئًا عَنْ ذاتِكَ. وأرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنْ إذْعانٍ؛ لَمّا عَلِمُوا إجْمالًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُكَلَّفُ ما كُلِّفُوهُ؛ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى ما قَدْ عَجَزُوا عَنْهُ؛ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الخِلافَةُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾: اعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ عَمّا كُلِّفُوهُ؛ إذْ مَعْناهُ: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَناهُ - بِحَسَبِ قابِلِيَّتِنا - مِنَ العُلُومِ المُناسِبَةِ لِعالَمِنا؛ ولا قُدْرَةَ بِنا عَلى ما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ اسْتِعْدادِنا؛ حَتّى لَوْ كُنّا مُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ؛ لَأفَضْتَهُ عَلَيْنا؛ و"ما"؛ في "ما عَلَّمْتَنا": مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ مِن صِلَتِها عائِدُها؛ أوْ: مَصْدَرِيَّةٌ؛ ولَقَدْ نَفَوْا عَنْهُمُ العِلْمَ بِالأسْماءِ؛ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى بَيانِ عَدَمِهِ؛ بِأنْ قالُوا - مَثَلًا -: لا عِلْمَ لَنا بِها؛ بَلْ جَعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ؛ وأشْعَرُوا بِأنَّ كَوْنَهُ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ﴾: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى تَحْقِيقِهِمْ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ ﴿الحَكِيمُ﴾: أيْ: المُحْكِمُ لِمَصْنُوعاتِهِ؛ الفاعِلُ لَها؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ وهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أوْ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ؛ و"أنْتَ" ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ لَهُ مَحَلٌّ مِنهُ؛ مُشارِكٌ لِما قَبْلَهُ؛ كَما قالَهُ الفَرّاءُ؛ أوْ لِما بَعْدَهُ؛ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ وقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِلْكافِ؛ كَما في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكَ أنْتَ؛ وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"؛ وتِلْكَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَصْرِ عِلْمِهِمْ بِما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ مِن عِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما خَفِيَ عَلَيْهِمْ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: أنْتَ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ؛ مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو قابِلٌ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ؛ والمَعارِفِ الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ الوارِدَةِ عَلى ما في الأرْضِ؛ وبِناءِ أمْرِ الخِلافَةِ (p-86)

عَلَيْها.

2:33Page 6

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ﴾: أيْ: أعْلِمْهُمْ؛ أُوثِرَ عَلى "أنْبِئْنِي"؛ كَما وقَعَ في أمْرِ المَلائِكَةِ؛ مَعَ حُصُولِ المُرادِ مَعَهُ أيْضًا؛ وهو ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إبانَةً لِما بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ الجَلِيِّ؛ وإيذانًا بِأنَّ عِلْمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِها أمْرٌ واضِحٌ؛ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى ما يُجْرى مُجْرى الِامْتِحانِ؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقِيقٌ بِأنْ يُعَلِّمَها غَيْرَهُ؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ وبِحَذْفِها أيْضًا؛ والهاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِما؛ ﴿بِأسْمائِهِمْ﴾؛ الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها؛ واعْتَرَفُوا بِتَقاصُرِ هِمَمِهِمْ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِها.

﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مَحْذُوفٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ لِلْإيذانِ بِتَقَرُّرِهِ؛ وغِناهُ عَنِ الذِّكْرِ؛ ولِلْإشْعارِ بِتَحَقُّقِهِ في أسْرَعِ ما يَكُونُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ وإظْهارُ الأسْماءِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها؛ والإيذانِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْبَأهم بِها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ؛ دُونَ الإجْمالِ؛ والمَعْنى: فَأنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ مُفَصَّلَةً؛ وبَيَّنَ لَهم أحْوالَ كُلٍّ مِنهُمْ؛ وخَواصَّهُ؛ وأحْكامَهُ المُتَعَلِّقَةَ بِالمَعاشِ والمَعادِ؛ فَعَلِمُوا ذَلِكَ لَمّا رَأوْا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَلَعْثَمْ في شَيْءٍ مِنَ التَّفاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَها؛ مَعَ مُساعَدَةِ ما بَيْنَ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ مِنَ المُناسَباتِ؛ والمُشاكَلاتِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ المُوجِبَةِ لِصِدْقِ مَقالاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَمّا أنْبَأهم بِذَلِكَ؛ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لَكِنْ لا لِتَقْرِيرِ نَفْسِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ ونَظائِرِهِ؛ بَلْ لِتَقْرِيرِ ما يُفِيدُهُ مِن تَحَقُّقِ دَواعِي الخِلافَةِ في آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِظُهُورِ مِصْداقِهِ. وإيرادُ ما لا يَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّمَواتِ والأرْضِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وغايَةِ سَعَتِهِ؛ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ؛ وعِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّمَواتِ؛ وأهْلِ الأرْضِ؛ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ "ما لا تَعْلَمُونَ"؛ فِيما سَبَقَ؛ ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ؛ هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ؟ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؛ لا عَلى "أعْلَمُ"؛ إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ؛ و"ما"؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها؛ أيْ: أعْلَمُ ما تُبْدُونَهُ؛ وما تَكْتُمُونَهُ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ كَتْمِهِمْ؛ قِيلَ: المُرادُ بِما يُبْدُونَ قَوْلُهُمْ: "أتَجْعَلُ..." إلَخْ؛ وبِما يَكْتُمُونَ اسْتِبْطانُهم أنَّهم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ؛ وأنَّهُ (تَعالى) لا يَخْلُقُ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُمْ؛ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأتِ المَلائِكَةُ فِطْرَتَهُ العَجِيبَةَ؛ وقالُوا: لِيَكُنْ ما شاءَ؛ فَلَنْ يَخْلُقَ رَبُّنا خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ. وقِيلَ: هو ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ؛ وتَرْكِ السُّجُودِ؛ فَإسْنادُ الكِتْمانِ حِينَئِذٍ إلى الجَمِيعِ؛ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا؛ والقاتِلُ واحِدٌ مِن بَيْنِهِمْ. قالُوا: في الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإنْسانِ؛ ومَزِيَّةِ العِلْمِ؛ وفَضْلِهِ عَلى العِبادَةِ؛ وأنَّ ذَلِكَ هو المَناطُ لِلْخِلافَةِ؛ وأنَّ التَّعْلِيمَ يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وإنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلاقُ "المُعَلِّمُ" عَلَيْهِ؛ لِاخْتِصاصِهِ عادَةً (p-87)

بِمَن يَحْتَرِفُ بِهِ؛ وأنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ؛ إذِ الأسْماءُ تَدُلُّ عَلى الألْفاظِ؛ بِخُصُوصٍ أوْ بِعُمُومٍ؛ وتَعْلِيمُها ظاهِرٌ في إلْقائِها عَلى المُتَعَلِّمِ مُبَيِّنًا لَهُ مَعانِيَها؛ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ وضْعٍ؛ وما هو إلّا مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأنَّ مَفْهُومَ الحِكْمَةِ زائِدٌ عَلى مَفْهُومِ العِلْمِ؛ والألْزَمُ التَّكْرارُ؛ وأنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتِهِمْ تَقْبَلُ الزِّيادَةَ؛ والحُكَماءُ مَنَعُوا ذَلِكَ؛ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ؛ وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ وأنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ- أعْلَمُ مِنهُمْ؛ وأنَّهُ (تَعالى) يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ حُدُوثِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском